الظاهرة الاجتماعية هي كل طريقة في الفعل أو التفكير أو الشعور، تُمارس إكراهًا خارجيًا على الفرد، وتمتاز بأنها عامة داخل المجتمع ولها وجود مستقل عن الأفراد؛ أي أنها تقوم على الإلزامية وتتصف بالخارجية.
منهجيًا، وضع إميل دوركهايم (Emile Durkheim، 1858-1917) في كتابه قواعد المنهج في علم الاجتماع مجموعة من القواعد لدراسة الظواهر الاجتماعية، أهمها أن يُنظر إليها بوصفها أشياء تمامًا كما تُدرس المواد والمواضيع في العلوم الطبيعية، وهذا من خلال الملاحظة والتجريب والتكميم، وأن تُفسَّر كل ظاهرة اجتماعية بظاهرة اجتماعية أخرى، مشدِّدًا على ضرورة استبعاد العوامل النفسية في التفسير السوسيولوجي.
تتمثل الظواهر الاجتماعية عند دوركهايم في الممارسات اليومية، كالعادات، والقوانين، والأخلاق، واللغة، والدين، والعقوبات، وغيرها، وتتجسد في مؤسسات المجتمع، مثل العائلة، والمدرسة، والدولة، والكنيسة. وهي تمثّل تجليات للوعي الجمعي، أي مجموع التصورات والمشاعر المشتركة بين الأفراد، التي تؤسس قواعد السلوك الجماعي وتضبطه. على الرغم من أهمية إسهام دوركهايم في صياغة مفهوم الظاهرة الاجتماعية، فإنه تعرّض لانتقادات واسعة؛ فقد اتُهم بتشييء الظواهر الاجتماعية، ونزع البعد الإرادي عنها، واعتبار الأفراد مجرّد منفّذين مسلوبي الإرادة لقواعد جماعية. كما اعتُبر أنه يُغفل المعاني التي يضفيها الفاعلون أنفسهم على سلوكهم، ويُقصي البعد الرمزي والثقافي للظواهر الاجتماعية.
أسهم مارسيل موس في تطوير مفهوم الظاهرة الاجتماعية، بصياغة مفهوم الظاهرة الاجتماعية الشاملة، إذ وسّعه ليشير إلى مختلف الظواهر التي تنخرط فيها مؤسسات المجتمع وتجمع بين الأبعاد الدينية، والاقتصادية، والأخلاقية، والقانونية، وغيرها.
ولكن مع تطور علم الاجتماع، ظهرت مقاربات بديلة، مثل التفاعلية الرمزية، والتأويلية، والظاهراتية، والنظرية النقدية، رأت أن الظاهرة الاجتماعية لا تُفهَم فقط من خلال تفسيرها، بل عَبْر المعاني والدلالات التي يمنحها الفاعلون أنفسهم على أفعالهم. ومن ثم تطورت مناهج جديدة كيفية تعتمد أكثر على الفهم والتأويل للظواهر والأفعال الاجتماعية.
التصور الوضعي للمفهوم
اعتبر أوغست كونت (Auguste Comte، 1798-1857) أن الظاهرة الاجتماعية نتاج تضامن الناس واستمرارية الأجيال، ولكنه لم يعرّفها ولم يحدّد كيفيات دراستها نظريًا ومنهجيًا. أما هربرت سبنسر (Herbert Spencer، 1820-1903) فرغم سبقه لوضع مبادئ علم الاجتماع في الفترة الممتدة بين عامَي 1874 و1875، فإنه هو الآخر لم يقدّم تعريفًا للظاهرة الاجتماعية. لقد تميّز السياق الذي صاغ فيه إميل دوركهايم مفهومَ الظاهرة الاجتماعية عام 1894 بتعدّد محاولات تأسيس علمٍ جديدٍ اتّسع الاتفاق على تسميته علم الاجتماع، واستوجب ذلك التأسيس لوضع جهاز مفاهيمي لتسمية ما يشتغل به وتصنيفه وتوصيفه، أي تحديد موضوعه. ولذلك، كان اهتمام دوركهايم في كتابه قواعد المنهج في علم الاجتماع[1] مُنْصَبًّا على تعريف الظاهرة الاجتماعية وبيان خصائصها وتحديد ما يترتب على تعريفها ذاك من قواعد في كيفيّة دراستها.
يعرّف دوركهايم الظاهرة الاجتماعية أنها كل طريقة في الفعل والقول والتفكير والشعور يمكن أن تمارس إلزامًا خارجيًّا على الفرد، تعمّ مجتمعًا ما أو مجموعات واسعة منه، ويكون لها في الآن ذاته وجودُها الخاص، مستقلَّةً عن تمظهراتها المُتَبايِنة بين فَرْدٍ وآخر. يُسْنِد هذا التعريف للظّاهرة الاجتماعية طبيعةً ثلاثيّةَ المقوّمات، إذ هي مُؤسَّسة ومعْيار وتَمَثُّل. فبقدر استقرارها في السّلوك اليومي تمثّل الظاهرة الاجتماعيّة مؤسّسة تتجسّد مادّيًّا في طرائق القول والفعل والتصرّف والشعور، مثل الكلمات والأفعال التي يُلزم بها المجتمع من يؤدّي واجب العزاء في منزل المتوفّى أو من يقدم التهاني في مناسبة عائلية سعيدة.
