شكر الله الجرّ (1905-1975) شاعر، وناثر، وناقد، وصحافيّ لبنانيّ مهجريّ، ولد في يحشوش قضاء كسروان، وهاجر إلى البرازيل في مرحلة مبكّرة من حياته. وكان من أعلام "العصبة الأندلسيّة" التي ساهم في تأسيسها في سان باولو، لتكون جمعية أدبية لأدباء المهجر الجنوبيّ. واستمرّت العصبة من العام 1933 إلى العام 1946. عمل في التجارة، وتفرّغ في مراحل من حياته للصحافة، فكان من أعلام الصحافة العربية المهاجرة. كان غزير الإنتاج في المجالات التي كتب فيها جميعها، فخلّف ما يزيد على عشرين كتابًا مطبوعًا، أبرزها، إلى جانب شعره، كتاب المنقار الأحمر {{المنقار الأحمر: كتاب نقدي لشكر الله الجرّ، يعبّر عن الفكر الشعريّ والأدبي والنقدي للعصبة الأندلسية، وقد نشرت مقالاته تباعًا في مجلة العصبة، قبل أن تجمع في كتاب، ولم يثبت على الكتاب اسم الناشر، ولا تاريخ النشر.}}، الذي يعبّر عن الفكر النقدي للعصبة الأندلسية، هذا فضلًا عن مساهماته الصحافية. عاد في أخريات حياته إلى وطنه لبنان، وتوفي فيه.
غلاف كتاب المنقار الأحمر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
حياته وتعليمه
ولد شكر الله الجرّ في قضاء كسروان في العام 1902، أو 1905، أو 1907 كما أشارت الكتب، وبدأ مسيرته الدراسية في مدرسة بلدته يحشوش، ثم انتقل إلى مدرسة الإخوة المريميين في جبيل، لكنّ مسيرته فيها لم تدم طويلًا، فسرعان ما أغلقت أبوابها بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، ولم يثنه ذلك عن طلب العلم، فاستمر في المطالعة إلى أن قبل في مدرسة الحكمة في بيروت، وفيها تتلمذ للشيخ عبد الله البستاني، إلى أن غادرها بعد عام واحد[1].
هجرته
هاجر الجرّ إلى البرازيل في العام 1923 مع أخيه الأكبر عقل الجرّ {{عقل الجرّ: (1885-1945) شاعر لبناني مهاجر، ولد في جبيل، وناضل ضد العثمانيين، ولجأ إلى مصر، ثم سافر إلى باريس، ثم إلى ريو دي جينيرو حيث عمل في التجارة، ومارس الكتابة الأدبية. أسس النادي الفينيقي، وكان خطيبه المفوّه، وكان عضوًا في العصبة الأندلسية. وتوفي في سان باولو.}}، ومكث فيها أربع سنوات، عاد بعدها إلى لبنان، ولكنه في العام 1927 قرر العودة إلى البرازيل مرة أخرى، وفي طريق عودته مرّ بإسبانيا وتجول في مرابعها، وعاد في العام 1962 ليستقر في لبنان، وأقام في جبيل، وفيها قضى المرحلة الأخيرة من حياته إلى أن توفي في العام 1975[2].
عمله
عمل الجرّ تاجرًا في البرازيل مع أخيه عقل مدّة أربع سنوات، لكنّه كان شغوفًا بالصحافة، بتأثير من قريبه داوود بركات، مما دفعه لأن يصدر أولًا مجلة الأندلس الجديدة {{الأندلس الجديدة: مجلة عربية شهرية أنشأها شكر الله الجر في ريو دي جنيرو عام 1931، واستمر صدورها حتى احتجبت بسبب ظهور مجلة العصبة التي أصدرتها العصبة الأندلسية.}} في العام 1931، وجريدة الحريّة {{الحرية: جريدة أسبوعية عربية أنشأها شكر الله الجر لتعرض شؤون الجالية السورية في البرازيل، وسياسة الشرق العربي، واستمر صدورها اثني عشر عامًا حتى العام 1942.}}، ومن بعدها الزنابق، وظل مستمرًا في إصدار المجلات والصحف ما يقارب اثني عشر عامًا، إلى أن أُصدر مرسوم من حكومة البرازيل في العام 1942 حال دون استمرار عمله الصحافي بسبب اندلاع الحرب، فاعتزل الصحافة وعاد إلى سابق عهده تاجرًا، إلا أنّه ظل يمارس مهنة الكتابة، واستمر كذلك إلى أن استؤنف القرار[3].
أدبه
كان الجرّ شديد الإعجاب بأسلوب جبران خليل جبران ولغته، فما كان منه إلا أن توّج هذا الإعجاب بإصدار كتاب نبي أورفليس، الذي مجّد فيه جبران، وأثنى عليه وقلد فيه أسلوبه وطريقته، وأنصفه فيه أيّما إنصاف[4]، وعلى صعيد آخر كان الجرّ من أتباع المذهب الرومانسيّ؛ إذ كان يمجد العواطف، ويتأثر بأعلام الرومانسيّة الغربية وهو ما ظهر في ديوانه زنابق الفجر، لكنّ هذه النزعة كانت أعمق وأوضح في ديوانه أغاني الليل[5].
