روز اليوسف (1898-1958) ممثلة مسرحية وصحافية مصرية من أصل لبناني وتركي، وُلدت في مدينة طرابلس ونشأت يتيمة الأبوين، ثم انتقلت إلى مصر في سن مبكرة. بدأت مسيرتها الفنية على خشبة المسرح، وشاركت في عدد من الفرق المسرحية خلال العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، وقدمت أدوارًا رئيسة في أعمال مسرحية وأوبرتية، من بينها مسرحية "غادة الكاميليا" وأوبريت "العِشْرة الطيبة". وقد أسهمت هذه الأعمال في ترسيخ حضورها الفني في الحياة المسرحية المصرية، حتى أطلق عليها النقاد لقب "سارة برنار الشرق". في عام 1925 اعتزلت التمثيل واتجهت إلى الصحافة، فأسست مجلة
روز اليوسف، التي بدأت مجلةً فنيةً ثم توسعت اهتماماتها لتشمل القضايا السياسية والاجتماعية. وفي عام 1935 أطلقت صحيفة
روز اليوسف اليومية، كما أسست دار نشر حملت اسمها، ثم أصدرت لاحقًا مجلة
صباح الخير عام 1956.
تزوّجت روز اليوسف أكثر من مرة، وأنجبت
إحسان عبد القدوس وآمال طليمات. توفيت في القاهرة إثر نوبة قلبية، وارتبط اسمها بالمؤسسة الصحافية التي أنشأتها وبالتيار الصحافي الذي تشكّل في إطارها، الذي عُرف لاحقًا باسم "مدرسة روز اليوسف الصحفية".
النشأة والتكوين
وُلدت روز اليوسف، أو فاطمة اليوسف، في طرابلس الشام عام 1898، لأب من أصل تركي، هو محمد محيي الدين اليوسف، وأم تدعى جميلة توفيت عقب ولادتها. ومع وفاة الأم وانشغال الأب بتجارته بين تركيا ولبنان، أُودعت الطفلة لدى أسرة مسيحية من الجيران، مع التزام الأب بالإنفاق عليها والإبقاء على مربيتها المسلمة. غير أن وفاة الأب في إسطنبول قبل أن تبلغ السابعة أدّت إلى انقطاع النفقة، فغيّرت الأسرة اسمَها إلى "روز"، ونشّأتها تنشئةً مسيحيةً، وتبدّلت معاملتها لها، فعاشت الطفلة تجربةً قاسيةً اتّسمت بالتمييز وسوء المعاملة[1]. ومع مرض مربيتها، أصبحت عبئًا على الأسرة، فوافقت الأخيرة على أن يصطحبها أحد الأصدقاء عند هجرته إلى البرازيل، وحينذاك أعلَمَتها مُربيتها بحقيقة أمر عائلتها. وفي أثناء توقُّف السفينة في ميناء الإسكندرية للتزوّد بالوقود، نجحت الطفلة في التسلُّل إلى المدينة وحدها[2].
قضت روز اليوسف عدةَ ساعات تتجوّل في الشوارع، في حالة وصفتها بـ"الوحدةَ والألم والضعف والشرود"[3]. ثم ساقتها قدماها إلى مسرح
دار التمثيل العربي في الإسكندرية، الذي كان بإدارة
فرقة سلامة حجازي، فوجدت نفسها "تحدّق في المسرح، ولا شيءَ يملأ خيالَها إلا أن تلبس يومًا هذه الثياب العجيبة التي تلبسها الممثلات"[4]. وخلال إحدى تسلُّلاتها إلى قاعة المسرح، ضبَطها أحد الممثلين، ففزعت وشرعت في البكاء، فخرج على بكائها المخرج
عزيز عيد، الذي حاول تهدئتها. وتَذكُر روز اليوسف في مذكراتها أن الفتاة الصغيرة بدأت "تتحدّث وعزيز عيد يشجّعها، حتى استراحت إليه وشعرت كأن كل ما يحيط بحياتها من الوحدة والألم والضعف والشرود يسقط عنها، ووجدت في هذا الرجل القصير المُحدَودِب أبًا جديدًا، ولم تكن قد عرفت حنان الأبوّة قط"[5].