كما يمكن أن تتجسّد الظاهرة الاجتماعية في مؤسسة العدالة بما فيها من قوانين وهيئات قضائية وطرق في التداول في النزاعات بين الأفراد والمجموعات حول الحقوق. ولأنّها تتكرس على هيئة إلزام اجتماعي؛ فهي تحدّد الأدوار والوظائف والواجبات الاجتماعية، إذ تكون معيارًا يقاسُ عليه نمط السّلوك المقبول اجتماعيًا على أنه قَويمٌ. ومثال ذلك ما يُلزم به الأب في عائلته من واجبات الإنفاق والرّعاية والحماية حتى يُعتَبر أبًا صالحًا. وعلى ما تتبدّى به في الواقع الاجتماعي، الخارج عن نفسيات الأفراد وإرَادَاتِهِمْ، فإنها تنطبع تصوّرًا في أذهانهم وتمثُّلًا ذاتيًّا، مثل ما تُظهره مختلف الممارسات الدينية من الاعتقاد في وجود قوّة ما ورائية تُسيّر العالم، والإيمان بها، والشعور بما يستوجبه حضورها من رهبة وخشوع لدى التضرع لها.
وبالنّظر إلى هذا التركيب الذي يميّز الظاهرة الاجتماعية، تجتمع لها خاصيّتان أساسيّتان، هما: خارجيَّتُها عن كل فرد من أفراد المجتمع من جهة، وإلزاميَّةُ فَرْضها ذاتها عليهم من جهة ثانية. وتزخر الحياة اليومية بأمثلة متنوعة، كتكرار أفراد المجتمع كلماتٍ بعينها في مناسبات محدّدة، وتأديتهم حركات معيّنة وامتناعهم عن حركات أخرى في أماكن ومواقيت محددة. وهم في ذلك يتّبعون قواعد تصرّف تعلّموها وتدرّبوا عليها ضمن مسار تنشئتهم الاجتماعية حتى يكونوا متوافقين مع السياق الذي يوجدون فيه، فلا يحيدوا عمّا يُعتبر أخلاقيًا، ومناسبًا، ومحبّذًا، وغير مهدّد للتوافق الاجتماعي. ويدلّ وقوع هذا التوافق من دون أن يحصل بين أفراد المجتمع اتفاق مُعْلَنٌ وصريحٌ وواعٍ على أنّهم لا يتصرّفون بصفتهم أفرادًا منقطعين عن غيرهم، بل على أنّهم أعضاء في جماعة يحكمها ما يتجاوز كل واحد منهم ويجتمعون فيه كلهم.
للظاهرة الاجتماعية وجود موضوعي خارج الذّوات الفرديّة، وكأنها شيْء مادي، ووجود ذاتي من خلال تمثّل كلِّ فَرْدٍ يستبطن ضرورتها الاجتماعية، ما يجعله يكرّس إلزاميّتها على نَفْسِه بنفسه. ومن خلال هذا التمثّل الاستبطاني يكون تجسّد الظاهرة الاجتماعية في الواقع الاجتماعي الملحوظ من إنجاز الناس، أي متولّدٌ عن نشاطهم المحكوم بما لهم من أفكار عن القانون والدولة والعدالة والأخلاق، وهي كلها موجودة خارجًا عن وجود الأفراد. ولأنهم يتمثّلونها (يتصورونها) على هيئة إلزام قاهر يتجسّد في القانون أو العرف أو العادة، فهم يخضعون لمُوجِبات مراعاتها، وإلا صاروا عُرضة للاستبعاد خارج المجتمع إذ يوصفون بأنهم غريبو الأطوار، أو مارقون، أو غير متخلقين، أو غير صادقين، أو مهدّدون للتضامن الاجتماعي. وبذلك، تفرض الظاهرة الاجتماعية ذاتها بحيث تعمّ سائر أفراد المجتمع، مجتمعين كافةً، أو بوصفهم أفرادَ مجموعات جزئية منه، سواء أكانت هذه المجموعات دينية أم سياسية أم مهنية أم غيرها.
من خلال تحديد هذه الخصائص، وضع دوركهايم مفهوم الظاهرة الاجتماعية ضمن سلسلة مفاهيم مترابطة، منها الوعي الجمعي الذي يوحّد أفراد المجتمع في تصوّراتهم بوصفها بالضبط تمثّلات جمعية تنطبع في أذهان كل فرد من أفراد المجتمع. وعلى ذلك ينبني العالم الاجتماعي من مجموع الظواهر (مؤسّسات، وأفعال، وأقوال، وممارسات، وأنماط من الوجود، وتصورات) ذي الطبيعة الواحدة بحيث يمكن أن يعالجها علمٌ محدَّد هو علم الاجتماع.
ضمن هذه السلسلة المفاهيمية، يمكّن استخدام مفهوم الظاهرة الاجتماعية في التحليل السوسيولوجي من الإمساك بالكثير مما يمكن أن يكون محلّ مُلاحظة: الأساس المورفولوجي للمجتمع (توزّع السَّاكِنَة على مواطن إقاماتها بخصائصها البيئية المختلفة ما بين الأرياف والمدن والمناطق الصحراوية والجبلية)، وآليات التضامن الآلي (في المجتمعات ذات الصلات القرابية القوية مثل المجتمعات القبلية أو العشائرية) والتضامن العضوي (في المجتمعات التي يكون فيها تقسيم العمل متشعبًا ومركّبًا مثل المجتمعات الصناعية)، والمؤسّسات ذات الوجود المادي (مثل العائلة أو المدرسة) أو اللامادي (مثل الأخلاق والعرف)، ومظاهر سلوك الأفراد والمجموعات المُقَعَّدَةِ والمكرّسة من خلال أَوامر التنشئة الاجتماعية ونواهيها، والرموز الدينية والروحية، والقيم والمعايير، ومختلف مكونات الوعي الجمعي المكتنف لكل وعي فرديّ.
أبعاده الإبستيمولوجية
يشير دوركهايم في كتاب قواعد المنهج في علم الاجتماع إلى أن التصوّرات الخاطئةَ والغامضةَ وغيرَ المَصْقولَة حول الظاهرة الاجتماعية هي التي تفرض ضرورة التدقيق في مفهومها، لأنها أساس هذا العلم كما يقول، إذ بها وحدها يمكن تحديد مَوْضوعهِ. وضعُ المفهوم هو ما يَقِي من تأثير الحسّ المشترك، واستخلاصات التجربة المبتذلة، ومُسبقات الاعتقاد الديني، والقناعة الإيديولوجية في بناء الظاهرة موضوع الدّراسة.
