الموجز
مصادر القانون، مفهومٌ يشمل نوعين من المصادر: الأول، المصادر المادية للقانون، وهي التي تمد القاعدة القانونية بمضمونها، مثل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والدينية، فقد يستمد المشرّع الحلول والأحكام التي يُضمِّنها في نصوص مكتوبة من هذه المصادر المادية، أو أن هذه المصادر، مثل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي قد يواجهها المجتمع، قد تؤثر في رسم السياسات العامة للدولة، ومن ثم تؤثر في تحديد مضمون التشريع الجديد وأهدافه؛ أما النوع الآخر، فهو المصادر الرسمية، ويُقصد بها طرق اكتساب قاعدة ما صفةً الإلزام القانوني، وتشمل التشريعَ بأنواعه: الدستور، والقوانين، والأنظمة، واللوائح، والعرف، والشريعة الإسلامية، والمعاهدات الدولية وفق ما يقرره الدستور من إجراءات نفاذها في النظام القانوني للدولة. وتلحق بالمصادر الرسمية مصادر استرشادية غير ملزمة، يلجأ إليها القاضي عندما لا يجد قاعدة قانونية من مصدر رسمي، وتشمل المصادر الاسترشادية: آراءَ فقهاء القانون، وأحكام القضاء، والمبادئ العامة للقانون، ومبادئ العدالة والإنصاف.
تختلف المصادر الرسمية من نظام قانوني إلى آخر، ومن أمثلة ذلك إلزامية السابقة القضائية في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني {{القانون العام الأنكلوسكسوني: (Common Law) هو نظام قانوني ارتبط تاريخيًا بإنكلترا وامتد منها إلى دول أخرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا. يتميز بأن الأحكام القضائية تعد مصدرًا تستمد منه القواعد القانونية، وتلتزم بها المحاكم في القضايا المستقبلية المماثلة، في حين يمكن للتشريع تعديل القواعد المستمدة من السوابق القضائية أو إلغاؤها.}} بوصف أحكام القضاء مصدرًا رسميًا، بعكس تصنيفها مصدرًا استرشاديًا في نظام القانون المدني اللاتيني. كذلك، تختلف مكانة مبادئ الشريعة الإسلامية والعرف من دولة إلى أخرى.
يخضع التشريع لمبدأ التدرج، إذ لا يجوز لقاعدة قانونية أدنى أن تخالف قاعدة أعلى منها في المرتبة، وتكون قواعد الدستور في قمة الهرم التشريعي. ويصدر التشريع عن السلطة المختصة وفق إجراءات يحددها دستور الدولة. أما العرف فإنه ينشأ من اعتياد سلوك معين لمدة طويلة من الزمن مع الشعور بالإلزام.
المصادر المادية للقانون
المصادر المادية للقانون هي المنابع التي تمد القاعدة القانونية بموضوعها، وبعبارة أخرى، فإن المصادر المادية هي العوامل والحقائق التي تمنح القاعدة القانونية مادتها ومضمونها[1]. وتشمل هذه المصادر عواملَ اجتماعية واقتصادية وتاريخية ودينية[2]، فقد تدعو مشكلات اجتماعية إلى تبني حل لها يُفرض بموجب قاعدة قانونية؛ فمثلًا، قد تبرر مشكلات الجوار بين مالكي الأراضي المتجاورة تبني إعطاء حق الشفعة {{حق الشفعة: حق ذو أولوية يخوّل صاحبَه طلبَ تملك مال غير منقول، بأخذه من المشتري بما قام عليه من الثمن. يثبت حق الشفعة، عمومًا، للجار والشريك في المال الشائع.}} للجار في تملك قطعة الأرض. كذلك؛ تسهم الظروف الاقتصادية في تحديد مضمون القواعد القانونية، مثل القوانين المختصة بالضريبة والحد الأدنى للأجور.
وتؤدي المصادر التاريخية دورًا في مضمون القانون[3]، ومن أمثلة ذلك مجلة الأحكام العدلية {{مجلة الأحكام العدلية: هي القانون المدني للدولة العثمانية المستمد من المذهب الحنفي. صدرت سنة 1876 وتتألف من 1851 مادة. وتكتسب أهميتها التاريخية والقانونية من كونها أول تقنين شامل لأحكام الفقه الإسلامي في المعاملات. وقد امتد تأثيرها إلى القوانين المدنية العربية التي حلّت محلّها.}}، التي تعد مصدرًا تاريخيًا للقانون المدني الأردني لسنة 1976، إذ تبنى هذا القانون أحكامًا كثيرة من المجلة، وإن بصياغة مختلفة، ومن ثم يمكن الرجوع إلى المصدر التاريخي للقانون عند تفسير النص القانوني الحديث. إلى جانب ذلك، قد تكون القواعد والأحكام الدينية مصدرًا ماديًا للقانون، إذ يستمد المشرع منها أحكامًا يُضمِّنُها في نصوص القانون من دون أن يكون ملزمًا بذلك. أما إذا كانت المصادر الدينية ملزمة للمشرع أو القاضي، بموجب الدستور، فإنها تعد مصادر رسمية لا مجرد مصادر مادية للقانون[4].
وتستمد الحلول التي تتضمنها نصوص القانون أيضًا من الأعراف والعادات. وعلى سبيل المثال، يؤكد شراح القانون التجاري {{القانون التجاري: هو أحد فروع القانون الخاص ويتكون من مجموعة القواعد القانونية التي تحكم الأعمال التجارية وشروط اكتساب صفة التاجر والتزامات التجار التنظيمية.}} أن التشريعات التجارية، في مجملها، هي تقنين لأعراف وعادات تجارية سادت قبل ظهور التشريعات في الدولة الحديثة.
وبما أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والدينية تختلف من مجتمع إلى آخر، فإن النظم القانونية تختلف فيما بينها، فعلى سبيل المثال، جزاء الإخلال بالعقد في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني هو التعويض المالي، أما في نظام القانون المدني، فإن جزاء المسؤولية العقدية هو التنفيذ العيني، أي الأداء المتفق عليه سواء كان دفع مبلغ من المال أو تسليم مال آخر. تُفسِّر المصادر المادية هذا الفرق بين النظامين القانونيين، إذ ساد تاريخيًا في إنكلترا أن المحاكم كانت مختصة بإصدار الأحكام المالية فقط، فكانت الدعاوى القضائية تنحصر في طلب التعويض. أما في فرنسا، وفي نظام القانون المدني بصفة عامة، فقد اتسع اختصاص القضاء ليشمل الأمر بالتنفيذ العيني لما اتفق عليه الأطراف بموجب مبدأ العقد شريعة المتعاقدين.
وقد تجعل المصادر المادية القانون مرآة لظروف المجتمع، غير أن القانون يكون أيضًا أداة لإحداث تحول اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي. ويبرز دور القانون محركًا للتحولات عند تبني الدولة سياسة عامة جديدة، أو حتى مذهبًا أيديولوجيًا جديدًا، فتصدر قوانين تُجسِّد التوجه الجديد، فعلى سبيل المثال، أتت ثورة 23 تموز/ يوليو 1952 في مصر بمبادئ اشتراكية كان تنفيذها بإصدار قوانين اقتصادية. كذلك، حين ساد في المجتمعات العربية والمسلمة تحديد السن التي تنتهي عندها مرحلة الطفولة بخمس عشرة سنة قمرية، فإن تبني القانون تعريفًا جديدًا يجعل مرحلة الطفولة تنتهي بتمام سن الثامنة عشرة، يحدث تحولات اجتماعية واقتصادية تنعكس على أفراد الأسرة، مثل نطاق الولاية {{الولاية: نظام قانوني وشرعي لرعاية القاصرين، يكون الولي فيه الأب ثم الجد لأب. وتشمل الولاية: الولاية على النفس (التربية والرعاية)، والولاية على المال من خلال تمثيل الصغير قانونًا في إدارة أمواله تحت إشراف المحكمة المختصة.}} والوصاية {{الوصاية: هي نظام قانوني يهدف إلى تمثيل ناقص الأهلية ورعايته، خاصة في شؤونه المالية، بوساطة شخص يسمى الوصي، يُعيَّن وفق القانون وتحت رقابة محكمة الأحوال الشخصية، مثل المحكمة الشرعية.}} وحق الوالدين في التربية والتأديب، وتنعكس على سوق العمل ونطاق التعليم الإلزامي. وتندرج في هذا السياق فكرة الشخص المعنوي {{الشخص المعنوي: مجموعة من الأموال والأشخاص يعترف لها القانون بشخصية قانونية مستقلة عن الأشخاص المكونين له، ويكون له من يمثله قانونًا، مثل المدير. ويسمى أيضًا الشخص الاعتباري أو الحكمي.}} التي أسست لتمكين الأفراد والجماعات اقتصاديًا عن طريق تأسيس شركات مع أحكام فصل الذمة المالية وتحديد مسؤولية الشركاء عن ديون الشركة.
