تسجيل الدخول

سقوط أنطاكية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

اسم الحدث

سقوط أنطاكية

التصنيف

حدث مفصلي ضمن الحملة الصليبية الأولى (489-492هـ/ 1096-1099م)

الزمان

490–491هـ/ 1097-1098م

المكان

مدينة أنطاكية، شمال غرب بلاد الشام، على ضفاف نهر العاصي

الأطراف

الصليبيون، وسلاجقة الشام وحلفاؤهم، والإمبراطورية البيزنطية

أبرز القادة

· : ياغي سيان، وكربوغا

· الصليبيّون: بوهيمند النورماني، وريموند السانجيلي، وجودفري البوايوني، وتانكرد النورماني

· البيزنطيّون: تاتيكيوس

أبز النتائج

سقوط مدينة أنطاكية في أيدي الصليبيّين وتأسيس إمارة أنطاكية الصليبية، وتعميق الخلاف بين الصليبيّين والبيزنطيّين


الموجز

سقوط أنطاكية (491هـ/ 1098م) حدث مفصلي وقعَ بعد حصارٍ صليبيٍّ طويل للمدينة، من تشرين الأول/ أكتوبر 1097، (نحو ذي القعدة 490هـ) إلى حزيران/ يونيو 1098 (نحو رجب 491هـ)، على يد الفوج الثاني من قوات الحملة الصليبية الأولى (489-492هـ/ 1096-1099م)، فيما يسمى بـ"حملة الأمراء"، المُتَّجه لاحتلال مدينة بيت المقدس وبلاد الشام في الحملة الصليبية الأولى. كانت أنطاكية تحت حكم الأمير السلجوقي مُؤَيَّد الدين ياغي سيان (402-491هـ/ 1011-1098م)، وقد كانت تتحكّم في طُرق العبور بين آسيا الصغرى (الأناضول) وسواحل بلاد الشام. عانى الصليبيّون في أثناء الحصار المجاعةَ والأوبِئة والانقسامات الداخلية إلى أن تَمكَّن بوهيمند أمير تارانتو النورماني (Bohemond of Taranto، 1058-1111) من دخول المدينة عبر اتّفاقٍ سرّيٍّ مع أحد حُرّاس الأسوار، فاستولى الصليبيّون عليها، مع بقاء القلعة صامدةً مدة قصيرة. أعقب ذلك وصول كربوغا أمير الموصل بجيش كبير، ففرضَ حصارًا مضادًّا على الصليبيّين داخل أنطاكية، لكنهم خرجوا لمُلاقاته في رجب 491هـ، الموافق 28 حزيران/ يونيو 1098م، وألحقوا به هزيمة أدّت إلى انسحابه. 

ترتَّب على سقوط المدينة قيام إمارة أنطاكية، وتوتّر العلاقات بين الصليبيّين والإمبراطورية البيزنطية، واستمرار الزحف الصليبي جنوبًا نحو مدينة بيت المقدس عام 492هـ/ 1099م.

الخلفية التاريخية

شهدت آسيا الصُّغرى (الأناضول) في النصف الثاني من القرن الحادي عشر تحوُّلاتٍ كُبرى، أدّت إلى إعادة تشكيل خريطتها السياسية والعسكرية، فمنذ الهزيمة التي مُنيت بها الإمبراطورية البيزنطية أمام السلاجقة في معركة ملاذكرد (463هـ/ 1071م)، توغّلَ السلاجقةُ في آسيا الصُّغرى واستولوا على إزمير ونيقية. وفي 23 صفر 478هـ، الموافق 20 حزيران/ يونيو 1085م، في عهد سليمان بن قتلمش (432-479هـ/ 1040-1086م، حكم بين عامَي 470هـ/ 1077م و479هـ/ 1086م) مؤسس دولة سلاجقة الروم، وقعت مدينة أنطاكية في قبضتهم، فأصبحت بيزنطة تواجه خطر هجومهم على القسطنطينية نفسها. كان الإمبراطور الذي يحكم بيزنطة آنذاك هو ألكسيوس الأول كومنينوس (Alexios I Komnenos، 1057-1118م)، وكان قد اعتلى العرش عام 1081، وأسّسَ الأُسرة الكومنينية، ويُنسَب إليه فضلٌ كبيرٌ في الحفاظ على بقاء الإمبراطورية البيزنطية، إذ نجح في إخماد الاضطرابات الداخلية، وتمكَّنَ عبر الجمع بين القوة العسكرية والدهاء السياسي من صدِّ الخطر النورماني عن أراضيها في البلقان بين عامَي 1081 و1085. وقد خاض في هذا السياق حروبًا عنيفة ضد القائد النورماني روبرت جيسكار (Robert Guiscard، 1015-1085) وابنه بوهيمند أمير تارانتو النورماني، المعروف ببوهيمند النورماني، أحد أبرز قادة الحملة الصليبية الأولى، قبل أن يؤسّس إمارة أنطاكية ويحكمها بين عامَي 1098 و1111[1].

