تسجيل الدخول

حصار نيقية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

اسم الحدث

حصار نيقية

التصنيف

حدث من أحداث الحملة الصليبية الأولى (489-492هـ/ 1096-1099م)

الزمان

490هـ/ 1097م

المكان

مدينة نيقية (إزنيق حاليًا) شمال غربي آسيا الصُّغرى (الأناضول)

الأطراف

الصليبيون (حملة الأمراء)، وسلاجقة الروم، والإمبراطورية البيزنطية

أبرز القادة

· للسلاجقة: قلج أرسلان الأول

· للبيزنطيّين: الإمبراطور ألكسيوس الأول كومنينوس

· للصليبيّين: بوهيمند النورماني، وجودفري البوايوني، وريموند السانجيلي

القوى التقريبية

·

أبرز النتائج

· سقوط نيقية وعودتها إلى السيطرة البيزنطية

· تمهيد الطريق لتقدُّم الصليبيّين نحو دوريليوم (ضورليم) ثم أنطاكية



حصار نيقية (490هـ/ 1097م) حدثٌ من الأحداث الحاسمة في الحملة الصليبية الأولى (489-492هـ/ 1096-1099م)، جرت وقائِعُها عند مدينة نيقية (إزنيق حاليًا) شمال غربيّ آسيا الصُّغرى (الأناضول)، عقب عبور الصليبيّين من القسطنطينية (إسطنبول حاليًا) وتوجُّهِهم مباشرةً إلى حصار المدينة التي كانت عاصمة سلاجقة الروم

استمرَّ حصار نيقية 6 أسابيع، وانتهى باستسلام الحامية بعد فشل السلطان السلجوقي قلج أرسلان الأول (471-500هـ/ 1079-1107م) في التصدّي للحملة الصليبية، بعد أن مُني بالهزيمة فاضطر إلى الانسحاب، تاركًا المدينة تحت الحصار. وفي 490هـ، الموافق 19 حزيران/ يونيو 1097م، سَلَّمت نيقية نفسها إلى البيزنطيّين، بعد مفاوضات سرّية مع الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنينوس (Alexios I Komnenos، 1057-1118)، فأثارت شروط التسليم استياء قادة الحملة. شكَّلَ سقوط المدينة أوّل انتصار بارز للصليبيين، ومهَّدَ الطريق لتقدُّمهم باتجاه ضورِلَيم (دوريلَيوم، Dorylaeum) وأنطاكية.

خلفية تاريخية

شهدت آسيا الصُّغرى تحوّلات عميقةً في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، بسبب التوسُّع السلجوقي عقب معركة ملاذكرد (463هـ/ 1071م)، فقد خسر البيزنطيّون مساحات شاسعة من جانبهم الآسيوي لصالح السلاجقة، الذين اتَّخذوا نيقية عاصمةً لهم في آسيا الصُّغرى. اضطر الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنينوس إلى طلب مساعدة أوروبا للوقوف في وجه المَدِّ السلجوقي، واستعادة ما فقدته الإمبراطورية على أيديهم. غير أنّه لم يكن يعني بهذه المساعدة انطلاق سلسلة من الحملات العسكرية -فيما عُرِف لاحقًا بالحملات الصليبية- نحو الشرق على مدار قرنَيْن من الزمان. غير أنَّ البابا حينئذٍ، أوربان الثاني (Urban II، 1042-1099)، استغلَّ طلب الإمبراطور البيزنطي المساعدةَ ضد المسلمين، ليُحقِّقَ هدفَيْن سياسيَّيْن دينيَّيْن: إذ رأى في الأزمة فرصةً لإنهاء القطيعة الكُبرى بين الكنيستَيْن الشرقية والغربية؛ وإعادة تأكيد سيادة البابوية على العالم المسيحي. وبعد لقائه المبعوثين البيزنطيّين، دعا إلى مجمع كليرمون (Council of Clermont) بفرنسا عام 1095، حيث ألقى خطبته الشهيرة (Sermon of Urban)[1] التي حرَّضَ فيها الفُرسان الأوروبيّين -خصوصًا الفرنسيّين- على حمل السلاح لتحرير الأراضي المُقدَّسة من المسلمين، وإنقاذ المسيحيّين الشرقيّين من الظلم والاضطهاد. وهكذا، تحوَّلت استجابة البابا لنداء بيزنطة إلى مشروع صليبي واسع، استغلَّ فيه الدِّينَ لتوحيد أوروبا الغربية تحت راية روما[2]، فكانت أولى الحملات الصليبية. لكن، قبل انطلاق الحملة النظامية الذي كان مُقرَّرًا في 15 آب/ أغسطس 1096[3]، انطلقت جماعات غير مُنظَّمة مِن العامّة، تحت قيادة بطرس الناسك الذي تحرَّك من كولونيا في عام 487هـ، الموافق نيسان/ أبريل 1095، ناحية القسطنطينية، مع فئاتٍ من المُشرَّدين والفقراء وقلّةٍ غير منضبطة من الفرسان، فعُرِفت تلك الجماعات بحملة العامّة وحملة الفقراء أو الحملة الشعبية (People's Crusade, Peasants' Crusade, or the Popular Crusade). لذلك، اضطُر الإمبراطور البيزنطي إلى تأمين عبورهم سريعًا إلى آسيا الصُّغرى لتفادي مشكلاتهم داخل أراضيه، غير أنهم اصطدموا سريعًا بالجيش السلجوقي بقيادة السلطان قلج أرسلان قرب نيقية، في معركة سيڤيتوت (Civetot) عام 489هـ، الموافق أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 1096م، التي انتهت بمجزرة كبيرة راح ضحيّتها معظم أفراد الحملة[4]. وقد مَثَّلت تلك المعركة صدمةً للصليبيّين، فزادت من نزعتهم إلى القتال بدوافع انتقامية أيضًا، ومَهَّدت للحملة النظامية التالية، في حين أنها أَغْرَت السلاجقة بالاطمئنان والاستهانة بالخطر الصليبي القادم[5].

