الموجز
الجهاز التنفسي (Respiratory System) مجموعة من الأعضاء التي تؤدي عملية تبادل الغازات، فيحصل الجسم من خلالها على الأكسجين ويتخلص من ثاني أكسيد الكربون. يتكون الجهاز التنفسي من الرئتين، والممرات الهوائية، والحجاب الحاجز، والبلعوم، والحنجرة، والفم، والأنف. تُعد الوظيفة الرئيسة للجهاز التنفسي هي تبادل الغازات، وتحديدًا الأكسجين وثاني أكسيد الكربون. ولكن هناك العديد من الوظائف المرتبطة بأجزاء الجهاز التنفسي آنفة الذكر، ومنها: الشم في التجويف الأنفي حيث توجد المستقبلات الكيميائية التي تتأثر بالروائح المختلفة. تجري في الأنف أيضًا عملية تنقية الهواء الداخل من الشوائب من خلال وجود الشعر وكذلك عملية تدفئة للهواء بسبب وجود كثافة عالية من الشعيرات الدموية السطحية. كذلك، تساعد ممرات التجويف الأنفي على الكلام إذ يمر الهواء من البلعوم إلى الحنجرة، حيث توجد الأحبال الصوتية التي يُستطاع من خلالها إصدار الأصوات وإنتاج الأحرف والكلمات والجمل. ينتقل الهواء بعد ذلك إلى الممرات الهوائية التي تتكون من القصبة الهوائية (Trachea)، والشعب الهوائية (Bronchi)، والشعيبات الهوائية (Bronchioles). تُعد القصبة الهوائية قناة توصيل للهواء إذ تكون مفتوحة طوال الوقت بسبب وجود حلقات الغضاريف الداعمة في جدارها وتتفرع في نهايتها إلى شُعبتين هوائيتين، كل واحدة تتجه إلى رئة، وتبدأ في التفرع إلى شُعَيْبات هوائية أصغر، التي تتفرع بدورها إلى شُعَيْبات أصغر فأصغر تُعرف بالشُّعَيْبات الانتهائية (Terminal bronchioles) والتي تتفرع أيضًا إلى شعيبات أدق تُسمى الشعيبات التنفسية (Respiratory bronchioles) والتي تنتهي إلى الحويصلات الهوائية (Alveoli) حيث تجري عملية تبادل الغازات.
يوجد لدى الإنسان رئتان في التجويف الصدري يحميهما القفص الصدري، رئة في الناحية اليسرى والأخرى في الناحية اليمنى، وتكون الرئة اليمنى أكبر من الرئة اليسرى، لأن القلب يأخذ حيزًا من الحجم الذي توجد فيه الرئة في الناحية اليسرى من التجويف الصدري. لتأدية تبادل الغازات مع البيئة الخارجية، تُوسِّع العضلات الصدرية حجم القفص الصدري أو تُضيِّقه، ما يؤدي إلى دخول الهواء وخروجه إلى/ من الرئتين. في أجسام الكائنات الحية، يتكون ثاني أكسيد الكربون نتيجة لتكسير السكر في الخلايا بهدف استخراج الطاقة الكيميائية الكامنة في روابطه، فيكون الناتج من هذا التكسير طاقة كيميائية، وحرارة، وثاني أكسيد الكربون، وماء. تُستخدم الطاقة الكيميائية في التفاعلات الكيميائية الحيوية المختلفة داخل الخلايا، بينما يتخلص الجسم من النواتج الأخرى (مثل ثاني أكسيد الكربون)، من أجل تكسير (حرق) السكر تحتاج الخلايا إلى الأكسجين، إذ يأخذ الجهاز التنفسي الأكسجين من الهواء الجوي وينقله إلى الدم الذي يوصله إلى جميع أنسجة الجسم وخلاياه. تعتمد عملية تبادل الغازات مع الهواء الجوي على الضغط الجزئي للغازات، فيتحرك الغاز من الناحية التي يكون فيها ضغطه الجزئي أعلى إلى الناحية التي يكون فيها ضغطه الجزئي أقل. يستفيد الجسم أيضًا من ثاني أكسيد الكربون أثناء وجوده بالدم، لأنه يتحول هناك إلى أيون البيكربونات الذي يُعد من الأيونات المهمة في الجسم لأنه جزء من نظام التخزين الدارئ (Buffering system in blood) المسؤول عن ثبات درجة الحموضة للدم.
التركيب العام
يُعد الجهاز التنفسي أحد الأجهزة الحيوية في جسم الإنسان، فهو الجهاز الوحيد الذي يوفر الأكسجين للخلايا حتى تؤدي عملية استخراج الطاقة الكيميائية من المواد المخزنة بداخلها. يمكن تقسيم الجهاز التنفسي بطريقتين، الأولى: يُقسم الجهاز التنفسي إلى منطقتين أساسيتين: القناة التنفسية العلوية (Upper respiratory tract) وتتكون من الأنف والتجويف الأنفي والتجويف الفموي والبلعوم والحنجرة، والقناة التنفسية السفلية (Lower respiratory tract) وتتكون من القصبة الهوائية والشعيبتين الهوائيتين والرئتين بما تحتويهما من شُعَيْبَات هوائية وحويصلات هوائية. أما الطريقة الثانية فهي الطريقة الفيزيولوجية إذ ينقسم الجهاز التنفسي إلى منطقتين: أنابيب مجرى الهواء وهي عبارة عن المنطقة من بداية فتحتي الأنف (المنخرين) أو فتحة الفم وحتى الشُّعيبات الانتهائية، والمنطقة الثانية هي منطقة تبادل الغازات وهي الحويصلات الهوائية. ستُعتمد هنا الطريقة الفيزيولوجية لفهم آلية عمل الجهاز التنفسي بالطريقة الصحيحة (الشكل 1).
[الشكل 1]
الجهاز التنفسي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الأنف والتجويف الأنفي
[الشكل 2]
التجويف الأنفي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الأنف هو العضو الظاهر إلى الأمام في وسط الوجه، يختلف شكله من شخص لآخر ويعتمد في شكله على مكوناته من العظام والغضاريف والنسيج الدهني. يُعد الأنف المدخل الرئيس إلى الجهاز التنفسي، يدفئ الهواء الذي يدخل وينقيه، ويحتوي على أعضاء الشم، وتنقسم أجزاؤه الخارجية والداخلية كما يلي: من الخارج ينقسم الأنف إلى ثلاثة أجزاء: جذر الأنف (Nasal root) وهو الجزء الموجود بين العينين، وقمة الأنف (Nasal apex) هي الجزء الأمامي الذي يحتوي على فتحتي الأنف ومقدمته، أما الجزء الأخير وهو ظهر الأنف (Nasal dorsum) فهو الجزء الذي يربطهما ببعض. تحتوي الخلايا المبطنة للأنف من الداخل على أهداب (Cilia) يلتصق بها الغبار وتطرده إلى خارج فتحتي الأنف، وتوجد هذه الأهداب في كامل الغشاء المبطن لقنوات مجرى الهواء إلى نهاية الشعيبات الهوائية، وهي مختلفة عن الشعر الذي يوجد في مدخل فتحتي الأنف ويعمل على تنقية الهواء الداخل من خلال الإمساك بالغبار والجزيئات الصغيرة المتطايرة مع الهواء لمنعها من الدخول إلى داخل مجرى الهواء. أما التجويف الأنفي (Nasal cavity) فهو عبارة عن فراغات داخلية (تجاويف) تُعتبر الممرات التي يمر فيها الهواء أثناء دخوله أو خروجه، وهناك تجويفان أساسيان واحد على كل جهة من الأنف، يوجد في سقف هذه التجاويف خلايا طلائية شمية (Olfactory epithelia) تحتوي على مستقبلات الشم، وترتبط هذه الخلايا بالأعصاب (Olfactory nerve) التي توصل الإشارات العصبية الناتجة من ارتباط المواد العطرية على المستقبلات. يحتوي الأنف أيضًا على الجيوب الأنفية (Paranasal sinuses) وهي تجاويف يمر بها الهواء وتعمل على ترطيبه لأنها مبطنة بغشاء مخاطي. الحاجز الأنفي (Nasal septum) يفصل الأنف وتجاويفه إلى جزأين أيمن وأيسر يتكون من عظام وغضاريف ويقع بين فتحتي الأنف، المحارات الأنفية (Nasal conchae) هي ثلاثة أزواج من الثنيات عليا وسفلى ووسطى في داخل التجويف الأنفي ومبطنة بغشاء مخاطي غني بالشعيرات الدموية، يمر من خلالها الهواء، فيجري ترطيبه وتدفئته (الشكل 2)[1].
الفم
يؤدي الفم وظيفتين أساسيتين، فهو يُعد المدخل للجهاز الهضمي الذي يمر من خلاله الأكل إلى البلعوم ثم يكمل طريقه إلى باقي أجزاء القناة الهضمية. والوظيفة الأخرى للفم تتمثل في كونه مدخلًا آخر للجهاز التنفسي، ولأن حجمه أكبر من حجم الأنف فإن لديه القدرة على إدخال كمية أكبر من الهواء من تلك التي تدخل عن طريق الأنف، ولكن لا يوجد في الفم الآليات التي تعمل على تنقية الهواء الداخل وتدفئته وترطيبه. ولأن الهواء الداخل يكون جافًا أحيانًا، فإنه يسحب الرطوبة من الغشاء المخاطي المبطن للتجويف الفموي فيسبب جفاف خلاياه ومن ثم موتها، هذا بالإضافة إلى مشكلات أخرى للثة[2].