شعره
الجرّ شاعر مُجيد، ومجدّد[6]. أسلوبه واسع الخيال، ذا عاطفة قويّة، حضرت بقوّة في أشعاره، وأكثر في شعره في وصف المرأة. أما موضوعات شعره فتراوحت بين التأمل، والأمل، والحب، والحنين، والنقمة، والموضوع الوطنيّ[7].
وينماز شعر الجرّ بالمتانة والتمكن من اللغة، ويتصف هو بالشاعرية والموهبة العالية، فكان يُحكم التركيب، ويولّد المعاني، والأخيلة، ويبتكر الصور ابتكارًا من قلب الحياة، حتى قيل عنه: "كأنّ من يسير معه يسير مع جحفل من فرسان الشعر والأدب"[8].
نثره
كان الجرّ شاعرًا في المقام الأول، لكنّ شعريته لم تثنه عن كتابة الروايات، ومنها رواية الشبح الأبيض، وجزر الخطيئة: ديفا وآدون[9]، وله مجموعة قصصية بعنوان خطوط القدر، وله من كتب الخواطر الشاملة سوانح في الفن والأدب والسياسة، وله من النثر أيضًا كتاب سير بعنوان شعراء الأندلس: سير أربعة وعشرين شاعرًا أندلسيًا، وكتب رسائل الغرام بعنوان لواعج وخوالج، ونشر كتابًا عن جبران هو نبي أورفليس، وترجم رواية لويزا وأبيلاردو، وكتب كذلك مجموعة من المقالات نشرها في مجلات العصبة، والأندلس الجديدة، والزنابق[10]. ومن أعماله التي لم تُطبع "الهواجس".
نقده
صدر للجرّ كتاب نقدي واحد هو كتابه ذائع الصيت المنقار الأحمر، وكان آخر إنتاجاته المطبوعة، ونشر قبل جمعه بين دفتي كتاب على شكل مقالات في مجلة الأندلس الجديدة، ويحوي عددًا من الفصول النقديّة. وانماز الجرّ في كتابه المنقار الأحمر، بالجرأة والقسوة المفرطة، وكان النقد بالنسبة إليه هو الحقيقة، والحقيقة لا تعرف المجاملة، وكان يرى أنّ الناقد يجب أن يتسم بالشمولية، والذوق الفني، لذلك كان ناقدًا بصيرًا موفقًا يجري على مقاييس عالية للأدب، ويمجد المعاني الإنسانية والفكرية الرفيعة[11] .
أصدر الجرّ عددًا من المقالات النقدية حول عدد من الشعراء اللبنانيين، ونشر هذه المقالات في مجلة الأديب، ولم تختلف شخصيّته النقديّة فيها عن شخصيته في كتاب المنقار الأحمر، فقد كان حادًا في نقده، لا يحابي ولا يجامل، إنّما أصدر نقده بناء على ما عرفه عن هؤلاء الشعراء، وما قرأ من أشعارهم، علاوة على أنّه قدم في بعض المقالات سيرًا عن حياتهم، لأنّ بعضهم لم يكن مشهورًا، فكتب عن كل من فليكس فارس، وندرة حداد، ورشيد أيوب، ويوسف الفاخوري، وميشال معلوف، ويوسف البعيني، وجميل منصور، ونسيم الخوري، وألفريد أبو شديد، والشيخ سعيد اليازجي، ونصر سمعان، وحسني غراب، وأسطفان الغلبوني، وسليم عازار.
ومن أبرز ما نادى به الجرّ في نقداته أن تجربة الشاعر ينبغي أن تكون ذاتية وجماعية في الوقت نفسه، ومصدرها القلب، وتصاغ بلغة تصويرية خيالية، ويعبّر عن العواطف، بلغة جديدة، وراقية، بعيدة عن التقليد، وصادقة في نقل الشعور، وتنأى بنفسها عن المناسباتية. والأدب عنده حامل لرسالة، فهو مناط صلاح المجتمعات وارتقائها، وينبغي للنقد أن يكون تأثريًا[12].
نتاجه الأدبي والنقدي
- الروافد (1934).
- زنابق الفجر (1945).
- أغاني الليل (1963).
- بروق ورعود (1971).
- من خوابي الزمن (1974).
- قرطاجة (ملحمة تاريخ وثورة وبناء دولة).
- لاييس الكورنثية (ملحمة تاريخ امرأة وعصر).
- ظلال وأشباح (1980).
- نبيّ أورفليس- جبران خليل جبران (1939).
- المنقار الأحمر.