موضوع علم الاجتماع هو هذه الظواهر التي ينطبق عليها تعريف الظاهرة الاجتماعية كما عرّفها دوركهايم، وتتوفّر فيها الخَصائص المذكورة من دون غيرها، بحيث تكون محلَّ ملاحظة، وتخضعُ، إلْزَامًا، لجملة من القواعد المنهجية التي تُوجبها طبيعتها، فمن الضروري أولًا دراسة هذه الظواهر كما لو كانت أشياء. ولهذه القاعدة الأساسية قواعد مُكَمِّلَةٌ أخرى، هي:
- إزاحة كل تصوّر مُسبق عن الظاهرة (تطبيقًا لقاعدة الشكّ في اليقينيات الموروثة) وكلّ معتقد سياسي وقناعة إيديولوجية حِيَالها.
- الامتناع عن عَزْوِ الظّاهرة الاجتماعية إلى تَفسير نَفْساني، لأنّه، بالضبط، يُخطّئ ما تختصُّ به، أي طبيعتها الاجتماعية. وعلى ذلك، يجب البحث عن تفسير الظاهرة الاجتماعية في ما سبقها من ظواهر اجتماعية أخرى.
- اعتبار وظيفتها الغائية المحدّدة، وهي وظيفة جَمْعِيَّةٌ ومُجتمعيّة، حتى وإن صَادَفَ وخَدَمَتْ غَايَةً فرديَّةً. ولا يقوم تفسير الظاهرة الاجتماعية إلا باعتماد التكميم، والمقارنات، والبحث عن التَغَيُّرَاتِ المُتَصَاحِبَة طَرْدًا أو عَكْسًا، كما في مثال تزايد حالات الانتحار طردًا مع تزايد حدّة الأزمات الاقتصادية، أو عكسًا مع تناقص انسجام المجتمع وتضامنه.
استَلْزَم مفهوم الظاهرة الاجتماعية عند دوركهايم استتباعات مفهوميةً محددة من حيث اضطلاعه بوظائف تسمية ما يشتغل به علم الاجتماع. وإضافة إلى ذلك، يضطلع المفهوم بمهمة وصفه وتصنيفه، إذ إن من الظواهر الاجتماعية ما هو عَاديٌّ (يتوافق مع ما هو متعارف على قبوله)، وما هو مَرَضيٌّ (يتعارض مع ما هو متعارف على قبوله). كما يساعد هذا المفهوم على وَصْل ما يسميه ويصفه ويصنفه بما يُمَاثله، وفصله عمّا يُشْبِهه أو يضاهيه من دون أن يكون مثلَه، بحيث يتعيّن في ما يتفرّد به من مواصفات مخصوصة لا توجد إلا فيه هو حَصْرًا.
كما استلزم هذا المفهوم تبنّي استراتيجية تحليلية تُفسِّر ما يعيّنه على أنّه مُكَوِّنٌ من مكوّناتِ العالَم الاجتماعي. ومن خصائص هذا العالم أنه محكوم بتَرابُط نَسَقِي يتجسّد في التضامن بين أفراده، والتّساند الوظيفي بين مؤسّساته، إذ تتعاضد العائلة والمدرسة في الاضطلاع بتنشئة أفراد المجتمع أخلاقيًا. ويتأسس على هذا الترابط انسجام معياري بين وجود الناس ووعيهم بذاتهم الجمعية، وإن أصابَهَا، في ظَرْفٍ مُعَيَّنٍ، عَارِضُ افتقاد المَعايير (الأنوميا).
كما كان لمفهوم الظاهرة الاجتماعية استتباعاتٌ منهجية تراعي خاصياتها الموضوعية الخارجية (كما لو كانت شيئًا)، وذلك بمعالجتها باعتماد المُلاحظة التي تحترم الفصل ما بين الذّات العالِمَة والموضوع المعلوم. وهذا ما يسمح بتجميع الشواهد على الوجود الموضوعي للظاهرة من خلال الإحصاء، كما في مثال دراسته عن الانتحار عام 1897، أي باعتبارها مادةً قابلة للتّكميم ومُناسِبةً لإجراء المقارنات بينها وبين غيرها من الظواهر الاجتماعية. إن تشييء الظاهرة الاجتماعية وتكميمها وإدراجها ضمن المقارنات هو ما يسمح لحقيقتها المادّية الموضوعية بالظهور. وإن بدت رمزيّتها (معناها، أو تعبيرها عن روح جمعيّة، أو روحيّتها كما تمثّلت لدوركهايم نفسه لدى تناوله الأشكال الأولية للحياة الدينية: المنظومة الطوطمية في أستراليا[2])، وجب تجاوُزها؛ لأنها مشوِّشة لإمكانيّة تَعْيِينها، ومظلِّلة لاستيعابها في الملاحظة.
وبوساطة مفهوم الظاهرة الاجتماعية، تمكّن دوركهايم من وضع أساس متين لتصوّرٍ نسقيٍّ للعلم الذي يمكن أن يدرسه، وهو علم مبني على الاختبار المُمَهِّدِ للاستنباط الاستنتاجي، تمامًا كما تعالج العلوم الوضعية الأخرى الظواهر الطبيعية التي تشتغل عليها. وبالفعل، استحضر دوركهايم خلال شرحه التنظيري الذي عالجها به، في الفصل الأول من كتابه المنهجي، علوم الفيزياء والكيمياء والفلك، بوصفها علومًا يُحتذى بها، واستند إلى نيكولاس كوبرنيكوس (Nicolaus Copernicus، 1473-1543)، وفرانسيس بيكون (Francis Bacon، 1561-1626)، ورينيه ديكارت (René Descartes، 1596-1650) وغيرهم لدعم أطروحته. وبهذا عيّن للعلم الجديد غايَةً تتمثلُ في استخراج القوانين العلمية التي تفسّر الظواهر الاجتماعية على غرار ما تفعل العلوم الطبيعية إزاء ما تشتغل به من ظواهر.