البلعوم
[الشكل 3]
البلعوم
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
[الشكل 4] - الحنجرة
[الشكل 5] - الأحبال الصوتية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
البلعوم (Pharynx) هو أنبوب عضلي قصير يحتوي على غضاريف في المنطقة الخلفية منه ويمتد في منطقة الرقبة. وهو عضو مشترك بين الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي، فمن خلاله يجري توصيل الطعام المبلوع إلى المريء، ومن خلاله يمر أيضًا الهواء إلى الحنجرة. يتكون البلعوم من ثلاث مناطق: البلعوم الأنفي (Nasopharynx) وهو منطقة الاتصال مع التجويف الأنفي، والبلعوم الفموي (Oropharynx) وهو منطقة الاتصال بالتجويف الفموي، والبلعوم السفلي (Hypopharynx) وهي منطقة الاتصال بالحنجرة والمريء، عند بلع الطعام يُغلِق لسان المزمار المدخل إلى الحنجرة وتتوقف عملية التنفس أثناء البلع (الشكل 3)[3].
الحنجرة
الحنجرة (Larynx) عبارة عن أنبوب عضلي غضروفي قصير (4-5 سنتيمترات)، يسمح بمرور الهواء من البلعوم إلى القصبة الهوائية (الشكل 4). تحتوي الحنجرة على عضلات مرتبطة بغضاريف تسمى الأحبال الصوتية (Vocal cords) (الشكل 5). تقع الأحبال الصوتية في بداية الحنجرة خلف تفاحة آدم (Adam’s Apple)، وتفاحة آدم هي الجزء الغضروفي من الحنجرة الظاهر في الرقبة أسفل الرأس من الأمام، وحجمها أضخم عند الرجال منه عند النساء. الأحبال الصوتية قابلة للاهتزاز مع مرور الهواء مصدرة أصواتًا. يتحكم الإنسان في العضلات الهيكلية المتصلة بهذه الغضاريف وعلى ذلك فإن الإنسان يستطيع التحكم في قوة الصوت الصادر عن هذه الاهتزازات ونوعه[4].
القصبة الهوائية
[الشكل 6 و 7]
غضاريف وشكل القصبة الهوائية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تمتد القصبة الهوائية من الحنجرة إلى الشعبتين الهوائيتين، يبلغ طولها 12-15 سنتيمترًا وقطرها 2-3 سنتيمترات، تبدأ من مستوى الفقرة (C6) وتتفرع إلى الشعبتين الهوائيتين على مستوى الفقرة (T4). ترتبط القصبة الهوائية من الأعلى في الحنجرة عن طريق الغضروف الحلقي (Cricoid cartilage). يتركب جدار القصبة الهوائية، كما هي الحال في باقي أعضاء الجسم المختلفة من عدة طبقات: الطبقة المخاطية وتحت المخاطية وعضلات ملساء، بالإضافة لذلك يحتوي جدار القصبة الهوائية على مجموعة من الغضاريف (16-20) على شكل حرف “C” (الشكل 6 و الشكل 7) تُسمى بالغضاريف الهيالينية (Hyaline cartilage)، مرتبطة مع بعضها من خلال أربطة القصبة الهوائية اللاإرادية وعضلاتها. تكمل الأربطة والعضلات اللاإرادية الدائرة لتغلق القصبة الهوائية من الخلف ولكنها تعطيها مرونة كبيرة، لأن المريء يستطيع التمدد إلى داخلها أثناء عملية البلع. تحتوي الطبقة المخاطية (Mucosal layer) المبطنة للقصبة الهوائية من الداخل على خلايا طلائية لها أهداب وتنتشر بينها خلايا كأسية (Goblet cells) تفرز المادة المخاطية. تعمل الأهداب بمساعدة المخاط على طرد المواد والميكروبات التي قد تصل إلى داخل القصبة الهوائية. كذلك، يوجد في الطبقة تحت المخاطية غدد تفرز مخاطًا يساعد الطبقة المخاطية على تأدية عملها. يوجد في القصبة الهوائية ألياف مرنة (Elastic fibers) تعطي القصبة الهوائية مرونة للحركة. كذلك يغلف القصبة الهوائية نسيج ضام (Adventitia) يعمل على حمايتها ويعطيها أيضًا مرونة للقدرة على تحمل الانثناء للخلف أو الأمام[5].
الشعبتان الهوائيتان
تنتهي القصبة الهوائية من الأسفل في منطقة تُعرف بالجؤجؤة الرغامية (Carina of trachea)، وهي آخر حلقة غضروفية في القصبة الهوائية، عندها تتفرع القصبة الهوائية إلى شعبتين هوائيتين واحدة تتجه للرئة اليسرى والأخرى للرئة اليمنى على شكل “Y” مقلوب. تكون الشعبة اليمنى أوسع وأقصر وأكثر انحدارًا إلى الأسفل (أكثر عمودية) من الشعبة اليسرى. تدخل الشعبة من خلال جذر الرئة في مستوى الفقرة الصدرية الخامسة (T5) من خلال نقير الرئة (Hilum of the lung)، إذ تتفرع الشعبة اليمنى في داخل الرئة إلى ثلاثة أفرع ثانوية (Secondary bronchi) يتجه كل فرع إلى فص من فصوص الرئة الثلاثة (Lung lobes) العلوي والأوسط والسفلي. بينما تدخل الشعيبة اليسرى من خلال نقير الرئة اليسرى على مستوى الفقرة السادسة (T6) وتمر من تحت قوس الأبهر (Aortic arch) وتتفرع إلى فرعين ثانويين لتغذية الفص العلوي والفص السفلي من الرئة اليسرى. تتفرع الأفرع الثانوية أكثر وأكثر وكلما ازداد التفرع قل القطر وتسمى هذه التفرعات بالشعيبات الهوائية (Bronchioles). يتكون جدار الشعبتين الهوائيتين من عدة طبقات من الأنسجة وتكون من الداخل إلى الخارج كما يلي: طبقة طلائية لها أهداب تعمل على إخراج ما قد يصل إليها من غبار أو جزيئات صغيرة، تليها طبقة من العضلات الملساء، وبداخلها يوجد غدد مخاطية لإفراز المخاط. تلتف حول طبقة العضلات الملساء غضاريف شفافة تشبه تلك الموجودة في القصبة الهوائية لدعم الشُّعَب الهوائية ومنع انغلاقها. هذه الغضاريف الداعمة ليس لها شكل ثابت، فبعضها يبدو هلاليًا والآخر كالجزر، وتقلّ هذه الغضاريف في الشعيبات الهوائية الانتهائية شيئًا فشيئًا إلى أن تنتهي، وتبقى الخلايا الطلائية والعضلات الملساء[6].
الرئتان
[الشكل 8]
تركيب الكيس الجنبي المصلي المغلف للرئتين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تُعد الرئتان (Lungs) العضوين الرئيسين في الجهاز التنفسي، فالوظيفة الرئيسة للجهاز التنفسي هي استخلاص الأكسجين (O2) من الهواء الجوي وتوصيله إلى الدم والتخلص من ثاني أكسيد الكربون (CO2) من خلال عملية تبادل الغازات (Gas exchange) التي تجري داخل الرئتين. توجد الرئتان في التجويف الصدري، وتحيطان بالقلب ويحميهما القفص الصدري، وترتكز قاعدة كل من الرئتين على الحجاب الحاجز، وتمتد قمتها إلى نهاية التجويف الصدري من أعلى. تدخل الشعب الهوائية والأوعية الدموية والوعاء الليمفاوي والأعصاب من خلال النقير الرئوي وتكون الرئة اليمنى أكبر من اليسرى بسبب وجود القلب مائلًا إلى الجهة اليسرى، حيث يوجد انبعاج في الرئة اليسرى يُعرف بانبعاج القلب على الرئة (Cardiac impression). يحتوي هذا الانبعاج على القلب ويُعد جزءًا من وسائل حماية القلب. يغلف كل رئة كيس جنبي مصلي (Serous pleural sac)، يتكون كل كيس من غشاءين، الداخلي يُعرف بالجنبة الحشوية (Visceral pleura) والثاني بالجنبة الجدارية (Parietal pleura) (الشكل 8). يبطن غشاء الجنبة الجدارية القفص الصدري من الداخل والسطح العلوي للحجاب الحاجز والمنصف الصدري من الداخل، يتكون بين الغشاءين الجنبة الحشوية والجنبة الجدارية تجويف يُعرف بالتجويف الجنبي (Pleural cavity)، يغلف هذا التجويف كل رئة. يحتوي التجويف الجنبي المصلي على طبقة رقيقة جدًا من سائل جنبي مصلي لزج يعمل على سهولة انزلاق الغشاءين فوق بعضهما أثناء عمليتي الشهيق والزفير، ويكون الضغط الداخلي في التجويف الجنبي أقل بـ3-6 مليمترات من الزئبق من الضغط الجوي. يُفرَز السائل الجنبي المصلي من عدة مصادر؛ من غشاء الجنبة الحشوية ومن غشاء الجنبة الجدارية ومن الشعيرات الدموية الموجودة في المنطقة. ويجري التخلص من السائل عن طريق الأوعية الليمفاوية حتى يُضمن بقاء كمية السائل ثابتة لمنع تغير الضغط هناك.
