سليم الأول (875-926هـ/ 1470-1520م) المعروف بلقب "ياووز" أو "الشجاع"، يُعَد من أبرز السلاطين الذين توالوا على حكم
الدولة العثمانية {{العصر العثماني: فترة حكم الدولة العثمانية التي تأسست عام 698هـ/ 1299م واستمرت حتى 1923. امتدت إمبراطوريتها عبر آسيا وأوروبا وأفريقيا، واتخذت إسطنبول عاصمة لها. تميز العصر العثماني بالقوة العسكرية، والتنظيم الإداري، وازدهار الفنون والعمارة، وكان له تأثير كبير في التاريخ الإسلامي والعالمي.}}، وقد أثرت مدة حكمه القصيرة نسبيًا (918-926هـ/ 1512-1520م) في مجرى التاريخ العثماني والإسلامي بشكل عميق. نشأ سليم الأول في ظروف مليئة بالصراعات والتحديات التي شكّلت جزءًا كبيرًا من شخصيته القوية والجريئة، وقد تولى الحكم في وقت كانت الدولة العثمانية تشهد فيه استقرارًا نسبيًا، لكن كان يهددها وجود خصوم إقليميين مثل الدولة الصفوية في الشرق، ودولة المماليك في مصر وسورية. وقد كانت رؤيته للحكم والتوسع ترتكز على إقامة إمبراطورية قوية، لا تعتمد على النفوذ العسكري وحده، بل تستمد شرعيتها من دورها الديني، بوصفها حامية للإسلام في مواجهة أعدائه، ومركزًا للعالم الإسلامي السني، وقد تمثّل التوجّه الجديد في إبراز التسنّن بوصفه تيارًا مناهضًا للتشيّع الصفوي. تميزت سياسة سليم الأول بالجرأة والإقدام، إذ خاض معاركَ حاسمة ضد الصفويين، أهمها
معركة ﭼالديران {{معركة ﭼالديران: (بالتركية: Çaldıran Muharebesi، 920هـ/ 1514م) معركة دارت بين الدولة العثمانية بقيادة سليم الأول والدولة الصفوية بقيادة الشاه إسماعيل. انتصر العثمانيون بفضل تفوّقهم في الأسلحة النارية، ما أضعف النفوذ الصفوي، وأدى إلى ضم شرق الأناضول إلى الدولة العثمانية.}}، ثم اتجه جنوبًا ليحقق انتصارات ساحقة على
المماليك {{العهد المملوكي: (648-923هـ/ 1250-1517م) حكم فيه المماليك مصر والشام والحجاز، وتميز بقوة عسكرية ونظام سلطوي، مع صدّ المغول في عين جالوت. ازدهرت فيه القاهرة ودمشق حضاريًا، وأُنشِئت مؤسسات تعليمية بارزة. انتهى بعد هزيمتهم أمام العثمانيين في مرج دابق والريدانية.}} في معركتي
مرج دابق {{معركة مرج دابق: معركة وقعت عام 922هـ/ 1516م قرب حلب، بين العثمانيين بقيادة سليم الأول والمماليك بقيادة قانصوه الغوري. انتهت بانتصار العثمانيين ومقتل الغوري، ما مهّد لسيطرتهم على بلاد الشام وسقوط دولة المماليك تدريجيًا.}}
والريدانية {{معركة الريدانية: معركة وقعت عام 923هـ/ 1517م قرب القاهرة، بين العثمانيين بقيادة سليم الأول والمماليك بقيادة طومان باي. انتهت بهزيمة المماليك ودخول العثمانيين مصر وإعدام طومان باي، ما أنهى حكم المماليك، مع بدء العصر العثماني في مصر.}}، فاتحًا أبواب سورية ومصر والحجاز أمام الحكم العثماني. وقد شكلت هذه التوسعات تحولًا مهمًا في هيكل الدولة العثمانية، إذ لم تكتفِ بالتوسع المجالي، بل تولت أيضًا مسؤولية رعاية المقدسات الإسلامية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ما جعلها مركزًا دينيًا، علاوة على أنها قوة عسكرية سياسية. وإلى جانب إنجازاته العسكرية، فإن سليمًا الأول أدخل الدولة العثمانية مرحلة جديدة من التنظيم الإداري والعسكري، إذ قوّى الجيش ووسع البحرية ونظم الأقاليم الجديدة. رغم أن مدة حكمه لم تدم طويلًا، فإن بصمته في التاريخ كانت واضحة، فقد ورّث خلفاءه دولة قوية مستقرة ذات امتداد جغرافي واسع، ما مهَّد الطريق لعصر ازدهار تحت حكم ابنه السلطان
سليمان القانوني (926-973هـ/ 1520-1566م).
مولده
حسب بعض الروايات، وُلد السلطان سليم الأول عام 872هـ/ 1467-1468م[1]، ولكن الراجح أنه وُلِد عام 875هـ/ 1470م في مدينة أماسيا، حين كان والده السلطان
بايزيد الثاني (852-918هـ/ 1447-1512م) واليًا على المنطقة[2]. كان ثالث من حمل لقب "قيصر الروم" بين الحكام المسلمين عمومًا والسلاطين العثمانيين خصوصًا، بعد والده بايزيد الثاني وجدّه محمد الفاتح. علاوة على ذلك، كان أول خليفة للمسلمين من سلاطين آل عثمان، والرابع والسبعين في ترتيب الخلافة الإسلامية عمومًا. والدته هي عائشة خاتون {{عائشة خاتون: (881-946هـ/ 1476-1539م) أميرة من أصل تتري، ابنة منلي جيراي الأول، خان القرم. تزوجت أولًا من الأمير محمود ابن السلطان بايزيد الثاني، ثم بعد وفاته تزوجت بأخيه السلطان سليم الأول عام 917هـ/ 1511م، وأنجبت منه ثلاث بنات: بيخان سلطان، حفيظة سلطان، وشاه سلطان. كانت من الشخصيات البارزة في البلاط العثماني.}}
[3]، ابنة
الأمير علاء الدين بوزقرت بك (885-921هـ/ 1480-1515م) من سلالة دُلكادِر
[4].
عُرِف باسم "سليم شاه"، إلا أنّ له لقبًا اقترن به وهو ياووز (بالتركية Yavuz، وتعني الشجاع) نظرًا إلى طباعه الحادة وشجاعته في المعارك[5]، وميله إلى الجناح العسكري. حصل سليم على تعليم جيد في سن مبكرة، إذ عيَّن له والده معلمين خاصّين. وفي سن العاشرة تقريبًا، استدعاه جده السلطان
محمد الفاتح (835-886هـ/ 1432-1481م) إلى إسطنبول، برفقة إخوته وأبناء عمومته. ووفقًا لما ذكره المؤرخ
كمال باشا زاده {{كمال باشا زاده: (874-941هـ/ 1469-1534م) المعروف بابن كمال، هو عالم عثماني بارز. تولّى منصب شيخ الإسلام، وكتب في الفقه والتاريخ والمنطق. كان مقرّبًا من السلاطين، وله أكثر من 100 مؤلَّف، وقد أسهم في ترسيخ الفكر الإسلامي العثماني. تُوفّي في إسطنبول.}}، فقد أولى السلطان الفاتح أحفاده اهتمامًا كبيرًا، وأقام لهم احتفالات خاصّة عند ختانهم[6].
بعد حفل الختان، عاد سليم إلى أماسيا مع والده، وظل هناك مدة قبل أن يرافقه إلى إسطنبول، بعد أن أصبح بايزيد الثاني سلطانًا عام 884هـ/ 1481م. ومع عدم وجود معلومات دقيقة عما إذا كان سليم قد رافق والده إلى العاصمة، يُظَنّ أنه ظل في أماسيا مع والدته مدة طويلة، بسبب الصراع الذي كان قائمًا بين والده وأخيه
الأمير جَم {{الأمير جَم: (862-900هـ/ 1459-1495م) هو ابن السلطان محمد الفاتح، وأحد أبرز المطالبين بالعرش العثماني بعد وفاة والده. نافس أخاه بايزيد الثاني على السلطنة، لكنه هُزم وفرّ إلى مصر ثم أوروبا. عاش في المنفى تحت حماية المماليك، فرسان رودس، ثم البابا، وتُوفّي مسمومًا في نابولي.}}. أما أول وظيفة رسمية له، فقد كانت في ولاية طرابزون، إذ عُيِّن هناك عام 892هـ/ 1487م، ليشغل منصب والي طرابزون مدة أربعة وعشرين عامًا تقريبًا، وظل هناك حتى عام 916هـ/ 1510م، وذكر في إحدى رسائله إلى والده في أثناء
ثورة شاه قولي {{ثورة شاه قولي عام 917هـ/ 1511م: كانت تمردًا شيعيًا في الأناضول بدعم صفوي، قادته قبائل القزلباش ضد الدولة العثمانية. استغل شاه قولي ضعف السلطنة، وحقق انتصارات أولية، لكنه قُتِل في معركة حاسمة، فانتهت الثورة التي مثّلت تهديدًا مذهبيًا وسياسيًا، ومهّدت لصدام أكبر في معركة ﭼالديران.}}، أنه كان يقيم في طرابزون مدة تزيد على عشرين عامًا[7].