يقرّ دوركهايم في مؤلّفه التأسيسي أن على العلم، إذا ما أراد أن يكون موضوعيًا، أن ينطلق لا من المفاهيم الّتي تكوّنت، بل من التمثّل، أي ممّا يتلقاه الملاحظُ من الظواهر مُتَعاملًا مَعَها كما لو كانت أشياء، أي على اعتبارها بيانات (يستعمل دوركهايم اللفظة اللاتينية Data) تمثل نقطة انطلاق العلم. وبالطبع للظواهر الاجتماعية هذه الخاصية. ومن هذا المنطلق، يُربط ما بين تصور دوركهايم لعلم الاجتماع والتصور الوضعي للعلم، ذلك أن ما يمكن معالجته كما لو كان شيئًا خارجًا عن وعي الناس به، يتميز بكونه موضوعًا، بمعنى أنه يحتلّ موقعًا يجعله معطى للمعاينة والتمثل والإدراك (Positum). وتحت تأثير التصور الفيزيائي للعلم، ومواضيع العلم كما يقدمها أوغست كونت، يعلن دوركهايم أنه يندرج ضمن التصور الوضعي لعلم الاجتماع.
انتشاره
لم يكن وضعُ دوركهايم لمفهوم الظاهرة الاجتماعية، والنّسق المعرفي الذي بناه على أساسها، إلا مُقْتَرَحًا من بين مقترحات أخرى لتأسيس علم الاجتماع. وقد أحصت بعض تواريخ هذا العلم عشرات المعارضين لدوركهايم، منذ بداية ظهور كتاباته حتى وفاته[3]. ولم تكن كل تلك الانتقادات مُوَجَّهَةً إلى مفهوم الظاهرة الاجتماعية بذاته وإن طَالَتْهُ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولكن إحاطة دوركهايم نفسه بفريق من الباحثين، والأدوات التي استخدمها في نشر أطروحاته، مثل المجلات الدورية، والمدرسة التي كوّنها، ثم تتالي طبعات كُتُبه المختلفة وإعادة اكتشافها، ثم ترجمتها إلى لغات أخرى وتثبيتها في المقررات الدراسية، كلها عوامل مكّنته من انتشار متعاظم في فرنسا وخارجها. وأسهمت مؤسّسات بحثية مختصّة، مثل: المركز البريطاني للدّراسات الدوركهايمية بجامعة أكسفورد (BCDS) (1991)، ومجلة الدراسات الدوركهايمية Durkheimian Studies فيها (1995)، ومخبر الدراسات الدوركهايمية (Laboratoire d’études Durkheimiennes) في قسم علم الاجتماع بجامعة كيبيك في مونتريال (2010)، في انتشار أفكاره وتصوره للسوسيولوجيا.
كان لمارسيل موس (Marcel Mauss، 1872-1950) دورٌ أساسيٌ في التنظير السوسيولوجي منذ الصياغات الأولى لكتاب القواعد ثم لجملة من النصوص الأخرى. ولدى دراسة تبادل الأُعْطِيَاتِ والأعطيات المُقابلة في المجتمعات التي أسماها عَتيقَةً، قرَّرَ موس أنّ ما درسه يُعتبَر ظواهر اجتماعيّة كلية، في معنى أنها تحرّك المجتمع في كلّيته وسائر مؤسّساته أو عددًا كبيرًا منها، بحيث تعبّر فيها عن نفسها، سواء أكانت تلك مؤسساتٍ دينيَّةً، أو قانونيّة، أو أخلاقيّة، أو سياسيّة، أو عائليّة، أو اقتصاديّة (إنتاجًا وتَبادُلًا)، أو جماليّة.
وبهذا المعنى، اعتبر صياغة مفهوم الظاهرة الاجتماعية الكلّية تطورًا لافتًا لمفهوم الظاهرة الاجتماعية، من حيث توسيع شمول ما يمكن أن يشير إليه من ممارسات، ومؤسّسات، وأنساقٍ تمثّلية، وما يمكن أن يُغَطِّيَهُ من مجتمعات متباينة التّعْقِيد. وقد ترك المفهوم الجديد أثَرًا بالغًا في كتابات علماء الاجتماع، وعلى الخصوص بعد تجميع كلود ليڤي-شتراوس (Claude Lévi Strauss، 1908-2009) أعمال موس ونشرها في مجلد موحَّد عام 1950[4].
يمكّن مفهوم الظاهرة الاجتماعية الكلّية من الجمع ما بين البُعد العلميّ - الاجتماعيّ (التزامني) والبُعد التّاريخيّ (التّعاقبي) والبعد الفيزيائي- النفسي كما يقول شتراوس، مطبَّقًا على ظواهر المجتمع كَما يعيشها أفرادٌ محدّدون في مجتمعاتٍ بعينها، في لحظات معينة من تاريخها، أو في علاقة بأوجه تعاطيها مع محيطها. وفضلًا عن هذه الاستتباعات النّظريّة والتّحليلية، استلزم مفهوم الظاهرة الاجتماعية الكلّية استتباعات منهجية مخصوصة جعلت العالِم الملاحِظ يُعَايِن عالَمًا اجتماعيًّا هو، في آنٍ مَعًا، جزءٌ منه ومنفصلٌ عنه.