المصادر الرسمية للقانون
المصادر الرسمية للقانون هي السبب المنشئ للقاعدة الملزمة[5]، الذي يجعلها جزءًا من القانون النافذ في الدولة في زمن معين، وتشمل: التشريعَ، والعرف، والشريعة الإسلامية، وتُلحق بها المعاهدات الدولية.
أما التشريع فهو القواعد القانونية المكتوبة الصادرة عن السلطة المختصة وفق الإجراءات الدستورية[6]، ويشمل: الدستور، والقانون الصادر عن السلطة التشريعية، والأنظمة أو اللوائح الصادرة عن السلطة التنفيذية، إلى جانب التعليمات أو اللوائح التنفيذية التي تصدرها السلطة المختصة بموجب القوانين والأنظمة.
تتميز المصادر الرسمية بالتدرج التشريعي، أي إن القواعد القانونية المكتوبة تندرج في هرم تشريعي، إذ لا يصح أن تكون القاعدة القانونية الأدنى مخالفة لقاعدة قانونية أعلى منها. ويأتي الدستور في قمة الهرم، تليه القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية، ثم الأنظمة أو اللوائح[7]. وقد تختلف تسمية القواعد القانونية من نظام قانوني إلى آخر، وإن كانت في مراتب متقابلة على الهرم التشريعي؛ فمثلًا، يسمى الدستور في المملكة العربية السعودية بالنظام الأساسي للحكم، ويسمى القانون فيها بالنظام[8]، في حين تطلق تسمية لائحة أو نظام في دول أخرى على القواعد القانونية الأدنى من القانون.
تُلحق بالمصادر الرسمية المعاهدات الدولية التي ترتبط بها الدولة، إذ تعد المعاهدات الدولية مصدرًا للقواعد القانونية بعد استكمال إجراءات المصادقة عليها بموجب دستور الدولة. وفي بعض الدول تصبح المعاهدة الدولية بمنزلة التشريع بعد استكمال التصديق عليها، في حين لا تصبح نافذة في بعض النظم القانونية الوطنية إلا بعد تضمينها في قانون وطني يصدر وفق إجراءات سن القوانين الوطنية وإصدارها[9].
أما العرف فيعد مصدرًا للقواعد القانونية غير المكتوبة، وهو سلوك يعتاده الناس، ويُتَّبع بصورة عامة ومطردة مدة طويلة من الزمن يتولد معها اعتقاد بإلزاميته[10]. ويبرز العرف مصدرًا للقانون المدني والتجاري، وله أيضًا أهمية في القانون الإداري {{القانون الإداري: فرع من فروع القانون العام، يُحكم تنظيم الإدارة العامة وتوزيع اختصاصاتها ووسائل ممارسة نشاطها، مثل القرارات الإدارية، والعقود الإدارية، والوظيفة العامة، والأموال العامة.}} والدستوري.
تعد الشريعة الإسلامية في كثير من الدول العربية والمسلمة مصدرًا للقانون، سواء بوصفها مصدرًا رئيسًا أو المصدر الرئيس[11]، فتعد مثلًا مصدرًا للقانون في المملكة العربية السعودية، فلا يجوز للأنظمة واللوائح أن تخالفها، في حين تعد الشريعة الإسلامية مصدرًا مكملًا للتشريع الوطني في دول أخرى، إذ تطبق فيما لا نص فيه في التشريع، كما في القانون المدني الأردني[12]. وتنص بعض القوانين على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر للقانون، في حين تنص قوانين أخرى على أن أحكام الفقه الإسلامي مصدر للقانون. وقد يترتب على اختلاف الصياغة اختلاف سلطة القاضي بين الاجتهاد وفقًا لمبادئ الشريعة، والاختيار من أحكام الفقه الإسلامي المبثوثة في الكتب المتخصصة.
وفي نظام القانون العام الأنكلوسكسوني، تعد أحكام القضاء أيضًا مصدرًا رسميًا للقواعد القانونية من خلال السوابق القضائية الملزمة، في حين تندرج أحكام القضاء في نظام القانون المدني اللاتيني ضمن المصادر الاسترشادية[13].
المصادر الاسترشادية للقانون
إذا لم يجد القاضي حكمًا للنزاع المعروض عليه في المصادر الرسمية للقانون، فإنه يتعين عليه أن يجتهد برأيه للفصل في النزاع، فلا يجوز إنهاء الدعوى القضائية بحجة عدم وجود قواعد قانونية تطبق على النزاع، وإلا كان ذلك إنكارًا للعدالة[14]. وقد عبرت المادة (4) من التقنين المدني الفرنسي عن هذا المعنى بقولها إن القاضي الذي يرفض الحكم بدعوى سكوت القانون أو غموضه أو عدم كفايته يتعرض للملاحقة بتهمة إنكار العدالة.
يجتهد القاضي عندئذٍ بالاستئناس بمصادر استرشادية للقانون، إذ تشكل هذه المصادر الاسترشادية إطارًا مرجعيًا لتجنب ترك المنازعات القضائية من دون حل. وتشمل هذه المصادر: الفقه القانوني، أي أعمال شراح القانون وآراءهم[15]، بما في ذلك دراسات القانون المقارن[16]، ومبادئ العدالة والإنصاف، إذ يجتهد القاضي للتوصل إلى حل يقتنع بأنه يحقق العدالة في ظروف القضية المعروضة عليه[17]؛ والمبادئ العامة للقانون، وهي قيم عليا يستنبطها القاضي من روح التشريع، مثل مبدأ تنفيذ الالتزامات بحسن نية[18]؛ وأحكام القضاء السابقة في نظام القانون المدني اللاتيني[19]، إذ يستأنس بها القاضي في القضايا اللاحقة المماثلة في وقائعها للقضية السابقة.
التشريع
التشريع لغةً هو مصدر الفعل شرّع، ويراد به عملية سن القواعد القانونية. ويطلق التشريع، بوصفه أحد مصادر القانون، على القواعد القانونية المكتوبة ذاتها؛ فهو القواعد القانونية المكتوبة التي تصدر عن السلطة المختصة بموجب إجراءات مرسومة في دستور الدولة[20]. ويرتبط التشريع بمفهوم التقنين، وهو تجميع القواعد القانونية المكتوبة الخاصة بفرع من فروع القانون في مدونة تشريعية واحدة تحمل عادة اسم فرع القانون، مثل القانون المدني، وذلك لتيسير التعرف على القواعد القانونية في فرع من فروع القانون[21].
انتشر التشريع مع ظهور الدولة الحديثة، ولا سيما في دول نظام القانون المدني أو اللاتيني التي تتبنى تقنينات عامة في فروع القانون الرئيسة، مثل القانون المدني، وقانون التجارة، وقانون العقوبات. وقد ساعد التشريع على تحقيق الوحدة القانونية في الدولة، إذ تصدر الدولة القوانين المكتوبة بدلًا من الاحتكام إلى أعراف تختلف من منطقة إلى أخرى، ولا سيما في الدول مترامية الأطراف وذات التنوع الاجتماعي والعرقي[22].
بالمقارنة مع قواعد العرف غير المكتوبة، يتميز التشريع بالوضوح، إذ تحدد القاعدة القانونية من خلال النص المكتوب[23]. وبما أن التشريع يُعلن ويُنشر، فإنه يحقق القدرة على التنبؤ بالأحكام القانونية التي ستطبق على علاقة قانونية معينة، ومن ثم يستطيع المخاطبون بالتشريع ترتيب أوضاعهم وفقًا له[24]. إلى جانب ذلك، فإن الكتابة تجعل الوصول إلى القواعد القانونية ممكنًا في أي وقت، بعكس العرف الذي لا يتسنى الوقوف عليه بيسر، بل يخضع للإثبات. كذلك، يتميز التشريع الجيد بالثبات النسبي، إذ لا يمكن تعديله أو إلغاؤه إلا بإجراءات دستورية[25].
ومن أهم مزايا التشريع أن إجراءات سنّه في مجتمع ديمقراطي تتيح مشاركة المتأثرين به في وضعه وتحديد مضمونه[26]، لذلك ازداد سن التشريعات حتى في دول نظام القانون العام الأنكلوسكسوني التي تعد أحكام القضاء مصدرًا للقانون فيها[27].