بعد فقدان بيزنطة معظم أراضي آسيا الصُّغرى لصالح سلاجقة الروم، وجّه الإمبراطور ألكسيوس الأول كومنينوس نداءً إلى الغرب اللاتيني طالبًا العون العسكري، وقد وصلت رُسُلُه إلى أوربان الثاني (Urban II، 1042-1099) في أثناء انعقاد مجمع بيشنزا (Piacenza) في آذار/ مارس 1095م، حيث طُرحت مسألة نجدة بيزنطة ومسيحيّي الشرق. وفي تشرين الثاني/ نوڤمبر من العام نفسه، دعا البابا إلى مجمع كليرمونت (Clermont Council)، فحثَّ ملوكَ أوروبا الغربية وأمراءَها على التوجّه إلى المشرق لتحرير بيت القدس. أسفرت هذه الدعوة عن انطلاق الحملة الصليبية الأولى عام 489هـ/ 1096م، بعد أن اكتسب المشروع طابعًا دينيًا تعبويًا في الغرب اللاتيني[2]. وقد وصفت المصادر اللاتينية المُعاصِرة تلك الحركةَ بأنها "رحلةُ حجّ" (peregrinatio) مُسلّحة أو "رحلةٌ إلى القدس" (iter Hierosolymitanum)، وعُرف المشاركون فيها بأنهم "حجّاجٌ موسومون بالصليب" (cruce signati)، في إشارة إلى العلامة التي اتّخذوها شعارًا لهم منذ عام 1096[3].

بناءً على ذلك، انطلقت الحملة الشعبية أو حملة العامّة بقيادة بطرس الناسك (Peter the Hermit)، لكنها انتهت بهزيمة ساحقة على يد السلاجقة قرب نيقية[4]. أما حملات الأمراء النظامية، التي ضمَّت شخصيات بارزة مثل جودفري البوايوني (Godfrey of Bouillon، 1060-1100م)، وبوهيمند النورماني، وريموند السانجيلي كونت تولوز (Raymond of Sanit-Gilles، 1041-1105)، فقد وصلت إلى القسطنطينية مطلع عام 1097، وأقسم قادتها بالولاء للإمبراطور ألكسيوس لكي يضمنوا مساندته لهم وإمدادهم بالمُؤن، وتعهّدوا له بردّ الأراضي البيزنطية التي سبق أن استولى عليها السلاجقة في آسيا الصّغرى، مقابلَ إمدادهم وتموينهم وإرشادهم[5]. ومن ثم، أدّى الإمبراطور البيزنطي تعهّداته للصليبيّين، بأنْ قدَّمَ لهم المُؤنَ والأدِلّاءَ والدعمَ العسكري، في حين التزم الجانب الصليبي بردّ نيقية إلى السيادة البيزنطية، ثم فتحوا الطريق أمام بيزنطة لاسترداد جانبٍ من نفوذها بعد انتصارهم على القوات الإسلامية في معركة دوريليوم (ضورليوم) عام 490هـ/ 1097م[6].

موقع أنطاكية وتحصيناتها

‫حصار أنطاكية‬

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تقع أنطاكية في شمال غرب سورية على ضفاف نهر العاصي، على بعد نحو 12 ميلًا (نحو 19 كيلومترًا) من البحر المتوسّط[7]، وتمتاز بموقع استراتيجيٍّ مُحاطٍ بالجبال من جهتَيْن، في حين يُشكِّل نهر العاصي من جهتها الغربية حاجزًا طبيعيًا. تُحيط بها كذلك أسوارٌ شاهقةٌ سماكتُها متران، وطولها نحو 5 كيلومترات، وارتفاعها نحو 20 مترًا، وهي مُزوَّدة بمئات الأبراج، وتضمّ قلعةً ضخمة ترتفع مئات الأقدام عن سطح الأرض[8].