يُعد مفهوم الظاهرة الاجتماعية عند مارسيل موس انزياحًا عن التصور الدوركهايمي، ذلك أنه يسمح بإبراز الأبعاد الرمزية في الظاهرة، وكذلك بعدها الأخلاقيّ، والجماليّ، والرّوحي، والنفسيّ، والاعتقاديّ. وبذلك صار التّركيز على ما يصنع معناها كما يرتسم في اعتقاد ممارسيها وتمثّلهم، وكما يعبّرون عنه لدى ممارساتهم، من خلال الإيماءات والحركات والزّينة وسائر الأقوال والأهازيج التي تؤثث مراسم تقديم الأعطيات وتقبّلها والجواب عنها بأُعطيات مُقابلة.
ولقد أظهر مفهوم الظاهرة الاجتماعية الكلية أنه يتمتع بسمات توصيفية وتصنيفية وتنظيرية أكثر فاعلية مما لدى مفهوم الظاهرة الاجتماعية، وعلى الأخص لدى مقاربة مجتمعات غير المجتمعات الرأسمالية الصّناعية الأوروبية.
حدوده
على الرّغم من انتشار مفهوم الظاهرة الاجتماعية كما وضعه دوركهايم، وهيمنته في أوساط المشتغلين بعلم الاجتماع، خصوصًا الذين يتبنون الوضعية، فإنه كان موضوعًا لنقد متعدّد الأوجه. انصبت معظم هذه الانتقادات على تشييء دوركهايم للظاهرة الاجتماعية، ونزع البعد الإنساني والطابع الإرادي الواعي عنها، والتغاضي عن رمزيتها، والنزوع نحو ما يضاهي تأليهها، وعلى الأخص في كتاباته حول الظواهر الأخلاقية. كما تعلّقت أوجه أخرى من النّقد، بتوجيه تصور دوركهايم لمفهوم البحث في الظواهر الاجتماعية نحو تحديدية تفتقر إلى النسبية والجدلية، مُجَسّدَة نزعة سوسيولوجية بالغت في تقدير اجتماعية الظواهر والأشياء. كما انتقد حَصرَه التعاطي معها في ما يأتي به علم الاجتماع وحده من بين سائر العلوم، حتى الاجتماعية منها.
بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت تنتشر فكرة مفادها أن علم الاجتماع الدوركهايمي، وعلى الرغم من تأكيده على مادّيَة الظّواهر التي يدرسها واجتماعيتها، فإنّه ذو نزعة فلسفيّة وأخلاقيّة شبه دينية، وأنّه تنظيريٌّ ومُثْقَلٌ بالمناقشات الإبستيمولوجية المُستندة إلى الوضعية والعلموية الموروثة عن فترة ما قبل ظهور علم الاجتماع، وأنه كان يعمد إلى البناء النظري المفهومي للظواهر التي درسها (تقسيم العمل، والانتحار) قبل أن يعمد إلى ملاحظتها ملاحظة خِبْريّة[5].
وهناك في تاريخ علم الاجتماع أمثلة كثيرة على المقترحات المعارضة للتصور الدوركهايمي لعلم الاجتماع وللظاهرة الاجتماعية، على غرار أعمال جورج زيمل (Georg Simmel، 1858-1918)، وماكس ڤيبر (Max Weber، 1864-1920)، مرورًا بالتّفاعُلِيّين الرّمزيّين، والتّأويليّين الظّاهِرَاتِيّين أمثال ألفريد شوتس (Alfred Schütz، 1899-1959)، والإثنوميتودولوجيين (تيار الفردانية المنهجية)، وُصولًا إلى أنتوني غيدنز (Anthony Giddens، 1938-).
فضمن ما يُعتبر أول كتاب في علم الاجتماع يظهر في الولايات المتحدة الأميركية، اعتبر ليستر فرانك وارد (Lester Frank Ward، 1841-1913) العنصر الرئيس في فكرة علم الاجتماع هو الإقرار بانتظام الظواهر الاجتماعية وتماثل أشكالها، مستشهدًا بما أثبتته الإحصاءات، وما كان أوغست كونت قد أشار إليه. لاحقًا، اعتبر فرانكلين هنري غيدنغز (Franklin Henry Giddings، 1855-1931) في كتابيه نظرية علم الاجتماع (1894)، ومبادئ علم الاجتماع (1896) أن السلوك البشري يمكن أن يكون فرديًا، كما يمكن أن يكون جماعيًا. وفي هذه الحالة الأخيرة، يتطور السلوك نحو بلورة عداوات، وتنافس، ونزاعات، وكذلك توافقات، وتعاقد وأشكال من التعاون والمشاريع الجماعية. وعلى هذا الأساس، تكون الظاهرة الاجتماعية نتيجة لمتغيرَين اثنين، هما: الوضعية بمعناها النفسي، أي وضعية كل فرد معني من جهة، والسلوك الجماعي من جهة أخرى، بناءً على مبدأ يعتبر أن لكل شخص وعيًا فطريًا ينتمي إلى مجموعات اجتماعية معيّنة. وباعتبار هذا الوعي بالنوع أساس النظرية السوسيولوجية التي بناها غيدنز إذ كان مفهوم الظاهرة الاجتماعية مركزيًا فيها.