تنقسم كلتا الرئتين إلى أقسام تسمى بالفصوص، يُقسم الشق المائل للرئتين (Oblique fissure) إلى قسمين، إلا أن الرئة اليمنى تنقسم بشق إضافي مستعرض (Transverse fissure) إضافة للشق المائل، هذا يعني أن الرئة اليسرى تنقسم إلى فصين علوي وسفلي بينما تنقسم اليمنى إلى ثلاثة فصوص: علوي وسفلي وأوسط، تشكل الرئتان مع الشعبتين الهوائيتين والقصبة الهوائية وجزء من الحنجرة القناة التنفسية السفلية (Lower respiratory tract). وتنقسم كل رئة إلى قسمين أساسيين حسب الوظيفة: الأول هو قنوات التوصيل (Conducting zone) التي لا يوجد لها وظيفة تنفسية (تبادل غازات)، إذ يجري من خلالها توصيل الهواء فقط إلى منطقة تبادل الغازات، وينتهي هذا الجزء بالشعيبات الهوائية الأصغر قطرًا التي تُسمى بالشعيبات الانتهائية، ثم يبدأ القسم الثاني من الرئة بالشعيبات التنفسية التي تتفرع إلى شعيبات الحويصلات الهوائية، وتصل هذه الشعيبات في النهاية إلى الأكياس الهوائية المعروفة بالحويصلات الهوائية(Alveoli) ، وهو الجزء الأساسي الذي يؤدي العملية التنفسية وهي تبادل الغازات. يصل مجموع طول الشعيبات الهوائية في الرئة إلى نحو 2500 كيلومتر، ويصل عدد الحويصلات الهوائية إلى 300-500 مليون حويصله هوائية[7].
الحويصلات الهوائية
[الشكل 9]
تركيب الحويصلات الهوائية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تُعد الحويصلات الهوائية (Respiratory Alveoli) (الشكل 9) الجزء المسؤول عن العملية التنفسية (Respiratory zone) في الرئتين. من أجل عملية تنفس جيدة وكافية يحتاج الجسم إلى مساحة كبيرة من سطح التنفس (Respiratory area) إذ تصل مساحة سطح الحويصلات الهوائية (سطح التنفس) إلى أكثر من 70 مترًا مربعًا وهي مساحة ضرورية لتزويد الجسم بما يحتاج من أكسجين. تحتوي الحويصلات الهوائية على نوعين من الخلايا السِّنخيَّة، خلايا سنخية من النمط الأول (Type I Alveolar cells) وهي خلايا طلائية رقيقة تشكل المكون الأساسي لجدار الحويصلة الهوائية، هذا النوع من الخلايا هو المسؤول عن عملية تبادل الغازات، أما الخلايا السنخية من النمط الثاني أو ما يُعرف بالخلايا خافضة التوتر السطحي (Type II Alveolar cells; Surfactant cells) ، فعددها أقل من خلايا النمط الأول ولكنها أكبر حجمًا ولها وظيفتان أساسيتان: الأولى إفراز مادة يُطلق عليها المادة خافضة التوتر السطحي (Surfactant) في الحويصلات الهوائية للرئتين، إذ يُعد خفض التوتر السطحي في الرئتين مهمًا لكي يتسنى للحويصلات الهوائية التمدد بأقل ما يمكن من الشغل وبالتالي تكون عملية الشهيق مريحة ولا تستهلك طاقة كبيرة. أما الوظيفة الثانية فهي القدرة على التمايز (Differentiation) لإنتاج خلايا جديدة من النمط الأول، إذ إن خلايا هذا النمط لا تتكاثر. تتحرك في داخل الحويصلات خلايا تشبه كريات الدم البيضاء في عملها تُسمى بلعميات الحويصلات (الخلايا الأكولة الحويصلية) (Alveolar macrophages) التي تُعد بمنزلة خلايا الجهاز المناعي للحويصلات الهوائية، فهي تلتهم الأجسام الغريبة التي قد تصل إلى هناك.
يوجد في الحويصلات الهوائية نسيج ضام (Connective tissue) يتكون من ألياف الكولاجين بالإضافة إلى ألياف مرنة تتخللها الشعيرات الدموية التي تلتف حول الحويصلات الهوائية، تساعد هذه الألياف في حركة الرئتين أثناء عمليتي الشهيق والزفير (Inspiration and expiration). يُعد بروتين الإيلاستين (Elastin) أو بروتين الألياف المرنة من أهم مكوِّنات النسيج الضام، إذ يعطي مرونة وقوة للرئة ويساعدها على العودة إلى الحجم الطبيعي بعد تمددها أثناء عملية الشهيق.
يوجد في الجزء السفلي من القناة التنفسية، وبالتحديد في الأغشية المخاطية والخلايا الطلائية المبطنة له، أنواع مختلفة من الكائنات الحية الدقيقة مثل البكتيريا والفطريات بالإضافة للڨيروسات التي تسهم في التوازن البيولوجي في الرئتين وفي محاربة الأمراض. تُعرف هذه الكائنات الحية بمجهريات البُقْعَة {{مجهريات البُقعة: (Microbiota) تشير إلى الميكروسكوبات المستخدمة لملاحظة البقع الدقيقة أو الهياكل الصغيرة على العينات، مثل الخلايا أو الأنسجة بعد تلوينها ببقع معينة لتوضيح التفاصيل.}}[8].
الأوعية الدموية
مثل باقي أعضاء الجسم، وبوصفها جزءًا من الدورة الدموية الكبرى، تُزوَّد الرئتان بالدم الحامل للأكسجين والمواد الغذائية الأخرى وذلك من خلال دورة دموية خاصة تسمى بالدورة الدموية القصبية (Bronchial circulation). وبخلاف ما يصل لأعضاء الجسم المختلفة، يصل إلى الرئتين دم تكون نسبة الأكسجين فيه قليلة ونسبة ثاني أكسيد الكربون مرتفعة وذلك من خلال الدورة الدموية الرئوية أو الدورة الدموية الصغرى (Pulmonary circulation). يأتي هذا الدم مباشرة من الجزء الأيمن من القلب عبر الشريان الرئوي (Pulmonary artery) الذي يتفرع إلى شريانين يدخل كل واحد إلى رئة من خلال النقير الرئوي. بعدها، يتفرع هذان الشريانان إلى شرايين أصغر فأصغر إلى أن تصبح شُرَيْنات (Arterioles)، ثم تتفرع الشُرينات إلى شعيرات دموية كثيفة تلتف حول الحويصلات الهوائية حيث تجري عملية تبادل الغازات هناك. يفقد الدم هناك جزءًا كبيرًا من ثاني أكسيد الكربون ويُحَمَّل بأقصى ما يستطيع من الأكسجين، وتعود الشعيرات الدموية فتتحد وتكوّن الوُرَيْدات (Venules)، فتتحد الوُرَيْدات مجددًا مكوّنة الأوردة الرئوية الأربعة (Pulmonary veins) يخرج اثنان من كل رئة، وتصب الأوردة الرئوية الأربعة الدم المحمل بالأكسجين في الأذين الأيسر (Left atrium) من القلب[9].
وظائف الجهاز التنفسي
للجهاز التنفسي العديد من الوظائف، ولكن تبقى الوظيفة الأساسية هي عملية تبادل الغازات بين الدم والهواء الجوي. يستخلص الجهاز التنفسي الأكسجين من الهواء الجوي داخل الرئتين ويحمله إلى الدم، وفي الوقت نفسه يستخلص ثاني أكسيد الكربون من الدم ويخرجه مع الهواء الجوي الخارج من الرئتين[10].
يوجد للجهاز التنفسي وظائف أخرى وهي:
- المحافظة على حرارة الجسم ثابتة من خلال التخلص من الحرارة الناتجة عن عمليات الأيض في الخلايا.
- إخراج الماء الزائد على شكل بخار الماء.
- إصدار الأصوات والكلام.
- المحافظة على التوازن الحمضي من خلال النظام الدَّارئ (Buffering System).
- 5. الشم حيث توجد مستقبلات حاسة الشم في الأنف.
- الإسهام في تذوق الأطعمة، بدليل عدم القدرة على تذوق الأطعمة عند الإصابة بالإنفلونزا {{الإنفلونزا: عدوى ڨيروسية تصيب الجهاز التنفسي وتسبب أعراضًا مثل الحمى، والسعال، وآلام الجسم، والضعف العام. تنتقل بسهولة من شخص إلى آخر عن طريق الرذاذ التنفسي أو الأسطح الملوثة.}}.
- يُعد جهاز حماية للقلب، إذ تمتص الرئتان الصدمات التي من الممكن أن تؤذي القلب.
- تدفئ الهواء الداخل إلى الجسم وترطبه وتنقيه لتحميه.