أحداث الحصار

انقسم الجيش الصليبي إلى قسمَيْن بعد انتصاره على السلاجقة في معركة دوريليوم، فقد انفصل تانكرد النورماني، المعروف بالماركيز تانكرد (Tancred the Marquis، 1075-1112)، وبلدوين الأول كونت بولونيا (Baldwin I، 1060-1118) لشَنِّ غاراتٍ في قيليقية؛ في حين أن الحملة الرئيسة واصلت طريقَها شمالًا عبر قيصرية ومرعش لحصار أنطاكية[9]. سعت جيوش الحملة المُتّجهة نحو أنطاكية إلى إقامة علاقات ودية مع الأرمن في المدن التي مَرّوا فيها، للحصول على مساعدتهم وتأمين المُؤن والأطعمة لهم[10].

وفي ذي القعدة 490هـ، الموافق 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1097م، وصل الصليبيّون إلى أنطاكية[11]، لكنَّ أميرها السلجوقي مؤيد الدين ياغي سيان كان على علم بتحرُّكاتهم، فأرسل في طلب الاستغاثة من القوى الإسلامية كافة[12]، وأخرج المسيحيّين المَحليّين ومعظمهم من الأرمن من المدينة، خوفًا من تمرّدهم أو تحالُفهم مع الصليبيّين، وحفر حولها خندقًا، وزوَّد قلعتها بالجند والمؤن[13]. أما الجيوش الصليبية المحاصِرة للمدينة، فقد وزَّعت جنودها حول أسوار المدينة ومداخلها، فنزل بوهيمند النورماني في الجبهة الشمالية الشرقية قبالة باب بولس، وتمركز إلى يمينه بقية النورمان. أما هيو كونت ڤيرماندوا (Hugh of Vermandois)، وروبرت النورماني (Robert of Normandy)، وستيفن كونت بلوا (Stephen of Blois)، وروبرت كونت فلاندرز (Robert of Flanders)، فقد عسكروا في المنطقة الواقعة بين باب بولس وباب الكلب. وفي الجبهة الغربية عند باب الكلب، تمركز ريموند السانجيلي، في حين رابط جودفري بقواته في الجبهة الشمالية الغربية مقابل باب الجنينة[14]. أمّا الجانب الذي تحميه الجبال الوعرة، والجهة التي يحميها نهر العاصي، فكانا يُمثّلان منفذ المدينة إلى الخارج، وعن طريقهما اتّصل السُّكّان والحاكِم بالعالَم الخارجي وتلقّوا الإمدادات[15].

وعندما طال أمد الحصار بدأت المُؤن تنفد، فأخذ الصليبيّون يوجِّهون جزءًا كبيرًا من نشاطهم نحو القرى والضياع المُحيطة لنهبها[16]. ولكن مع حلول الشتاء، عانى الصليبيّون نقصًا حادًّا في المُؤن، فانتشرت المجاعة وتفشّى الوباء بينهم[17]، إضافةً إلى قسوة الطقس نتيجةَ الأمطار والبرودة الشديدة[18]. في ظلّ هذه المُعاناة، انتهز بعض السريان والأرمن الفرصة، فكانوا يجلبون الأطعمة من الجهات الجبلية لبيعها للصليبيّين بأثمان باهظة، لدرجة أن بعضهم عجز عن شرائها[19]. ورغم وصول بعض الإمدادات الخارجية عبر سُفُنٍ جنوية (نسبةً إلى جنوة، Genoese) في نحو ذي الحجة 490هـ، الموافق تشرين الثاني/ نوڤمبر 1097م[20]، ثم عن طريق سُفُن إنكليزية في نحو ربيع الأول 491هـ، الموافق آذار/ مارس 1098م، فإن ذلك لم يكن سوى حلٍّ مؤقّت للمشكلة[21].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

كذلك، فإن الجيوش والفِرَق الإسلامية أجرت عدة محاولات لاعتراض القوات الصليبية الباحثة عن المُؤن في القرى والضياع التابعة لأنطاكية، وسعت لكسر الحصار المفروض على المدينة. شملت هذه المحاولات تحرّكات قادها ياغي سيان حاكم أنطاكية[22]، ودقاق بن تتش (ت. 497هـ/ 1104م) أمير دمشق[23]، وأخوه رضوان بن تتش (ت. 507هـ/ 1113م) حاكم حلب[24]. ورغم نجاح الصليبيّين في التصدّي لهذه المحاولات، فإن مشكلاتهم الأساسية، وفي مقدّمتها الاستيلاء على المدينة وتأمين المأوى والإمدادات، ظلت قائمة.