وعلى أساس معالجة التحولات الحضرية التي كانت تعيشها المدن الكبرى الأميركية الآخذة بالتكاثر (نيويورك، شيكاغو)، على أنّها تحولات إيكولوجية، اعتبر روبرت إزرا بارك (Robert E. Park، 1864-1944)، أن نموّ المدينة من حيث اتّساع الرقعة وكثافة عدد السكان ظاهرة اجتماعية. وجهُ الظاهرة البادي هو تجمّع الناس وتقاربهم بالسّكن في موقع جغرافي واحد، وإن كان مترامي الأطراف متعدد الأحياء، ولكن امتداداتها تشمل تغيّرات تتجلى في كل أنحاء المدينة وتمس النشاط المركزي فيها من حيث تعدّد المهن والوظائف، وتزايد قيمة الأراضي، وحركة الناس فيها. يرى بارك أن كل هذه المظاهر قابلة للقياس من خلال حركية السكان وتحديد فئات المواقع والوظائف وأعدادها. ولكن، ليست كلُّ الظواهر الاجتماعية قابلة للقياس على هذا النحو لأنّ منها ما يرتبط بالتفاعل الاجتماعي بين الناس، وهو تفاعل ليس مرجعه أفرادًا ثابتي الخصائص، بل مواقف واتجاهات ورؤى جماعيّة ومتغيرة. واعتبر بارك أن المواقع والوظائف والحركية يمكن أن تكون مؤشّرات لقياس الظاهرة الاجتماعية ووصفها وربما تفسيرها. وعلى هذا الأساس، قد يتيسّر اختزال الظاهرة الاجتماعية في حركات الأفراد الأساسية، كما تُخْتَزل الظواهر الفيزيائية والتفاعلات الكيميائية وخصائص المادة في التغيرات الأساسية التي تلحق بذراتها وجُزيئاتها. ولكنّ بارك ينبّه إلى أن الخطأ الذي تنطوي عليه هذه المماثلة هي اعتبار ما هو بشريٌّ ثابتًا على صورة ما هو طبيعي، وردّ الكيفي المتغيّر والمتعدد إلى الكمّي الثّابت والآحادي. ومن أجل دعم رؤيته، يستشهد بارك بجون ديوي (John Dewey، 1859-1952) الذي يعتبر أن المجتمع يكمُن في التواصل ويتأسس من خلاله، وهو تواصل غير قابل للاختزال في انتقال للطاقة بين فرد وآخر انتقالًا يمكن أن يتمثّل في الإيحاء أو التقليد، بل هو تواصل ينتهي إلى إحداث تغيير في كلا المتصليْن لا يتوقف على امتداد تجارب كل أفراد المجتمع وممارستها وتأثيرها في عقولهم.
بهذه التنظيرات وغيرها، شهدت الأعوام الأولى لتبلور علم الاجتماع والعمل على صياغة مبادئه ومفاهيمه ومناهجه وضعَ تعريفات وإعادة تعريف للظاهرة الاجتماعية في الكثير من البلدان الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأميركية. وخلال الربع الأول من القرن العشرين، كان اهتمام تيارات علم الاجتماع في الولايات المتحدة الأميركية منصبًّا على وضع تعريفات للظاهرة الاجتماعية تُبلور النزعة السلوكية، واستقرار النظر إلى الحياة الاجتماعية على أنها موضوعية، أي قابلة للملاحظة الخارجية بوضوح كافٍ يقتضي التخلّي عن تصوّرها على أنها لا تتضمن إلا أفعالًا فردية. كما صار مقبولًا على نطاق واسع القول بتشكّل هذه الأفعال ضمن مجموعات لها أنماط من الوجود خاصة، وهي أفعال تبني حياة اجتماعية ضمن بيئة اجتماعية مُحدّدة كما في مثال البيئة الحضرية. وضمن تباين مفهمات الظاهرة الاجتماعية، أدّت مختلف الاعتبارات التي بنى عليها علماء الاجتماع السلوكيون والتفاعليون تنظيراتهم، إلى تعريف للظاهرة الاجتماعية على أنّها تفاعلٌ ما بين كائنات بشرية حيّة تجيب بعضها بعضًا، أو كلّ سلوك يؤثّر في سلوك كائنات بشرية حية أخرى أو يتأثر بها. ومن خصائص هذا التعريف أنه تحليل وتأليف لخلاصات نظرية ومفهومية في ذات الوقت.
وباعتماد الأسس التي وضعها جورج هربرت ميد (George Herbert Mead، 1863-1931) في تنظيره للتبادل الرمزي، يمكن اعتبار الظاهرة الاجتماعية تفاعلًا ما بين كائنات بشرية، تنبني على تصرفاتهم التي تؤثر في هذا التفاعل بالذات، وبما يشمل أيضًا آثار تصرّفات سابقة أو تاريخية الوجود. بهذا الفهم، يمكن للظاهرة الاجتماعية أن تتجسد في التشكل الذاتي للشخصية، وفي تصرفات جماعية تشمل التفاعل الواعي وغير الواعي بين أفراد المجموعات، وتصرفات انعكاسية وعفوية. ويعتبر هذا التعريف الظاهرة الاجتماعية بالغة التركيب، تحوي ما هو خفيٌّ من التفاعلات، وما لا يُعَبَّر عنه بالكلمات المسموعة أو التصرفات المرئية، بالإضافة إلى الانفعالات والأحاسيس والردود المركّبة على الأحداث التي عاشها أناس ذوو أصول اجتماعية، وانتماءات مهنية، وهويات ثقافية وجندرية مختلفة وغيرها.