شخصيته وصفاته
وُصِف السلطان سليم الأول بأنه كان متوسط القامة، مائلًا إلى الطول، عريض الحاجبين، ذا وجه دائري وأنف بارز، ما منح ملامحه نظرة حادة رغم معاناته من طول النظر. وعُرف كذلك بصفات شخصية تعكس الحزم والهيبة[8]. لم يكن السلطان ملتحيًا، مخالفًا بذلك التقاليد العثمانية، وفرض هذا التقليد على الأمراء وأبنائهم حتى وفاته، وقد اشتُهر بطول شاربيه. عُرف سليم الأول بشخصيته العصبية الجسورة، وكان ماهرًا في الصيد والفروسية، يتقن استخدام الأسلحة. أما من الناحية الروحية، فقد أظهر تقديرًا كبيرًا للشخصيات الصوفية البارزة مثل
محيي الدين بن عربي {{محيي الدين بن عربي:(560-638هـ/ 1165-1240م) فيلسوف ومتصوف أندلسي، يُلقّب بالشيخ الأكبر. وُلد في مدينة مرسية بالأندلس، وتنقّل بين إشبيلية ومكة وبغداد وقونية، قبل أن يستقر في دمشق حيث تُوفّي. اشتُهر بفكرة وحدة الوجود، وله مؤلفات عظيمة، مثل
الفتوحات المكية وفصوص الحكم. أثارت آراؤه جدلًا واسعًا بين العلماء.}}، وجلال الدين الرومي {{جلال الدين الرومي: (604-672هـ/ 1207-1273م) شاعر وفقيه ومتصوف فارسي الأصل، وُلِد في بلخ (في أفغانستان) واستقرّ في قونية (في تركيا). تأثر بشمس التبريزي، وكتب
المثنوي المعنوي، أحد أعظم كتب التصوف. أسس أتباعه الطريقة المولوية، واشتُهر برقص الدراويش الدائري، تعبيرًا عن العشق الإلهي والتأمل الروحي.}}، ما يعكس جانبًا صوفيًا في شخصيته، يجعله يُبرز احترامه للتيارات الروحية والصوفية التي شكلت جزءًا من الثقافة الإسلامية في عصره[9].
كذلك، وُصِف السلطان سليم الأول بالصرامة والإرادة القوية والطموح الفريد، مع جانب من الخجل في بعض المواقف، وقد اشتُهر بحبه لخوض المعارك والفتوحات، وكان يتمتع بذكاء سياسي وعسكري، وتميزت شخصيته بالدهاء في التعامل مع الخصوم، والقدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة ولو بدت قاسية، إذ وُصِف بأنه شخص لا يتردد في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق استقرار الدولة، حتى لو تطلب الأمر التضحية بأقرب المقربين إليه[10]. كان سليم محبًا للثقافة، مهتمًا بالشعر والعلوم، إلا أن طبيعته العسكرية طغت على اهتماماته الأخرى، ما جعله مقربًا من الجيش، ولا سيما الفرقة الإنكشارية.
وقد وصف
القرماني {{القرماني: (939-1019هـ/ 1532-1611م) أبو العباس أحمد بن يوسف بن سنان الدمشقي، مؤرخ وكاتب عثماني، وُلِد في دمشق. تولّى نظارة وقف الحرمين الشريفين، وكان مقرّبًا من حكّام عصره. أشهر مؤلفاته كتاب
أخبار الدول وآثار الأول، وهو موسوعة تاريخية شاملة، تبدأ من بداية الخليقة حتى القرن السادس عشر الميلادي.}} السلطان سليم الأول بأنه شخصية مرموقة وعالمة، تميزت بذكاء حاد وطبع حسن وفكر عميق، إذ كان معروفًا بقدرته على اتخاذ قرارات حكيمة وتنفيذ خطط مدروسة. وكان يجيد ثلاث لغات رئيسة: العربية، والتركية، والفارسية، علاوة على مهارته الفائقة في نظم الشعر. وكان يهتم اهتمامًا خاصًا بشؤون الرعية وإدارة الدولة، ما يعكس التزامه الوثيق برفاهية الأمة[11]. من جانب آخر، قدم المؤرخ
البكري {{البكري: (997-1087هـ/ 1588-1676م) شمس الدين محمد بن محمد أبي السرور البكري الصديقي، وُلِد في القاهرة. كان صوفيًا ومؤرخًا وأديبًا بارزًا في القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، وعميد الأسرة البكرية. ألّف في التفسير والتاريخ والفقه والجغرافيا، ومن أشهر كتبه:
عيون الأخبار، والروضة المأنوسة، والمنح الرحمانية في الدولة العثمانية.}} وصفًا آخر للسلطان سليم الأول، إذ أشار إلى هيبته وشجاعته البالغة، وذكر أنه كان دائم الحرص على تتبع أخبار الناس، معتمدًا على شبكة من العيون لنقل المعلومات التي كان يعتمد عليها في اتخاذ قراراته. كان السلطان يحب المطالعة في كتب التاريخ، فقد جمع مكتبة ضخمة باللغتين التركية والعربية، وكان شاعرًا متمكنًا ينظم الشعر باللغات الثلاث[12].
الأوضاع العامة قُبيل حُكْمِه
قبيل اعتلاء السلطان سليم الأول الحكم، شهدت الدولة العثمانية اضطرابات داخلية نتجت من الصراع بين أبناء السلطان بايزيد الثاني، علاوة على تصاعد التهديدات الخارجية التي شكلتها
الدولة الصفوية {{الدولة الصفوية: تأسست عام 907هـ/ 1501م على يد الشاه إسماعيل الأول، وجعلت المذهب الشيعي الاثني عشري مذهبًا رسميًا لإيران. خاضت صراعات طويلة مع الدولة العثمانية، أبرزها معركة ﭼالديران. ازدهرت في الفنون والعلوم، وانتهت عام 1148ه/ 1736م بتولي نادر شاه الحكم.}} من الشرق، وإمارات البلقان من الغرب. كان لهذه التوترات الداخلية والخارجية أثر كبير في استقرار الدولة العثمانية، وقد فرضت على السلطان تحديات معقدة على الصعيدين السياسي والعسكري، وأوّل هذه الاضطرابات ما يأتي[13]:
التحديات الداخلية
كشفت هذه الأحداث عن نقاط ضعف النظام العثماني في مسألة التولية، إذ لم تكن ثمة آلية واضحة لتحديد الوريث، ما فتح المجال للنزاعات الأسرية. كذلك أظهرت أهمية دور جيش الإنكشارية في تحديد مصير السلطة في الدولة العثمانية، إذ كان له دور رئيس في اختيار الحُكّام. وقد مهدت هذه التطورات الطريق لحكم سليم الأول، الذي واصل تعزيز مكانة الدولة العثمانية من خلال التركيز على التوسع الإقليمي والسيطرة العسكرية. كذلك، شهدت الدولة العثمانية صراعًا على ولاية العهد بين أبناء السلطان بايزيد الثاني خلال الأعوام ما بين 915هـ/ 1509م و918هـ/ 1512م، الذي يُعَد من أبرز الأزمات الداخلية التي واجهتها الدولة العثمانية. وعند وفاة معظم أبناء السلطان، ظل أربعة فقط أحياء حتى عام 913هـ/ 1507م، وقد تميز كل منهم بشخصية وأسلوب مختلفَيْن في التعامل مع شؤون الحكم والجيش، الأمر الذي أشعل المنافسة بينهم على وراثة العرش، وهم: أحمد (868-919هـ/ 1465-1513م)، وكركود (870-919هـ/ 1467-1513م)، وسليم (873-926هـ/ 1470-1520م)، وشهنشاه (856-918هـ/ 1461-1511م)[14].
جرت المنافسة الأكثر حدة بين أحمد الذي كان يُعد الوريث الشرعي، والذي يحظى بشعبية كبيرة بين النخب[15]، وسليم الذي حظي بدعم قوي من جيش الإنكشارية بفضل كفاءته العسكرية، وهو ما منح سليم الأول قاعدة قوية داخل الدولة، وجعله مرشحًا بارزًا للعرش[16]. كان موقف كركود ضعيفًا بسبب افتقاده إلى الورثة الذكور وانشغاله بالعلوم والأدب، الأمر الذي جعله غير محبوب لدى الجيش. ورغم ما حظي به من تأييد في البحرية العثمانية، فإن هذه القوة لم تكن قاعدة عسكرية قوية كافية لدعمه في حال العصيان، ما قلل من حظوظه في دعم الجيش له ليصبح خليفة السلطان[17]. ومع تصاعد المنافسات الداخلية وتباين ولاءات الطبقة الحاكمة، تأثرت الدولة العثمانية سلبًا، وزادت هشاشتها أمام التهديدات الخارجية[18].