يخضع التشريع كذلك لقاعدة التدرج التشريعي، أي إن القواعد القانونية المكتوبة تتدرج في هرم تشريعي من قاعدة عليا إلى قاعدة أدنى[28]. ويترتب على هذا التدرج التشريعي أنه لا يجوز أن تُخالِف القاعدة القانونية الأدنى قاعدةً أعلى منها، سواء في الشكل أو المضمون[29]. ويحتل الدستور قمة الهرم التشريعي في الدولة، ويتضمن القواعد الخاصة بسن التشريعات. ومن ثم، فلا يجوز لتشريع أدنى أن يخالف الدستور من ناحية إجراءات سن التشريع أو من ناحية مخالفة المبادئ التي ينص عليها الدستور[30].
تبرز أهمية مبدأ التدرج التشريعي في أنه ضمانة لنفاذ القاعدة الدستورية من خلال خضوع القواعد القانونية التي تسنّها السلطة التشريعية، وتلك التي قد تختص السلطة التنفيذية بوضعها للدستور. ويتطلب ذلك وجود آليات في النظام القانوني للرقابة على دستورية القوانين، إذ تعطى سلطة معينة، وهي عادة هيئة قضائية، اختصاص تقييم مدى اتفاق القواعد القانونية مع الدستور، وإعلان بطلان القواعد القانونية المخالفة له[31].
تُسن التشريعات في الدولة وفق أوضاعها الدستورية[32]، وعادة تتولى السلطة التنفيذية صياغة القانون اللازم لوضع سياسة معينة موضع التنفيذ، وقد يكون اقتراح القانون من الجهة التنفيذية المعنية، مثل الوزارة المختصة، أو من أعضاء في السلطة التشريعية. وبعد أن تُقر السلطة التنفيذية، ممثلة بمجلس الوزراء، مشروع القانون تحيله على السلطة التشريعية، فإذا وافقت عليه يحال على رأس الدولة، ملكًا أو رئيس جمهورية، للمصادقة عليه والأمر بإصداره، ثم ينشر في الجريدة الرسمية {{الجريدة الرسمية: أداة ينظمها القانون لنشر القوانين فيها كي تدخل حيز النفاذ، إذ يعد النشر إجراءً دستوريًا يترتب عليه افتراض علم الناس بالقانون.}} ويدخل حيز النفاذ من التاريخ المحدد فيه أو بموجب الدستور.
الدستور
الدستور هو القانون الأسمى في هرم التشريع، ويتضمن المبادئ والقواعد الأساسية التي تقوم عليها الدولة من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية؛ لذلك يوصف بأنه القانون الأساسي أو النظام الأساسي للحكم. فمثلًا، يحدد الدستور شكل الدولة: فقد تكون دولةً موحدةً يخضع إقليمها لسلطات مركزية تنفيذية وتشريعية، مثل الأردن وفرنسا والبحرين، أو اتحاديةً تتوزع الاختصاصات فيها بين سلطة اتحادية وسلطات لوحدات تتألف منها الدولة، مثل الإمارات العربية المتحدة وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية. وينظم الدستور النظام السياسي للدولة، فقد يكون جمهوريًا أو ملكيًا أو رئاسيًا أو برلمانيًا، ويحدد اختصاصات سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية والعلاقة بينها[33].
وينص الدستور على الحقوق والحريات العامة، مثل حرية الرأي، والحق في التعليم والعمل، وغيرها. وينص أيضًا على مبادئ اقتصادية أساسية تعبر عن نظام اقتصادي تتبناه الدولة، كأن ينص على العمل وفق مبدأ السوق الحر، ومعيار العدالة الضريبية، مثل ضريبة الدخل التصاعدية. كذلك ينص على مبادئ اجتماعية أساسية[34]، مثل حماية الأسرة[35]. وتتضمن بعض الدساتير أيضًا نصوصًا تعكس القيم الدينية في المجتمع، مثل حرية العبادة وأن دين الدولة الإسلام، كما جاء في الدستور الأردني لسنة 1952، ودستور استقلال الجزائر لسنة 1963، ودستور الجزائر لسنة 1996.
وبما أن الدستور هو الذي يحدد كيفية تشكيل السلطة التشريعية في الدولة واختصاصها في سن القوانين، فإن الدستور الأول في الدولة يوضع عادة من خلال جمعية تأسيسية، وقد يخضع لاستفتاء شعبي[36]. ويحدث هذا عند إنشاء الدولة أو استقلالها، ويمكن أن يتكرر ذلك في أعقاب ثورة تُسقِط الدستور والنظام السياسي في دولة ما، فيُصار إلى وضع دستور جديد لها، وفي هذه الحالة، وريثما يوضع دستور جديد، يُفترض بصورة عامة أن الشرعية الثورية تحل محل الشرعية الدستورية، إذ تتولى سلطة مؤقتة أتت بها الثورة إدارة البلاد بموجب أوامر أو إعلانات لها قوة الدستور، إلى أن يوضع دستور جديد من خلال جمعية تأسيسية أو استفتاء شعبي عام، كما حصل في مصر بعد ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011[37]. أما في ظل دستور قائم، فإن الدستور نفسه ينص على كيفية تعديله، وعادة ما يتطلب ذلك أغلبية أكبر في السلطة التشريعية من تلك اللازمة لإصدار القوانين العادية الأدنى مرتبةً من الدستور. ومع أن معظم الدساتير مكتوبة، فإن جل القواعد الدستورية قد تكون عرفية أحيانًا، كما في المملكة المتحدة.
القانون العادي
القانون العادي هو القواعد القانونية المكتوبة التي تسنها السلطة التشريعية في الدولة وفق الإجراءات الدستورية. ويوصف هذا التشريع بأنه قانون، مع أن القانون يشمل الدستور والعرف غير المكتوب أيضًا، وذلك من باب إطلاق اسم الكل على الجزء[38].
يأتي القانون العادي في المرتبة التالية للدستور في الهرم التشريعي، ولذلك لا يجوز أن يخالف مضمون القانون أحكام الدستور[39]. ويحدد الدستور تكوين السلطة التشريعية وإجراءات سن القوانين، فقد تكون السلطة مجلسًا منتخبًا، أو مجلسًا يشكل جزئيًا أو كليًا بالتعيين. وقد تتألف السلطة التشريعية من مجلسين، أحدهما منتخب والآخر يُعين بموجب إجراءات دستورية من جانب السلطة التنفيذية أو رأس الدولة[40]. ومع مبدأ الفصل بين السلطات {{مبدأ الفصل بين السلطات: هو مبدأ دستوري أساسي يعني توزيع وظائف الدولة الأساسية، وهي التشريع والتنفيذ والقضاء، بين سلطات مستقلة عن بعضها نسبيًا، مع وجود آليات رقابة متبادلة بينها، وعدم تركيزها في سلطة الحاكم لمنع الاستبداد. وقد بلور هذا المبدأ الفقيه الفرنسي مونتسكيو في كتابه روح القوانين (أو روح الشرائع).}}، فإن العملية التشريعية تقوم على تعاون بين السلطات، إذ تتولى السلطة التنفيذية عادة إعداد مشروع القانون، ثم يناقش ويصوت عليه في المجلس أو المجالس التي تتألف منها السلطة التشريعية، وبعد ذلك يقدم القانون الذي وافقت عليه السلطة التشريعية إلى رأس الدولة ليصادق عليه، وقد يكون له بموجب الدستور صلاحية رد القانون إلى المجلس التشريعي المختص لمزيد من المراجعة، ويكون للمجلس التشريعي المختص صلاحية تجاوز اعتراض رأس الدولة بأغلبية خاصة يحددها الدستور[41].
يوصف القانون الصادر عن السلطة التشريعية بأنه قانون عادي تمييزًا له عن التشريع الأساسي، وهو الدستور الذي قد يصدر عن جمعية تأسيسية لا عن السلطة التشريعية، ولتمييزه أيضًا عن قوانين الضرورة التي يمكن أن يخول الدستورُ السلطةَ التنفيذية صلاحيةَ وضعها استثناءً، لتمكينها من الاستجابة لطوارئ تستدعي الاستعجال، مثل حالة الحرب[42]. وعادةً تكون قوانين الضرورة مؤقتة، ويجب عرضها على السلطة التشريعية للموافقة عليها أو إلغائها[43]. وينبغي التمييز بين قوانين الضرورة والقانون الذي تضعه السلطة التشريعية مسبقًا وفق الإجراءات الدستورية العادية ليُعمل به في حالة الطوارئ.