منذ ذلك الوقت أخذت الطفلة تُكثِر من التردُّد عليه، وتشاهد المسرحيات التي يُخرِجها، وتُشارِك من خلاله في بعض أدوار الكومبارس المحدودة في فرق المسرح بالإسكندرية، بدايةً في
فرقة تياترو عبد العزيز (فرقة أولاد عكاشة لاحقًا)، ثم في
فرقة سليم عطا الله. وبالأجر الذي كانت تتقاضاه من هذه الأدوار استأجَرت غرفةً في شقةِ أسرةٍ أرمنية[6]، وكان ذلك نحو عام 1910[7]. ويذكر أحد الصحافيين أنه شاهدها في ذلك العمر المبكر لدى فرقة سليم عطا الله، قبل تحقيقها الشهرة، قائلًا إن "كل من رآها [آنذاك] يحكم لأول وهلة بأنها لا تليق للتمثيل، ولا يمكن أن تنجح فيه، إلى أن قيّض الله لها الأستاذ عزيز أفندي عيد، فنقض تلك النظرية وهدم ذلك الاعتقاد من أساسه"[8].
في عام 1911، حين أتيحت لها فرصة دخول مجال التمثيل الاحترافي مع عزيز عيد، وكانت حينئذ في الثالثة عشرة، بعد أن خضعت لتدريب مكثّف في أساسيات الفن. فقدَّمَها في مسرحية "عواطف البنين"، التي أعادت فرقة سلامة حجازي تمثيلها في العام نفسه[9]. وأدت روز فيها دور "الأميرالة"، وهو دور امرأة في السبعين، وقد حققت في أدائه نجاحًا لافتًا نالت به قدرًا كبيرًا من الثناء، ما دفع مُعلّمها ووالدها الثاني، عزيز عيد، إلى القول: "إنني لا أستطيع أن أجعل من الرصاص ذهبًا، ولكني أستطيع أن أكتشف الذهب وأن أجعله لامعًا خلّابًا"[10].
مسيرتها المسرحية
روز اليوسف في الصحافة الفنية (مجلة التمثيل آذار/مارس 1924)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في عام 1915 أسّس عزيز عيد، بالاشتراك مع صديقه المؤلف المسرحي أمين صدقي،
فرقة الكوميدي العربي، لتقديم المسرحيات الكوميدية
الڤودڤيلية {{الڤودڤيل: (بالفرنسية: Vaudeville) نوع من العروض المسرحية الخفيفة، برز في أواخر القرن التاسع عشر، ويقوم على فقرات قصيرة تشمل الغناء والرقص والكوميديا والسحر، كان من الأشكال الشائعة للترفيه قبل تراجعه مع ظهور السينما.}} على
مسرح البرنتانيا في القاهرة. وضمَّ عيد إلى فرقته نخبةً من ممثلي الكوميديا في ذلك الوقت، من بينهم
استيفان روستي، وحسن فايق، وأمين عطا الله، ونجيب الريحاني، كما اصطحب معه تلميذته الصاعدة روز اليوسف.
غير أن الفرقة، وتحت ضغط الأزمة المالية، لجأت عام 1916 إلى التعاون مع فرقة أولاد عكاشة تحت اسم "الفرقة المتحدة"[11]. ومن خلال هاتين الفرقتين قدّمت روز اليوسف عددًا من مسرحيات الڤودڤيل الخفيفة المَصُوغة بالعامية المصرية، من بينها: "خلي بالك من إميلي"، و"يا ستّ ما تمشيش كده عريانة"، و"بسلامته مدخلش دنيا"[12]. أثارت هذه العروض جدلًا واسعًا في الصحافة والمجتمع، وواجهت هجومًا من النقّاد والرأي العام، بسبب عرضها موضوعات عُدّت صادمة للذوق السائد[13]، ما فجّر حملة نقدية في الصحف والمجلات ضد الاتجاه الڤودڤيلي ومحاولات انتشاره في مصر.
بدأت هذه الحملة عندما نشرت صحيفة
المنبر عام 1916 خطابًا موقَّعًا باسم "آنسة متفرّجة" بعنوان "التمثيلُ مَفسَدةُ الأخلاق"، ذكرت فيه أنها "شاهدت مسرحية ’يا ستّ ما تمشيش كده عريانة‘، فلاحظت أن بطلة المسرحية الممثلة روز اليوسف تظهر على المسرح بملابس البحر، المايوه، وأن موضوع المسرحية يشرح كيف تكون الدعارة، وكيف السبيلُ إليها"، وناشدت عبد الله عكاشة منع هذا النوع من المسرحيات، والاقتداء بموقف الشيخ سلامة حجازي حين منع عزيز عيد من تمثيل إحدى مسرحياته الڤودڤيلية على مسرحه[14]. ولم تلبث الفرقة أن أغلقت أبوابها في حزيران/ يونيو من العام نفسه، لقلّة الإيرادات واستمرار آثار الحرب العالمية الأولى (1914-1918)[15].