ومما يزيد الظاهرة الاجتماعية تركيبًا، هو أنّ أفراد مجتمع ما، وفي تماثل تصرفاتهم في سياقات محددة، يعيدون إنتاج بنًى تحكمها قواعد وقوانين ونواميس، هي بالتأكيد اجتماعية، ولكنها متعددة، ومتغيرة، ومتولدة عن تأثيرات متداخلة. إن عملية البيع والشراء كما تُمارَس يوميًّا في الأسواق من كل الأنواع في مختلف المجتمعات مثلًا تمثّل ظاهرة اجتماعية فيها تقدير للقيمة، وتبادل لها (القيمة المالية للثمن المدفوع مقابل القيمة الاستعمالية للمنتوج)، وتجسيدٌ للثقة المتبادلة ما بين البائع والشاري في موثوقية القيم المتبادلة بينهما، يصاحبهما تبادلٌ لإيماءات، وحركات، وكلمات مناسبة لسياق البيع والشراء. ولكن هذا السّياق مختلف من سوق تقليدية إلى سوق عصرية، ومن سوق زراعية إلى سوق صناعية أو خدمِيّة، ومن سوق تُتبادل فيها السلع مقابل السلع، وأخرى تُتبادل فيها السلع مقابل النقود، أو الصكوك البنكية، أو تعهدات الدّفع المؤجّل. وفضلًا عن كل هذه العناصر السياقية، وبسببها في غالب الأحيان، يمكن لدلالات الكلمات المستخدمة خلال عملية البيع والشراء أن تتباين بين مستعمل لها وآخر بحيث يكون وقعها ومصداقيتها مختلفين بينهما. وتعني كل هذه التعقيدات أن كلًّا من البائع والشاري يخضعان في الوقت ذاته إلى قواعد تصرّف اجتماعية اقتصادية من خلال القيم المتبادلة، وقانونية من حيث مطابقة السلعة لمواصفاتها المعلنة، وأخلاقية بما يتناسب وقضية الثقة. وباعتبار أن هذه القواعد مختلفة الفهم والتقبل بين المتفاعلين، يكون من الضروري منهجيًّا عند دراساتها اعتماد منظور جدلي يعطي نفس الأهمية في تفسير وجهات النظر المتقابلة لدى الفاعلين الاجتماعيّين خلال وضعيات تفاعلهم كما تحدث.
التصور | الأساس النظري | نقاط القوة | الحدود/النقد |
|---|
دوركهايم (وضعي) | الظاهرة الاجتماعية شيء مستقل عن الفرد، يُدرس كموضوع خارجي. | أسس لعلم الاجتماع كعلم مستقل، أعطى الشرعية للدراسة العلمية. | تجاهل دور الفرد والتفاعلات الدقيقة. |
لاوضعي (موس/مدارس لاحقة) | الظاهرة الاجتماعية كُلية ومعقدة، ترتبط بالمعنى والسياق والثقافة. | يعطي أبعادًا شمولية وثقافية أعمق. | صعوبة في القياس الدقيق أو إخضاعه للتجريب. |
حدود التعريف الدوركهايمي للظاهرة الاجتماعية
التصور اللاوضعي للمفهوم
كثيرًا ما أدى النقاش حول تعريف الظاهرة الاجتماعية إلى نقاشٍ أوسع حول أسُس علم الاجتماع، وفيه تبلورت أطروحات متعددة منها الوضعي، كما تجسّد لدى دوركهايم، ومنها اللاوضعي، كما تَبلْورت في الظاهراتية التي تتأسَّس على القول إن الواقع مبنيٌّ اجتماعيًا، بمعنى أَنه ليس له وجودٌ موضوعيٌّ خارجَ وعي الأفراد به وخبرتهم بِهِ. كما انْبَنَتْ الأطروحة الفردانيّة، التي تعتمد نظريّة الاختيار العقلاني على القول إن الواقع الاجتماعي لا يشتغل على مستوى كلّية الوجود الاجتماعي، بل على مستوى الأفراد، بحيث يتشكّل الجماعي بوصفه تركيبًا تراكميًا لمسارات ذاتية تقودها استراتيجيات مصلحية متفردة[6].
في خضم هذا النقاش، يُطرح السؤال عما إذا كان ممكنًا اعتماد الاعتبارات النظرية نفسها وتطبيق التوصيات المنهجية نفسها لدى تناول أمثلة ظواهر اجتماعية متباينة المكونات والمظاهر والسياقات، مثل: الهجرة، والعنف، والزواج، والطلاق، والعنصرية، والبطالة، والفقر، والتفاوت الاجتماعي، والاستقطاب السياسي، والشعبوية، والتمدرس، والتغير المناخي، والتديّن، والاستيعاب الثقافي وغيرها. إزاء هذا التعدّد يبدو التعريف الأبسط والأيسر استخدامًا لمفهوم الظاهرة الاجتماعية هو الذي يرى فيها كل سلوك منتظم التكرار، أو تفكير نمطي، أو فعل مقعّد يحدث في مجتمع ما أو مجموعة اجتماعية تتكون من أفراد متماثلي الصفات. أما الاعتبارات النظرية والمفهومية والمنهجية التي يستوجبها القبول بمثل هذا التعريف، فتتجه نحو بلورة معالجةٍ للظاهرة الاجتماعية تتجاوز محدودية تفسيرها تفسيرًا سببيًّا أحاديًّا ضيّقًا.
وبالفعل، تبدو الظاهرة الاجتماعية للكثير من الباحثين ذات طبيعة متعدّدة العوامل، إذ يعتبرون أن دراستها بحثيًّا بالتركيز على ثنائية الترابط ما بين متغيرين اثنين، يُعتبر أحدهما سببًا والآخر نتيجة له، تفكيرًا آحاديًا، ويعيبون عليه المسارعة إلى استخلاص ترابط سببي ما بين متغيرين اثنين لمجرد ترافقهما في المكان أو الزمان. وفي المقابل، يبرز اقتراحُ اتّخاذ مسار تحليلي يتكوّن من خطوتين: خطوة أولى تعتمد التفسير التّكويني للظواهر الاجتماعية بالعودة إلى تشكّلاتها في الزمان وفي المكان، وبالتعرّف إلى فاعليها، وتتّبع آثارها في ظواهر أخرى، وفي فاعليها هم ذواتهم، ثم خطوة ثانية تعتمد التفسير السّببي تفسيرًا يستمدّ معطياته من التفسير الأول، إذ يحدّد المتغير المستقل (سبب) والمتغير التابع (نتيجة). وفي الكثير من الأحيان تؤول هذه الخطوة الثانية إلى اعتماد تفسير تركيبي لا يكتفي بمتغير واحد، لا عند تحديد السبب، ولا عند تعيين النتيجة.