تخضع القوانين عادة لرقابة مدى انسجامها مع الدستور، وذلك عن طريق محكمة دستورية أو هيئة مختصة بذلك يحدد الدستور تشكيلها واختصاصاتها.
الأنظمة واللوائح
قد تمارس السلطة التنفيذية اختصاصًا تشريعيًا يُعطى لها بموجب تفويض من السلطة التشريعية يتضمنه قانون عادي، وقد تستمد السلطة التنفيذية اختصاصًا تشريعيًا محدودًا لتنظيم مسائل معينة يحددها الدستور مباشرة. ويسمى التشريع الذي تضعه السلطة التنفيذية بموجب نص قانوني يفوضها بذلك بالأنظمة أو اللوائح التنفيذية أو التفويضية، في حين يسمى التشريع الذي تضعه السلطة التنفيذية بموجب اختصاص دستوري أصيل بالأنظمة أو اللوائح المستقلة.
الأنظمة واللوائح التنفيذية
كثيرًا ما يتطلب وضع القوانين موضع التنفيذ تحديد قواعد إجرائية، مثل إجراءات تقديم طلب رخصة بناء، أو تحديد اشتراطات فنية، مثل المؤهلات الفنية لمشاركة مقاولين في مناقصة حكومية. وبما أن مثل هذه الإجراءات والاشتراطات تتطلب مرونة وتخضع للتغيير تبعًا لما يكشف عنه العمل، في حين يتسم القانون بثبات نسبي نظرًا إلى الإجراءات التشريعية الواجب اتباعها لتعديله، فإن المُشرِّع يفوض إلى السلطة التنفيذية، ممثلة بمجلس الوزراء، وضعَ قواعد تنظم التفاصيل الإجرائية والفنية المتعلقة بتنفيذ القانون، وذلك بموجب نص في القانون نفسه. وتسمى هذه القواعد التفصيلية بالنظام أو اللائحة، ويمكن وصفها بالتشريع الفرعي كونها منبثقة عن تشريع آخر هو القانون[44]. بيد أنه لا يوجد ما يُلزم السلطة التشريعية بتفويض اختصاصها التشريعي إلى السلطة التنفيذية، ومن ثم ينحصر اختصاص السلطة التنفيذية في إصدار الأنظمة أو اللوائح فيما ينص عليه القانون. وإذا نص القانون على تفويض وضع نظام أو لائحة إلى مجلس الوزراء، فلا يجوز لمجلس الوزراء أن يفوض ذلك إلى جهة أخرى، مثل إحدى الوزارات أو الهيئات الإدارية.
وبموجب مبدأ التدرج التشريعي، فإنه لا يجوز للنظام أو اللائحة أن تخالف القانون ولا الدستور[45]، لذلك تخضع الأنظمة واللوائح التنفيذية لرقابة دستوريتها بوساطة محكمة دستورية أو القضاء الإداري وفقًا لأحكام القانون الذي يحدد اختصاص رقابة دستورية الأنظمة واللوائح[46].
ويشير الفقه القانوني والممارسات الدستورية إلى أنه لا يجوز تفويض التشريع في مسائل معينة إلى السلطة التنفيذية[47]، مثل فرض الضرائب والرسوم، إذ يقضي المبدأ السائد في النظم الدستورية بأنه لا ضريبة ولا رسم إلا بقانون. كذلك، يقضي مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، ومن ثم فلا يجوز تجريم أفعال وفرض عقوبات بموجب نظام أو لائحة.
الأنظمة واللوائح المستقلة
قد تنص بعض الدساتير على اختصاص أصيل للسلطة التنفيذية، ممثلة بمجلس الوزراء، في وضع أنظمة أو لوائح لتنظيم مسائل معينة[48]. وبموجب مبدأ التدرج التشريعي وسمو القواعد الدستورية، فإنه لا يجوز للسلطة التشريعية أن تتدخل في تنظيم المسائل الداخلة في الاختصاص التشريعي للسلطة التنفيذية؛ فمثلًا، تنص المادة (120) من الدستور الأردني لسنة 1952 على أن المسائل المتعلقة بالوظيفة العامة تنظم بموجب نظام يصدره مجلس الوزراء.
التعليمات والقرارات التنظيمية
في مستوى أدنى للتشريع الفرعي، يمكن أن ينص القانون أو النظام على اختصاص جهة تنفيذية، مثل وزارة أو مؤسسة رسمية، بوضع قواعد عامة مجردة تسمى تعليمات أو قرارات تنظيمية[49]. برزت أهمية التعليمات والقرارات التنظيمية مع التحول إلى اقتصاد السوق الحر وتوسع القطاع الخاص عبر سياسات التخاصية {{التخاصية: هي نقل ملكية أصول أو مؤسسات مملوكة للدولة، أو نقل إدارة مرفق عام وتطويره وتشغيله، إلى القطاع الخاص كليًا أو جزئيًا، عبر وسائل مثل بيع الأصول أو عقود استثمار.}} أو الخصخصة، وتراجع الدولة عن ممارسة نشاطات اقتصادية معينة، مثل خدمات النقل العام والاتصالات في كثير من الدول، مع احتفاظها بسلطة تنظيم السوق. رافق تنفيذ هذه السياسات الاقتصادية إنشاء هيئات رسمية رقابية وتنظيمية، مثل هيئات تنظيم قطاع الاتصالات أو التعدين أو النقل العام، وتمكين هذه الهيئات من وضع سياسات للسوق وقواعد تنظيمية، مثل شروط ترخيص الشركات العاملة في قطاع اقتصادي معين، ومعايير جودة خدماتها.
إصدار القانون
بعد استكمال إجراءات سن التشريع وفق دستور الدولة، لا بد من إكسابه صفة الإلزام بموجب إجراء يؤذن صراحة بأن التشريع لم يعد مجرد مشروع أو اقتراح قيد النقاش، بل أصبح قواعد قانونية واجبة الاحترام. يتحقق ذلك بأمر يصدره رأس الدولة لإصدار التشريع، أي الأمر بتنفيذه[50]، فمبدأ الفصل بين السلطات يقتضي أن السلطة التشريعية لا تملك سلطة الأمر بالتنفيذ، لأن إصدار التشريع هو عمل تنفيذي لا تشريعي، فيتولاه رأس الدولة الذي يرأس عادة السلطة التنفيذية[51]. تسمى أداة الإصدار بالمرسوم الرئاسي أو الملكي أو الإرادة الملكية بإصدار القانون. ويتبع الإجراء ذاته لإصدار الدستور المعدل والقانون والنظام أو اللائحة. وقد يدمج هذا الأمر في بعض الدساتير بقرار رأس الدولة بالموافقة على التشريع أو المصادقة عليه. والإصدار لازم لأنواع التشريع المختلفة، سواء في ذلك الدستور، والقانون العادي، والأنظمة، واللوائح[52].
نشر القانون ونفاذه
من خصائص التشريع الجيد سهولةُ الوصول إليه ومعرفته لدى المخاطبين به، إذ يعد ذلك من ركائز حكم القانون أو سيادة القانون، لذلك لا بد من نشر التشريع، والنشر هو إجراء رسمي ينص عليه الدستور وينظمه عادة قانون خاص يحدد وسائل النشر الرسمية[53]، وتُعرف وسيلة نشر التشريعات بالجريدة الرسمية[54]. وتبرز أهمية النشر الرسمي في أنه أساس افتراض علم الناس كافة بالتشريع، إذ لا يقبل الاحتجاج بالجهل بالقانون عذرًا لمخالفته، ومن ثم يكون النشر الرسمي قرينة قاطعة على العلم بالقانون لا يجوز إثبات عكسها[55]. إضافةً إلى ذلك، يمهد النشر الرسمي للقوانين لدخولها حيز النفاذ، وما لم ينص القانون على تاريخ مؤجل لنفاذه فإنه يكون نافذًا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، أو من تاريخ يُحدد بموجب أسس ينص عليها الدستور[56]. بيد أنه من المبادئ العامة للقانون أن القانون لا يسري بأثر رجعي بوصفه قاعدة عامة، بل يُطبَّق على الوقائع التي تحدث بعد نفاذه[57].
اتجهت كثير من الدول إلى توظيف النشر الإلكتروني لإتاحة الاطلاع على التشريعات، وقد يعتمد النشر الإلكتروني أساسًا لنفاذ القانون.