في ذلك السياق، بدأ الإنكشارية بدعم سليم على نحو متزايد، وطالبوا السلطان بايزيد بالتنازل له[19]، في حين كان أحمد يعاني ضعفَ الدعم العسكري رغم تأييد البيروقراطيين، وتفاقم الوضع بعد وفاة شهنشاه[20]. أسفر الصراع بين سليم وأحمد عن هزيمة الأخير، ما دفع بايزيد نحو التنازل عن العرش لصالح سليم في 10 ربيع الآخر 918هـ، الموافق 25 نيسان/ أبريل 1512م[21]. يُذكر أن وفاة السلطان بايزيد أثارت تساؤلات، فقد اتهم بعض المؤرخين سليمًا بتدبير مؤامرة لسمّ والده[22]، ولكن لا توجد أدلة موثوقة تؤكد هذا الادعاء. وللحد من الخلافات بينهم، عَيَّن السلطانُ بايزيد كركودَ وأحمد وسليمًا في ولايات بعيدة، إذ أرسل كركود إلى ولاية مغنيسيا، وأحمد إلى أماسيا، وسليمًا إلى طرابزون، ولكن سليمًا لم يرضَ بهذا التعيين، وسعى ليكون واليًا على إحدى ولايات أوروبا[23]. لم يقبل السلطان طلبه، الأمر الذي دفعه إلى العصيان وقيادة جيش من التتار للتوجه إلى بلاد الروملي[24]، ما دفع السلطان لتعيينه واليًا على خمسة ألوية: سمندريه، وودين (فيدين)، وآلجه حصار، ونيغبولو، وأيزفورنك، حقنًا للدماء. ومع استمرار الخلافات، دخل سليم إلى أدرنة، وأعلن نفسه سلطانًا، لكن بايزيد أرسل جيشًا هزمه وأجبره على الهرب إلى القرم[25].
كان تعيين السلطان في الدولة العثمانية يعتمد اعتمادًا كبيرًا على دعم فرقة الإنكشارية وولائها، ما أدى إلى ظهور تقليد منحة الجلوس السعيد (Cülus Bahşişi)[26]. يتألف هذا التقليد من مكافآت مالية تُمنح للجنود عند اعتلاء السلطان العرش، وقد اتبع السلطان سليم الأول هذا التقليد، إذ منح كل جندي من الإنكشارية خمسين دوكًا لتعزيز ولائهم، وضمن استقرار حكمه. ولتوطيد سلطته، عين سليم ابنه الشاه زاده سليمان حاكمًا للقسطنطينية، ثم وجه حملة إلى آسيا لمواجهة إخوته وأبناء إخوته، وكان أخوه أحمد الذي فر إلى أنقرة من أبرز منافسيه، إلا أن السلطان اكتشف خيانة الوزير مصطفى باشا الذي كان يساعد أحمد، فقتله وأرسل بذلك رسالة قاسية إلى الآخرين. بعد ذلك، قبض على خمسة من أبناء إخوته وأمر بقتلهم، ثم توجّه إلى صاروخان حيث كان أخوه كركود مختبئًا، فقبض عليه وقتله في 10 محرم 919هـ، الموافق 17 آذار/ مارس 1513م[27].
توجه السلطان إلى بورصة حيث واجه أحمد الذي جمع جيشًا من أتباعه، ولكنه هُزِم وقُتِل في 17 صفر 919هـ، الموافق 24 نيسان/ أبريل 1513م[28]. بعد استقرار الوضع الداخلي، عاد إلى أدرنة، واستقبل سفراء من دول مختلفة، وأبرم معهم هدنات طويلة، وفي الوقت نفسه، توجهت أطماع السلطان نحو بلاد فارس التي كانت تحت حكم الشاه إسماعيل الصفوي (892-931هـ/ 1487-1524م)، ففتح ولاية شيروان لتعزيز نفوذه في المنطقة[29].
التحديات الخارجية
خلال فترة حكم السلطان سليم الأول، واجهت الدولة العثمانية تحديات كبيرة، تمثلت في ضغوط خارجية وصراعات داخلية، ومن أبرز هذه التحديات النزاعاتُ مع الإمارات الحدودية التي شكلت تهديدًا مستمرًا للدولة العثمانية من جهتي الشرق والغرب. ومع ذلك، كان الصراع مع الدولة الصفوية في الشرق، والصراع مع المماليك في الجنوب الأناضولي، هما الأبرز خلال حكم السلطان سليم.
وفي الغرب، استمرت إمارات البلقان المسيحية في استغلال حالة الاضطراب الداخلي داخل الدولة العثمانية، لتشكل مصدر تهديد مستمر لأمن الدولة، ما زاد من تعقيد الوضعين السياسي والعسكري، وقد أدت هذه التحديات إلى ضرورة وجود قائد يتمتع بالكفاءة والحنكة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، ومعالجة الاضطرابات، وتوجيه الموارد العسكرية نحو تأمين الحدود وتعزيز توسعات الدولة العثمانية، وكان هذا التوجه ضروريًا لضمان الحفاظ على استقرار الدولة ومكانتها الإقليمية[30].
في الشرق، أدى الصراع مع الدولة الصفوية بقيادة الشاه إسماعيل، الذي سعى إلى نشر المذهب الشيعي في الأراضي العثمانية، إلى تصاعد التوترات المذهبية والسياسية بين الطرفين، إذ استغل الشاه إسماعيل الأوضاع لتشجيع الاضطرابات والفتن داخل الأراضي العثمانية، ما زاد من حالة عدم الاستقرار. من جهة أخرى، ساعدت التحركات الصفوية على تأجيج الصراع بين العثمانيين وبعض القبائل التركمانية في الأناضول، التي وجدت في هذه النزاعات فرصة للتمرد على السلطة العثمانية، وقد نتج من ذلك توتر في العلاقات بين هذه القبائل والسلطة العثمانية، أدى إلى إضعاف سيطرة الدولة على المناطق الشرقية، وفَرَضَ عليها تحديات إضافية في الحفاظ على وحدتها السياسية والإدارية[31]. ومن هذا المنطلق، لا بد من الإشارة إلى طبيعة هذه الصراعات التي جمعت السلطان سليم الأول مع الدولة الصفوية.
الصفويون
تأسست الدولة الصفوية على يد
الشاه إسماعيل الصفوي عام 906هـ/ 1501م، واتخذت من تبريز مركزًا لحكمها. بدأ الشاه إسماعيل بتوسيع دولته تدريجيًا، إذ سرعان ما ضم العراق وبلاد خراسان وديار بكر، وأرسل قائدًا لاحتلال بغداد[32]. وفي عام 917هـ/ 1510م، أضاف مناطق من إيران الغربية وأذربيجان وبلاد الكرج[33]، ما جعل الدولة الصفوية تمتد من الخليج الفارسي إلى بحر قزوين، ومن منابع الفرات إلى ما وراء نهر أموداريا (نهر جيحون). في المقابل، تصاعدت التوترات بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية بقيادة السلطان سليم الأول، وقد تمكن السلطان سليم من القضاء على بقايا دولة آق كويونلو (Akkoyunlu)، وضم مناطق استراتيجية، وتُوّجت انتصاراته بالتقدُّم نحو تبريز، ما عزز النفوذ العثماني في المنطقة[34].
كانت العلاقات بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية متوترة نتيجة تنافسهما السياسي والديني، وعندما عصى السلطان سليم الأول وإخوته والدهم السلطان بايزيد الثاني، دعم الشاه إسماعيل الأمير أحمد في مواجهة والده ثم أخيه، بل قَبِل لاجئين من أُسَرِهم، وسعى إلى تعزيز موقفه من العثمانيين بمحاولة التحالف مع سلطان مصر، محذرًا من خطر الدولة العثمانية على كليهما في حال عدم الاتحاد[35]. وفي سياق الصراعات المستمرة بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، أرسل السلطان سليم الأول رسالة إلى الشاه إسماعيل الصفوي من مدينة إزميد في شهر صفر من عام 920هـ/ 1514م، وجاء في هذه الرسالة ما يأتي: "إنّ علماءنا ورجال القانون قد حكموا عليك بالقصاص يا إسماعيل بصفتك مرتدًا، وأوجبوا على كلّ مسلم حقيقي أن يدافع عن دينه، وأن يحطم الهراطقة في شخصك، أنت وأتباعك البلهاء. ولكن قبل أن تبدأ الحرب معكم، فإننا ندعوكم إلى حظيرة الدين الصحيح قبل أن نشهر سيوفنا. وزيادة على ذلك، فإنه يجب عليك أن تتخلى عن الأقاليم التي اغتصبتها منا اغتصابًا، ونحن حينئذٍ على استعداد لتأمين سلامتك
[36].