وصلت الجموع الصليبية النظامية، التي مَثّلت رسميًا الحملة الصليبية الأولى، إلى أسوار القسطنطينية تباعًا، بين نحو شهري ذو القعدة 489هـ، تشرين الثاني/ نوڤمبر 1096؛ وربيع الثاني 490هـ، نيسان/ أبريل 1097، بقيادة عددٍ من الأمراء البارزين، مثل: هيو كونت ڤيرماندوا (Hugh of Vermandois، 1057-1101)، الذي لُقّب كذلك بـ"هيو العظيم"؛ وجودفري البوايوني (Godfrey of Bouillon، 1060-1100)، الذي أصبح لاحقًا الحاكم الصليبي الأول لِمملكة بيت المقدس (حكم بين عامَي 1099 و1100)؛ وأخيه بلدوين كونت بولونيا (Count of Boulogne)، الذي سيحكم الرها ثم مملكة بيت المقدس تحت مُسمَّى بلدوين الأول (Baldwin I، 1060-1118)؛ وبوهيمند أمير تارانتو النورماني (Bohemond of Taranto، 1058-1111)، الذي عُرف لاحقًا ببوهيمند الأول حاكم أنطاكية (Bohemond I of Antioch، 1054-1109)؛ علاوة على تنكرد النورماني، المعروف بالماركيز تنكرد (Tancred the Marquis، 1075-1112)، الذي أصبح لاحقًا حاكم إقطاعية الجليل تحت الحكم الصليبي؛ وريموند السانجيلي كونت تولوز (Raymond IV of Toulouse، 1041-1105)؛ روبرت الثاني كونت فلاندرز (Robert of Flanders، 1065-1111)، ويُلقَّب بروبرت المقدسي (باللاتينية: Robertus Hierosolimitanus)؛ وروبرت الثاني النورماندي (Robert Curthose، نحو 1051-1134)؛ وأخيرًا ستيفن كونت بلوا (Stephen, Count of Blois، نحو 1045-1102). قاد هؤلاء عدّة جيوش متجهةٍ نحو شرق المتوسط حيث بلاد الشام والأراضي المقدسة، فيما عُرف بحملة الأمراء (Princes’ Crusade) أو الحملة النظامية. وبعد مفاوضات لإبرام معاهدة مع الإمبراطور ألكسيوس، عبَرَت القوّات مضيق البوسفور مُتّجهةً إلى آسيا الصُّغرى، بعد أن قَدَّم قادتهم -وبدرجات متفاوتة- تعهُّداتٍ بالولاء للإمبراطور، مُتعهّدين بِرَدِّ ما يُستعاد من الأراضي التي كان السلاجقة قد انتزعوها من البيزنطيّين في آسيا الصُّغرى، وفي مقدّمتها مدينة نيقية، مقابل التزامه بتأمين احتياجاتهم من المُؤن والأدلّاءِ والدعم العسكري[6].