في العام ذاته، أعاد عزيز عيد تكوين فرقته بعد انفصال نجيب الريحاني وأمين صدقي عنها، وقدّم مجموعة جديدة من المسرحيات الكوميدية الڤودڤيلية، أدّت روز اليوسف دور البطولة في جميعها، من بينها "علي كاكا"، ومسرحية "سَكْرة بنت دين كلب" التي عُرضت في أيلول/ سبتمبر 1916 على مسرح
كازينو دي باريس، وقد شاركها عيد نفسه في بطولتها[16].
في الأول من شباط/ فبراير 1917، انتقلت روز اليوسف مع فرقة عزيز عيد إلى
تياترو الأبيه دي روز، وافتتحت موسمها هناك بعرض مسرحية "ليلة الدخلة"[17]، ثم واصلت تقديم عدد من المسرحيات الڤودڤيلية، منها "أم أربعة وأربعين"، و"دخول الحمام مش زَيّ خروجه"، و"عقبال البكاري"[18]. غير أن الفرقة واجهت الإفلاس مرة أخرى، وأُغلقت قبل نهاية العام.
في آب/ أغسطس 1917، انضم عزيز عيد للمرة الثانية إلى فرقة جورج أبيض، ممثلًا ومخرجًا، واصطحب معه روز اليوسف. وتحت راية هذه الفرقة شاركت روز، إلى جانب أستاذها، في عدد من المسرحيات التاريخية والقومية والكوميدية، الجديدة أو المعاد إخراجها، من بينها "الشعلة"، و"الممثل كين"، و"في سبيل الوطن"، و"مدام سان جين"، و"لويس الحادي عشر"، و"الساحرة أو ثريّا العربية"، و"ثارات العرب"، و"تيمورلنك"، و"العثرة الأولى"، و"شارل السادس"[19]. وفي البداية كان
جورج أبيض يقصُر مشاركتَها على الأدوار الصغيرة، لكنها سرعان ما أثبتَت قدراتِها التمثيلية خارج دائرة أستاذها عزيز عيد، فأسند إليها الدور الرئيس في مسرحية "الشعلة"[20]، التي قُدّمت لصالح إحدى الجمعيات الخيرية، ونالت عن أدائها فيها استحسان الجمهور[21].
توالت مشاركات روز المسرحية، ففي صيف 1918 شكّل عزيز عيد فرقته الكوميدية الرابعة، وبدأ عروضه الڤودڤيلية على مسرح "كافيه ريش" بالإسكندرية، وقدّم مجموعة من مسرحياته الڤودڤيلية المعتادة ببطولة نجمة الفرقة الأولى، روز اليوسف، من بينها: "خلي مراتي أمانة عندك"، و"خلي بالك من إميلي"، و"ليلة الدخلة"، و"يا ستّ ما تمشيش كده عريانة"، و"بسلامته ما دخلش دنيا"، و"عندك حاجة تبلّغ عنها"[22].
قبيل نهاية عام 1919 اتصل نجيب الريحاني بعزيز عيد، عارضًا عليه تكوين فرقة لتمثيل أوبريت "العشرة الطيبة"، وهو أوّل
أوبريت يُقدَّم في مصر. وتولّى عزيز عيد الإدارة الفنية والإخراج، وضم إلى الفرقة عددًا من الممثلين من بينهم روز اليوسف، واستيفان روستي، وعباس فارس، وبرلنته حلمي، ونازلي مزراحي، وغيرهم. وبعد أربعة أشهر من البروڤات[23]، عُرض الأوبريت للمرة الأولى على مسرح كازينو دي باريس ليلةَ الخميس 12 آذار/ مارس 1920[24]، ولاقى إقبالًا واسعًا، وقد أدّت فيه روز شخصيةَ "خششبار"، زوجة الوالي، ويعدّ من أبرز أدوارها طوال تاريخها الفنّي.
في عام 1921، انفصل عزيز عيد عن فرقة الريحاني لخلافاتٍ مالية، فانضمّت روز اليوسف، من دونه، إلى فرقة عبد الرحمن رشدي، وقدّمت معها أدوارَ البطولة في عدد من المسرحيات، منها: "النائب هالير"، و"العرائس"، و"مدرسة النميمة"[25].