تحضيرًا للحرب على الصفويين، أمر السلطان سليم بحصر أعداد الشيعة في الولايات المتاخمة لإيران وقتلهم سرًا، وقُدِّر عدد الضحايا بنحو أربعين ألفًا، وقد كان ذلك جزءًا من سياسته لضمان السيطرة على المناطق ذات النفوذ الشيعي، ولتمهيد الطريق لحملته العسكرية عليهم. في 22 محرم 920هـ، الموافق 19 آذار/ مارس 1514م، بدأ السلطان سليم حملته متجهًا نحو تبريز، عاصمة الصفويين، بجيش قوامه مئة ألف جندي، وبمثله لدى الصفويين[37]. اعتمد الصفويون تكتيك التراجع لاستنزاف الجيش العثماني حتى وصولهم إلى وادي ﭼالديران، حيث دارت معركة ﭼالديران الشهيرة في 2 رجب 920هـ، الموافق 24 آب/ أغسطس 1514م[38].
حقق الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم نصرًا كبيرًا بمساعدة المدفعية، ما أدى إلى فرار الشاه إسماعيل وبقاء كثير من قادته وزوجته في الأسر[39]. دخل السلطان تبريز منتصرًا في 16 رجب 920هـ، الموافق 6 أيلول/ سبتمبر 1514م، وتُليت الخطبة بالشعائر السنية، وباسم السلطان سليم في 22 من ذي القعدة سنة 920هـ، الموافق 8 أيلول/ سبتمبر 1514م، ثم أمر بإرسال نحو ألف فنان وعالم وشاعر من تبريز إلى إسطنبول[40]، واستولى على خزائن الشاه وأرسلها إلى القسطنطينية، علاوة على أربعين من أمهر صُنّاع المدينة لدعم الصناعات العثمانية[41].
في ربيع عام 921هـ/ 1515م، توجه السلطان العثماني إلى إيران، وفتح قلعة كوماش (كُماخ)[42]، وإمارة "ذو القدر"، ثم عاد إلى القسطنطينية تاركًا قادته لاستكمال التوسع في الشرق. ولضمان انضباط الجيش، أمر بإعدام ضباط الإنكشارية الذين عرقلوا التقدم، وأعدم قاضي عسكرهم جعفر جلبي (862-921هـ/ 1459-1515م)، بسبب تحريضه على القيادة العثمانية، وتعطيل سير العمليات العسكرية، ومنح نفسه سلطة تعيين قائد الإنكشارية لضمان ولائهم[43]. واصلت الجيوش العثمانية تقدمها، فتمكنت من فتح مدن ماردين وأورفة والرقة والموصل، وسيطرت على إقليم ديار بكر، وقد أعلنت قبائل الكرد خضوعها بشرط الاحتفاظ بحكمها المحلي[44]. واصل السلطان سليم الأول تعزيز سياسته التوسعية، وفي 10 شوال 924هـ، الموافق 13 آب/ أغسطس 1518م، جدد معاهدات الصلح مع البنادقة والمجريين لتأمين الجبهة الأوروبية، ثم بدأ الإعداد لحملة على الصفويين في العراق. وفي هذا السياق، حقق الصدر الأعظم
بيري محمد باشا (861-940هـ/ 1458-1533م) انتصارات في شمال غرب العراق، وأضاف كركوك وأربيل إلى الأراضي العثمانية، الأمر الذي عزز النفوذ العثماني في المنطقة[45].
المماليك
شهدت العلاقات المملوكية-العثمانية في القرنين التاسع والعاشر الهجريين/ الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين توترات متصاعدة نتيجة التنافس على النفوذ الإقليمي والسيطرة السياسية. بدأت هذه التوترات في عهد يلدرم بايزيد (761-805هـ/ 1360-1403م)، وبلغت ذروتها مع استيلاء العثمانيين على ملطية[46]. وفي عهد السلطان محمد الفاتح، تعقدت العلاقات بسبب النزاع على إمارة ذو القدر (مَرْعَش)[47]. أما في عهد السلطان بايزيد الثاني، فقد تطورت العلاقات لتصبح دبلوماسية، إذ عُزِّز التعاون العسكري لمواجهة التهديدات المشتركة، مثل التوسع البرتغالي الذي كان يهدف إلى السيطرة على طرق التجارة البحرية في المحيط الهندي، وبحر العرب، ومياه البحر الأحمر في الحجاز[48]. ومع ذلك، عادت التوترات لتتصاعد، ما أدى إلى مواجهات عسكرية غير حاسمة بين الطرفين، مع غياب حل نهائي للنزاع[49].
من جانب آخر، شهدت هذه العلاقات في بعض الأوقات تطورات إيجابية اتسمت بالود والتنسيق، وبرزت تحولات مهمة في العلاقات بين القوتين على مختلف الأصعدة خلال مطلع القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، إذ تأثرت هذه العلاقات بالمتغيرات السياسية والاستراتيجية التي نتجت من الصراعات الإقليمية وتوازن القوى في المنطقة وضرورة التوصل إلى تسويات[50].
غير أنّ التسوية بين العثمانيين والمماليك لم تكن دائمة، فبعد أن أجبر السلطان سليم والده على التنازل عن العرش، وتولى السيطرة على الحكم، نقل ساحة الصراع من القارة الأوروبية إلى القارة الآسيوية[51]. كذلك أرسلت الدولة العثمانية كثيرًا من الرسائل التهديدية إلى دولة المماليك لوقف الأعمال التي تهدد استقرار الدولة، وكانت تلك الطلبات تشمل انتهاكات الحدود، وعرقلة طرق التجارة أو تهديدها، وأنشطة التجسس. ومن أشدّ هذه الرسائل الرسالة السادسة عشرة، إذ اتهم فيها السلطان سليم السلطان قانصوه بالغش والتعاون مع الجواسيس، مهددًا بإسقاط حكم المماليك في بلاد الشام ومصر، ومحاولًا إجبارهم على وقف أعمالهم ضد الدولة العثمانية[52].
انتقال حُكْم الشام ومصر
بعد انتصار السلطان سليم على جيش الشاه إسماعيل في معركة ﭼالديران نقل السلطان سليم مركز الصراع من الشرق والغرب إلى منطقة سورية ومصر[53]. وفي 26 رجب 922هـ، الموافق 24 آب/ أغسطس 1516م، تمكّن الجيش العثماني من تحقيق انتصار حاسم في
معركة مرج دابق[54]، التي جرت شمال سورية في منطقة قريبة من حلب[55]، ضد الجيش المملوكي بقيادة السلطان قانصوه الغوري[56]، وقد أسفرت هذه المعركة عن تدمير القوات المملوكية، ومقتل السلطان قانصوه، والسيطرة على مدائن حماة وحمص ودمشق من دون مقاومة تُذكَر[57]، الأمر الذي أدى إلى انهيار الدولة المملوكية في بلاد الشام ودخول الأراضي المملوكية تحت سيطرة الدولة العثمانية[58]. بعد هذه الانتصارات، عين السلطان سليم
قره جه أحمد باشا (ت. 962هـ/ 1555م)، المعروف أيضًا بيحيى أوغلو أحمد باشا، واليًا على دمشق[59]، وكان هذا التعيين جزءًا من استراتيجية السلطان سليم لترسيخ سيطرة الدولة العثمانية على هذه الأراضي، التي كانت ذات أهمية كبيرة في السياقَيْن الجيوسياسي والديني، وقد اهتم بالعلماء والمساجد، إذ أمر بترميم الجامع الأموي[60]، وأُضيف إلى الدعاء له في خطبة الجمعة لقب: خادم الحرمين الشريفين[61].
بعد وصول خبر مقتل الغوري إلى مصر، انتخب المماليك
طومان باي (877-923هـ/ 1474-1517م) سلطانًا جديدًا، ولكنه رفض عرض السلطان سليم بالصلح المشروط باعتراف مصر بسيادة العثمانيين، واستعد لمواجهة الجيش العثماني. تقدمت الجيوش العثمانية وهزمت مقدمة المماليك قرب غزة، ثم توجهت نحو القاهرة، حيث دارت معركة حاسمة في منطقة الريدانية الشهيرة، يوم 29 من ذي الحجة 922هـ، الموافق 22 كانون الثاني/ يناير 1517م[62]، انتهت بهزيمة المماليك، ودخول العثمانيين القاهرة بعد ثمانية أيام، رغم المقاومة العنيفة[63]. لجأ طومان باي إلى بر الجيزة، ولكنّه وقع في الأسر بعد خيانة أتباعه، وأُعدِم شنقًا بأمر السلطان سليم عند باب زويلة، في ربيع الآخر سنة 923هـ، الموافق نيسان/ أبريل 1517م[64].
ثم عُيِّن خير بك (929-972هـ/ 1522-1564م)، نائبُ حلب المملوكي الذي انضم إلى الخدمة العثمانية بعد معركة مرج دابق، واليًا على مصر في 26 شوال 923هـ، الموافق 29 آب/ أغسطس 1517م[65]، فانطوت بذلك صفحة دولة المماليك، ودخلت مصر مرحلة جديدة تحت الحكم العثماني. وقد مكث السلطان سليم بالقاهرة شهرًا، زار فيه الآثار والجوامع، ووزّع العطايا على أعيان البلاد، وحضر الاحتفال السنوي لفتح الخليج الناصري، ما عزّز من رمزية السيطرة العثمانية على مصر[66].