- جزر الخطيئة: ديفا وآدون.
- الشبح الأبيض.
- أضواء على الحياة.
- من كهوف الزمن.
- خطوط القدر.
- سوانح في الفن والأدب.
- لواعج وخوالج.
- ظلال وأشباح.
- ديفا وعبد الله.
- الهواجس.
- شعراء الأندلس: سير أربعة وعشرين شاعرًا أندلسيًا.
- غرام الآلهة.
- بين الجنازة والعروس.
- لويزا وأبيلاردو.
وله أيضًا قصائد منشورة في المجلات، منها:
- "شلال تيجوكا"، مجلة أبولو، العدد الرابع، (نيسان/ أبريل 1932).
- "الزورق المحطم"، مجلة أبولو، العدد الرابع، (كانون أول/ديسمبر 1934).
- "قصيدة الحديقة"، المجلة الجديدة، العدد الثاني عشر، (كانون أول/ ديسمبر 1935).
- "نبكي ونضحك"، مجلة الأديب، العدد الأول، (كانون ثاني/يناير 1957).
- "العاصفة الكبرى"، مجلة المعرفة، العدد السادس والأربعون، (تشرين أول/ أكتوبر 1965).
- "نظير زيتون"، مجلة الأديب، العدد الحادي عشر، (تشرين ثاني/ نوفمبر 1967).
- "الأخطل الصغير"، مجلة الأديب، العدد الرابع، (نيسان/ أبريل 1969).
- "أنت والأرض"، مجلة الأديب، العدد الخامس، (أيار/مايو 1971).
- "ليلة مولدي"، مجلة الأديب، العدد الأول، (آب/ يوليو 1971).
- "سلاح الأديب"، مجلة الأديب، العدد التاسع، (أيلول/ سبتمبر 1971).
11. "يا نهر"، مجلة الأديب، العدد الحادي عشر، (تشرين ثاني/ نوفمبر 1971).
مرضه ووفاته
بدأت رحلة الجرّ مع المرض في العام 1971، عندما أصيب بمرض في كليته اليسرى، فاضطر إلى إجراء عملية جراحية لها، وبعدها أصيب بمرض ارتفاع ضغط الدم، الذي زاد من معاناته، وتعرض خلال هذه الفترة لأكثر من وعكة صحيّة أعيته وأتعبته، وفي العام 1974 ازدادت صحته سوءًا، وزادت شكواه وأمراضه، واستمر على هذه الحال إلى أن أصيب في ذلك الشتاء بوعكة صحيّة ألزمته منزله ما يقارب الخمسة أشهر، عانى خلالها من تدهور شديد في صحته، وفي صبيحة يوم الأحد الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير من العام 1975 أعلنت وفاته[13].
المراجع
الجر، شكر الله. أغاني الليل. بيروت: دار الثقافة، 1963.
________. بروق ورعود. بيروت: دار الثقافة، 1971.
الدقاق، عمر. عنادل مهاجرة دراسة في الشعر المهجري. دمشق: منشورات اتحاد الكتّاب العرب، 1972.
علي، محمد قرة. شعر من المهجر. بيروت: منشورات حمد، 1954.
فتوح، عيسى. "شكر الله الجرّ كما عرفته". مجلة الأديب. الجزءان 11-12 (1975).
الناعوري، عيسى. أدب المهجر. ط 3. القاهرة: دار المعارف، 1977.
النجار، عبد الفتاح. الاتجاهات النقدية في بلاد الشام لنقد الشعر العربي المعاصر. بيروت: جامعة القديس يوسف، 1988.
[1] عمر الدقاق، عنادل مهاجرة دراسة في الشعر المهجري (دمشق: منشورات اتحاد الكتّاب العرب، 1972)، ص 85.
[2] المرجع نفسه، ص 86.
[3] المرجع نفسه، ص 87؛ عيسى الناعوري، أدب المهجر، ط 3 (القاهرة: دار المعارف، 1977)، ص 491.
[4] الناعوري، ص 491، 492.
[5] الدقاق، ص 93، 101.
[6] شكر الله الجر، أغاني الليل (بيروت: دار الثقافة، 1963)، ص 11.
[7] الناعوري، ص 495-499.
[8] محمد قرة علي، شعر من المهجر (بيروت: منشورات حمد، 1954)، ص 14.
[9] عيسى فتوح، "شكر الله الجرّ كما عرفته"، مجلة الأديب، الجزءان 11-12 (1975)، ص 20.
[10] شكر الله الجر، بروق ورعود (بيروت: دار الثقافة، 1971)، ص 194؛ الجر، أغاني الليل، ص 169، 170.
[11] الناعوري، ص 491، 492.
[12] عبد الفتاح النجار، الاتجاهات النقدية في بلاد الشام لنقد الشعر العربي المعاصر (بيروت: جامعة القديس يوسف، 1988)، ص 77-78.
[13] فتوح، ص 33-37.