وفي 1922، أسس يوسف وهبي فرقة
مسرح رمسيس بالاشتراك مع عزيز عيد، فانتقلت إليها روز اليوسف، لتبدأ موسمها الأول عام 1923 نجمةً أولى للفرقة إلى جانب
زينب صدقي. أدّت روز أدوار البطولة النسائية أمام يوسف وهبي في مسرحيات الموسمين الأول والثاني، من بينها "غادة الكاميليا"، و"المجنون"، و"انتقام المهراجا"، و"الشياطين السود". غير أن خلافًا وقع بينها وبين يوسف وهبي على خلفية رفضها لدور اختاره لها في مسرحية "الذبائح"، وقررت في إثر ذلك الاستقالة من المسرح، فكان اعتزالها التمثيل آنذاك وهي في أوج نشاطها الفني عام 1925[26].
بعد نحو تسعة أعوام من الاعتزال، عادت إلى المسرح عام 1934 لتقديم عروض في ليلتين متتاليتين، عقب حريق "محلّة زياد"، حين دعا الزعيم
مصطفى النحاس إلى التبرع لمساعدة المتضررين. فمثّلت مسرحية "غادة الكاميليا" بحضور مصطفى النحاس، ومحمود فهمي النقراشي، ومكرم عبيد، وخصصت إيراد العرضين لصالح المنكوبين. وكان ذلك آخر ظهور لها على خشبة المسرح[27].
مُنحت روز اليوسف لقب "سارة برنار الشرق"، تشبيهًا لها بالممثلة الفرنسية الشهيرة، إثر أدائها في مسرحية "غادة الكاميليا" على مسرح رمسيس[28]، كما نالَت جائزة الدولة للتفوّق في الأداء التمثيلي عام 1924[29].
مسيرتها الصحافية
غلاف العدد الأول من مجلة روز اليوسف
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
قبيل اعتزالها التمثيل، وفي آب/ أغسطس 1925، وأثناء جلسة جمعتها بعدد من أصدقائها من الصحافيين والأدباء والنقاد في ليلة الاحتفاء بانتهاء الموسم المسرحي الثاني لمسرح رمسيس، كانت روز اليوسف تطالع صفحة القسم الفني بإحدى المجلات، فخطر لها سؤال عبّرت عنه بقولها: "لماذا لا يكون للفنانين مجلةٌ تنتَصِفُ لهم من خصومهم؟"[30]. وتحوّل هذا الخاطر إلى نقاش بين المزاح والجدّ، انتهى بأن توجهت في صباح اليوم التالي إلى وزارة الداخلية للحصول على ترخيص الإصدار. ثم شرعت في تنظيم العمل التحريري بالتعاون مع صديقها الصحافي
محمد التابعي، الذي كان ناقدًا فنيًّا في صحيفة
الأهرام، وتمكّنت بمعاونته من استكتاب عدد من كبار الكتّاب للعدد الأول[31]. وفي صباح 26 تشرين الأول/ أكتوبر 1925 صدر العدد الأول من مجلة
روز اليوسف في القاهرة. ونشر
إبراهيم عبد القادر المازني في هذا العدد مقالًا دعاها فيه إلى العودة للمسرح، قائلًا: "على المسرح مجالُكِ يا سيدتي، فارجعي إليه، وإذا أبيتِ إلا المجلةَ فلتكُن سلوى لا شغلانًا". وقد ردّت عليه روز اليوسف في العدد نفسه بقولها: "إن كلَّ عملٍ مَجيدٍ يكون في أوله نزوةً طارئة، ثم يستحيل إلى فكرة، فإذا رسخت أصبحت يقينًا مجنونًا"[32].
شارك في الكتابة بالمجلة عدد من كبار الكتّاب والصحافيين بين الحين والآخر، وساعد على ذلك ما امتلكته روز اليوسف، بوصفها ممثلة سابقة، من شبكةِ علاقاتٍ واسعة في الأوساط الفنية والثقافية. غير أنها لاحظت أن بعض أعيان الطبقة السياسية والاجتماعية في مصر كانوا يُخفُون المجلة بين طيّات الصحف اليومية، تحاشيًا للظهور بمظهر قارئ مجلة فنية حديثة. ومن ثم عملت روز على توسيع قاعدة القراء والتغلّب على الصعوبات المالية والتوزيعية، وتحوّلت المجلة تدريجيًا إلى صحيفة سياسية تهتم بالشأن العام[33].