يُعَد فتح السلطان العثماني سليم الأول لمصر حدثًا مهمًا في التاريخ الإسلامي، بل في التاريخ العالمي، إذ شهد تنازل الخليفة العباسي الأخير
محمد المتوكل على الله (206-247هـ/ 822-861م) عن الخلافة الإسلامية لصالح السلطان العثماني. ترتب على ذلك انتقال رمزية الخلافة إلى الدولة العثمانية، إذ تسلَّم السلطان سليم الآثار النبوية الشريفة ومفاتيح الحرمين الشريفين من أمير مكة
الشريف بركات الثاني (903-931هـ/ 1497-1525م)[67]، ما رسخ مكانة السلاطين العثمانيين بصفتهم خلفاء للمسلمين[68].
نفذ السلطان سليم إصلاحات إدارية لضمان السيطرة على مصر، شملت تقسيم إدارتها إلى وحدات تحت إشراف الباشا والمجلس الإداري[69]. اختتم السلطان سليم حضوره في مصر، وغادر إلى القسطنطينية في 17 رجب 924هـ، الموافق 25 تموز/ يوليو 1518م، بعد أن عهد بإدارتها إلى خير بك[70]. بعد هذه المعركة، ضم سورية ومصر إلى أملاك الدولة العثمانية، بل رأى المؤرخ أوزتونا أن معركة الريدانية كانت بمنزلة مفتاح لعالميّة الدولة العثمانية، إذ امتدت لتُحكِم سيطرتها على منافذ البحر الأحمر، وشرق أفريقيا وشمالها[71].
النفوذ العثماني في شمال أفريقيا
خلال فترة حكم السلطان سليم الأول، شهدت الدولة العثمانية توسعًا استراتيجيًا في منطقة شمال أفريقيا، استجابة للتحديات الإقليمية التي فرضتها التهديدات الأوروبية. وعقب سقوط الأندلس واحتلال القوى الأوروبية، ولا سيما الإسبان والبرتغاليين، لعدة مدن ساحلية مثل وهران والمهدية، أصبح الوضع في شمال أفريقيا يعاني تفككًا داخليًّا وغياب سلطة مركزية قادرة على مواجهة الغزوات الأوروبية. بناءً على هذا السياق، أدرك السلطان سليم الأول أهمية حماية هذه المنطقة الاستراتيجية، ولا سيما في ظل التوسع البحري الأوروبي في البحر الأبيض المتوسط، وكذلك التهديدات البرتغالية في البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي. كذلك، كان يتعين على العثمانيين التصدي للطموحات الأوروبية في شرق آسيا وجنوب شرقها، التي امتدت طوال القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي. ومن ثم، لم يكن الهدف من تدخل العثمانيين في شمال أفريقيا مقتصرًا على تأمين هذه الجبهة الغربية فقط، بل كان يتعلق بالسيطرة على مرافق تجارة الصحراء المهمة أيضًا، بما يتماشى مع المصالح الاستراتيجية والتجارية للدولة العثمانية.
علاوة على ذلك، فإن إلغاء الدولة المملوكية عام 923هـ/ 1517م، وإعلان السلطان سليم الأول الخلافة العثمانية، قد أسهما في تعزيز مكانة العثمانيين بصفتهم حُماة للعالم الإسلامي. في هذا السياق، تبنى السلطان سليم الأول سياسة دعم القوى المحلية المناهضة للاحتلال الأوروبي، بما في ذلك
الأخوان عروج (879-924هـ/ 1474-1518م) وخير الدين بربروس (883-953هـ/ 1478-1546م)، اللذان قادا عمليات تحرير المدن الساحلية في شمال أفريقيا من قبضة القوى الأوروبية، ما أسهم في ترسيخ النفوذ العثماني في المنطقة[72]. وفي إطار التوسع البحري العثماني، أقام الأخوان عروج تحالفًا إستراتيجيًا مع السلطان سليم الأول، الذي وفر لهما الدعم العسكري واللوجستي، وأسهمت جهودهما في تعزيز نفوذ الدولة العثمانية في البحر المتوسط وتوسيع سيطرتها البحرية. كان هذا التعاون أساسًا لبناء قوة بحرية متفوقة، مهدت الطريق لهيمنة العثمانيين على البحر المتوسط لاحقًا، ولا سيما في عهد السلطان سليمان القانوني[73].
النفوذ العثماني في شرق أفريقيا
لم يكن للسلطان سليم دور مباشر كبير في مقارعة البرتغال في شرق أفريقيا، ولكنه وضع الأساس لاستراتيجية عثمانية تسعى إلى مواجهة النفوذ البرتغالي في المحيط الهندي والبحر الأحمر، ولا سيما بعد أن أصبحت الإمبراطورية العثمانية قوة عالمية مركزية. كان البرتغاليون قد نجحوا، منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، في تأسيس سيطرتهم على طرق التجارة البحرية الرئيسة بين أوروبا والهند، وأقاموا قواعد استراتيجية في مناطق مثل موزمبيق وساحل شرق أفريقيا، ما شكل تهديدًا مباشرًا على المصالح الإسلامية في المنطقة[74].
عندما سيطر السلطان سليم الأول على مصر بعد هزيمة المماليك عام 922هـ/ 1517م، أصبحت الدولة العثمانية الوريث الشرعي للسيطرة على البحر الأحمر ومجاله الحيوي، الأمر الذي منحها نفوذًا استراتيجيًا في طرق التجارة البحرية. أدرك سليم الأول خطورة التهديد البرتغالي، الذي لم يقتصر على إضعاف التجارة الإسلامية، بل تجاوز ذلك إلى محاولة اختراق المناطق الإسلامية عبر البحر الأحمر، والتوسع في المحيط الهندي. بناءً على ذلك، شرع سليم في تطوير الأسطول العثماني، مستفيدًا من الموارد البحرية التي ورثها من المماليك، وأمر بإقامة التحصينات والمراكز العسكرية على سواحل الحجاز واليمن لحماية الممرات البحرية[75]. ومع أن المواجهة المباشرة مع البرتغاليين في شرق أفريقيا والمحيط الهندي بلغت ذروتها في عهد خلفائه، خصوصًا في عهد السلطان
سليمان القانوني، فإنه قد كان لسليم الأول دور حاسم في وضع السياسات التوسعية البحرية، التي نفذها لاحقًا قادة بحريون مثل بيري ريس (874-961هـ/ 1470-1554م) وسيد علي ريس (904-969هـ/ 1498-1562م)[76]، وقد أسهمت السياسات التي وضعها في تعزيز دور الدولة العثمانية بصفتها قوة بحرية عالمية، ووضعت الأسس لتحولات كبرى في توازن القوى الإقليمية والدولية خلال القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي[77].
نهاية حكمه
وفاته وسببها
تُوفّي السلطان سليم الأول في 9 شوال 926هـ، الموافق 22 أيلول/ سبتمبر 1520م، بعد مدة حكم قصيرة دامت ثماني سنوات وأربعة أشهر وثمانية وعشرين يومًا[78]، ولكنها كانت مليئة بالإنجازات التي خُتِم آخرها بمشروع فتح جزيرة رودس، إلا أن هذا الإنجاز لم يتحقق إلا في عهد خليفته السلطان القانوني[79]. عند وفاة السلطان سليم الأول، أخفى طبيبه الخاص خبر وفاته عن الحاشية، وأبلغ الوزراء فقط، ثمّ اجتمع الوزراء بير محمد باشا وأحمد باشا ومصطفى باشا، وقرروا إبقاء الوفاة سرًا إلى حين وصول ولي العهد الأمير سليمان من إقليم صاروخان، خوفًا من اضطرابات محتملة قد تشعلها الإنكشارية كما كان متوقعًا في مثل تلك الظروف[80]. تتعدد الروايات في سبب وفاته، إذ تشير بعض المصادر إلى أنه تُوفي بسبب مرض السرطان، في حين تشير مصادر أخرى إلى تسمم محتمل، وتقول غيرها إنه ربما كان مرهقًا بسبب الحملات العسكرية المتواصلة التي خاضها خلال حكمه، وقد قيل إنه تُوفي بسبب خطأ في مداواته من مرض القرحة في ظهره[81].
إرثه وتأثيره
ترك السلطان سليم الأول لخلفه السلطان سليمان القانوني إمبراطورية موحدة وقوية تمتد من قلب الأناضول إلى شمال أفريقيا، فقد كان إرثه السياسي والعسكري حجر الأساس الذي بُنيت عليه الدولة العثمانية في عصرها الذهبي خلال حكم سليمان. كذلك، مهّدت إصلاحاته العسكرية والإدارية الطريق لعصر من الاستقرار والازدهار. ومع ذلك، اشتُهر السلطان سليم الأول بميله إلى العنف، إذ أقدم على قتل سبعة من وزرائه لأسباب عُدَّت واهية، ما خلق جوًا من الرعب والتهديد المستمرَّيْن بين المسؤولين، حتى قيل إن الدعاء على الشخص المرغوب في التخلص منه كان يتضمن أن يصبح وزيرًا للسلطان.