الصياغة التشريعية
من خصائص التشريع الجيد وضوح نصوصه، فلا تكون محلًا لاختلافات كبيرة في تفسيرها، ومن ثم تكون مفهومة للمخاطبين بها، وقوام ذلك سلامة اللغة وحسن الصياغة. وتقوم الصياغة التشريعية على أساليب فنية ولغوية متعارفة، مثل أن يتناول النص التشريعي الواحد مسألة واحدة يحدد لها حكمًا، وأن تستعمل ألفاظ العموم مع الإيجاز ووحدة المصطلح المستعمل في معنًى معين[58].
لكن وضوح النص التشريعي لا يعني بالضرورة أن تكون القاعدة القانونية التي يتضمنها محددة بالتفصيل، بل تختلف النصوص التشريعية في الإجمال والتفصيل، فيكون النص مجملًا عندما يضع معيارًا عامًا لتطبيق القاعدة القانونية التي يتضمنها، ويترك تقدير تحقق هذا المعيار للقاضي عند تطبيق النص على وقائع نزاع معين. وهذه هي الصياغة المرنة[59]، فمثلًا، قد ينص القانون على حق المتعاقد في فسخ العقد إذا تضمن العقد غبنًا فاحشًا، من غير أن يُعرّف الغبن الفاحش تعريفًا رقميًا جامدًا، فيُقدر القاضي تحققه في ضوء ظروف كل قضية، وطبيعة التعاقد، ومركز الأطراف، والفرق بين القيمة الحقيقية والثمن المتفق عليه، وغيرها. وتتيح هذه الصياغة المرنة قدرًا من السلطة التقديرية للقاضي بما يعينه على تحقيق العدالة في الظروف المختلفة التي لا يمكن حصرها بالنص.
أما إذا كان النص التشريعي مفصلًا، ولم يترك سلطة تقديرية للقاضي في تطبيقه، فإن صياغته جامدة[60]؛ فمثلًا، إذا نص القانون على أن العامل المفصول من عمله فصلًا غير مشروع يستحق تعويضًا يعادل أجر شهرين، فإن القاضي لا يملك سلطة تقديرية في تحديد مقدار التعويض تبعًا لمدى الضرر الذي لحق بالعامل المفصول. وتوفر هذه الصياغة قدرًا عاليًا من اليقين القانوني وسهولة التطبيق، لكنها قد تقلل من إمكان ملاءمة الحكم القضائي لخصوصية كل نزاع.
ومن ثم، فلا يتبنى المشرع الصياغة الجامدة أو المرنة بصورة مطلقة، بل يوازن بين النوعين؛ فيستعمل النصوص المعيارية المرنة في المجالات التي تتطلب ضبطًا عامًا يترك للقاضي هامشًا لتقدير العدالة في ضوء ملابسات كل قضية، في حين ينتهج أسلوب الصياغة الجامدة حيث يكون المطلوب هو الاستقرار والقدرة على التنبؤ[61]. وقد يلجأ المشرع أحيانًا إلى المزج بين الأسلوبين، فيقرر، مثلًا، حدَّيْن أدنى وأقصى للتعويض، أو يضع معيارًا عامًا ثم يذكر أمثلة أو قرائن مساعدة، فيجمع بين وضوح النص ومرونته.
الثبات النسبي للتشريع
يبقى التشريع بعد إصداره ونفاذه عرضة للتعديل تبعًا لتغير المصالح التي دعت إلى سنه ولتبدل الظروف الاجتماعية والاقتصادية، غير أن التشريع الجيد ينبغي أن يتمتع بالثبات مدة معقولة من الزمن، حتى تُتاح للمخاطبين به فرصة التكيف مع أحكامه وبناء تصرفاتهم القانونية والاقتصادية على أساس من اليقين القانوني، ما يعزز حكم القانون[62]. لذلك، تقوم عملية سن تشريع جديد على ممارسات فضلى تشمل تقييم مدى الحاجة إلى التدخل التشريعي لتنظيم موضوع ما، ودراسة علاقة التشريع المقترح بالتشريعات النافذة، ودراسة أثره في الفئات المعنية بتطبيقه.
يُعد الثبات النسبي للتشريع أمرًا مهمًا للمستثمرين، إذ إن تغير التشريعات مرارًا ضمن مدة زمنية قصيرة يشكل أخطارًا قانونية للاستثمار، ولا سيما فيما يخص قوانين العمل والبيئة والإفلاس {{الإفلاس: هو نظام قانوني لإجراءات في مواجهة المدين المتعثر ماليًا، تهدف إلى تحقيق المساواة بين الدائنين في فرصة تحصيل ديونهم من خلال إجراءات جماعية، وتشمل قوانين الإفلاس الحديثة إجراءات لمحاولة إنقاذ المشروع المتعثر ماليًا من خلال إعادة التنظيم المالي والصلح مع الدائنين.}} والضرائب والجمارك، وقد يعد مخالفًا لضمانات حماية الاستثمار الأجنبي التي تشمل احترام التوقعات المشروعة للمستثمر الأجنبي، ووضوح البيئة القانونية للاستثمار واستقرارها[63].
إلغاء التشريع
يبقى التشريع نافذًا إلى أن يلغى، ويكون إلغاء التشريع بتشريع مكافئ له أو أسمى منه على هرم التدرج التشريعي[64]، فيلغى النص الدستوري بنص دستوري، ويلغى القانون بقانون أو بنص دستوري، ويلغى النظام بنظام أو قانون، لكن لا يجوز لنظام أن يلغي قانونًا أو يتعارض معه، إذ يكون التشريع الأدنى مخالفًا لمبدأ التدرج التشريعي ويتعرض للإبطال أو الإلغاء من خلال الرقابة على دستورية القوانين.
وقد يقع إلغاء التشريع صراحة، وذلك عندما ينص تشريع لاحق على إلغاء تشريع سابق كليًا أو جزئيًا[65]. وقد يكون إلغاء التشريع ضمنيًا من خلال إعادة تنظيم موضوع معين بتشريع جديد يتعارض مع تشريع سابق بخصوص الموضوع نفسه[66].
ويختلف إلغاء التشريع عن إبطاله، كما لو قررت محكمة دستورية بطلان قانون لمخالفته أحكام الدستور، فالبطلان ينهي مفعول النص التشريعي المعيب كليًا وبأثر رجعي. أما الإلغاء فيخص تشريعًا صحيحًا، ويسري للمستقبل، ويخضع لإرادة المشرع من ناحية تقرير الإلغاء كليًا أو جزئيًا[67].
المعاهدات الدولية
تكون المعاهدات الدولية في كثير من النظم الدستورية مصدرًا للقواعد القانونية المكتوبة، وإن لم تكن مصدرًا تشريعيًا وطنيًا. وتتوقف القيمة القانونية للمعاهدات الدولية في النظام القانوني الوطني على دستور الدولة، فقد تكون لها قوة القانون العادي أو تسمو عليه، وقد تكتسب قوة النص الدستوري. بيد أن إلزامية المعاهدة الدولية في النظام القانوني الوطني تعتمد على استيفاء الأوضاع الدستورية لنفاذ المعاهدة الدولية، إذ تشترط بعض الدساتير إصدار قانون وطني لإنفاذ المعاهدة الدولية، وتُعرف هذه النظم بثنائية القانون، في حين تكتفي بعض الدساتير باستكمال انضمام الدولة إلى المعاهدة الدولية أو تصديقها عليها من دون حاجة إلى إدماجها في قانون وطني، وتوصف هذه النظم بأحادية القانون[68].
ومن ناحية أخرى، قد تكون المعاهدة الدولية نافذة مباشرة، إذ يمكن للأفراد الاحتجاج بها أمام القضاء، وقد تكون غير قابلة للتطبيق إلا بعد أن يصدر قانون وطني لوضع آليات وقواعد تفصيلية لتطبيقها[69].
العرف
العرف مصدرٌ لقواعد قانونية غير مكتوبة[70]، وهو سلوك نهجه الناس مدة طويلة من الزمن بصورة مطردة حتى تولّد عندهم اعتقاد بإلزاميته وتوقّع جزاء قانوني على مخالفته[71]، فالعرف ليس قواعد قانونية تضعها سلطة مختصة في الدولة، لذلك فهو أقدم من التشريع، وساد في المجتمعات قبل نشوء الدولة الحديثة[72].