في عام 1935 تعرضت المجلة لهزّة قوية مع مغادرة عدد من أبرز محرريها، وهم محمد التابعي، ومصطفى أمين، وعلي سعيد، وسعيد عبده، ورسام الكاريكاتير صاروخان، ما أثار اعتقادًا واسعًا بإمكان توقف المجلة عن الصدور. غير أن روز اليوسف قررت إطلاق صحيفة يومية سياسية تحمل اسمها أيضًا إلى جانب المجلة الأسبوعية. فصدر العدد الأول من صحيفة
روز اليوسف اليومية في 25 شباط/ فبراير 1935، وتولّى محمود عزمي رئاسة تحريرها. وحققت الصحيفة في بدايتها إقبالًا ملحوظًا، غير أن علاقتها مع حزب الوفد سرعان ما توترت عقب انتقادها وزارة محمد نسيم التي أيّدها الحزب آنذاك[34].
أسفرت هذه الأزمة عن إعلان حزب الوفد، في 28 أيلول/ سبتمبر 1935، أن الصحيفة لا تمثّله. وأعقب ذلك خروجُ مظاهرات في شوارع القاهرة هتف فيها المتظاهرون تأييدًا لمصطفى النحاس وسقوط روز اليوسف، وتعرض مكتب الصحيفة لهجمات متكررة شملت رشق الحجارة[35]. وعلى الرغم من الحملة السياسية والإعلامية التي شُنت ضدها، فإن رز اليوسف لم تتراجع عن مواقفها، غير أن المقاطعة السياسية والإعلانية أدّت إلى تراجع التوزيع وتفاقُم أزمتها المالية، فاضطرت إلى بيع بعض أثاث منزلها، بل وبعض فساتينها، لتغطية نفقات النشر. ومع تصاعد الضغوط، أصدر مجلس الوزراء قرارًا بإلغاء ترخيص الصحيفة اليومية بحجة عدم انتظام صدورها، فأُغلِقت نهائيًّا، في حين واصلت روز اليوسف إصدار مجلتها الأسبوعية التي بقيت منبرها الصحافي الأساسي[36].
تعرّضت روز اليوسف، خلال تلك الفترة، لسلسلة من التحقيقات والقضايا بسبب مواقفها السياسية، شملت الحجزَ على ممتلكات الصحيفة، وبعض متعلقاتها الشخصية[37]. وفي إحدى المرات اعترضت على طريقة وكيل النيابة في تفتيش أعداد الصحيفة، فاعتُبِر اعتراضها "تعدّيًا على موظف أثناء تأدية عمله"، وأُحيلت إلى التحقيق وقضت ليلةً في السجن، قبل أن تنتهي الواقعة بحملة تضامن واسعة في الصحف المصرية والأجنبية أدت إلى تنازل وكيل النيابة عن شكواه والإفراج عنها في اليوم التالي[38].
في عام 1944، ومع بلوغ المجلة أعلى معدلات توزيعها منذ صدورها، وضعت روز اليوسف حجر الأساس لدار روز اليوسف، نواة مؤسَّستها الصحافية القائمة حتى اليوم في شارع قصر العيني بالقاهرة[39]. وظلت تتوّلى إدارة تحرير المجلة حتى عام 1945، حين سلّمتها إلى ابنها إحسان عبد القدوس. وقد نشرت في المجلة خطابًا مفتوحًا إلى ابنها بعنوان "ولدي رئيس التحرير"، قدمت فيه جملة من النصائح المهنية، وختمته بقولها: "وأخيرًا، دع أمّك تستريح… قليلًا!"[40].
حياتها الشخصية
روز اليوسف مع ابنها إحسان عبد القدوس وابنتها آمال طليمات
روز اليوسف مع ابنها إحسان عبد القدوس وابنتها آمال طليمات
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تزوجت روز اليوسف ثلاث مرّات. كان زواجها الأول عام 1917 من الممثل
محمد عبد القدوس، رغم معارضة أسرته الأزهرية المحافظة، وسرعان ما نشأت بينهما خلافات حاول أصدقاؤهما تسويتها من دون جدوى[41]، فانتهى الزواج بالطلاق في عامه الثاني، وكانت روز اليوسف آنذاك حاملًا بابنهما إحسان عبد القدوس[42]. وبعد الطلاق واجهت صعوبات معيشية، فتركت الطفل في رعاية أسرة والده، وعادت إلى التمثيل لتأمين مصدر رزقها[43].