في الجانب العمراني، بنى السلطان سليم عددًا كبيرًا من الجوامع، وحوَّل بعض كنائس القسطنطينية إلى مساجد، مخالفًا بذلك الوعد الذي قطعه السلطان محمد الفاتح لبطريق الروم بعدم المساس بنصف الكنائس المتبقية عقب فتح المدينة[82]. وعلاوة على أعماله العمرانية في طرابزون وأدرنة ودمشق والقاهرة، تشير المصادر إلى أنه وضع أساس مسجد يحمل اسمه في إسطنبول، ولكنه لم يتمكن من إكماله. كذلك، وسع دار الصناعة (ترسانة السفن)، وبنى قصرًا على الساحل بين سيركجي وسراي بورنو، عُرِف باسم قصر الواجهة البحرية أو القصر الرخامي[83].
على الصعيد الأدبي، اشتُهر السلطان سليم الأول بموهبته الشعرية، إذ ترك ديوانًا أدبيًا باللغة الفارسية، إلى جانب بعض الأشعار التي نظمها باللغتين التركية والعربية، وعُد من أبرز السلاطين العثمانيين الذين أبدعوا في استخدام اللغة الفارسية في شعرهم، ما عكس تأثره العميق بالثقافة الفارسية والأدب الكلاسيكي، وأضفى على شخصيته بعدًا فكريًا إلى جانب دورَيْه العسكري والسياسي البارزيْن[84].
اهتمّ السلطان سليم الأول بالعلماء وعرف عنه الحرص على الاستماع إلى آرائهم في القضايا السياسية. كما كان قارئًا مهتمًا بالتاريخ، حتى إنه أمر كبير علماء عصره ابن الكمال (871-940هـ/ 1468-1534م) بترجمة كتاب
النجوم الزاهرة للمؤرخ المصري ابن تَغْرِي بَرْدِي إلى العثمانية[85]. وكان للسلطان اهتمام خاص بالتصوّف، إذ تأثر بأفكار محيي الدين بن عربي، وأبدى احترامًا كبيرًا لـجلال الدين الرومي. كذلك ضمّت مجالس نقاشه علماء وشعراء بارزين، مثل زنبيلي علي أفندي، وكمال باشا زاده، وإدريس بتليسي، علاوة على تقديره لشعراء مثل تاجي زاده جعفر جلبي، وأخي بنيلي حسن. وبالنظر إلى سيرته ومعالمها، صارت شخصية السلطان سليم الأول محورًا لكثير من الروايات التاريخية التي وثقها المؤرخون، مثل كمال باشا زاده وإدريس بتليسي. وقد شكلت هذه الروايات أساسًا لنوع جديد من الكتابات التاريخية عُرِف باسم "سليم نامه" (Selim Nâme)، يتّسم بالتوثيق المفصّل لحياة السلطان وإنجازاته، من منظور يمزج بين السردَيْن التاريخي والأدبي[86].
المراجع
العربية
أباظة، فاروق عثمان.
الحكم العثماني في اليمن 1872-1918. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986.
ابن إياس، محمد.
بدائع الزهور في وقائع الدهور. تحقيق محمد مصطفى. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984.
ابن زنبل، أحمد الرّمّال المحلّي.
كتاب تاريخ السلطان سليم خان بن السلطان بايزيد خان مع قانصوه الغوري سلطان مصر وأعمالها. القاهرة: [د. ن.]، 1863.
ابن طولون، محمد الصالحي الدمشقي.
إعلام الورى بمن ولي نائبًا من الأتراك في دمشق الشام الكبرى. تحقيق محمد أحمد دهمان. دمشق: دار الفكر، 1964.
أبو خليل، شوقي. تشالديران: سليم الأول وإسماعيل الصفوي:
المعارك الكبرى في تاريخ الإسلام. دمشق: دار الفكر، 2005.
أوزتونا، يلماز.
تاريخ الدولة العثمانية. ترجمة عدنان محمود سلمان. إسطنبول: منشورات مؤسسة فيصل للتمويل، 1988.
أوغلو، أوقاي ترياقي. السلطان سليم خان الأول: السلطان القاطع. ترجمة مصطفى حمزة. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2015.
باشا، أحمد جودت.
تاريخ الدولة العثمانية. بيروت: دار الكتب العلمية، 1976.
بربروس، خير الدين. مذكرات خير الدين بربروس. ترجمة محمد دراج. الجزائر: شركة الأصالة للنشر والتوزيع، 2010.
البكري، محمد ابن أبي السرور. المنح الرحمانية في الدولة العُثمانية، وذيله: اللطائف الربَّانيَّة على المنح الرحمانيَّة. تحقيق ليلى الصباغ. دمشق: دار البشائر، 1995.
التميمي، عبد الجليل.
دراسات في التاريخ العربي العثماني 1453-1918م. زغوان: منشورات مركز الدراسات والبحوث العثمانية والموريسكية، 1994.
الدوري، مؤيد حميد سلطان.
العلاقات العثمانية الفرنسية 1520-1566م. دمشق: صفحات للدراسات والنشر، 2017.
رائسي، إدريس الناصر. العلاقات العثمانية-الأوروبية في القرن السادس عشر. بيروت: دار الهادي، 2007.
الرمال، أحمد. تاريخ السلطان سليم الأول: حروبه مع قانصوه الغوري وقايتباي ودخوله مصر. الجيزة: الدار العالمية للكتب والنشر، 2012.
الصلابي، علي محمد.
الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط. بيروت: دار المعرفة، 2003.
القرماني، أحمد بن يوسف. أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ. بغداد: مطبعة الميرزا عباس التبريزي، 1865.
القهواتي، حسين محمد. "تاريخ العراق بين الاحتلالين العثمانيين الأول والثاني (941-1048هـ/ 1534-1638م): دراسة في الأصول السياسية والاقتصادية"، رسالة ماجستير. كلية الآداب. جامعة بغداد. بغداد. العراق. 1975.
المحامي، محمد فريد بك.
تاريخ الدولة العثمانية. تحقيق إحسان حقي. ط 5. بيروت: دار النفائس، 1986.
المقريزي، تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي.
السلوك لمعرفة دول الملوك. تحقيق محمد مصطفى وسيد عاشور. القاهرة: دار الكتب العلمية، 1973.
"الموسوعة التاريخية". موقع الدرر السنية. في:
https://acr.ps/1L9F2b8
"النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: قصة الكتاب". موقع الوراق. في:
https://acr.ps/1L9F2TK
الأجنبية
Afyoncu, Erhan.
1000 Soruda Osmanlı İmparatorluğu. İstanbul: Yeditepe Yayınevi, 2010.
Ahmed Paşa, Feridun. “Mecmua-i Feridun Bey Münşeatüs selatin.” c. 5. Takım Osmanlıca. 1858 (Yayınsız)
Aksoy, İdris. "İdrîs-i Bidlîsî’nin Selim-Nâme’sinin Tahkik ve Tercümesi." Yüksek Lisans Tezi. Fatih Sultan Mehmet Vakıf Üniversitesi Lisansüstü Eğitim Enstitüsü. İstanbul. 2021.
Allouche, Adel.
Osmanlı-Safevî İlişkileri – Kökenleri ve Gelişimi. İstanbul: Ankara Yayınları, 2001.
Ateş, Ahmed. “İstanbul'un Fethine Dair Fatih Sultan Mehmed Tarafından Gönderilen Mektublar ve Bunlara Gelen Cevablar.”
Tarih Dergisi. c. 4, sayı 7 (1953). ss. 11-50.
Bozkurt, Nebi. "Mukaddes Emanetler." in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi. c. 31. Ankara: TDV, 2020. ss. 108-111.
Carrafa, Giovanni Battista.
Dell'historie del regno di. Napoli: Appresso Giuseppe Cacchij, 1572.
Casale, Giancarlo.
The Ottoman Age of Exploration. Oxford: Oxford University Press, 2010.
Celâl-zâde, Mustafa.
Selîm-nâme. Ahmet Uğur & Mustafa Çuhadar (nşr.). Ankara: Kültür Bakanlığı Yayınları, 1990.
Çakar, Enver. “XVI. Yüzyılda Suriye Coğrafyasının İdarî Taksimatı.”
FÜSBD. c. 13, sayı 1 (2003). ss. 129-154.
Çelebi, Haydar.
Ruznamesi. Yavuz Senemoğlu (çev.). Tercüman 1001 Temel eser. İstanbul: Yayınevi, 1973.
Çelebi, Kâtip.
Cihannüma. Türkiye: Matbaa-ı Amire, Boyut Yayın Grubu, 1632.
Danişmend, İsmail Hami.