تنشأ القواعد العرفية من حاجات الناس، وتنمو في بيئة التعامل، ويجري بها العمل. ويدل شيوع اتباع هذه القواعد في التعامل على ملاءمتها لحاجات الناس وقبولهم بها، ومن ثم يغدو اتباعها أمرًا متوقعًا وإن لم يتفق أطراف العلاقة عليها صراحة، ويكون الاحتكام إليها عند النزاع منسجمًا مع العدالة إذ يُفترض علم الأطراف بها مع توقع تطبيقها. وتؤكد قواعد الفقه الإسلامي كذلك أن العرف مصدر تستمد منه الأحكام، فيقرر الفقهاء أن العادة محكمة، ويعنون بالعادة العرف.
قد يكون العرف مكملًا للقانون[73]، وذلك عندما يكون مضمون العرف تحديد التزام على عاتق طرف معين؛ فمثلًا، قد يكون صاحب العمل ملزمًا بتوفير وجبات طعام للعاملين في منشأته إذا كان هذا الأمر معتادًا في المنطقة أو في القطاع الاقتصادي الذي ينتمي إليه. كذلك، قد يكون مضمون العرف تحديد شرط من شروط المسؤولية القانونية، مثل تحديد بذل العناية المتوقع من الطبيب بموجب أعراف المهنة، فيكون مقصرًا إذا أهملها.
إلى جانب ذلك، قد يكون العرف مفسرًا لنص تشريعي نافذ[74]؛ فمثلًا، إذا اشترط القانون أن يكون تنفيذ التزام معين ضمن مدة معقولة، فإن العرف قد يفسر معيار المعقولية والحدود المقبولة لمدة تنفيذ الالتزام.
بيد أن وزن العرف بين مصادر القانون يتفاوت بين فروع القانون المختلفة[75]، إذ يبرز دور العرف في مجال المعاملات المدنية، ويتسع نطاقه في القانون التجاري، ولا سيما أنه نشأ عرفيًا ثم قننت كثير من الأعراف التجارية في التشريعات الحديثة. أما في القانون العام {{القانون العام: هو مجموعة القواعد القانونية التي تحكم العلاقة التي تكون الدولة أو إحدى مؤسساتها طرفًا فيها بوصفها صاحبة السلطة، إذ تتمتع بمركز أقوى من مركز الفرد في سبيل تحقيق المصلحة العامة. ومن أهم فروعه القانون الدستوري والقانون الإداري.}}، فيؤدي العرف دورًا مفسرًا في مجال القانون الإداري والدستوري، ويضيق دوره مصدرًا مكملًا بالمقارنة مع القانون المدني والتجاري. وأما في مجال قانون العقوبات، فإن العرف ليس مصدرًا مكملًا، لأن قانون العقوبات يقوم على مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. وإذا كان العرف دستوريًا، فإنه يحوز قوة الدستور التي تسمو على القانون العادي[76].
ويؤدي العرف دورًا مهمًا في القانون الدولي العام[77]، إذ نشأت قواعد عرفية بناء على تصرفات الدول، مثل تصريحات ممثليها أو قرارتها أو المعاهدات التي تبرمها. ومن القواعد العرفية تلك الخاصة بالحصانات الدبلوماسية[78]، وبالجرف القاري[79].
أركان العرف
يقوم العرف على ركنين، هما: الركن المادي؛ والركن المعنوي. أما الركن المادي فيتمثل في اعتياد سلوك معين، مثل اعتياد الناس دفع أجرة السكن شهريًا، ويكتمل هذا الركن بشيوع السلوك وتكراره في التعامل في العلاقات والظروف المتماثلة بصورة مطردة، وبدون معارضة تذكر[80]. وقد يشيع السلوك المعتاد في إقليم الدولة عمومًا، وهذا هو العرف العام، وقد يُتبع السلوك المعتاد في جزء من إقليم الدولة، فيكون العرف محليًا. كذلك قد يكون العرف متبعًا في معاملات مختلفة، وقد يختص بنوع معين من العلاقات القانونية، مثل عقود المعاملات المصرفية، وهذا هو العرف الخاص.
أما الركن المعنوي للعرف، فهو اعتقاد الناس بإلزامية اتباع السلوك المعتاد وتوقّع المساءلة جراء مخالفته، ويتولد هذا الاعتقاد من تطاول الأمد على اتباع العادة. وتحقُّق الركن المعنوي هو الفارق بين العرف والعادة، إذ تجسد العادة الركن المادي فقط، ولا تكون قاعدة قانونية ملزمة[81].
كذلك يفرق توقع ترتب المسؤولية القانونية عن مخالفة العرف بين القاعدة القانونية العرفية والأعراف الاجتماعية التي تمثل قواعد مجاملات[82]؛ فمثلًا، إذا وجد عرف بأن يتحمل المشتري تكاليف نقل البضاعة من محل البائع إلى عنوان المشتري، فإنه يمكن للبائع أن يطالب بتلك التكاليف قضائيًا، أما قواعد المجاملات المتعلقة بتقديم هدايا في مناسبات اجتماعية، فلا تكون أساسًا لمطالبة قضائية عند مخالفتها.
إثبات العرف
يفترض في القاضي العلم بالقانون وتحري قواعده، وإذا كان البحث في التشريعات المكتوبة أمرًا ميسورًا، فإن تحديد القواعد العرفية ليس بالسهولة ذاتها، لكونها غير مكتوبة. لذلك، بالرغم من أن علم القاضي بالعرف مفترض بوصفه قانونًا، فإن تطبيق القاضي للعرف يتوقف، عمليًا، على ثبوت وجوده وتحديد مضمونه. وبما أن العرف مصدر للقواعد القانونية الملزمة، فإنه إذا احتج أحد أطراف النزاع بالعرف، وجب على القاضي أن يتحقق من القواعد العرفية بوسائل الإثبات التي يقدمها الأطراف أو التي يكلفهم القاضي بتقديمها بموجب صلاحياته الإجرائية[83]. كذلك فإن محكمة التمييز أو النقض تراقب تطبيق القاضي للعرف من ناحية استناده إلى أدلة تثبت وجود العرف، لكنها لا تراقب قناعة القاضي بنتيجة التحري عن العرف[84].
ومن وسائل الاستدلال على وجود عرف معين وتحديد مضمونه العقودُ النموذجية الشائعة في التعامل، إذ إن تكرار شرط في عقد الحساب المصرفي، مثلًا، يُلزم البنك بتوجيه كشف حساب لعميله شهريًا، يعد دليلًا على اعتياد هذا السلوك وشيوعه في المعاملات المصرفية. ويمكن الوقوف على القواعد العرفية بوساطة خبير في المجال الذي يدور حوله النزاع المنظور أمام القضاء، فيمكن للقاضي تعيين تاجر خبير لتقديم تقرير حول الأعراف المتبعة بين التجار بخصوص مسألة محددة.
شروط تطبيق العرف
المقصود بإلزامية العرف، بوصفه مصدرًا للقواعد القانونية، أنه يجب على القاضي التحقق من وجوده إذا تمسك أحد الأطراف به، ويطبق العرف عند ثبوته رغم معارضة أحد الأطراف، وإن لم يتفق الأطراف مسبقًا على الالتزام به، إذ يفترض أن يكون التعاقد في البيئة القانونية السائدة، بما فيها العرف المكمل للقانون. لكن تطبيق العرف يتوقف على توفر شروط معينة، بعضها شروط إيجابية تتمثل في تحقق أركان العرف وثبوته، وبعضها شروط سلبية تتعلق بنطاق تطبيق العرف، إذ يُشترط:
- ألّا يكون العرف مخالفًا لاتفاق الأطراف؛ وبعبارة أخرى، يحوز العرف قوة القواعد القانونية المكملة {{القواعد القانونية المكملة: هي قواعد ملزمة لكن يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفتها، إذ يتحدد نطاق إلزاميتها في الحالات التي لا ينص فيها العقد على حكم مخالف، مثل الوفاء بالدين في موطن المدين.}} التي يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفتها، فالعرف يؤدي دورًا مكملًا أو مفسرًا للعقد، إذ تقرر القواعد العامة في الفقه الإسلامي أن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، أي يكون بمنزلة شرط ضمني في العقد. لذلك، فإن للأطراف أن يتفقوا صراحة على ما يخالف العرف.
- وألّا يكون العرف مخالفًا لقواعد قانونية آمرة {{القواعد الآمرة: هي قواعد قانونية لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها، ويكون أي اتفاق مخالف لها باطلًا.}} أو النظام العام. فمثلًا، لا يطبق العرف إذا جرى على دفع فائدة قانونية أكبر من سعر الفائدة المحدد بموجب قانون اقتصادي آمر. ويسمى العرف المخالف للقواعد القانونية الآمرة أو النظام العام بالعرف الفاسد[85].