تزوجت روز للمرة ثانية من الممثل والمخرج
زكي طليمات، الذي كان يعمل في فرقتها المسرحية ثم في مجلّتها لاحقًا، وكان معجبًا بها خلال فترة زواجها الأول، وبعد انفصالها عن زوجها الأول، ظل قريبًا منها وتولى رعاية شؤونها خلال فترة الحمل الأخيرة[44]، ثم تم الزواج بينهما. واستمر هذا الزواج فترة قبل أن ينتهي بالانفصال بسبب انشغالها المتزايد بالعمل. وأسفر هذا الزواج عن ابنتهما آمال طليمات، التي وُلدت عام 1924.
أما زواجها الثالث فكان من المحامي قاسم أمين، حفيد المفكر المعروف
قاسم أمين، وقد استمر زواجهما حتى وفاتها، من دون أن يُرزقا بأبناء.
وفاتها وإرثها
في 10 نيسان/ أبريل 1958، وفيما كانت روز اليوسف تشاهد فيلمًا في سينما ريڤولي بالقاهرة، شعرت بآلام في صدرها، ما رُجّح لاحقًا أنه أزمة قلبية. وتمكّنت من العودة إلى منزلها وتغيير ثيابها والصعود إلى سريرها، غير أن الطبيب الذي استُدعي لم يدركها، إذ كانت قد فارقت الحياة. وقد عبر
يوسف إدريس عن هذه اللحظة في رثائها بقوله: "إن روز اليوسف استأذنت من عزرائيل نصفَ ساعة فقط"[45].
اختارت روز اليوسف الصعود إلى خشبة المسرح في زمن كانت فيه النظرة إلى التمثيل مشوبة بالتحريم الديني والرفض الاجتماعي، وكانت الصورة السائدة عن المرأة الممثلة تُختزل في أوصاف انتقاصية من قبيل "بنت هوى" أو "أرتيست". وبالرغم من هذا السياق، شقّت طريقها داخل الحركة المسرحية، وارتبط اسمها بتطورها خلال الربع الأول من القرن العشرين[46]. قبل أن تتخذ قرارها بالانتقال من المسرح إلى الصحافة، لتبدأ مرحلة جديدة من نشاطها العام خارج المجال الفني.
شعار مجلة روز اليوسف
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في ميدان الصحافة، أسست روز اليوسف مؤسسة صحافية حملت اسمها، وتحوّلت بعد وفاتها، ومع صدور قرار تأميم الصحف الكبرى عام 1960، إلى مؤسسة قومية خضعت لإشراف الدولة. ولا تزال إصداراتها مستمرة حتى اليوم، وفي مقدمتها مجلة
روز اليوسف (منذ 1925)، وصحيفة
روز اليوسف (منذ 1935)، ومجلة
صباح الخير (منذ 1951)، التي صدرت بشعار "للقلوب الشابة والعقول المتحررة"، إلى جانب سلسلة
الكتاب الذهبي (منذ 1956)، التي استُهلّت بنشر كتاب روز اليوسف:
ذكريات، بعدما كانت فصوله تُنشر على حلقات في المجلة منذ عام 1953. وقد أسهمت روز اليوسف في ظهور عدد كبير من الأسماء البارزة في تاريخ الصحافة المصرية الحديثة، منهم الأخوان علي ومصطفى أمين، ومحمد حسنين هيكل، وإحسان عبد القدوس، وأحمد بهاء الدين، وصلاح جاهين، وكامل زهيري، ولويس جريس، والكثير غيرهم[47].
المراجع
أبو العلا، أحمد عبد الرازق. الكوميديا في المسرح المصري قبل عام 1952. القاهرة: الهيئة العربية للمسرح، [د. ت.].
أبو الفتوح، أميرة.
إحسان عبد القدوس يتذكر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983.
إسماعيل، سيد علي. "تياترو التفريح في المنصورة: تاريخ وأمجاد".
جريدة مسرحنا. 9/6/2014.
________.
مسرح علي الكسار. ج 1. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2018.
________.
مسيرة المسرح في مصر 1900-1935: فرق المسرح الغنائي. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2018.
________. "عزيز عيد: من الريادة والنجومية إلى هجوم النقاد والموت وحيدًا".
مجلة نقد × نقد الإلكترونية. 22/6/2023. في:
https://acr.ps/1L9F2Ou
أمين، مصطفى.
مسائل شخصية. جدة: دار تهامة، 1984.
تيمور، محمد.
مؤلفات محمد تيمور. ج 3. مصر: المطبعة السلفية، 1922.
الريحاني، نجيب.
مذكرات. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2010.