I. Selim Dönemi. Topkapı: Doğu Kütüphanesi, 1971.
Emecen, Feridun. “Mercidâbık Muharebesi Osmanlılar ile Memlûkler arasında (922/1516) yılında yapılan savaş.” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA). c. XXIX. Ankara: TDV, 2004. ss. 174-176
________. “Ridâniye Savaşı.” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA). c. XXXV. Ankara: TDV, 2008. ss. 87-88
________. “Selim I.” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA). c. 36. Ankara: TDV, 2009. ss. 407-414.
________.
Yavuz Sultan Selim. İstanbul: Kapı yayınları, 2016.
Imber, Colin.
The Ottoman Empire, 1300-1650: The Structure of Power. New York: Palgrave Macmillan, 2002.
İdrîs-i Bitlisî. “Selimnâme.” TSMK. Revan Köşkü nr. 1540.
İnalcık, Halil & Donald Quataert.
Osmanlı İmparatorluğu’nun Ekonomik ve Sosyal Tarihi 1300 – 1600. Halil Berktay (trans.). İstanbul: Türkiye İş Bankası Kültür Yayınları, 2000.
İnalcık, Halil.
Devlet-i ‘Aliyye Osmanlı İmparatorluğu Üzerine Araştırmalar Klasik Dönem (1302-1606). İstanbul: Türkiye İş Bankası Kültür Yayınları, 2018.
Kılıç, Ayeşegül. “Osmanlı-Memlûk Nüfuz Mücadelesinde Dulkadiroğullari Beyliği.”
Avrasya Uluslararası Araştırmalar Dergisi. c. 9, sayı 27 (2021). ss. 439-440.
Kunt, Metin & Christine Woodhead.
Süleyman the Magnificent and His Age: The Ottoman Empire in the Early Modern World. London/ New York: Longman, 1995.
Kurşun, Zekeriyya.
Osmanlı Devleti İdaresinde Hicaz 1517-1919. Ankara: Semih Ofset, 1999.
Muir, Sir W.
The Mameluke; Or, Slave Dynasty of Egypt, 1260-1517. Londra: A. D. Elder Smith, 1896.
Mustafa Efendi, Cenâbî. "el-ʿAylemü’z-zâḫir." Nuruosmaniye Ktp II. nr. 3100. Türkiye.
Muslu, Cihan Y.
Osmanlılar ve Memlûklar İslam Dünyasında İmparatorluk Diplomasisi ve Rekabet. Zeynep Rona (trans.). İstanbul: Kitap Yayınevi, 2016.
Özcan, Abdülkadir. “Cülûs.” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA). c. 8. Ankara: TDV, 1993. ss. 108-114.
Palmer, Alan.
The Rise and Fall of the Ottoman Empire. New York: Scribner, 1992.
Pıtcher, Donald Edgar.
Osmanlı İmparatorluğu’nun Tarihsel Coğrafyası. Bahar Tırnakcı (trans.). Baskı 2. İstanbul: YKY, 2001.
Sadeddin, Hoca.
Tacü't-Tevârih. İsmet Parmaksızoğlu (ed.). Ankara: Kültür Bakanlığı Yayınları, 1979.
Sakaoğlu, Necdet. “Beyazid II.”
Yapı Kredi Kültür Sanat Yayıncılık. c. 1 (1999). ss. 299-302.
Sarwar, Ghulam.
History of Shah Isma'il Safawi. New York: AMS, 1975.
Sezen, Tahir.
Osmanlı Yer Adları (Türkçe ve Osmanlı Türkçesi). Baskı 2. Ankara: T. C. Başbakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlüğü, 2017.
Shaw, Stanford J. & Ezel Kural Shaw.
History of the Ottoman Empire and Modern Turkey. Cambridge: Cambridge University Press, 1976.
Tansel, Selahattin.
Yavuz Sultan Selim. Ankara: [n. p.], 1969.
Tektaş, Nazım.
Yavuz Sultan Selim; Çadırdan Saraya-Saraydan Sürgüne. İstanbul: Yeni Şafak Gazetesi Kültür yayınları, 2007.
Tomar, Cengiz. “el-Melikü’l-Eşref İnal Ma‘noğlu.” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA). c. 29. Ankara: TDV, 2004. ss. 63-64.
Turan, Şerafettin. “Beyazid II.” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA). c. 5. Ankara: TDV, 1992. ss. 234-238
Yiğit, İsmail. “Memlükler.” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA). c. 29. Ankara: TDV, 2004. ss. 90-97.
[1] يلماز أوزتونا،
تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة عدنان محمود سلمان ومحمود الأنصاري، ج 1 (إسطنبول: منشورات مؤسسة فيصل للتمويل، 1988)، ص 205، 213؛ أوقاي ترياقي أوغلو،
السلطان سليم خان الأول: السلطان القاطع، ترجمة مصطفى حمزة (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2015)، ص 21-22؛
Nazım Tektaş,
Yavuz Sultan Selim, Çadırdan Saraya-Saraydan Sürgüne (İstanbul: Yeni Şafak Gazetesi Kültür yayınları, 2007), s. 164.
[2] Feridun Emecen, “Selim I.,” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA), c. 36 (Ankara: TDV, 2009), s. 407.
[3] Cenâbî Mustafa Efendi, "el-ʿAylemü’z-zâḫir," Nuruosmaniye Ktp II, nr. 3100, Türkiye, s. 353.
[4] علاء الدولة بوزقورت بك: حاكم دولة "ذو القدر" من أواخر عام 884هـ/ 1480م حتى وفاته عام 920هـ/ 1515م. وصل إلى الحكم بدعم من السلطان العثماني محمد الثاني بعد خلع شقيقه شاه بوداق. في بداية حكمه، دعم بوزقورت السلطان بايزيد الثاني في مطاردة شقيقه جم سلطان الذي احتمى بالمماليك، ما أدى إلى نشوب صراع بين العثمانيين والمماليك، وخلال هذا الصراع، امتنع بوزقورت عن مساعدة العثمانيين، ما أسهم في هزيمتهم. يُنظر:
Giovanni Battista Carrafa,
Dell'historie del regno di (Napoli: Appresso Giuseppe Cacchij, 1572), p. 16.
[5] Halil İnalcık & Donald Quataert,
Osmanlı İmparatorluğu’nun Ekonomik ve Sosyal Tarihi 1300–1600, Halil Berktay (trans.), c. I (İstanbul: Türkiye İş Bankası Kültür Yayınları, 2000), ss. 14-20.
[6] Emecen, "Selim I.," s. 407.
[7] Ibid., s. 415.
[8] Ibid., s. 413.
[9] أوزتونا، ص 238.
[10] Stanford J. Shaw & Ezel Kural Shaw,
History of the Ottoman Empire and Modern Turkey (Cambridge: Cambridge University Press, 1976), pp. 143-145.
[11] أحمد بن يوسف القرماني،
أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ (بغداد: مطبعة الميرزا عباس التبريزي، 1865)، ص 316.
[12] محمد بن أبي السرور البكري، المنح الرحمانيَّة في الدولة العُثمانيَّة، وذيله اللطائف الربَّانيَّة على المنح الرحمانيَّة، تحقيق ليلى الصباغ (دمشق: دار البشائر، 1995)، ص 70-71.
[13] Shaw & Shaw, pp. 143-145.
[14] أوزتونا، ص 206-207.
[15] Colin Imber,
The Ottoman Empire, 1300-1650: The Structure of Power (New York: Palgrave Macmillan, 2002), pp. 156-158.
[16] أوزتونا، ص 206-207.
[17] محمد فريد بك المحامي،
تاريخ الدولة العثمانية، تحقيق إحسان حقي (بيروت: دار النفائس، 1986)، ص 186-187؛ علي محمد الصلابي،
الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط (بيروت: دار المعرفة، 2003)، ص 156-158.
[18] المحامي، ص 186؛ أوزتونا، ص 207.
[19] Alan Palmer,
The Rise and Fall of the Ottoman Empire (New York: Scribner, 1992), p. 102.
[20] أوزتونا، ص 209.
[21] أحمد جودت باشا، تاريخ الدولة العثمانية (بيروت: دار الكتب العلمية، 1976)، ص 194-196.
[22] Emecen, “Selim I.,” s. 408.
[23] أوزتونا، ص 206-207.
[24] Imber, pp. 157-158.
[25] أوزتونا، ص 208.
[26]للمزيد عن الجلوس الهمايوني، يُنظر:
Abdülkadir Özcan, “Cülûs,” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA), c. 8 (Ankara: TDV, 1993), ss. 108-114.
[27] المحامي، ص 188؛ أوزتونا، ص 214-215؛
Özcan, s.110.
[28] أوزتونا، ص 214.
[29] المحامي، ص 188؛ أوزتونا، ص 214-215؛
Özcan, s.110.
[30] Imber, pp. 158-160.
[31] أوزتونا، ص 203-204.
[32] للمزيد يُنظر: حسين محمد القهواتي، "تاريخ العراق بين الاحتلالين العثمانيين الأول والثاني (1534-1638م/ 941-1048هـ): دراسة في الأصول السياسية والاقتصادية"، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد، بغداد، 1975، ص 57-77.