موقع نيقية وتحصيناتها

تقع مدينة نيقية شمال غربيّ آسيا الصُّغرى، وقد شُيِّدت ضمن مُخطَّطٍ عمرانيّ على شكلٍ شبه مُنتظِم، تبلغ مساحته نحو 4 أميال مربّعة (أي أكثر من 10 كيلومترات مربّعة)، وتُحيط به أسوارٌ بارتفاعٍ يزيد قليلًا على 30 قدمًا (أي أكثر من 9 أمتار)، تدعمها عشرات الأبراج التي يبلغ ارتفاعها ضعف ارتفاع الأسوار تقريبًا. ولِكُلِّ جانبٍ من جوانب الأسوار بوابةٌ رئيسة، على النحو الذي يُمكِن من مركز المدينة فيه تتبُّع الشوارع الأربعة الكُبرى المؤدّية مباشرةً إلى هذه الأبواب. وكان الجدار الغربي للمدينة مَحميًا ببحيرة أسكانيان (بحيرة إزنيق الحالية)، في حين أن بقية الأسوار دُعِمت بخندق مائي مزدوج عَزَّز من قدراتها الدفاعية[7].

أحداث الحصار والسقوط

عَبَرت القوّات الصليبية مضيقَ البوسفور تباعًا إلى آسيا الصُّغرى، رفقة قوّة عسكرية بيزنطية بلغ عددها نحو 2000 رجل، بقيادة تاتيكيوس {{تاتيكيوس: (Taticius، نحو 1048-1110) قائد عسكري بيزنطي من أصل تركي، وخادم مُخلِص للإمبراطور ألكسيوس الأول كومنينوس. رافقَ الحملةَ الصليبيةَ الأولى مُرشِدًا وقائِدًا للقوات البيزنطية في حصار نيقية وأنطاكية، وكان انسحابُه من أنطاكية (1098) سببًا في إثارة الشكوك بين الصليبيين والبيزنطيين.}} مُمثّلِ الإمبراطور البيزنطي، ليُرشد جيش الصليبيّين في أولى مهمّات حملته في مواجهة السلاجقة، وهي مهمة حصار نيقية، التي كان لا بُدّ للحملة مِن أن تُسقطها لتأمين طُرق الاتصال والإمداد بين الإمبراطورية البيزنطية وبلاد الشام[8].

استفادت الحملة من أن السلطان السلجوقي قلج أرسلان الأول كان بعيدًا عن نيقية، في ظل النزاعات مع الأُمراء الدانشمنديين {{الدانشمنديون: سلالة تركمانية حكمت أجزاءً من وسط شرقي الأناضول وشماله في القرنَيْن الخامس والسادس الهجريَّيْن/ الحادي عشر والثاني عشر الميلاديَّيْن، وقد أدت دورًا بارزًا في مقاومة الحملات الصليبية المبكّرة، ولا سيما حملة عام 494هـ/ 1101م، وأُسِر زعيمها كمشتكين بوهيمند الأول أمير أنطاكية.}} على السيادة في مَلَطية، تاركًا عاصمته تحت حراسة حامية قوية، لكنها غير كافية عدديًا لمواجهة حشود كبيرة كالحشود الصليبية التي حاصرتها، إذ كان يظنّ أنه قضى فعلًا على التهديد الصليبي بهزيمة حملة العامّة[9].​