دخل الجيش الصليبي المحاصر أمام أسوار أنطاكية مرحلة حرجة، فبحث بوهيمند النورماني عن وسيلة لدخول المدينة بعيدًا عن الهجوم المباشر، وبدأ بإقصاء القائد البيزنطي تاتيكيوس (Taticius)، الذي كان من المُقرَّر أن يتسلّم أنطاكية باسم الإمبراطور، إذ أوحى إلى القادة الصليبيّين بأن البيزنطيّين يتواطؤون مع المسلمين، ما أثارهم ضد القائد البيزنطي تاتيكيوس، الذي انسحب عن طريق ميناء السويدية إلى جزيرة قبرص. وقد اختلفت الروايات في تفسير هذا الانسحاب؛ فعَدَّهُ بعض المؤرّخين تفاديًا لمواجهة الجيش السلجوقي المتوقّع، في حين رأى آخرون أنه جاء نتيجة استيائِهِ من تجاهُل آرائه وسوء معاملته من القادة الصليبيّين، أو رغبته في الالتحاق بجيش الإمبراطور ألكسيوس، أو ردًّا على الاتهامات التي وُجِّهت إليه وإلى الإمبراطور[25].

وسط هذه الظروف الحرجة، سعى بوهيمند لإجبار القادة على الاعتراف بحقّه في أنطاكية بعد سقوطها، فتظاهر بعزمه سحب جيوشه والعودة إلى بلاده، مُتذرّعًا بعدم قدرته على البقاء بعيدًا عن ممتلكاته، أو احتمال الخسائر الفادحة في جنوده[26]. عندئذٍ، سارع القادة الصليبيون -باستثناء ريموند- بالتوسّل إليه للبقاء، مقابل أن تصبح أنطاكية إقطاعًا له بعد الاستيلاء عليها[27]. وبعد أن مهّدَ الطريقَ لنفسه، تواطأ مع أحد حُرّاس الأبراج في الجبهة الشمالية الغربية، ويُدعى فيروز (Firuz)، ليفتح الطريق أمام القوات الصليبية[28]. وقد اختلفت الروايات بشأن دافع فيروز؛ فقد ذكر بعض شهود العيان أن بوهيمند احتجز ابنه رهينة، في حين اعتقد آخرون أنه سلَّمَ المدينة بإلهامٍ إلهي[29]، أو أنه كان أرمنيًّا ضاق ذرعًا بسوء معاملة الحاكم السلجوقي لأهل المدينة، وأنه لم يستطع مقاومة إغراء المكافأة السخية التي عُرضت عليه، وغير ذلك من الآراء التي تُوحي كلها بدَوْره في إسقاط أنطاكية ولو كان خائنًا[30]. مهما يكن من أمر، فقد نجحت خطة بوهيمند النورماني في تمكين الصليبيّين من اختراق تحصينات أنطاكية والسيطرة على معظم أرجائها باستثناء القلعة[31]. أما ياغي سيان، فقد فرَّ هاربًا مع بعض رجاله، لكنه سقط عن فرسه مَغْشِيًّا عليه، ليبادر أحد الأرمن بقطع رأسه وحملِه إلى الصليبيّين. وما إن دخل الصليبيّون أنطاكية، حتى أحدثوا بها مذبحة رهيبة، سَجَّلتها المصادر اللاتينية المعاصرة نفسها، راح ضحيتها الآلاف من أهلها من الرجال والنساء والأطفال، وغنموا ما فيها من الأقوات والأموال والسلاح، فعادت إليهم قُوّتُهم شيئًا ما وارتفعت معنويّاتهم[32].