زكريا، عصام. "أكبر ممثلات عصرها بالإجماع: مفاجأة روز اليوسف عادت للتمثيل بعد اعتزالها".
روز اليوسف. 1/1/2023. في:
https://acr.ps/1L9F2Xi
طليمات، زكي. "زوجتي روز اليوسف".
الهلال. العدد 8 (1 آب/ أغسطس 1965). ص 72-81.
عبد الرحمن، عواطف ونجوى كامل.
تاريخ الصحافة المصرية: دراسة تاريخية معاصرة. القاهرة: دار العربي للنشر والتوزيع، 2020.
عبده، إبراهيم.
روز اليوسف: سيرة وصحيفة. سلسلة دراسات في الصحافة المصرية. القاهرة: مؤسسة سجل العرب، 1969.
عزت، مديحة. "فاطمة اليوسف تتحدث عن نفسها: لن أموت أبدًا".
روز اليوسف. 10/11/2012. في:
https://acr.ps/1L9F2AS
كامل، رشاد. "زكي طليمات وروز اليوسف وذكريات إذاعية".
روز اليوسف. 14/2/2023. في:
https://acr.ps/1L9F2d2
الكردي، شيرين. "في مثل هذا اليوم | 10 أبريل 1958، وفاة رائدة الصحافة المصرية روز اليوسف". أخبار اليوم. 11/4/2025. في:
https://acr.ps/1L9F33b
مجدي، نعمات. "استطاعت أن تصنع تاريخًا في الحياة الثقافية والفنية والسياسية في مصر - فاطمة اليوسف: فارسة القلم الجريء".
روز اليوسف. 1/1/2023. في:
https://acr.ps/1L9F2ee
"مربية فاطمة اليوسف كشفت لها السر قبل وفاتها".
جولولي. 30/10/2013. في:
https://acr.ps/1L9F365
المصري، هدى. "قبل سنوات من رحيلها، نجلة روز اليوسف الوحيدة تتحدث عن الحب في حياة أيقونة الصحافة المصرية حب ’أمى‘ لمصر كان له دوافع سيكولوجية".
روز اليوسف. 1/1/2023. في:
https://acr.ps/1L9F2Zu
النجار، شهيرة. "في ذكرى ميلاد الضاحك الباكي نجيب الريحاني نروي فصولًا من حياته: والده أوصي بثروته لابنة اخته فتركهم فقراء".
حكايات شهيرة النجار. 20/9/2024. في:
https://acr.ps/1L9F3aq
"نصف قرن علي رحيل روز اليوسف - في لقائها الأول مع زكي طليمات سألته: تعرف تقشر بطاطس؟"،
المصري اليوم. العدد 1398. 11/4/2008. في:
https://acr.ps/1L9F31a
الهاشم، وطفاء حمادي. "نساء من مسرح العشرينيات: بين الذات والهوية الاجتماعية".
البيان. العددان 396-397 (2003). ص 493-512.
اليوسف، فاطمة. ذكريات. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008.
________.
من ذكرياتي الصحفية. تحرير رشاد كامل. القاهرة: دار روز اليوسف، 2016.
[1] مديحة عزت، "فاطمة اليوسف تتحدث عن نفسها: لن أموت أبدًا"،
روز اليوسف، 10/11/2012، شوهد في 11/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9F2AS
[2] المرجع نفسه؛ "مربية فاطمة اليوسف كشفت لها السر قبل وفاتها"،
جولولي، 30/10/2013، شوهد في 10/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9F365
[3] فاطمة اليوسف، ذكريات (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008)، ص 28.
[4] المرجع نفسه.
[5] المرجع نفسه، ص 31.
[6] "نصف قرن علي رحيل روز اليوسف - في لقائها الأول مع زكي طليمات سألته: تعرف تقشر بطاطس؟"،
المصري اليوم، العدد 1398، 11/4/2008، شوهد في 11/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9F31a
[7] عصام زكريا، "أكبر ممثلات عصرها بالإجماع: مفاجأة روز اليوسف عادت للتمثيل بعد اعتزالها"،
روز اليوسف، 1/1/2023، شوهد في 11/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9F2Xi
[8] المرجع نفسه.
[9] سيد علي إسماعيل،
مسيرة المسرح في مصر 1900-1935: فرق المسرح الغنائي (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2018)، ص 114.
[10] اليوسف،
ذكريات، ص 33.