ن​حو شهر جمادى الأولى 490هـ، في الفترة من 6 إلى 14 أيار/ مايو 1097م، بدأ الصليبيون في فرض الحصار على نيقية، فتمركَزَ بوهيمند أميرُ تارانتو النورمانيّ وجيشُه من النورمان على طول السُّور الشمالي، في حين اتَّخذ جودفري البوايوني وروبرت الثاني كونت فلاندرز مواقعهما في الشرق. أمّا ريموند السانجيلي، فقد احتلَّ موقعًا عند البوابة الجنوبية[10]، ثم انضمَّ إليه لاحقًا كُلٌّ من روبرت الثاني النورماندي وستيفن كونت بلوا في الجبهة ذاتها[11]. وقد شَكَّل هذا الانتشار قوةً عددية ضخمة، قَدَّرَها أحد المؤرّخين بنحو 30 ألف مقاتل[12]. وقَدَّرَها بعض الباحثين بنحو 4200 إلى 4500 فارس، و30 ألفًا من المُشاة. في حين رفَعَها آخرون إلى قرابة 43 ألف مقاتل[13]، بل إن أحد الذين حضروا الحصار صَرَّح -بمبالغة- أنهم كانوا نحو 600 ألف مقاتل، علاوة على غير المقاتلين[14]. ومهما يكن من اختلاف التقديرات، فإن المدينة وجدت نفسها أمام حشد نظامي هائل.

وصلت أولى قوّات الإغاثة إلى نيقية مباشرةً بعد وصول ريموند السانجيلي، لكنها وجدت المدينة مُطوَّقة تمامًا من الجهة البرّية. وبعد مناوشات قصيرة غير ناجحة مع قوّات ريمون، انسحبت هذه القوة لتنتظر قدومَ قوّات الجيش السلجوقي بقيادة السلطان. وكان الإمبراطور ألكسيوس قد أوعز إلى مانويل بوتوميتيس {{مانويل بوتوميتيس: (Manuel Boutoumites، توفي بعد عام 1112) قائد ودبلوماسي بيزنطي بارز في عهد ألكسيوس الأول كومنينوس، ومِن أقرب مُعاونيه. أسهم في استعادة نيقية من السلاجقة وإعادة فتح قيليقية، ومَثَّل الإمبراطور في عدة بعثات إلى الصليبيين.}} بالتواصل سرًّا مع حامية المدينة، التي دعاه قادتُها، عند انسحاب قوة النجدة السلجوقية، إلى دخول نيقية بموجب عهد أمانٍ للتفاوض بشأن شروط استسلام الحامية. وقد قبل بوتوميتيس العرض، غير أن الأخبار سرعان ما وصلت بأن السلطان السلجوقي يقترب بجيشه، فانقطعت المفاوضات[15].

وفي نحو جمادى الآخرة 490هـ، في 21 أيار/ مايو 1097، وصلت القوّات بقيادة السلطان، فهاجمت الصليبيّين من الجنوب، ظنًّا منه أن تلك الجهة خالية. غير أنّ ريمون كان قد أحكم حصاره هناك، ما أفشل محاولات السلاجقة لاختراق الصفوف إلى داخل المدينة. ومع حلول اللّيل، اضطر السلطان إلى الانسحاب نحو الجبال، وتَرَكَ نيقية لمصيرها[16]، مُوصيًا الحامية بالتصرّف وفق ما تراه مناسبًا[17]، وقد كان يعرفُ مِن قَبْلُ أنها تُؤثِر السّلامة والحصول على الأمان بتسليم المدينة إلى ألكسيوس[18].

في أثناء احتفال الصليبيين بالنَّصْر، أجهزوا على الجرحى بقطع رؤوسهم مع غيرهم مِن القتلى، وحملوها مبتهجِين إلى رفاقهم الذين كانوا في المعسكرات المحيطة بالمدينة. جُمِع كذلك نحو ألف رأس من رؤوس الأتراك في العَرَبات والأكياس، وأُرسِلت إلى ألكسيوس. في حين ثُبِّتَت رؤوسٌ أخرى على أطراف الرماح، ما ألقى الرعب في قلوب السلاجقة حين شاهدوا ذلك المنظر[19]. ومع زوال خطر الإغاثة الخارجية، شنَّ الصليبيّون هجماتٍ مُباشِرةً على الأسوار، باستخدام الأبراج الخشبية والمجانيق والكباش والأقواس والسِّهام، لكنَّ الحامية السلجوقية صَدَّت الهجمات بقوة، مُستخدِمةً المقاليع والنفطَ المغلِيَّ والحجارة. ردًّا على ذلك، لجَأ الصليبيّون إلى حفر خنادق وتشييد عدّة نماذج متطوّرة من الآلات المُستخدَمة في الحصار؛ فكان النموذج الأول منها قد بناه الجنود الألمان، ويُسمّى "الثعلب"؛ أمّا النموذج الثاني، فبناه فرسان إقليم بروڤنس (Provence)، ويُسمّى "السلحفاة"؛ في حين شارك مُهندِسٌ من لومبارديا بنموذجٍ آخر جديد[20]، ما مَكَّنَهم من تقويض أساسات أحد الأبراج وحرقها، إلّا أنَّ السلاجقة استغلّوا الليل في تجديده بقوة[21].