غير أنّ قلعة أنطاكية ظلّت خارج سيطرة الصليبيّين، إذ تحصَّنَ فيها مَن نجَا من الحامية السلجوقية وبعض سُكّان المدينة، وكانت تقوم على إحدى قمم الجبل في الجهة الجنوبية الشرقية، فصمدت أمام محاولات إخضاعها. في تلك الأثناء، تحرّك كربوغا (ت. 495هـ/ 1102م) والي الموصل لنجدة أنطاكية، إلا أنه توقّف نحو 3 أسابيع أمام الرها، خشية أن تظل خلفه من دون إخضاع. خلال هذا التوقّف، واصل الصليبيّون تضييق الحصار على المدينة حتى أحكموا السيطرة عليها. وبعد فشله في الاستيلاء على الرها، واصل كربوغا مسيرَه حتى التقى بدقاق صاحب دمشق، وأتابكه طغتكين (ت. 522هـ/ 1128م)، وجناح الدولة حسين (ت. 496هـ/ 1103م) صاحب حمص وغيرهم[33]، ثم تحرّكوا حتى وصلوا أنطاكية وضربوا حولها الحصار في 4 حزيران/ يونيو 1098م (نحو رجب 491هـ)، مُحاوِلين اقتحامها من خلال قلعتها، ومُتَّخِذين من تجويع الصليبيّين وسيلة لذلك[34]. ومع اشتداد المحنة على الصليبيّين، انحطَّت معنوياتهم، وبلغ اليأس ببعض قادتهم حدّ الفرار، ومن أبرزهم ستيفن كونت بلوا[35].

ومِمّا زاد الوضع سوءًا أن الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنينوس، الذي كان في طريقه لمساندة الصليبيّين، قرّرَ العودة إلى عاصمته، بعد لقائِه ستيفن كونت بلوا والفارّين من أنطاكية الذين أوهموه بأن المدينة على وشك السقوط، وقد فضَّلَ العودة خشية الوقوع بين جيوش الدانشمنديّين {{الدانشمنديّون: أسرة تركمانية حكمت أجزاءً من الأناضول خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين/ الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، وكانت المنافس الرئيس لسلطنة سلاجقة الروم. تميزت دولتهم بأنها دولة غازية ذات طابع عسكري تعتمد على المحاربين والمرتزقة، وليست مملكة تقليدية مثل جيرانهم السلاجقة. يُنسب أصل الأسرة إلى البطل الغازي بطّال غازي، الذي اشتُهر بحروبه ضد البيزنطيين في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي.}} من أمامه وخلفه، ففُسِّر تراجعه من طرف الصليبيّين بأنه تَخلٍّ عنهم[36]. عندما بلغ الصليبيّون من اليأس مبلغه، وظنّوا أنه لم يعد أمامهم سبيل إلى النجاة، عرضوا الاستسلام على كربوغا مقابل الأمان، غير أنه رفض عرضَهم، وأصرَّ على أن يكون استسلامهم بلا قيد أو شرط[37]. في هذه اللحظة، أدّت النبوءات دَوْرَها، إذ شاع بينهم ما ادّعاه القسّيس بارثولوميو (Peter Bartholomew، 1075-1099) من مارسليا من رؤًى دينية بظهور المسيح والعذراء والقديس بطرس. كذلك ادّعى عثورَه تحت أرضية الكاتدرائية بأنطاكية على الحربة المقدسة التي طُعن بها السيد المسيح في جنبه، بوصفها علامةً إلهية، لتحفيز الجيوش الصليبية التي غمرها اليأس داخل المدينة. غير أن هذه السردية سرعان ما تعرّضت للتشكيك، وعُدَّ ما جرى لاحقًا توظيفًا دينيًا دعائيًا أكثر منه حدثًا حاسمًا في مسار العمليات العسكرية؛ فبعد أن عُثر عليها، صاح الجميع مبتهجين بأنها بشارة من الربّ، فانعقد عزمهم على القتال[38]، في الوقت نفسه الذي أخذ فيه المعسكر الإسلامي يُعاني عوامل الفرقة والانقسام[39].

في صبيحة يوم 28 حزيران/ يونيو 1098م (نحو رجب 491هـ)، خرج الصليبيّون من أنطاكية على شكل مجموعات صغيرة، في حين رفض كربوغا الوقوف عند باب المدينة لمهاجمتهم حال خروجهم، وقرَّرَ مواجهتَهم في معركة مفتوحة[40]. ولكن، ما إن اندفع الصليبيّون بهجومٍ عنيفٍ حتى أُصيب الجيش الإسلامي بالاضطراب وانسحب بعض القادة، ما أشاع الذعر. وعندما أدرك كربوغا هزيمته فرَّ إلى حلب، في حين استولى الصليبيّون على المعسكر الإسلامي بما فيه من مؤن وأسلحة، ثم سقطت قلعة المدينة في أيديهم[41].