التنفس
تهدف عملية التنفس إلى توصيل الأكسجين من الهواء الجوي إلى خلايا الجسم حتى تؤدي عملية التنفس الخلوي (Cellular respiration) التي يُحرق فيها الغلوكوز بوجود الأكسجين وتُحرَّر الطاقة الكامنة في الروابط الموجودة فيه، ويُتخلَّص من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن عملية حرق الغلوكوز. وتنقسم عملية التنفس إلى أربع مراحل:
- التنفس الخارجي، عملية الشهيق والزفير (Inspiration and expiration)، حيث تجري تهوية الحويصلات وتجديد الهواء الموجود فيها.
- تبادل الغازات بين الهواء الجوي الواصل للحويصلات والدم، وبين الدم والخلايا.
- نقل الأكسجين وتوصيله من خلال الدم من الرئتين إلى الخلايا ونقل ثاني أكسيد الكربون من الخلايا إلى الرئتين.
- إجراء عملية التنفس الخلوي.
التنفس الخارجي
تعتمد عملية التنفس الخارجي (أو ما يُعرف بالتهوية (Ventilation) أو الشهيق والزفير(Inspiration/Expiration) ) على الفرق في الضغط بين الهواء الجوي (Atmospheric pressure) والضغط في الرئتين (Intrapulmonary pressure)، إذ إن كل ما يحتاجه الجسم لدخول الهواء إلى الرئتين في عملية الشهيق هو أن يكون ضغط الهواء الجوي أعلى منه في الرئتين بمقدار 1 مليمتر من الزئبق، وأن يكون ضغط الهواء الجوي أقل بمقدار 1 مليمتر من الزئبق حتى يخرج الهواء من الرئتين في عملية الزفير. تؤدي العضلات الهيكلية الموجودة في منطقة الصدر هذه العملية عن طريق التغير في الحجم الذي يؤدي إلى التغير في الضغط في درجة الحرارة نفسها وحسب قانون بويل (Boyle’s Law) للغازات الذي يوضح العلاقة بين حجم الغاز وضغطه في درجة حرارة ثابتة (عند ثبات درجة الحرارة يتناسب ضغط الغاز عكسيًا مع حجمه: (P1V1 = P2V2) حيث P هي ضغط الغاز وV هي حجمه). إن إفراز خلايا الحويصلات الهوائية من النمط الثاني للمادة الخافضة للتوتر السطحي (Surfactant) يساعد في تقليل الشغل المبذول في عملية الشهيق، ومن ثم تقل الطاقة المستهلكة في العملية. وبحسب قانون دالتون (Dalton’s Law) فإن الضغط الناتج من خليط من الغازات يساوي مجموع الضغط الجزئي لكل غاز مكوِّن للخليط، وهذا يعني أنه عندما يُقال إن الضغط الجوي يساوي 760 مليمترًا من الزئبق، أي إن مجموع الضغط الجزئي للغازات المكوِّنة للهواء الجوي (كلٌّ حسب نسبته في الخليط) يساوي 760 مليمترًا من الزئبق. يُعد قانون هنري (Henry’s Law) من قوانين الغازات التي تخدم فهم عملية تبادل الغازات، ويُستخدم القانون عند تلامس غاز مع سائل، فإن الغاز يذوب في السائل حسب ضغطه الجزئي، وتعتمد الكمية التي تذوب في السائل على درجة ذائبية ذلك الغاز في ذلك السائل ودرجة الحرارة.
[الشكل 10]
القفص الصدري وعضلات التنفس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الأصل في عملية التنفس هي توسع القفص الصدري وتضييقه بوساطة العديد من العضلات الموجودة في منطقة التجويف الصدري وفي التجويف البطني وبينهما، بالإضافة لعضلات أخرى تربط القفص الصدري بالرقبة (الشكل 10). يوجد نوعان من العضلات الهيكلية الصدرية التي تُسمى بعضلات الشهيق: النوع الأول يُستخدم في التنفس الهادئ ويؤدي تقلص هذا النوع من العضلات إلى توسع القفص الصدري (محدثة الشهيق). هذه العضلات هي العضلات الوَرْبِيّة الظاهرة (External intercostal muscles) وعضلة الحجاب الحاجز (Diaphragm) وهي على شكل قُبة. أما النوع الثاني من العضلات فإنه يُستخدم في حالة الشهيق الإجباري (Forced inspiration) (الشهيق الناتج عن نشاطات بدنية كبيرة)، وهما عضلتان إضافيتان العضلة الأجمعية (Scalene muscle) والعضلة القَصِّية الخِشائية (Sternocleidomastoid muscle). تعمل هاتان العضلتان على الزيادة في توسع القفص الصدري ومن ثم الزيادة في توسع الرئتين، وبالتالي العمل على إدخال كمية هواء أكبر بكثير من الكمية الداخلة في التنفس الهادئ[11].
الشهيق
تتقلص كل من العضلات الوَرْبِيّة الظاهرة فتسحب القفص الصدري إلى الأمام والأعلى وكذلك عضلة الحجاب الحاجز، ما يسبب قصرها وشدها للحاجب الحاجز الذي تنزل قُبَّة إلى الأسفل. تقلُّص هاتين العضلتين يؤدي إلى توسع القفص الصدري، أي ازدياد حجمه.
بما أن غشاء الجنبة الجدارية (Parietal Pleural membrane) ملتصق بالقفص الصدري فسيُسحَب معه فيتوسع التجويف الجنبي (Pleural cavity) فيقل ضغطه (Intrapleural pressure) من -3 مليمترات من الزئبق إلى 6- مليمترات من الزئبق، يؤدي ذلك إلى سحب غشاء الجنبة الحشوية الملتصق بالرئتين من الخارج، فيسحب الرئتين معه مسببًا توسعها، أي ازدياد حجمها، وبالتالي، يصبح الضغط داخل الرئتين أقل بمقدار 1 مليمتر من الزئبق (759) من ضغط الهواء الجوي (760)، يسبب هذا الانخفاض دخول نصف لتر من الهواء الجوي إلى داخل الرئتين[12].
الزفير
في عملية التنفس الهادئ، وبعد أن يجري الشهيق ترتخي عضلات الشهيق، فتعود إلى ما كانت عليه، أي ينخفض القفص الصدري ويرتفع الحجاب الحاجز، فيؤدي ذلك إلى صغر حجم الرئتين مسببًا ارتفاع الضغط فيهما بمقدار 1 مليمتر من الزئبق، ما يؤدي إلى خروج نصف لتر من الهواء.
تُعد هنا عملية الشهيق عملية نشطة، إذ تُستهلك فيها طاقة تُستغل في تقلص العضلات، أما عملية الزفير فهي عملية غير نشطة، إذ لا تُستهلك طاقة لأن العضلات هنا فقط تسترخي (أي تعود إلى وضعها الطبيعي).
بالإضافة للعضلات آنفة الذكر، توجد مجموعة ثالثة من العضلات الهيكلية التي تُستخدم في الزفير الإجباري (Forced expiration) وهي العضلات الوَرْبِيّة الغائرة (Internal intercostal muscles)، وعضلات البطن (Abdominal muscles)، كما هو واضح أن الزفير بالتنفس الهادئ لا يتطلب طاقة لأن العملية تكون عودة العضلات إلى مرحلة الارتخاء، أما في حالة الزفير الإجباري فهو يستخدم عضلات تتقلص لتُضَيِّق القفص الصدري. ويُستخدم الزفير الإجباري في حالات مثل السعال.
للرئتين قدرة عالية على التمدد وهو ما يسمى لين الرئتين (Lung Compliance)، وقدرتها على التمدد لا تعني بالضرورة قدرتها على العودة إلى حجمها السابق، فالقدرة على عودتها إلى الحجم السابق مرتبطة بما يُعرف بالمرونة، وهي تعتمد على كمية ألياف المرونة (Elastin fibers) الموجودة في الرئتين[13].
الأحجام التنفسية
[الشكل 11]
أحجام الرئتين وسعاتها
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تُعَبِّر الأحجام التنفسية (Respiratory volumes) عن كمية الهواء التي تدخل الرئتين وتخرج منها (في عمليتي الشهيق والزفير) في الأوقات والنشاطات المختلفة التي يؤديها الإنسان، ومن خلال إضافة القيم لمجموعة من هذه الأحجام فإنه يُتحصَّل على سِعَات الرئتين المختلفة، وهذه الأحجام والسِّعات تعطي فَهْمًا لصحة الرئتين والتنفس للإنسان (الشكل 11).[14]
أما الأحجام التي تُفحص بجهاز مقياس التنفس (Spirometer) فهي التالي:
- الحجم الجاري (Tidal volume) هو حجم الهواء الداخل والخارج في الرئتين أثناء عملية التنفس الهادئ الطبيعي.
- حجم الشهيق الاحتياط (Inspiratory reserve volume) هو أقصى حجم من الهواء يمكن استنشاقه بعد التنفس الهادئ الطبيعي، يُستخدم جزء منه أو كله حسب النشاط الذي يؤديه الإنسان.
- حجم الزفير الاحتياط (Expiratory reserve volume) هو أقصى حجم من الهواء يمكن للشخص إخراجه من الرئتين بعد التنفس الهادئ الطبيعي، يُستخدم جزء منه أو كله حسب النشاط أو الكلام أو إصدار الأصوات أو من أجل السعال.