سرعان ما اتَّضَح لاحقًا أن الحصار لم يَكُن مُحكَمًا، إذ استمرَّت الإمدادات والمُؤن في الوصول إلى نيقية عبر بُحيرة أسكانيان[22]. عندئذٍ، أَمَرَ الإمبراطور ألكسيوس بطلبٍ من الصليبيّين، بنقل عددٍ من السفن البيزنطية بَرًّا من سيڤيتوت إلى البُحيرة غرب المدينة، لإغلاق الميناء الداخلي وقطع أي إمدادات سلجوقية[23]. كانت تلك السُّفُن مُزوَّدةً برؤوس حيوانات مُرعِبة، تقذف النار الإغريقية {{النار الإغريقية: مادة حارقة ابتكرها البيزنطيون في القرن السابع الميلادي، واستخدموها في معاركهم البحرية. كانت قذائفَ مشتعلةً تُقذَف من أنابيب من السفن، وتستمرّ في الاحتراق فوق الماء، وظَلَّ تركيبها سرًّا عسكريًا شديد الكتمان.}} على السُّفُن السلجوقية الراسية في البُحيرة. كان ذلك -على الأرجح- أول تجربة مباشِرةٍ للصليبيّين لهذا السلاح المَهيب[24]. لم يقتصر الدَّوْر البيزنطي في المعركة على الدعم بالقوة العسكرية، بل شمل أيضًا تزويد الجيش بالأخشاب والمسامير اللازمة لبناء آلات الحصار، فضلًا عن إمدادهم بالطعام بانتظام لتجنيبهم التشتُّت في البحث عن المُؤن[25].

مع استمرار الحصار، فَضَّلَ الإمبراطورُ مواصلةَ مساعيه الدبلوماسية لحسْم الموقف بالسياسة بدلًا مِن المُخاطَرة بتدمير المدينة، فأرسل مبعوثه بوتوميتيس سرًّا إلى الحامية مرةً أخرى، عارضًا ضمانَ سلامتهم ومُمتلكاتهم، ومنعَ دخول الصليبيّين إلى المدينة، إلى جانب هِباتٍ مالية سَخيّة مُقدَّمة إلى السلاجقة جميعهم في نيقية بلا استثناء، في مقابل تسليم المدينة إلى البيزنطيّين[26].

وفعلًا، ومع الشعور بالإنهاك والعُزلة، وافقت الحامية على الاستسلام. وفي نحو عام 490هـ، في صباح يوم 19 حزيران/ يونيو 1097، الذي كان مُقرَّرًا فيه شَنّ هجوم شامل، فوجِئ الصليبيّون براياتٍ بيزنطية تُرفرِف فوق أسوار المدينة، إيذانًا بخضوعها للإمبراطور[27].

النتائج والتداعيات

بعد الاستسلام، عادت مدينة نيقية إلى السيادة البيزنطية، ما منَحَ الإمبراطورية مُتنفَّسًا استراتيجيًا مُهمًّا[28]. غير أن ترتيبات ألكسيوس السرّية أثارت استياء الصليبيّين الذين حُرِموا من نَهْب المدينة[29]، رغم ما وزَّعَهُ عليهم من عطايا تعويضًا عن الغنائم التي فاتتهم[30]. استغرب الصليبيّون كذلك من تسامُح الإمبراطور مع أسرى السلاجقة، واستقبال زوجة قلج أرسلان في القسطنطينية بتشريفٍ مَلَكي قبل إعادتها إلى زوجها من دون فدية[31]. وبدأ الشكّ يساورهم في أنَّ الإمبراطور البيزنطي قد يتحالف مع السلاجقة ويستخدمهم ليقاتل بهم الصليبيّين أنفسَهُم، لفرض السيطرة البيزنطية على ما استولى عليه الصليبيون مِن أراضٍ، وما قد يستولون عليه لاحقًا. ظَلَّت هذه الشكوك بين البيزنطيّين والصليبيين قائمةً طوال مدة الحروب الصليبية، حتى استولى الفرنجة أنفسهم على القسطنطينية، فيما عُرف بالحملة الصليبية الرابعة (599-600هـ/ 1202-1204م) كذلك مَنَعَهم بوتوميتيس، الذي صار الحاكم البيزنطي الجديد للمدينة، من زيارة نيقية إلا في جماعات صغيرة، منعًا للفوضى[32]، فزاد ذلك من توتّرهم تجاه البيزنطيّين. ومع ذلك، عُدَّ سقوط المدينة انتصارًا حاسمًا أنعش آمال الصليبيّين للمَسير قُدمًا نحو بيت المقدس وتحقيق مزيد من الانتصارات، وأحدث صدًى واسعًا في أوروبا، شجَّعَ المتطوّعين والمُدن الإيطالية على دعم جيوش الحملة الصليبية الأولى في مواصلة مَسيرها نحو بلاد الشام، في حين تهيَّأ فرسان الحملة الصليبية الأولى وجنودها لمتابعة المَسِير نحو القدس[33].