النتائج والتداعيات

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

أدّى سقوط أنطاكية إلى تحوّلٍ مفصليٍّ في مسار الحملة الصليبية الأولى، إذ كشفَ بوضوحٍ عن بداية الانشقاق بين القادة الصليبيّين، وظهور نزعاتهم الشخصية ومطامعهم السياسية. وتبيّن أن الدافع الحقيقي وراء الحملة الصليبية الأولى وما تبعها من حملات، لم يكن الدفاع عن المسيحية أو استعادة الأراضي المقدسة، بل إنشاء ممالك وإقطاعيات جديدة في شرق المتوسّط، على غرار تلك الإقطاعيات التي يمتلكها حُكّام أوروبا ونبلاؤها حينذاك، وهو ما يُفسّر اندلاع الخلاف فور سقوط المدينة بين بوهيمند وريموند السانجيلي بشأن السيادة على أنطاكية، وتمكُّن بوهيمند بدهائِه من الانفراد بحكمها، مؤسّسًا بذلك إمارة أنطاكية الصليبية التي استمرَّت حتى استردَّها السلطان المملوكي الظاهر بيبرس عام 666هـ/ 1268م.

أسهم حصار أنطاكية أيضًا في تعميق الخلاف بين البيزنطيّين والصليبيّين، ولا سيما بعد عودة الإمبراطور من دون المشاركة في استعادة المدينة، الأمر الذي مهّدَ لمرحلة جديدة من التوتر والصراع بين الطرفَيْن، إذ اتّهم كل طرفٍ الآخر بنقض العهود، فالبيزنطيون تقاعسوا عن دعم الحملة، في حين احتفظ الصليبيّون بأنطاكية بدل تسليمها لهم[42].

وانطلاقًا من أنطاكية، واصل الصليبيّون توسُّعَهم في الشمال السوري، فقاد ريموند السانجيلي وجودفري البوايوني هجمات عدّة ضد إمارة رضوان بن تتش في حلب، واستولَيا على البارة في أواخر أيلول/ سبتمبر 1098م (نحو رمضان 491هـ)، ثم على معرة النعمان في كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه (نحو ذي الحجة 491هـ). واستمرَّ ريموند زعيمًا للحملة الزاحفة نحو بيت المقدس إلى أن طغى نفوذ جودفري عليه، فانضمَّ تانكرد ابن أخت بوهيمند حاكم أنطاكية إلى جانبه. وفي كانون الثاني/ يناير 1099 (نحو محرم 492هـ)، استأنف الصليبيّون زحفَهم نحو الجنوب، فاستولوا على كفر طاب، وأَخذَت الإمارات العربية في شيزر وطرابلس وحمص تنتهج سياسة المُهادَنة، مُدرِكةً غياب قوةٍ إسلامية كُبرى تردع الصليبيّين، فعرضت عليهم عدم اعتراض طريقهم، بل وتزويدهم بالمُؤن والإرشاد في أثناء عبورهم إقليم العاصي.

مثَّلَ سقوط أنطاكية منعطفًا استراتيجيًا وسياسيًا في تاريخ الحروب الصليبية، إذ فتح الطريق أمام الصليبيّين للتقدّم نحو مدن الساحل الشامي وبيت المقدس، ورسّخَ وجودَهم العسكري في المشرق، لكنه في الوقت ذاته زرع بذور الخلاف بينهم وبين البيزنطيّين، ومهّدَ لصراعات طويلة بين القوى اللاتينية والمسيحية الشرقية.

المراجع

العربية

آرمسترونغ، كارين. الحرب المقدّسة: الحملات الصليبية وأثرها على العالم اليوم. ترجمة سامي الكعكي. بيروت: دار الكتاب العربي، 2001.

الجنابي، طلب صبّار. إمارة أنطاكية: دراسة في علاقتها السياسية بالقوى الإسلامية، 491-666هـ/1098-1268م. دمشق: دار نينوى، 2014.

حبشي، حسن. الحرب الصليبية الأولى. القاهرة: دار الفكر العربي، 1947.

الشيخ، محمد محمد مرسي. عصر الحروب الصليبية في الشرق. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2004.

عاشور، سعيد عبد الفتاح. الحركة الصليبية: صفحة مشرفة في تاريخ الجهاد الإسلامي في العصور الوسطى. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2009.