الشريعة الإسلامية
تكون الشريعة الإسلامية مصدرًا رسميًا ملزمًا للقانون، لا مصدرًا ماديًا له فقط، وذلك عندما يجب على القاضي الرجوع إليها لاستمداد القواعد القانونية منها[86]. ويختلف موقع الشريعة الإسلامية على هرم التدرج التشريعي من نظام قانوني إلى آخر[87]؛ ففي المملكة العربية السعودية مثلًا، تسمو الشريعة الإسلامية على التشريع الصادر عن السلطة المختصة، إذ لا يُعمل بالتشريع، نظامًا أو لائحة، إذا خالف الشريعة الإسلامية. وفي الأردن، تعد الشريعة الإسلامية مصدرًا رسميًا في مجال الأحوال الشخصية، إذ ينص الدستور الأردني على أن المحاكم الشرعية تطبق الشريعة الإسلامية، ومن ثم يفترض أن قانون الأحوال الشخصية الذي تصدره السلطة التشريعية يتوافق مع الشريعة الإسلامية.
بالمقابل، قد تكون الشريعة الإسلامية مصدرًا احتياطيًا مكملًا للتشريع الذي تصدره السلطة المختصة، فيرجع إليها القاضي إذا خلا التشريع من نص يحكم النزاع المعروض عليه[88]؛ فمثلًا، ينص القانون المدني الأردني على الرجوع إلى أحكام الفقه الإسلامي، ومن ثم مبادئ الشريعة الإسلامية، إذا انتفى نص في القانون المدني، وقبل الرجوع إلى العرف، في حين ينص القانون المدني المصري على الرجوع إلى مبادئ الشريعة الإسلامية إذا انتفى نص في القانون المدني وانتفى العرف أيضًا. ولاحظ بعض الشراح أن الإحالة على مبادئ الشريعة الإسلامية تعني المبادئ الكلية التي لا تشكل قواعد قانونية بالمعنى الدقيق، وإنما يستلهمها القاضي للتوصل إلى حكم يتضمن القاعدة القانونية، وتغدو بمنزلة المبادئ العامة للقانون[89]. في المقابل، يمكن القول إن الإحالة على أحكام الفقه الإسلامي تعني مصدرًا للقواعد القانونية لأن أحكام الفقه تعطي حلولًا قابلة للتطبيق على الوقائع مباشرة، مثل القواعد القانونية المستمدة من نص تشريعي[90].
أحكام القضاء
في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني، بعكس نظام القانون المدني، تنشئ الأحكام القضائية سوابق ملزمة (Binding precedent) للمحاكم التي أصدرتها، والمحاكم في الدرجة نفسها، وتلك الأدنى منها في القضايا ذات الوقائع المتشابهة وفق مبدأ اتباع السابقة الملزمة (Stare decisis)[91]. بيد أنه إذا أصدرت السلطة التشريعية قانونًا مكتوبًا، فإنه يلزم المحاكم، ويمكن أن يعدل أو يلغي القاعدة القانونية المستمدة من سابقة قضائية، في حين تبقى المسائل غير المنظمة بموجب تشريع خاضعة للقواعد القانونية المستمدة من السوابق القضائية الملزمة.
في نظام القانون العام الأنكلوسكسوني، يحلّل القاضي وقائعَ القضية المنظورة ليقرر فيما إذا كانت تماثل سابقة قضائية ملزمة، فيتبع تلك السابقة (Case followed)، أو أن القضية المنظورة تختلف في وقائع جوهرية تستتبع تمييزها عن السابقة القضائية (Case distinguished). ثم يجب تحليل الحكم القضائي لتحديد الجزء الملزم منه، وهو التسبيب القانوني للقرار القضائي، ويشار إليه في الأدبيات الإنكليزية بالتعبير اللاتيني: "Ratio decidendi"[92]، ولا تمتد الإلزامية للآراء التي يذكرها القاضي عرضًا أو استطرادًا في قراره (Obiter dicta)[93]. ولا يمكن بصورة عامة للمحاكم إعادة النظر في سابقة قضائية وتعديلها أو إلغائها، لكن تملك المحكمة العليا (The Supreme Court) صلاحية إلغائها.
المبادئ العامة للقانون
المبادئ العامة للقانون هي مجموعة مبادئ أساسية مشتركة بين النظم القانونية في الدول المختلفة[94]، يستهدي القاضي بها للتوصل إلى حل أو تقييم الحلول الممكنة، وذلك مثل مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق، ومبدأ عدم جواز إفادة الإنسان من خطئه، ومبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات[95]. وتؤدي المبادئ العامة دورًا مصدريًا في نطاق القانون الدولي العام؛ فـالمادة (38/1 (ج)) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية تَعُدّ "المبادئ العامة للقانون المعترف بها من الأمم المتحضّرة" مصدرًا من مصادر القانون الدولي. وعمومًا، تُستمَد المبادئ العامة للقانون من النظم القانونية الوطنية، وتُستنبَط أيضًا من النظام القانوني الدولي[96].
يرى بعض الشراح أن المبادئ العامة للقانون ترتبط بالتصور العام السائد في مجتمع معين للكون والحياة، مثل "الإيمان بالله والرسالات السماوية والعدل الطبيعي المطلق [...] واحترام العقل الإنساني، واحترام كرامة الإنسان وآدميته"[97]، ومن ثم يمكن أن يدخل القانون الطبيعي في تحديد المبادئ العامة للقانون[98]. ومن دلائل ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تضمن أفكار كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية بوصفها مشتركًا في الأسرة الإنسانية[99].
بيد أن المبادئ العامة للقانون ليست قواعد قانونية بالمعنى الدقيق، وإنما هي "أفكار جوهرية يمكن استنباطها من الفكرة العامة للوجود السائدة في مجتمع معين، كما يمكن كذلك استقراؤها من القواعد القانونية الوضعية الموجودة في هذا المجتمع"[100]. ويترتب على ذلك أن المبادئ العامة للقانون ليست هي مصدر القواعد القانونية، وإنما يكون المصدر هو المشرع عندما يستلهمها لتحديد مضمون قاعدة قانونية، أو القاضي عندما يستلهم المبادئ العامة للفصل في نزاع لا نصَّ تشريعيًا فيه[101].
المراجع
العربية
البحري، حسن. القانون الدستوري والنظم السياسية. دمشق: منشورات الجامعة الافتراضية السورية، 2018.
البيج، حسين علوان. أزمة الشرعية: الصراع بين الثورة والنظام السياسي. برلين: المركز الديمقراطي العربي، 2020.
تناغو، سمير. النظرية العامة للقانون. الإسكندرية: منشأة المعارف، 1974.
الخطيب، نعمان أحمد. الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري. عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2011.
السنهوري، عبد الرزاق. علم أصول القانون. القاهرة: مطبعة فتح الله الياس نوري وأولاده، 1936.
الصده، عبد المنعم فرج. أصول القانون. القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1965.
الصراف، عباس وجورج حزبون. المدخل إلى علم القانون. عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2001.
عبد الوهاب، محمد رفعت. القانون الدستوري. الإسكندرية: منشأة المعارف، [د. ت.].
العبيدي، عواد حسين. دراسات في القانون الخاص: القانون المدني. القاهرة: المركز العربي للدراسات والبحوث العلمية للنشر والتوزيع، 2024.
علوان، محمد يوسف. القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر. ط 4. عمّان: دار وائل للنشر، 2021.
علي، يحيى قاسم. المدخل لدراسة العلوم القانونية: نظرية القانون ونظرية الحق دراسة مقارنة. القاهرة: كوميت للتوزيع، 1997.
العمر، عدنان. "المكانة القانونية للأنظمة كمصدر للقاعدة القانونية في النظام القانوني السعودي: دراسة مقارنة". المجلة العلمية لجامعة الملك فيصل- العلوم الإنسانية والإدارية. مج 18، العدد 2 (2017). ص 263-276.
فاضل، شروق عباس وسرى محمد هوبي. "الدور التكميلي للقواعد القانونية ذات المنشأ القضائي في القانون الإنكليزي". مجلة جامعة الأنبار للعلوم القانونية والسياسية. مج 15، العدد 1، ج 1 (2025). ص 901-921.
فرج، توفيق حسن. المدخل للعلوم القانونية: النظرية العامة للقانون، والنظرية العامة للحق. بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1993.
كيره، حسن. المدخل إلى القانون. الإسكندرية: منشأة المعارف، 1993.