المراجع

العربية

الشيخ، محمد محمد مرسي. عصر الحروب الصليبية في الشرق. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2004.

طقوش، محمد سهيل. تاريخ الحروب الصليبية: حروب الفرنجة في المشرق (489-690هـ/ 1096-1291م). بيروت: دار النفائس، 2011.

عاشور، سعيد عبد الفتاح. الحركة الصليبية: صفحة مشرّفة في تاريخ الجهاد الإسلامي في العصور الوسطى. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2009.

عمران، محمود سعيد. تاريخ الحروب الصليبية، 1095-1291. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1998.

قاسم، قاسم عبده. الخلفية الأيديولوجية للحروب الصليبية: دراسة عن الحملة الأولى، 1095-1099م. القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1999.

كومنينا، أنّا. ألكسياد. ترجمة حسن حبشي. ط 2. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009.

يوسف، جوزيف نسيم. العرب والروم واللاتين في الحرب الصليبية الأولى. ط 3. بيروت: دار النهضة العربية، 1981.

الأجنبية

Albert of Aachen. Albert of Aachen's History of the Journey to Jerusalem, Vol. 1: Books 1-6. The First Crusade, 1095-1099. Susan Edgington (trans.). London: Routledge, 2016.

Frankopan, Peter. The First Crusade: The Call from the East. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2012.

Fulcher of Chartres. A History of the Expedition to Jerusalem, 1095-1127. Harold S. Fink (ed.). Frances Rita Ryan (trans.). Knoxville: University of Tennessee Press, 1969.

Hill, Rosalind (ed.). Gesta Francorum et aliorum Hierosolimitanorum. Oxford: Clarendon Press, 1962.

Lambert, Malcolm. Crusade and Jihad: Origins, History and aftermath. London: Profile Books, 2016.

Madden, Thomas F. The Concise History of the Crusades. 3rd ed. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2014.

Murray, Alan V. (ed.). The Crusades: An Encyclopedia. Santa Barbara, CA: ABC-CLIO, 2006.

Riley-Smith, Jonathan Simon. The First Crusade and the Idea of Crusading. London: Continuum, 2003.

Rubenstein, Jay. Armies of Heaven: The First Crusade and the Quest for Apocalypse. New York: Basic Books, 2011.

Runciman, Steven. A History of the Crusades, Vol. I: The First Crusade and the Foundation of the Kingdom of Jerusalem. Cambridge: Cambridge University Press, 1951.

Slack, Corliss Konwiser. Historical Dictionary of the Crusades. Lanham: The Scarecrow Press, 2003.

Strack, Georg. “The Sermon of Urban II in Clermont and the Tradition of Papal Oratory.” Medieval Sermon Studies. vol. 56 (2012). pp. 30-45.

William. A History of Deeds Done Beyond the Sea. Emily Atwater Babcock & August C. Krey (trans.). New York: Columbia University Press, 1943.

[1] للمزيد عن هذه الخطبة، يُنظر:

Georg Strack, “The Sermon of Urban II in Clermont and the Tradition of Papal Oratory,” Medieval Sermon Studies, vol. 56 (2012), pp. 30-45;

وللوقوف على ما ورد في خطبة البابا أوربان، يُنظر:

Fulcher of Chartres, A History of the Expedition to Jerusalem, 1095-1127, Harold S. Fink (ed.), Frances Rita Ryan (trans.) (Knoxville: University of Tennessee Press, 1969), pp. 63-65.