- الحجم المتبقي (Residual volume) هو الحجم المتبقي في الرئتين بعد إخراج الزفير الاحتياط، يساعد وجوده في إبقاء الحويصلات الهوائية مفتوحة، ويُحتسَب بطريقة مختلفة عن السابقات.[15]
وأما السِّعَات التي تُحتسَب فهي:
- السِّعَة الحيوية (Vital capacity) هي السعة التي تحتوي على كمية الهواء المتبادل، وهي تساوي الحجم الجاري وحجم الشهيق الاحتياط وحجم الزفير الاحتياط.
- السِّعَة الكُليَّة للرئتين (Total lung capacity) هي عبارة عن مجموع كافة الأحجام الموجودة في الرئتين، وتساوي الحجم الجاري وحجم الشهيق الاحتياط وحجم الزفير الاحتياط والحجم المتبقي.[16]
الحيز التشريحي الهامد
أثناء التنفس الهادئ، لإنسان بالغ في العشرينات من عمره ويتمتع بصحة جيدة، يكون حجم الهواء الداخل في الشهيق 500 مليلتر وهو الحجم الجاري (Tidal volume). جزء من حجم هذا الهواء (نحو 150 مليلترًا) يتبقى في منطقة أنابيب التوصيل (conducting zone) أي إنه لا يحدث تبادل للغازات معه ويسمى هذا الجزء من الهواء بالحيز التشريحي الهامد (Anatomical dead space). وبالتالي فإن حجم الهواء الواصل للحويصلات الهوائية يبلغ 350 مليلترًا من أصل 500 مليلتر. أما في الحالات المرضية، مثل حدوث التهاب في الجهاز التنفسي، أو نتيجة ممارسة عادات ضارة كالتدخين، فقد تعجز بعض الحويصلات الهوائية عن أداء وظيفتها في تبادل الغازات. ويُضاف حجم الهواء الموجود في هذه الحويصلات إلى الحيز التشريحي الهامد، ليكوّنا معًا ما يُعرف بالحيز الفيزيولوجي الهامد (Physiological dead space)[17].
تبادل الغازات
خواص الغازات الفيزيائية هي التي تجعلها تتحرك بين الأوساط المختلفة، وتوجد قوانين تَحْكُم آليات مرور الغازات من وسط إلى آخر، من هذه القوانين أن الضغط الكلي لخليط من الغازات يساوي مجموع الضغوط الجزئية لكل غاز موجود في الخليط، ولكن ينتقل الغاز من خليط من الغازات إلى آخر حسب الضغط الجزئي لذلك الغاز في الخليط، وينتقل من الحيز الذي يحتوي على أعلى ضغط جزئي لهذا الغاز إلى الأقل ضغطًا جزئيًا له. قبل دخول الهواء إلى الرئتين يكون الضغط الجزئي للأكسجين الموجود في الهواء الجوي على مستوى سطح البحر يعادل 160 مليمترًا من الزئبق، ولكن بسبب مروره من الأنف فإنه يُرطَّب، بمعنى إضافة بخار الماء إلى الخليط، فيحل بخار الماء مكان أجزاء من الغازات الموجودة في خليط الهواء الجوي كل حسب نسبته، فينقص الضغط الجزئي للأكسجين الداخل من الأنف إلى الرئتين، ويختلط الهواء الداخل مع الهواء الموجود في الرئتين الذي يحتوي في تلك اللحظة على ضغط جزئي للأكسجين يساوي 40 مليمترًا من الزئبق، فتصبح القيمة النهائية للضغط الجزئي للأكسجين في الخليط الموجود في الرئتين بعد الشهيق تساوي 100 مليمتر من الزئبق. يصل الدم إلى الحويصلات الهوائية عن طريق الشريان الرئوي، ويكون الضغط الجزئي للأكسجين في الدم الواصل 40 مليمترًا من الزئبق، بعد أن دخلت كمية من الأكسجين من الدم إلى داخل الخلايا. يؤدي ذلك إلى انتقال الأكسجين من الحويصلات الهوائية إلى الدم، فيصبح الضغط الجزئي للأكسجين في الدم يساوي 100 مليمتر من الزئبق. أما بالنسبة لثاني أكسيد الكربون فيأتي الدم محملًا به بسبب التنفس الخلوي ويكون ضغطه الجزئي في الدم يساوي 46 مليمترًا من الزئبق، بينما يكون ضغطه الجزئي في الحويصلات الهوائية يساوي 40 مليمترًا من الزئبق، يؤدي هذا الاختلاف إلى انتقال ثاني أكسيد الكربون من الدم إلى الحويصلات الهوائية، فيصبح الضغط الجزئي له في الدم يساوي 40 مليمترًا من الزئبق، ويرتفع الضغط الجزئي له في الحويصلات الهوائية إلى 46 مليمترًا من الزئبق[18].
تعتمد عملية تبادل الغازات بين الحويصلات الهوائية والدم على ثلاثة عوامل:
[الشكل 12]
تركيب غشاء التنفس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
- سُمك غشاء التنفس (Respiratory membrane thickness) ومساحة سطح التنفس العامل: تنتقل الغازات ما بين الحويصلات الهوائية والدم عن طريق غشاء التنفس (Respiratory membrane) الذي يتكون بالأساس من طبقتين رقيقتين من الخلايا هما النمط الأول من خلايا الحويصلة الهوائية (Type I alveolar cell)، وهي محاطة بغشاء أساسي، الذي يتحد مع الغشاء الأساسي للخلايا الطلائية (Endothelium) المكون لجدار الشعيرات الدموية (الشكل 12). يصل سمك غشاء التنفس 0.5–1.0 ميكرومتر، وفي حالات عديدة من الممكن أن يزداد سمك غشاء التنفس، مثل حالة التدخين، إذ تتراكم قطرات القطران على جدار الحويصلة الهوائية من الداخل فيصبح الجدار أسمك وتصبح عملية تبادل الغازات أصعب، وتشبهها حالة تراكم السوائل في الرئة بما يُعرف بالوذمة الرئوية (Pulmonary edema)، وأيضًا الالتهابات الرئوية. تصل مساحة سطح الحويصلات الهوائية (سطح التنفس) في الإنسان البالغ والصحي إلى أكثر من 70 مترًا مربعًا، تقل هذه المساحة بشكل كبير في حالات مرضية، مثل مرض الانتفاخ الرئوي الذي يسبب تكسير جزء كبير من أسطح الحويصلات الهوائية ما يؤدي إلى نقص في سطح التنفس[19].
- الفرق في الضغط الجزئي للغازات بين الحويصلات والدم ونسبة ذوبان الغاز في الدم: إن الاختلاف في الضغط الجزئي لكل من الأكسجين وثاني أكسيد الكربون على جانبي غشاء التنفس يُعد القوة الأساسية التي تسبب عبور كل منهما لهذا الغشاء. يأتي الدم في الشريان الرئوي ويكون الضغط الجزئي للأكسجين فيه 40 مليمترًا من الزئبق بينما يكون ضغطه الجزئي في الحويصلات الهوائية يساوي 100 مليمتر من الزئبق (أي إن الفرق في ضغطه الجزئي بينهما 60 مليمترًا من الزئبق) فينتقل الأكسجين بشكل سريع من الحويصلات الهوائية إلى الدم إلى أن يصبح ضغطه الجزئي 100 مليمتر من الزئبق. أما ثاني أكسيد الكربون فينتقل بالاتجاه المعاكس وبسرعة أقل، لأن الضغط الجزئي له في الحويصلات الهوائية يساوي 40 مليمترًا من الزئبق بينما لا يتعدى ضغطه الجزئي 46 مليمترًا من الزئبق في الدم (أي إن الفرق في ضغطه الجزئي بينهما يساوي 6 مليمترات من الزئبق)، وبعد عملية التبادل يصبح الضغط الجزئي لثاني أكسيد الكربون في الدم يساوي 40 مليمترًا من الزئبق. مع أن الفرق في الضغط الجزئي للأكسجين بين الدم والحويصلات الهوائية كبير مقارنة بوضع ثاني أكسيد الكربون، فإن عملية التبادل لكلا الغازين تحدث في الوقت نفسه، ويعود السبب هنا إلى درجة ذوبان كل منهما في البلازما، فدرجة ذوبان الأكسجين في البلازما تعادل 1/20 من درجة ذوبان ثاني أكسيد الكربون في الماء[20].
- نسبة التهوية إلى التروية (Ventilation-Perfusion Coupling): لكي تجري عملية تبادل الغازات على أفضل وجه، يجب أن تكون عملية تهوية الحويصلات الهوائية تتطابق مع سريان الدم في الشعيرات الدموية الموجودة حولها (التروية). ويوجد هنا عملية تنظيم وتحكم ذاتي، فالضغط الجزئي للأكسجين ينظم التروية من خلال تحكمه في قطر الشُّرينات الرئوية، بينما ينظم الضغط الجزئي لثاني أكسيد الكربون عملية التهوية من خلال تحكمه في قطر الشُّعيبات الهوائية.