من ناحية أخرى، تحيل مثل هذه الاستراتيجيات التحليلية في دراسة الظاهرة الاجتماعية إلى إبراز التوتّر الذي يقابل ما بين وجهات النظر التي تُسند الدّور الأساس في نشأة الظواهر الاجتماعية وتحوّلها إلى الفاعل الاجتماعي، وهو غالبًا ما يُصوَّر على صيغة الفاعل الفرد، وبين تلك التي تسند ذلك الدّور الأساس إلى البنى الاجتماعية. ويلحّ هذا التقابل على أن هذه البنى ذات وجود تاريخي مديد، وخارج سيطرة الأفراد فضلًا عن أنّها ذات قدرة أكبر من قدرة الأفراد، وحتى المجموعات الصغيرة، على الثبات والاستمرار وإعادة إنتاج نفسها.
فإذا ما عُولجِت الظاهرة الاجتماعية بمفهمتها مفهمة لاوضعية، يكون المنهج الكيفي أكثر ملاءمة من المنهج الكمي؛ لأنه الأنسب لتيسير فهم المعاني التي يضفيها الفاعلون الاجتماعيون على تصرّفاتهم وتعابيرهم الكلامية وغير الكلامية، وترميزهم لها دينيًّا وثقافيًّا وجندريًّا وطبقيًّا وغيرها. بل يعتبر متبنّو المنهج الذي يحث على استخراج النظرية من العمل الميداني، لا من الأطر النظرية القائمة، أنّه من غير الممكن معالجة الظاهرة الاجتماعية، وحصر كامل مكوناتها ومستوياتها ومجرى تحولها، من دون معرفة ما يقوله الناس الذين تُجرى معهم الدراسة حيال إشكالية البحث في حدّ ذاتها. وفي هذه الحالة يكون الباحث ذاته هو الأداة الرئيسة في تجميع المعطيات والبيانات من الميدان، بما يسمح له بإعادة تركيب الظاهرة الاجتماعية بمجمل مكوناته. ولكن إعادة التركيب هذه لا يمكن أن تكتمل إلا إذا أخذ بعين الاعتبار المعاني التي يضفيها الناس على ما يقومون به، وكان على اطلاع على مختلف العمليات الذهنية، والتصورية، والتمثلية، التي تنبني عليها تصرّفاتهم خلال ما يعتبرونهُ هُمْ تصرّفاتهم المعتادة خلال حياتهم اليومية، ويعتبرها الباحث ظاهرة اجتماعية. وعلى هذا الأساس، أكثر ما يصح في معالجة الظواهر الاجتماعية هو اعتماد التنويع المتقاطع بين تقنيات البحث ممثلة في الاستبانة، والمقابلات، وسير الحياة، والدراسة الوثائقية، ودراسة الحالة، أو بين البيانات والمعطيات الإحصائية وغير الإحصائية، أو بين المناهج التحليلية الكمية والكيفية. ويمثل هذا التنويع المتقاطع متعدد المستويات، ضمانةً تجاه نقص بعض المعطيات، وعدم قدرة بعض التقنيات على الوصول إلى عمق الظاهرة الاجتماعية المدروسة، وإزاء التحيّز المحتمل في التحليل لدى الاقتصار على اعتماد الأساليب التأويلية.
المراجع
العربية
دوركهايم، إميل. قواعد المنهج في علم الاجتماع. ترجمه وقدّم له محمود قاسم، راجعه السيد محمد بدوي. مصر: دار المعرفة الجامعية، 1988.
الأشكال الأولية للحياة الدينية: المنظومة الطوطمية في أستراليا. ترجمة رندة بعث. الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
الأجنبية
Béra, Matthieu. “Durkheim en débat: La critique de Durkheim dans quelques ouvrages d'introduction à la sociologie.” Idées économiques et sociales. vol. 178, no. 4 (2014).
Boudon, Raymond. “Théorie du choix rationnel ou individualisme méthodologique?” Revue du MAUSS. no. 24.
Durkheim, Emile. Les formes élémentaires de la vie religieuse Le système totémique en Australie. Paris: Alcanm, 1912.
Rafie, Marcel. “Positivisme chez Émile Durkheim.” Sociologie et sociétés. vol. 4, no. 2 (1972). pp. 275-287.
Strauss, Claude Lévi. Introduction à l'œuvre de marcel mauss. Paris: PUF, 1950.
[1] تُرجم الكتاب أول مرة إلى اللغة العربية عام 1988، يُنظَر: إِميل دوركهايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمه وقدّم له محمود قاسم، راجعه السيد محمد بدوي (مصر: دار المعرفة الجامعية، 1988).
[2] صدر الكتاب أول مرة عام 1912، يُنظر:
Emile Durkheim, Les formes élémentaires de la vie religieuse Le système totémique en Australie (Paris: Alcan, 1912).
وللاطلاع على ترجمة عربية، يُنظر:
إميل دوركهايم، الأشكال الأولية للحياة الدينية: المنظومة الطوطمية في أستراليا، ترجمة رندة بعث (الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019).
[3] Matthieu Béra, “Durkheim en débat: La critique de durkheim dans quelques ouvrages d'introduction à la sociologie,” Idées économiques et sociales, vol. 178, no. 4 (2014), pp. 45-55.
[4] صدرت هذه الأعمال تحت عنوان:
Claude Lévi Strauss, Introduction à l'œuvre de marcel mauss (Paris: PUF, 1950).
[5] Marcel Rafie, “Positivisme chez Émile Durkheim,” Sociologie et sociétés, vol. 4, no. 2 (1972), pp. 275-287.
[6] Raymond Boudon, “Théorie du choix rationnel ou individualisme méthodologique?” Revue du MAUSS, no. 24, pp. 281-309.