محمد، فايز محمد حسين. التقاء الشرائع القانونية وتقارب القوانين. الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2016.
المختار، ولهي. "المبادئ العامة للقانون كمصدر للقانون الدولي بين الجدل الفقهي والاجتهادات القضائية الدولية". مجلة الدراسات والبحوث القانونية. مج 9، العدد 2 (2024). ص 115-134.
نامق، إسماعيل. "شرط الثبات التشريعي والقانون الأفضل للمستثمر ودورهما في جذب الاستثمارات الأجنبية: دراسة تحليلية مقارنة". مجلة كلية القانون الكويتية العالمية. مج 8، العدد 8، ملحق خاص (2020). ص 341-380.
الأجنبية
Burrows, Andrew. Thinking About Statutes: Interpretation, Interaction, Improvement. Cambridge: Cambridge University Press, 2018.
European Commission for Democracy through Law (Venice Commission). Rule of Law Checklist. Strasbourg: 2016. at: https://acr.ps/hBya1io
Wacks, Raymond. Law: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 2008.
Waldron, Jeremy. Law and Disagreement. Oxford: Clarendon Press, 1999.
[1] عبد المنعم فرج الصده، أصول القانون، القسم الأول (القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1965)، ص 78.
[2] توفيق حسن فرج، المدخل للعلوم القانونية: النظرية العامة للقانون، والنظرية العامة للحق (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1993)، ص 178.
[3] عباس الصراف وجورج حزبون، المدخل إلى علم القانون (عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2001)، ص 42.
[4]المرجع نفسه؛ حسن كيره، المدخل إلى القانون(الإسكندرية: منشأة المعارف، 1993)، ص 207، 300-301.
[5] سمير تناغو، النظرية العامة للقانون (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1974)، ص 234-237؛ عبد الرزاق السنهوري، علم أصول القانون (القاهرة: مطبعة فتح الله الياس نوري وأولاده، 1936)، ص 53.
[6] يحيى قاسم علي، المدخل لدراسة العلوم القانونية: نظرية القانون ونظرية الحق دراسة مقارنة (القاهرة: كوميت للتوزيع، 1997)، ص 86.
[7] فرج، ص 209-218.
[8] عدنان العمر، "المكانة القانونية للأنظمة كمصدر للقاعدة القانونية في النظام القانوني السعودي: دراسة مقارنة"، المجلة العلمية لجامعة الملك فيصل- العلوم الإنسانية والإدارية، مج 18، العدد 2 (2017)، ص 271.
[9] محمد يوسف علوان، القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر، ط 4 (عمّان: دار وائل للنشر، 2021)، ص 137-156.
[10] فرج، ص 181؛ علي، ص 109-110.
[11] علي، ص 107.
[12] فرج، ص 183.
[13] المرجع نفسه، ص 188.
[14] المرجع نفسه، ص 191.
[15] عواد حسين العبيدي، دراسات في القانون الخاص: القانون المدني (القاهرة: المركز العربي للدراسات والبحوث العلمية للنشر والتوزيع، 2024)، ص 31؛ فرج، ص 184.
[16] علي، ص 122.
[17] المرجع نفسه، ص 116-118؛ السنهوري، ص 70-73؛ العبيدي، ص 22-26.
[18] ولهي المختار، "المبادئ العامة للقانون كمصدر للقانون الدولي بين الجدل الفقهي والاجتهادات القضائية الدولية"، مجلة الدراسات والبحوث القانونية، مج 9، العدد 2 (2024)، ص 117، 119.
[19] العبيدي، ص 27.
[20] الصده، ص 83؛ تناغو، ص 293.
[21] المرجع نفسه، ص 104-108.
[22] تناغو، ص 365-366.
[23] المرجع نفسه، ص 297.
[24] فرج، ص 201.
[25] الصده، ص 85.
[26] Jeremy Waldron, Law and Disagreement (Oxford: Clarendon Press, 1999), pp. 212-213.
[27] Andrew Burrows, Thinking About Statutes: Interpretation, Interaction, Improvement (Cambridge: Cambridge University Press, 2018), p. xv.
[28] الصده، ص 88.
[29] فرج، ص 206.
[30] تناغو، ص 338-339.
[31] المرجع نفسه، ص 340-341.
[32] المرجع نفسه، ص 304.
[33] فرج، ص 203.
[34] محمد رفعت عبد الوهاب، القانون الدستوري (الإسكندرية: منشأة المعارف، [د. ت.])، ص 265؛ حسن البحري، القانون الدستوري والنظم السياسية (دمشق: منشورات الجامعة الافتراضية السورية، 2018)، ص 24-28.
[35] تُنظر مثلًا: المادة 6 من الدستور الأردني لسنة 1952 وتعديلاته.
[36] تناغو، ص 305-306.
[37] حسين علوان البيج، أزمة الشرعية: الصراع بين الثورة والنظام السياسي (برلين: المركز الديمقراطي العربي، 2020)، ص 19، 26، 36–38، 49.
[38] تناغو، ص 309.
[39] البحري، ص 175-177.
[40] نعمان أحمد الخطيب، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري (عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2011)، ص 345-347.
[41] كيره، ص 234-235.
[42] تناغو، ص 309، 323.
[43] الصده، ص 92-93.
[44] فرج، ص 217.
[45] البحري، ص 183؛ كيره، ص 247-249؛ الصراف وحزبون، ص 45.
[46] البحري، ص 185 وما بعدها؛ كيره، ص 249-252.
[47] البحري، ص 178.
[48] فرج، ص 218.
[49] الصراف وحزبون، ص 45.
[50] الصده، ص 96.
[51] تناغو، ص 312.
[52] فرج، ص 220.
[53] المرجع نفسه، ص 220-221.
[54] الصده، ص 96-97.
[55] تناغو، ص 314-315.
[56] المرجع نفسه، ص 317-318.
[57] فرج، ص 222.
[58] تناغو، ص 362.
[59] كيره، ص 184-185.
[60] المرجع نفسه، ص 183-184.
[61] المرجع نفسه، ص 188.
[62] European Commission for Democracy through Law (Venice Commission), Rule of Law Checklist (Strasbourg: 2016), p. 16, accessed on 18/7/2026, at: https://acr.ps/hBya1io
[63] إسماعيل نامق، "شرط الثبات التشريعي والقانون الأفضل للمستثمر ودورهما في جذب الاستثمارات الأجنبية: دراسة تحليلية مقارنة"، مجلة كلية القانون الكويتية العالمية، مج 8، العدد 8، ملحق خاص (2020)، ص 341-380.
[64] تناغو، ص 414.
[65] المرجع نفسه، ص 415.
[66] المرجع نفسه، ص 416-418.
[67] المرجع نفسه، ص 412-413.
[68] علوان، ص 127 وما بعدها.
[69] المرجع نفسه.
[70] تناغو، ص 423.
[71] المرجع نفسه، ص 424.
[72] الصده، ص 123.
[73] الصراف وحزبون، ص 48.
[74] المرجع نفسه، ص 50-51.
[75] الصده، ص 144-146.
[76] تناغو، ص 473.
[77] علوان، ص 466.
[78] المرجع نفسه.
[79] المرجع نفسه، ص 470.
[80] تناغو، ص 427، 429؛ السنهوري، ص 55-56.
[81] المرجع نفسه، ص 430-432.
[82] كيره، ص 28، 276.
[83] المرجع نفسه، ص 445.
[84] المرجع نفسه، ص 447.
[85] الصده، ص 142-143.
[86] السنهوري، ص 65-70.
[87] فايز محمد حسين محمد، التقاء الشرائع القانونية وتقارب القوانين (الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2016)، ص 334 وما بعدها.
[88] الصده، ص 112-114.
[89] تناغو، ص 262-266.
[90] الصراف وحزبون، ص 46-47.
[91] شروق عباس فاضل وسرى محمد هوبي، "الدور التكميلي للقواعد القانونية ذات المنشأ القضائي في القانون الإنكليزي"، مجلة جامعة الأنبار للعلوم القانونية والسياسية، مج 15، العدد 1، ج 1 (2025)، ص 904؛
Raymond Wacks, Law: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2008), p. 33.
[92] Ibid., p. 33.
[93] Ibid.
[94] المختار، ص 117، 119.
[95] علوان، ص 503.
[96] المرجع نفسه، ص 497.
[97] تناغو، ص 248.
[98] المرجع نفسه.
[99] المرجع نفسه، ص 249.
[100] المرجع نفسه، ص 253.
[101] المرجع نفسه، ص 256.