لا تختلف عملية تبادل الغازات بين الدم وأنسجة الجسم عن تلك التي تحصل بين الدم والحويصلات الهوائية، ولكنها تكون بشكل عكسي، لأن خلايا الجسم تستهلك الأكسجين من أجل إنتاج الطاقة الكيميائية (ATP)، وذلك من خلال تكسير الغلوكوز وحرقه، فينقص الضغط الجزئي للأكسجين في الخلايا ليصل إلى 40 مليمترًا من الزئبق، ويأتي الدم إلى الخلايا محملًا بالأكسجين، إذ يكون ضغطه الجزئي في الدم يساوي 100 مليمتر من الزئبق. يسبب هذا الاختلاف انتشار الأكسجين من الدم إلى الخلايا. وبسبب نواتج عملية تكسير الغلوكوز إلى ثاني أكسيد الكربون، يحدث ارتفاع في الضغط الجزئي لثاني أكسيد الكربون في الخلايا ليصل إلى 46 مليمترًا من الزئبق، بينما يكون ضغطه الجزئي في الدم القادم في الشرايين يساوي 40 مليمترًا من الزئبق، فينتشر ثاني أكسيد الكربون من الخلايا باتجاه الدم عبر الشعيرات الدموية، فينزل ضغطه الجزئي في الخلايا إلى 40 مليمترًا من الزئبق، ويرتفع في الدم ليصبح 46 مليمترًا من الزئبق[21].
توصيل الغازات
يسري مع الدم كل من الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بأشكال مختلفة، والهدف هو توصيل الأكسجين للخلايا لتستخدمه في تحرير الطاقة الكامنة في روابط الغلوكوز، وتوصيل ثاني أكسيد الكربون للجهاز التنفسي للتخلص منه. تختلف آلية نقل كل من الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في الدم بسبب اختلاف خواص كل منهما.
الأكسجين
[الشكل 13]
تركيب جزيء الهيموغلوبين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يجري توصيل الأكسجين إلى الخلايا عبر الدم عن طريقين من خلال ارتباطه بالهيموغلوبين الموجود في كريات الدم الحمراء ومن خلال ذوبانه في البلازما، إلا أن نسبة ذوبان الأكسجين في الدم ضئيلة جدًا لا تتعدى 2 في المئة، ولذلك فإنه سيكون من الصعب جدًا الاعتماد على ذوبان الأكسجين في البلازما فقط لتوصيله للخلايا. هنا يأتي دور الهيموغلوبين (Hemoglobin)، إذ إن 98 في المئة من الأكسجين تنتقل عن طريقه، والهيموغلوبين عبارة عن جزيء معقد أساسه بروتين (Globin) الذي يتكون من أربع سلاسل من عديد البيتيد (Polypeptide chains)، اثنتان ألفا وأخريان بيتا. ترتبط كل واحدة منها مع مجموعة غير بروتينية تُسمى بمجموعة هيم (Heme) التي تحتوي على الحديد، ولذلك يُعد الهيموغلوبين من البروتينات المقترنة (Conjugated protein) (الشكل 13). بما أن الحديد يرتبط عليه جزيء واحد من الأكسجين فإن كل جزيء من الهيموغلوبين يحمل أربعة جزيئات أكسجين. إن عملية حمل الأكسجين على الهيموغلوبين هي عملية قابلة للعكس، ويُسمى الناتج من عملية حمل الأكسجين على الهيموغلوبين بالهيموغلوبين المؤكسج. إذا حمل الهيموغلوبين أربعة جزيئات من الأكسجين فإنه يُعد مُشْبعًا (Saturated)، أما إذا حمل أقل من ذلك فإنه يُعد مُشْبعًا جزئيًا(Partially saturated)[22].
[الشكل 14]
تأثير الضغط الجزئي للأكسجين على مدى تَشَبُّع الهيموغلوبين بالأكسجين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ما يُحتاج من الهيموغلوبين هو ارتباطه بالأكسجين عند الرئتين من خلال زيادة قابليته للارتباط به (High affinity) وتركه للأكسجين عند الخلايا من خلال نقص قابليته للارتباط به (Low affinity). تعتمد قابلية ارتباط الهيموغلوبين بالأكسجين على الضغط الجزئي للأكسجين، فتزداد قابلية الارتباط عندما يكون الضغط الجزئي للأكسجين عاليًا والعكس صحيح، وهذا يعني أن قابلية ارتباط الأكسجين على الهيموغلوبين تكون في أقاصاها عند الرئتين فيرتبط الأكسجين على الهيموغلوبين، وتكون في أدناها عند الخلايا فيفلت الأكسجين من الهيموغلوبين ويدخل إلى الخلايا.
يعبّر المنحنى في الشكل 14 عن العلاقة بين مدى تشبُّع الهيموغلوبين بالأكسجين (Oxyhemoglobin) والضغط الجزئي للأكسجين، ويوضح أنه كلما زاد الضغط الجزئي للأكسجين زادت نسبة تشبُّع الهيموغلوبين بالأكسجين.
في وضع الراحة في الحالات الطبيعية يكون الضغط الجزئي للأكسجين يساوي 100 مليمتر من الزئبق، وتكون قابلية (Affinity) الهيموغلوبين لارتباط الأكسجين عليه عالية جدًا تصل إلى 98 في المئة من التشبُّع. ويحتوي كل 100 مليلتر من الدم في الشرايين على 20 مليلترًا من الأكسجين عند وصول الدم إلى الشعيرات الدموية الموجودة في أنسجة الجسم. تقل قابلية الهيموغلوبين للارتباط بسبب قلة الضغط الجزئي للأكسجين فتنزل قيمة ما هو مرتبط من الأكسجين على الهيموغلوبين إلى ما نسبته 75 في المئة، ويعود الدم من الأنسجة من خلال الأوردة التي تصل فيها كمية الأكسجين إلى 15 مليلترًا ليصل إلى القلب ومن ثم إلى الرئتين، أي إنه ما زالت هناك كمية عالية من الأكسجين موجودة في دم الأوردة، لذلك فإنها تُعد مخزنًا للأكسجين (Venous reserve) يُستخدم عند الحاجة[23].
تأثير عوامل أخرى في منحنى تشبع الهيموغلوبين بالأكسجين
توجد عوامل أخرى تؤثر في قابلية تشبع الهيموغلوبين بالأكسجين وهي: درجة الحرارة، ودرجة حموضة الدم، والضغط الجزئي لثاني أكسيد الكربون في الدم، وتركيز ثنائي فوسفات الغلسرين (Diphosphoglycerate; DPG).
- درجة الحرارة
عند ارتفاع درجة الحرارة تقل قابلية ارتباط الأكسجين على الهيموغلوبين، يعود ذلك إلى ارتفاع نشاط الخلايا وهذا يعني أنها بحاجة إلى وجود الطاقة الكيميائية (ATP)، وينتج من عمليات التفاعل الكيميائي التي تؤدي إلى إنتاج الطاقة انطلاق طاقة حرارية، وعلى ذلك فإنه كلما زادت درجة الحرارة زاد معدل استهلاك الأكسجين. بالتالي، فإن قابلية الهيموغلوبين لإبقاء الأكسجين مرتبطًا عليه تصبح أقل، ما يؤدي إلى تحريك المنحنى في الشكل 14 إلى جهة اليمين.
- ارتفاع الضغط الجزئي لثاني أكسيد الكربون
يرتفع الضغط الجزئي لثاني أكسيد الكربون عند الخلايا لأنه يُعد ناتجًا جانبيًا من عملية تكسير الغلوكوز، وهذا يعني حاجة الخلايا إلى الأكسجين لإجراء عملية التكسير وإنتاج الطاقة، ويؤدي هذا أيضًا إلى تحريك المنحنى في الشكل 14 إلى جهة اليمين أي تقليل تشبع الهيموغلوبين بالأكسجين.
- انخفاض درجة الحموضة (pH) للدم
تنخفض درجة حموضة الدم وتصبح أكثر حمضية بشكل طبيعي عند ارتفاع الضغط الجزئي لثاني أكسيد الكربون، لأنه يتفاعل مع الماء ويكوّن حمض الكربونيك، وعلى ذلك فإن انخفاض درجة الحموضة يؤدي إلى تقليل تشبع الهيموغلوبين بالأكسجين وبالتالي تحريك المنحنى في الشكل 15 إلى اليمين.
- ارتفاع تركيز مادة ثنائي فوسفات الغلسرين
[الشكل 15]
تأثير درجة الحرارة ودرجة الحموضة والضغط الجزئي لثاني أكسيد الكربون وتركيز ثنائي فوسفات الغلسرين على منحنى تشبُّع الهيموغلوبين بالأكسجين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يزداد تركيز مادة ثنائي فوسفات الغلسرين (2,3-DPG) عند ازدياد نشاط حلقة كريبس في الخلايا التي تنتج الطاقة الكيميائية بسبب ازدياد النشاط الخلوي. يؤدي زيادة تركيزها إلى تحريك المنحنى في الشكل 14 إلى جهة اليمين، أي تقليل ارتباط الأكسجين بالهيموغلوبين.
جميع التأثيرات أعلاه أدت إلى تحريك المنحنى في الشكل 15 إلى جهة اليمين، التي فيها يُحرَّر الأكسجين من الهيموغلوبين، ويُعرف هذا التأثير بأثر بور (Bohr effect) والعكس صحيح إذ إن انخفاض درجة الحرارة وارتفاع درجة الحموضة وانخفاض الضغط الجزئي لثاني أكسيد الكربون وانخفاض تركيز ثنائي فوسفات الغلسرين يؤدي إلى تحريك المنحنى في الشكل 14 إلى اليسار (زيادة ارتباط الأكسجين بالهيموغلوبين)[24].