عطية، حسين محمد. إمارة أنطاكية الصليبية والمسلمون، 1171-1268م. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1989.

عمران، محمود سعيد. تاريخ الحروب الصليبية 1095-1291. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1998.

غانم، حامد زيان. الصراع السياسي والعسكري بين القوى الإسلامية زمن الحروب الصليبية. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1983.

قاسم، قاسم عبده. الخلفية الأيديولوجية للحروب الصليبية: دراسة عن الحملة الأولى، 1095-1099م. القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1999.

يوسف، جوزيف نسيم. العرب والروم واللاتين في الحرب الصليبية الأولى. ط 3. بيروت: دار النهضة العربية، 1981.

الأجنبية

Albert of Aachen. Historia Ierosolimitana: History of the Journey to Jerusalem. Susan Edgington (ed. & trans.). Oxford, New York: Clarendon Press; Oxford University Press, 2007.

Asbridge, Thomas S. The Creation of the Principality of Antioch, 1098–1130. Woodbridge, UK: Boydell Press, 2000.

Baadj, A. & A. Sheir (eds.). Memory and Historiography of the Crusades in the Modern Arab World. Budapest: Trivent Publishing, 2025.

Brik, Joshua C. "The Betrayal of Antioch: Narratives of Conversation and Conquest during the First Crusade." Journal of Medieval and Early Modern Studies. vol. 41, no. 3 (2011). pp. 463-485.

Frankopan, Peter. The First Crusade: The Call from the East. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2012.

Fulcher of Charters. A History of the Expedition to Jerusalem, 1095-1127. Harold S. Fink (ed.). Frances Rita Ryan (trans.). Knoxville: University of Tennessee Press, 1969.

Hill, Rosalind (trans. & ed.). The Deeds of the Franks and the Other Pilgrims to Jerusalem. Oxford: Clarendon Press, 1962.

Lambert, Malcolm. Crusade and Jihad: Origins, History and aftermath. London: Profile Books, 2016.

Murray, Alan V. (ed.). The Crusades: An Encyclopedia. Santa Barbara, CA: ABC-CLIO, 2006.

Riley-Smith, Jonathan Simon. The First Crusade and the Idea of Crusading. London: Continuum, 2003.

Robert the Monk. History of the First Crusade: Historia Iheroslimitana. Carol Sweetenham (trans.). Abingdon, Oxon: Routledge, 2016.

Rubenstein, Jay. Armies of Heaven: The First Crusade and the Quest for Apocalypse. New York: Basic Books, 2011.

Runciman, Steven. A History of the Crusades, Vol. I:TheFirst Crusade and the Kingdom of Jerusalem. Cambridge: Cambridge University Press, 1951.

Weber, Benjamin (ed.). Crusade: The Uses of a Word from the Middle Ages to the Present. London: Routledge Taylor & Francis Group, 2024.

William. A History of Deeds Done Beyond the Sea. Emily Atwater Babcock & August C. Krey (trans.). New York: Columbia University Press, 1943.

[1] Thomas S. Asbridge, The Creation of the Principality of Antioch, 1098–1130 (Woodbridge, UK: Boydell Press, 2000), pp. 129-146.

[2] محمود سعيد عمران، تاريخ الحروب الصليبية 1095-1291 (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1998)، ص 21-22؛ كارين آرمسترونغ، الحرب المقدّسة: الحملات الصليبية وأثرها على العالم اليوم، ترجمة سامي الكعكي (بيروت: دار الكتاب العربي، 2001)، ص 35-84؛

Alan V. Murray (ed.), The Crusades: An Encyclopedia, vol. 2 (Santa Barbara, CA: ABC-CLIO, 2006), p. 439.

[3] Albert of Aachen, Historia Ierosolimitana: History of the Journey to Jerusalem, Susan Edgington (ed. & trans.) (Oxford, New York: Clarendon Press; Oxford University Press, 2007), p. 50; Ahmed Sheir, “The Historiographical Memory of the Crusades in Nineteenth-Century Egypt,” in: A. Baadj & A. Sheir (eds.), Memory and Historiography of the Crusades in the Modern Arab World (Budapest: Trivent Publishing, 2025), pp. 21-54; Benjamin Weber (ed.), Crusade: The Uses of a Word from the Middle Ages to the Present (London: Routledge Taylor & Francis Group, 2024), pp. 8-11.