[11] سيد علي إسماعيل، "عزيز عيد: من الريادة والنجومية إلى هجوم النقاد والموت وحيدًا"،
مجلة نقد × نقد الإلكترونية، 22/6/2023، شوهد في 11/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9F2Ou
[12] أحمد عبد الرازق أبو العلا، الكوميديا في المسرح المصري قبل عام 1952 (القاهرة: الهيئة العربية للمسرح، [د. ت.])، ص 18.
[13] شهيرة النجار، "في ذكرى ميلاد الضاحك الباكي نجيب الريحاني نروي فصولًا من حياته: والده أوصي بثروته لابنة اخته فتركهم فقراء"،
حكايات شهيرة النجار، 20/9/2024، شوهد في 11/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9F3aq
[14] إسماعيل،
مسيرة المسرح في مصر، ص 201.
[15] أبو العلا، مرجع سابق.
[16] إسماعيل، "عزيز عيد: من الريادة والنجومية".
[17] سيد علي إسماعيل،
مسرح علي الكسار، ج 1 (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2018)، ص 46.
[18] إسماعيل، "عزيز عيد: من الريادة والنجومية".
[19] المرجع نفسه.
[20] "نصف قرن علي رحيل روز اليوسف".
[21] يُنظر: اليوسف،
ذكريات.
[22] المرجع نفسه.
[23] نجيب الريحاني،
مذكرات (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2010)، ص 91-93. ويُنظر أيضًا: إسماعيل، "عزيز عيد: من الريادة إلى النجومية".
[24] محمد تيمور،
مؤلفات محمد تيمور، ج 3 (مصر: المطبعة السلفية، 1922)، ص 255.
[25] سيد علي إسماعيل، "تياترو التفريح في المنصورة: تاريخ وأمجاد"،
جريدة مسرحنا، 9/6/2014.
[26] اليوسف،
ذكريات، ص 101.
[27] المرجع نفسه، ص 105.
[28] المرجع نفسه، ص 82.
[29] يُنظر: زكي طليمات، "زوجتي روز اليوسف"،
الهلال، العدد 8 (1 آب/ أغسطس 1965)، ص 80.
[30] فاطمة اليوسف،
من ذكرياتي الصحفية، تحرير رشاد كامل (القاهرة: دار روز اليوسف، 2016)، ص 53.
[31] اليوسف،
ذكريات، ص 123.
[32] إبراهيم عبده،
روز اليوسف: سيرة وصحيفة، سلسلة دراسات في الصحافة المصرية (القاهرة: مؤسسة سجل العرب، 1969)، ص 72.
[33] اليوسف،
ذكريات، ص 131.
[34] عواطف عبد الرحمن ونجوى كامل،
تاريخ الصحافة المصرية: دراسة تاريخية معاصرة (القاهرة: دار العربي للنشر والتوزيع، 2020).
[35] اليوسف،
ذكريات، ص 237-239.
[36] مصطفى أمين،
مسائل شخصية (جدة: دار تهامة، 1984)، ص 45.
[37] اليوسف،
ذكريات، ص 167.
[38] المرجع نفسه، ص 277.
[39] المرجع نفسه، ص 89-90.
[40] المرجع نفسه، ص 298.
[41] رشاد كامل، "زكي طليمات وروز اليوسف وذكريات إذاعية"،
روز اليوسف، 14/2/2023، شوهد في 11/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9F2OC. يُنظر أيضًا: هدى المصري، "قبل سنوات من رحيلها، نجلة روز اليوسف الوحيدة تتحدث عن الحب في حياة أيقونة الصحافة المصرية حب ’أمى‘ لمصر كان له دوافع سيكولوجية"،
روز اليوسف، 1/1/2023، شوهد في 11/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9F2Zu
[42] أميرة أبو الفتوح،
إحسان عبد القدوس يتذكر (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983)، ص 15.
[43] المصري، مرجع سابق.
[44] المرجع نفسه. يُنظر أيضًا: كامل، مرجع سابق.
[45] شيرين الكردي، "في مثل هذا اليوم | 10 أبريل 1958، وفاة رائدة الصحافة المصرية روز اليوسف"، أخبار اليوم، 11/4/2025، شوهد في 3/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9F33b
[46] وطفاء حمادي الهاشم، "نساء من مسرح العشرينيات: بين الذات والهوية الاجتماعية"،
البيان، العددان 396-397 (2003)، ص 512.
[47] نعمات مجدي، "استطاعت أن تصنع تاريخًا في الحياة الثقافية والفنية والسياسية في مصر - فاطمة اليوسف: فارسة القلم الجريء"،
روز اليوسف، 1/1/2023. شوهد في 4/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9F2ee