ثاني أكسيد الكربون
ينتج الجسم في الوضع الطبيعي 200 مليلتر في الدقيقة من ثاني أكسيد الكربون، وهذه هي الكمية نفسها التي تتخلص منها الرئتان، وهذا يعني أن الدم يوصل هذه الكمية من الخلايا إلى الرئتين. ينتقل ثاني أكسيد الكربون في الدم على ثلاثة أشكال:
- ذائب في البلازما: تذوب نسبة بسيطة تعادل 7 في المئة من إجمالي ثاني أكسيد الكربون في البلازما وتُعد هذه النسبة الأصغر في عملية نقل ثاني أكسيد الكربون في الدم.
- مرتبط على الهيموغلوبين: إذ يوجد له مواقع على الهيموغلوبين يرتبط عليها، ويحمل الهيموغلوبين نحو 23 في المئة من مجمل ثاني أكسيد الكربون في الدم علمًا بأن ثاني أكسيد الكربون لا يتنافس مع الأكسجين في الارتباط، لأن مواقع ارتباطهما مختلفة. فالأكسجين يرتبط على مجموعة الهيم بينما يرتبط ثاني أكسيد الكربون على الأحماض الأمينية المكوّنة للبروتين المسمى بالغلوبين مكونًا كاربأمينو هيموغلوبين. يعتمد ارتباط ثاني أكسيد الكربون وتركه للهيموغلوبين بالأساس على ضغطه الجزئي، فيترك الهيموغلوبين عند الرئتين بسرعة ويرتبط عليه عند الخلايا.
- على شكل بيكربونات (HCO3-): هو الشكل الذي يُنقل من خلاله معظم ثاني أكسيد الكربون في الدم (70 في المئة). يتفاعل ثاني أكسيد الكربون مع الماء بعد دخوله إلى كريات الدم الحمراء مكونًا حمض الكربونيك وهو حمض ضعيف يتحلل جزئيًا إلى أيون البيكربونات وأيون الهيدروجين (الشكل 16). يحتاج هذا التفاعل إلى إنزيم كربونيك أنهيدريز (Carbonic anhydrase). بعدها يرتبط أيون الهيدروجين على الهيموغلوبين، ويخرج أيون البيكربونات من خلايا الدم الحمراء بالتبادل مع أيون الكلوريد (الشكل 16)[25].
عند وصول الدم المحمل بثاني أكسيد الكربون إلى الرئتين، تُفرَّغ حمولته من ثاني أكسيد الكربون بأشكاله الثلاثة لينتقل بعدها إلى الحويصلات الهوائية ومن ثم إلى خارج الجسم عبر الزفير (الشكل 17).
يُعد حمض الكربونيك – البيكربونات أحد أهم أنظمة التخزين الدارئة في الدم (Buffering systems in blood)، التي تقاوم تغير درجة حموضة الدم، كما هو واضح من المعادلة في الشكلين 15، 16. فالتفاعل يسير بالاتجاهين، بمعنى يتفاعل ثاني أكسيد الكربون مع الماء مكونًا حمض الكربونيك الذي يتحلل جزئيًا إلى أيون الهيدروجين وأيون البيكربونات. يؤدي هذا التفاعل إلى زيادة الحمضية، ولكن في المقابل، فإن زيادة أيونات الهيدروجين يؤدي إلى تفاعلها مع البيكربونات مكونةً حمض الكربونيك فيقل تركيزها، وإذا قلت أيونات الهيدروجين يتحلل حمض الكربونيك ليعطي مزيدًا منها وهكذا يُحافَظ على توازن درجة حموضة الدم[26].
[الشكل16 و17]
خروج ثاني أكسيد الكربون من الدم إلى الحويصلات الهوائية وأشكال انتقال ثاني أكسيد الكربون في الدم
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
التحكم في عملية التنفس
[الشكل 18]
مركز التنفس في جذع الدماغ
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تبدو عملية التنفس عملية بسيطة، إلا أنها في الحقيقة أعقد مما تبدو عليه، فمراكز الدماغ العليا(Higher brain centers) والمستقبلات الكيميائية (Chemoreceptors) وردَّات الفعل (Reflexes)، جميعها تغير من طريقة التنفس كما يُقِرُّها (Brain stem).
توجد مراكز التحكم في عملية التنفس في جذع الدماغ، وبالتحديد في مجموعة من الأعصاب موجودة في النخاع المستطيل (Medulla Oblongata) والجسور (Pons) يوجد ثلاثة تجمعات من الأعصاب في النخاع المستطيل والجسور (الشكل 18) تؤدي هذه المهمة:
مجموعة الأعصاب البطنية للتنفس
مجموعة الأعصاب التنفسية البطنية (Ventral respiratory group; VRG) عبارة عن شبكة من الأعصاب الموجودة في النخاع المستطيل وبالحد الفاصل مع الجسور. ترسل هذه الأعصاب رسائل إلى الحجاب الحاجز والعضلات الوَرْبية الخارجية بين أضلاع القفص الصدري عن طريق العصب الحجابي (Phrenic nerve) والعصب الوَرْبي (Intercostal nerve)، فتنقبض العضلات ويتوسع التجويف الصدري مسببًا توسع الرئتين بسبب انخفاض الضغط فيهما، ما يؤدي إلى دخول الهواء إلى الرئتين (عملية الشهيق). وعندما تتوقف الرسائل فإن عملية انقباض العضلات تتوقف وتعود العضلات إلى وضعها السابق، إذ يقل حجم التجويف الصدري ومن ثم يقل حجم الرئتين فيرتفع الضغط داخلهما ويخرج الهواء من خلال عملية الزفير. تتجدد هذه العملية (الشهيق والزفير) في التنفس الهادئ 12–15 مرة ويستمر فيها الشهيق لمدة ثانيتين يتبعه زفير لمدة ثلاث ثوانٍ. يُطلق على هذه العملية عملية التنفس السَّوائِيَّة(Eupnea) [27].
مجموعة الأعصاب التنفسية الظهرية
مجموعة الأعصاب التنفسية الظهرية (Dorsal respiratory group; DRG) عبارة عن شبكة من الأعصاب الموجودة في المنطقة الظهرية من النخاع المستطيل بالقرب من نواة العصب التاسع، تصل إلى هذه المجموعة معلومات من المستقبلات الكيميائية في الجسم التي تتأثر بالضغط الجزئي لكل من الأكسجين وثاني أكسيد الكربون، وتصل إليها أيضًا معلومات من مستقبلات الشد الموجودة في الرئتين وأنسجة جدار التجويف الصدري لتُعدَّل طريقة التنفس.
مجموعة بونتين للتنفس
[الشكل 19]
العوامل التي تؤثر في مركز التنفس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
توجد شبكة من الأعصاب في منطقة الجسور تسمى مجموعة بونتين للتنفس (Pontine respiratory group)، وتنقسم الأعصاب في هذه المجموعة إلى قسمين، الأول يُعرف بالمركز المنظم للتنفس (Pneumotaxic center)، والثاني مركز قطع التنفس (Apneustic center). تعمل مجموعة بونتين على ضمان سلاسة الانتقال من الشهيق إلى الزفير وبالعكس. فمثلًا، لو حصل تلف في أعصاب هذه المجموعة أو توقف اتصالها بالأعصاب البطنية للتنفس، فإن عملية الشهيق تصبح أطول مما يجب، ويُطلق على هذه الحالة التنفس المتقطِّع (Apneustic breathing). تسهم هذه المجموعة أيضًا في سلاسة عملية التنفس وسهولتها أثناء الكلام والنوم وعمل التمارين الرياضية. بالإضافة لما سبق يصل إلى هذه المجموعة أوامر من مراكز الدماغ العليا لتؤثر في طريقة العملية التنفسية وآليتها برمتها (الشكل 19)[28].
عمق التنفس ومعدله لدى الإنسان
يعتمد طول فترة الشهيق وعمقه على قوة التحفيز التي حصلت لمركز التنفس في جذع الدماغ، الذي يؤدي دوره بتحفيز الأعصاب الحركية التي تتحكم في العضلات المسؤولة عن الشهيق. فكلما زاد تحفيز مركز التنفس زاد عدد الأعصاب الحركية وزادت قوة انقباض عضلات التنفس وبالتالي زيادة عمق الشهيق. أما بالنسبة لمعدل التنفس فإنه يعتمد على طول الفترة الزمنية التي يُحفَّز فيها مركز التنفس التي بدورها ترتبط بحالة الجسم من حيث مدى احتياجه إلى الأكسجين أو إلى التخلص من ثاني أكسيد الكربون[29].
تتأثر طريقة التنفس من حيث عمق التنفس ومعدله لدى الإنسان بمجموعتين من العوامل:
- العوامل الكيميائية:
يتأثر معدل التنفس وعمق النفس بمستوى الأكسجين وثاني أكسيد الكربون وأيون الهيدروجين في دم الشرايين حيث توجد مستقبلات (أو حساسات) كيميائية تتأثر بتغير مستويات هذه المواد في الدم. توجد هذه المستقبلات في مكانين في الجسم: المكان الأول هو المستقبلات الكيميائية الطرفية المرتبطة بالشريان الأبهر والشريان السباتي (تُدعى الأجسام الأبهرية (Aortic bodies) والأجسام السباتية (Carotid bodies)). أما المكان الثاني فهي المستقبلات الكيميائية المركزية الموجودة في الدماغ وتتركز في جذع الدماغ.