[2] Alan V. Murray (ed.), The Crusades: An Encyclopedia, vol. II: D-J (Santa Barbara, CA: ABC-CLIO, 2006), p. 439.

[3] Thomas F. Madden, The Concise History of the Crusades, 3rd ed. (Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2014), p. 16.

[4] قاسم عبده قاسم، الخلفية الأيديولوجية للحروب الصليبية: دراسة عن الحملة الأولى، 1095-1099م (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1999)، ص 137-138؛

Murray, p. 442; Steven Runciman, A History of the Crusades, Vol. I: The First Crusade and the Foundation of the Kingdom of Jerusalem (Cambridge: Cambridge University Press, 1951), pp. 131-132.

[5] Ibid., p. 177.

[6] Jonathan Simon Riley-Smith, The First Crusade and the Idea of Crusading (London: Continuum, 2003), p. 58; Murray, p. 444; Malcolm Lambert, Crusade and Jihad: Origins, History and aftermath (London: Profile Books, 2016), pp. 79-80.

[7] Corliss Konwiser Slack, Historical Dictionary of the Crusades (Lanham: The Scarecrow Press, 2003), pp. 169-170; Jay Rubenstein, Armies of Heaven: The First Crusade and the Quest for Apocalypse (New York: Basic Books, 2011), p. 103; Runciman, p. 178.

[8] سعيد عبد الفتاح عاشور، الحركة الصليبية: صفحة مشرّفة في تاريخ الجهاد الإسلامي في العصور الوسطى، ج 1 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2009)، ص 131؛

Runciman, p. 175.

[9] محمد محمد مرسي الشيخ، عصر الحروب الصليبية في الشرق (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2004)، ص 124؛

Rubenstein, p. 104; Runciman, p. 177.

[10] Lambert, p. 82.

[11] Fulcher of Chartres, p. 81.

[12] محمود سعيد عمران، تاريخ الحروب الصليبية، 1095-1291 (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1998)، ص 29.

[13] Riley-Smith, p. 63.

[14] Fulcher of Chartres, op. cit.

[15] Runciman, pp. 178-179.

[16] Ibid., p. 179.

[17] William, A History of Deeds Done Beyond the Sea, Emily Atwater Babcock & August C. Krey (trans.), vol. 1 (New York: Columbia University Press, 1943), p. 156;

الشيخ، ص 125.

[18] أنّا كومنينا، ألكسياد، ترجمة حسن حبشي، ط 2 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009)، ص 417.

[19] المرجع نفسه، ص 416؛

Albert of Aachen, Albert of Aachen's History of the Journey to Jerusalem, Vol. 1: Books 1-6. The First Crusade, 1095-1099, Susan Edgington (trans.) (London: Routledge, 2016), p. 109; Rosalind Hill (ed.), Gesta Francorum et aliorum Hierosolimitanorum (Oxford: Clarendon Press, 1962), p. 15; Rubenstein, pp. 107-108.

[20] Peter Frankopan, The First Crusade: The Call from the East (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2012), p. 140; Lambert, pp. 82-83; Rubenstein, p. 109.

[21] Hill (ed.), op. cit.

[22] Runciman, p. 180.

[23] Hill (ed.), p. 16; Murray, op. cit.; Frankopan, p. 141.

[24] Rubenstein, op. cit.

[25] الشيخ، مرجع سابق؛

Lambert, p. 83.

[26] Frankopan, p. 142; Madden, p. 23; Rubenstein, op. cit.

[27] Frankopan, p. 142.

[28] محمد سهيل طقوش، تاريخ الحروب الصليبية: حروب الفرنجة في المشرق (489-690هـ/ 1096-1291م) (بيروت: دار النفائس، 2011)، ص 87.

[29] Frankopan, p. 143; Rubenstein, p. 111.

[30] Fulcher of Chartres, p. 83.

[31] عاشور، ص 133؛

Runciman, p. 182.

 [32]جوزيف نسيم يوسف، العرب والروم واللاتين في الحرب الصليبية الأولى، ط 3 (بيروت: دار النهضة العربية، 1981)، ص 232.

[33] الشيخ، ص 126؛

Runciman, pp. 182-183.


المحتويات

الهوامش