[4] قاسم عبده قاسم، الخلفية الأيديولوجية للحروب الصليبية: دراسة عن الحملة الأولى، 1095-1099م (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1999)، ص 137-138؛

Murray (ed.), p. 442; Steven Runciman, A History of the Crusades, Vol. I:TheFirst Crusade and the Kingdom of Jerusalem (Cambridge: Cambridge University Press, 1951), pp. 131-132.

[5] Jonathan Simon Riley-Smith, The First Crusade and the Idea of Crusading (London: Continuum, 2003), p. 58; Murray (ed.), p. 444; Malcolm Lambert, Crusade and Jihad: Origins, History and aftermath (London: Profile Books, 2016), pp. 79-80.

[6] محمد محمد مرسي الشيخ، عصر الحروب الصليبية في الشرق (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2004)، ص 124-127.

[7] طلب صبّار الجنابي، إمارة أنطاكية: دراسة في علاقتها السياسية بالقوى الإسلامية، 491-666هـ/1098-1268م (دمشق: دار نينوى، 2014)، ص 30.

[8] Jay Rubenstein, Armies of Heaven: The First Crusade and the Quest for Apocalypse (New York: Basic Books, 2011), p. 144; Peter Frankopan, The First Crusade: The Call from the East (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2012), p. 153.

[9] Riley-Smith, pp. 58-59.

[10] Asbridge, p. 23.

[11] Ibid., p. 15.

[12] William, A History of Deeds Done Beyond the Sea, Emily Atwater Babcock & August C. Krey (trans.), vol. 1 (New York: Columbia University Press, 1943), p. 225.

[13] الشيخ، ص 136.

[14] الجنابي، ص 102-103.

[15] المرجع نفسه، ص 104.

[16] Robert the Monk, History of the First Crusade: Historia Iheroslimitana, Carol Sweetenham (trans.) (Abingdon, Oxon: Routledge, 2016), p. 122.

[17] الشيخ، ص 138.

[18] الجنابي، ص 106.

[19] الشيخ، ص 139.

[20] William, p. 229.

[21] Asbridge, p. 26.

[22] الشيخ، ص 138-139.

[23] حسين محمد عطية، إمارة أنطاكية الصليبية والمسلمون، 1171-1268م (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1989)، ص 115؛

Frankopan, p. 155.

[24] عطية، ص 115-117؛

Asbridge, p. 29.

[25] الشيخ، ص 141-142؛ سعيد عبد الفتاح عاشور، الحركة الصليبية: صفحة مشرفة في تاريخ الجهاد الإسلامي في العصور الوسطى، ج 1 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2009)، ص 161؛

The Monk, pp. 128-129.

[26] عاشور، ص 143.

[27] المرجع نفسه، ص 161.

[28] الشيخ، ص 140.

[29] Fulcher of Charters, A History of the Expedition to Jerusalem, 1095-1127, Harold S. Fink (ed.), Frances Rita Ryan (trans.) (Knoxville: University of Tennessee Press, 1969), pp. 98-99.

[30] Frankopan, p. 161.

[31] Joshua C. Brik, "The Betrayal of Antioch: Narratives of Conversation and Conquest during the First Crusade," Journal of Medieval and Early Modern Studies, vol. 41, no. 3 (2011), p. 463.

[32] الشيخ، ص 141؛ وللاطلاع على المصادر المعاصرة، يُنظر:

Rosalind Hill (trans. & ed.)., The Deeds of the Franks and the Other Pilgrims to Jerusalem (Oxford: Clarendon Press, 1962), pp. 25-30; Fulcher of Chartres, pp. 92-98, 105-106.

[33] عطية، ص 120.

[34] عاشور، ص 169.

[35] William, p. 239.

[36] جوزيف نسيم يوسف، العرب والروم واللاتين في الحرب الصليبية الأولى، ط 3 (بيروت: دار النهضة العربية، 1981)، ص 244-252؛ حسن حبشي، الحرب الصليبية الأولى (القاهرة: دار الفكر العربي، 1947)، ص 60-61.

[37] الشيخ، ص 148.

[38] عمران، ص 30-31؛

Riley-Smith, p. 59.

[39] حامد زيان غانم، الصراع السياسي والعسكري بين القوى الإسلامية زمن الحروب الصليبية (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1983)، ص 55.

[40] المرجع نفسه، ص 56.

[41] الشيخ، ص 151.

[42] يوسف، مرجع سابق.

المحتويات

الهوامش