يُعد ثاني أكسيد الكربون الأكثر تأثيرًا في المستقبلات الكيميائية، يكون الضغط الجزئي لثاني أكسيد الكربون في دم الشرايين يساوي 40 مليمترًا من الزئبق، عند ارتفاع ضغطه الجزئي أي تراكمه في الدم، وهو ما يُعرف بفرط ثاني أكسيد (Hypercapnia)، فيتفاعل مع الماء مكونًا حمض الكربونيك الذي يتحلل جزئيًا ويعطي أيونات الهيدروجين التي تعمل على انخفاض درجة الحموضة للدم. ارتفاع مستويات حمض الكربونيك وأيون الهيدروجين في الدم يؤثر في المستقبلات الكيميائية التي تحفز بدورها الجهاز التنفسي ليزيد من عمق التنفس ومعدله. أما انخفاض مستوى ثاني أكسيد الكربون في الدم بشكل غير طبيعي فيؤدي إلى تثبيط عملية التنفس، فيصبح معدل التنفس أبطأ ويخف عمق النفس وقد تتوقف العملية كاملة إلى أن يرتفع مستوى ثاني أكسيد الكربون في دم الشرايين فيعود الإنسان إلى التنفس الطبيعي مجددًا، وهذا ما يُعرف بتوقف التنفس (Apnea). تتأثر المستقبلات الكيميائية بانخفاض مستوى الأكسجين بشكل أقل بكثير من تأثرها بارتفاع مستوى ثاني أكسيد الكربون وذلك لتأثير ثاني أكسيد الكربون في درجة حموضة الدم[30].
- المراكز العليا في الدماغ:
تؤثر المراكز الموجودة في تحت المهاد (Hypothalamic centers) والجهاز الحُوفي(Limbic system) والمراكز المسؤولة عن الألم (Pain centers) في عملية التنفس، إذ ترسل هذه المراكز رسائل إلى مراكز التنفس وتعدل في سلوكها ما يغير عمق التنفس ومعدله حسب نوع المؤثر (سواء أكان ألمًا أم بكاء أم حزنًا أم فرحًا).
المراجع
Ayad, Tareck et al. “Gross Anatomy: Oral Vestibule.” Mouth Anatomy. 9/12/2024. at: https://acr.ps/hBy6ENj
Barrett KE, Barman SM, Brooks HL, Yuan JX. Ganong's Review of Medical Physiology. 26th ed. New York, NY: McGraw-Hill Education, 2019.
Ben‐Tal, A. & M. H. Tawhai. “Integrative approaches for modeling regulation and function of the respiratory system.” WIREs Systems Biology and Medicine. vol. 5, no. 6 (2013). pp. 687-699.
Brinkman, J. E., F. Toro & S. Sharma. “Physiology, Respiratory Drive.” StatPearls, 5/6/2023, at: https://acr.ps/hBy6F0q
Guyton, A. C. & J. E. Hall. Textbook of Medical Physiology. 11th ed. Philadelphia, PA: Elsevier Saunders, 2006.
Hall, J. E. & M. E. Hall. Guyton and Hall Textbook of Medical Physiology (Guyton Physiology). 14th ed. PA: Elsevier Philadelphia, 2020.
Hsia, C. C., D. M. Hyde & E. R. Weibel. “Lung Structure and the Intrinsic Challenges of Gas Exchange.” Comprehensive Physiology. vol. 6, no. 2 (2016). pp. 827-895.
Jones M, Fosbery R, Taylor D, Gregory J. Cambridge International AS and A Level Biology Coursebook. 5th ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2020.
Marieb, E. N. & K. Hoen. Human Anatomy and Physiology. 11th Ed. Harlow: Pearson, 2019.
Martini, F. H., J. Nath & E. F. Bartholomew. Fundamentals of Anatomy and physiology. 11th ed. New Jersey: Pearson, 2017.
Moore, Keith L. & Arthur F. Dalley. Clinically Oriented Anatomy. 4th ed. Philadelphia, PA: Lippincott Williams & Wilkins, 1999.
Pawlina, W. Histology a Text & Atlas. 7th ed. Philadelphia, PA: Wolters Kluwer Health, 2015.
“Respiratory system.” Cleveland Clinic. 4/9/2024. at: https://acr.ps/hBy6EAc
Silverthorn, D. U. Human Physiology. 2nd ed. NJ: Prentice Hall, 2001.
Standring, Susan (ed.). Gray’s Anatomy: The Anatomical Basis of Clinical Practice. 42nd ed. Amsterdam: Elsevier, 2021.
Taylor, E. W., D. Jordan & J. H. Coote. “Central control of the cardiovascular and respiratory systems and their interactions in vertebrates.” Physiological Reviews. vol. 79, no. 3 (1999). pp. 855-916.
Tortora, G. J. & B. H. Derrickson. Principles of Anatomy and Physiology. 16th ed. Hoboken, NJ: Wiley, 2020.
West, John B. Respiratory Physiology: The Essentials. 5th ed. Baltimore: Williams & Wilkins, 1995.
[1] Susan Standring (ed.), Gray’s Anatomy: The Anatomical Basis of Clinical Practice, 42nd ed. (Amsterdam: Elsevier, 2021), p. 1028.
[2] Tareck Ayad et al., “Gross Anatomy: Oral Vestibule,” Mouth Anatomy, 9/12/2024, accessed on 3/6/2026, at: https://acr.ps/hBy6ENj
[3] J. E. Brinkman, F. Toro & S. Sharma, “Physiology, Respiratory Drive,” StatPearls, 5/6/2023, accessed on 3/6/2026, at: https://acr.ps/hBy6F0q
[4] F. H. Martini, J. Nath & E. F. Bartholomew, Fundamentals of Anatomy and physiology, 11th ed. (New Jersey: Pearson, 2017).
[5] E. N. Marieb & K. Hoen, Human Anatomy and Physiology, 11th Ed. (Harlow: Pearson, 2019).; W. Pawlina, Histology a Text & Atlas, 7th ed. (Philadelphia, PA: Wolters Kluwer Health, 2015), pp. 670-678.
[6] Brinkman, op. cit.
[7] G. J. Tortora & B. H. Derrickson, Principles of Anatomy and Physiology, 16th ed. (Hoboken, NJ: Wiley, 2020); C. C. Hsia, D. M. Hyde & E. R. Weibel, “Lung Structure and the Intrinsic Challenges of Gas Exchange,” Comprehensive Physiology, vol. 6, no. 2 (2016), pp. 827-895.
[8] John B. West, Respiratory Physiology: The Essentials, 5th ed. (Baltimore: Williams & Wilkins, 1995), pp. 1-10.; A. C. Guyton & J. E. Hall, Textbook of Medical Physiology, 11th ed. (Philadelphia, PA: Elsevier Saunders, 2006).
[9] Guyton & Hall, op. cit.
[10] “Respiratory system,” Cleveland Clinic, 4/9/2024, accessed on 3/6/2026, at: https://acr.ps/hBy6EAc
[11] Marieb & Hoen, op. cit.; Keith L. Moore & Arthur F. Dalley, Clinically Oriented Anatomy, 4th ed. (Philadelphia, PA: Lippincott Williams & Wilkins, 1999).
[12] Barrett KE, Barman SM, Brooks HL, Yuan JX, Ganong's Review of Medical Physiology. 26th ed (New York, NY: McGraw-Hill Education, 2019).
[13]D. U. Silverthorn, Human Physiology, 2nd ed. (NJ: Prentice Hall, 2001).
[14] Hall JE, Hall ME, Guyton and Hall Textbook of Medical Physiology. 14th ed (Philadelphia, PA: Elsevier; 2021), p. 499-501.
[15] Costanzo LS, Physiology. 7th ed (Philadelphia, PA: Elsevier, 2022), p. 197-199.
[16] Ibid
[17] Marieb & Hoen, op. cit.
[18] Tortora & Derrickson, op. cit.
[19] Guytton & Hall, op. cit.
[20] Martini, Nath & Bartholomew, op. cit.
[21] J. E. Hall & M. E. Hall, Guyton and Hall Textbook of Medical Physiology (Guyton Physiology), 14th ed. (PA: Elsevier Philadelphia, 2020).
[22] Guyton & Hall, op. cit.
[23] Marieb & Hoen, op. cit.
[24] Tortora & Derrickson, op. cit.
[25] Marieb & Hoen, op. cit.
[26] Marieb & Hoen, op. cit.
[27] Guyton & Hall, op. cit.
[28] Hall & Hall, op. cit.
[29] E. W. Taylor, D. Jordan & J. H. Coote, “Central control of the cardiovascular and respiratory systems and their interactions in vertebrates,” Physiological Reviews, vol. 79, no. 3 (1999), pp. 855-916.
[30] A. Ben‐Tal & M. H. Tawhai, “Integrative approaches for modeling regulation and function of the respiratory system,” WIREs Systems Biology and Medicine, vol. 5, no. 6 (2013), pp. 687-699.