[33] بلاد الكرج تشير إلى التسمية العربية القديمة لما يُعرف اليوم بجورجيا، وهي منطقة تقع جنوب القوقاز بين البحر الأسود وبحر قزوين. تاريخيًا، كانت تبليسي (تفليس قديمًا) مركزها الرئيس، وقد عَدّ أوزتونا أنها ضُمّت إلى جانب الولايات العثمانية الحدودية مع بلاد فارس، وهي: قارص، وأرضروم، وآرتقين. يُنظَر: أوزتونا، ص 205.
[34] المرجع نفسه، ص 204-205.
[35] المحامي، ص 188.
[36] نبيل عبد الحي رضوان،
جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس واسترداده في مطلع العصر الحديث (مكة المكرمة: مكتبة الطالب الجامعي، 1988)، ص 435.
[37] أوزتونا، ص 116؛ شوقي أبو خليل،
تشالديران: سليم الأول وإسماعيل الصفوي، سلسلة المعارك الكبرى في تاريخ الإسلام 20 (دمشق: دار الفكر، 2005)، ص 59-64.
[38] المحامي، ص 188.
[39] Emecen, “Selim I.,” s. 409.
[40] أوزتونا، ص 218.
[41] Shaw & Shaw, pp. 146-150.
[42] قلعة كماخ: الواقعة في أرزينجان في الأناضول الشرقية، كانت ذات أهمية استراتيجية خلال الفتوحات العثمانية في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي. يُنظر:
Tahir Sezen,
Osmanlı Yer Adları (Türkçe ve Osmanlı Türkçesi), Baskı 2 (Ankara: T. C. Başbakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlüğü, 2017), s. 447.
[43] İdrîs-i Bitlisî, “Selimnâme,” TSMK Revan Köşkü nr. 1540, vr. 2b-16a.
[44] المحامي، ص 188-189؛ أوزتونا، ص 219-220.
[45] أوزتونا، ص 236.
[46] تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي المقريزي،
السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة وسعيد عاشور، ج 2، مج 4 (القاهرة: دار الكتب العلمية، 1973)، ص 906.
[47] Ayeşegül Kılıç, "Osmanlı-Memlûk Nüfuz Mücadelesinde Dulkadiroğullari Beyliği,”
Avrasya Uluslararası Araştırmalar Dergisi, c. 9, sayı 27 (2021), ss. 443-444.
[48] Halil İnalcık,
Devlet-i ‘Aliyye Osmanlı İmparatorluğu Üzerine Araştırmalar Klasik Dönem (1302-1606) (İstanbul: Türkiye İş Bankası Kültür Yayınları, 2018), s. 143; Zekeriyya Kurşun,
Osmanlı Devleti İdaresinde Hicaz 1517-1919 (Ankara: Semih Ofset, 1999), s. 319.
[49] İsmail Yiğit, “Memlükler,” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA), c. 29 (Ankara: TDV, 2004), ss. 92-95.
[50] Cihan Y. Muslu,
Osmanlılar ve Memlûklar İslam Dünyasında İmparatorluk Diplomasisi ve Rekabet, Zeynep Rona (trans.) (İstanbul: Kitap Yayınevi, 2016), ss. 7-9.
[51] Hoca Sadeddin Efendi,
Tacü't-Tevârih, İsmet Parmaksızoğlu (ed.), c. 5 (Ankara: Kültür Bakanlığı Yayınları, 1979), ss. 152-154.
[52] Ibid., c. 4, ss. 153-154.
[53] Mustafa Celâl-zâde,
Selîm-nâme, Ahmet Uğur & Mustafa Çuhadar (nşr.) (Ankara: Kültür Bakanlığı Yayınları, 1990), ss. 390-395; Haydar Çelebi,
Ruznamesi, Yavuz Senemoğlu (çev.), Tercüman 1001 Temel eser (İstanbul: Yayınevi, 1973), ss. 54-57; Ghulam Sarwar,
History of Shah Isma'il Safawi (New York: AMS, 1975), p. 76; Adel Allouche,
Osmanlı-Safevî İlişkileri – Kökenleri ve Gelişimi (İstanbul: Ankara Yayınları, 2001), s. 63.
[54] İnalcık & Quataert, ss. 14-20; İsmail Hami Danişmend,
I. Selim Dönemi (Topkapı: Doğu Kütüphanesi, 1971), s. 26; Tektaş, s. 164; Emecen, ss. 22-23.
[55] أبو خليل، ص 73-75.
[56] أحمد بن زُنبُل الرّمّال المحلّي،
كتاب تاريخ السلطان سليم خان بن السلطان بايزيد خان مع قانصوه الغوري سلطان مصر وأعمالها (القاهرة: [د. ن.]، 1278هـ [1861م])، ص 14-17؛
Feridun Emecen, “Mercidâbık Muharebesi Osmanlılar ile Memlûkler arasında (922/1516) yılında yapılan savaş,” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA), c. XXIX (Ankara: TDV, 2004), ss. 174-176; Muslu, s. 228.
[57] المحامي، ص 192؛ أوزتونا، ص 222-223.
[58] Emecen, “Mercidâbık Muharebesi”; Mustafa, ss. 185, 440; Feridun Emecen,
Yavuz Sultan Selim (İstanbul: Kapı yayınları, 2016), ss. 226-241.
[59] محمد بن طولون الصالحي الدمشقي،
إعلام الورى بمن ولي نائبًا من الأتراك في دمشق الشام الكبرى، تحقيق محمد أحمد دهمان (دمشق: دار الفكر، 1964)، ص 220؛ ويُنظر:
Mustafa, s. 157.
[60] المحامي، ص 193-194.
[61] Emecen, “Selim I.,” s. 414.
[62] Katib Çelebi,
Cihannüma (Türkiye: Matbaa-ı Amire, Boyut Yayın Grubu, 1632), ss. 690-691; Feridun Emecen, “Ridâniye Savaşı,” in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi (DİA), c. XXXV (Ankara: TDV, 2008), ss. 87-88; Selahattin Tansel,
Yavuz Sultan Selim (Ankara: [n. p.], 1969), ss. 146-168; Donald Edgar Pıtcher,
Osmanlı İmparatorluğu’nun Tarihsel Coğrafyası, Bahar Tırnakcı (trans.), Baskı 2 (İstanbul: YKY, 2001), s. 153; Sir W. Muir,
The Mameluke; Or, Slave Dynasty of Egypt, 1260-1517 (Londra: A. D. Elder Smith, 1896), pp. 285-290; Erhan Afyoncu,
1000 Soruda Osmanlı İmparatorluğu, c. 5 (İstanbul: Yeditepe Yayınevi, 2010), ss. 85-95; İnalcık & Quataert, ss. 14-20.
[63] أوزتونا، ص 226-227؛ أبو خليل، ص 75.
[64] المحامي، ص 193؛ أوزتونا، ص 230؛ أبو خليل، ص 77.
[65] Çelebi,
Cihannüma, ss. 690-691; Enver Çakar, “XVI. Yüzyılda Suriye Coğrafyasının İdarî Taksimatı,”
FÜSBD, c. 13, sayı 1 (2003), ss. 129-154; Pıtcher, s. 153.
[66] المحامي، ص 194.
[67] "الموسوعة التاريخية"، موقع الدرر السنية، شوهد في 4/10/2025، في:
https://2u.pw/43PLqc; Nebi Bozkurt, "Mukaddes Emanetler," in:
Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi, c. 31 (Ankara: TDV, 2020), s. 109.
[68] أوزتونا، ص 234.
[69] Emecen, “Selim I.,” ss. 411-412.
[70] المحامي، ص 195-196.
[71] أوزتونا، ص 235.
[72] للمزيد بشأن معارك عروج وبربروسا يُنظر: خير الدين بربروس، مذكرات خير الدين بربروس، ترجمة محمد دراج (الجزائر: شركة الأصالة للنشر والتوزيع، 2010)، ص 56-100؛ أوزتونا، ص 236-238.
[73] أوزتونا، ص 239-245، 252-253.
[74] Metin Kunt & Christine Woodhead,
Süleyman the Magnificent and His Age: The Ottoman Empire in the Early Modern World (London/ New York: Longman, 1995), pp. 51-55.
[75] Giancarlo Casale,
The Ottoman Age of Exploration (Oxford: Oxford University Press, 2010), pp. 16-18.
[76] فاروق عثمان أباظة،
الحكم العثماني في اليمن 1872-1918 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986)، ص 19-20.
[77] Shaw & Shaw, pp. 103-106.
[78] أوزتونا، ص 236.
[79] المحامي، ص 197.
[80] Emecen, “Selim I.,” s. 413.
[81] أوزتونا، ص 236.
[82] المحامي، ص 198.
[83] Emecen, “Selim I.,” s. 415.
[84] أوزتونا، ص 237.
[85] "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: قصة الكتاب"، موقع الوراق، شوهد في 20/11/2025، في:
https://acr.ps/1L9F2TK
[86] Emecen, “Selim I.,” s. 414.