الموجز
رشيد بن يوسف بيضون (1889-1971)، زعيم لبناني ومؤسس أول تنظيم كشّافة شبه عسكري للشيعة عام 1944، المعروف باسم "الطلائع". أسّس "الجمعية العاملية الخيرية" في عام 1923، ومنها انبثقت "المدرسة العاملية" في بيروت التي ترأسها مدى الحياة. وأسّس أيضًا "جمعية السكان العامليين" عام 1947، و"الوقف العاملي" عام 1951، و"المستوصف العاملي" عام 1952، و"المؤسسة المهنية العاملية" عام 1958. دخل المعترك السياسي نائبًا عن الجنوب عام 1937، وفي عام 1943 انتُخب نائبًا عن بيروت، وكان أحد مصممي العلم اللبناني في ظلّ أزمة اعتقال رئيس الجمهورية بشارة الخوري، ورئيس الوزراء رياض الصلح مع عدد من الوزراء (11-22 تشرين الثاني/ نوڨمبر 1943). تسلّم مناصب حكومية عدة، منها وزارات الصحة، والعدل، والسياحة، وكان وزيرًا للدفاع ثلاث مرات في 1951 و1953 و1968.
نشأته وتعليمه
وُلد رشيد بيضون لأسرة معروفة هاجرت من دمشق، وكان والده يوسف بيضون صاحب محلّ في سوق البزورية، ومن أوائل الشيعة الذين استوطنوا بيروت[1]. درس في مدرسة الشيخ عباس الأزهري (1853-1926) في بيروت، وفي المدرسة الأميركية في صيدا، ثم عمل في التجارة مع والده بين لبنان، وبعض الدول الأفريقية[2].
الجمعية العاملية ومنظمة الطلائع
في عام 1923، ساهم في تأسيس الجمعية العاملية الخيرية المعنية بمساعدة شيعة لبنان، وتقديم الخدمات لهم، مثل الطبابة والتمريض، ودفن الموتى، ودعم المحتاجين والفقراء[3]. انبثقت من هذه الجمعية فكرة المدرسة العاملية الابتدائية التي تأسست عام 1929، ثم توسّعت إلى الصفوف الثانوية عام 1946، وقد ترأسها بيضون حتى وفاته[4]. جال على المغتربين الشيعة لجمع التبرعات لأجل المدرسة، ومعه صديقه الصحفي كامل مروة (1915-1966)، مؤسس جريدة الحياة الذي دوّن مشاهداتهما في كتابه نحن في أفريقيا. سافر إلى السنغال، وغانا، وساحل العاج، ونيجريا، ثم أعاد الجولة نفسها لتوسيع المدرسة عام 1942 ومجددًا عام 1953[5].
كان أحد مؤسسي الجمعية الخيرية للأموال الإسلامية التي تولت مساعدة الحجاج الفقراء الواصلين إلى بيروت، سواء أكانوا من الشيعة أم السنة. كانت الجمعية عابرة للطوائف، وتضم صائب سلام (1905-2000)، ورشيد كرامي من السنة، ونجيب علم الدين (1909-1996) من الدروز[6].
منظمة الطلائع
في 21 حزيران/ تموز 1944، أطلقَ منظمة شبه عسكرية للشيعة باسم الطلائع، عملت على توحيد الشباب المقيمين في بيروت وقرى الجنوب، مع تدريبهم على حمل السلاح للدفاع عن النفس وعن أحيائهم السكنية[7]. اتخذت الطلائع من سيف ذو الفقار رمزًا لها، سيف علي بن أبي طالب، وكان شعارها: "حياة، حرية، مساواة[8]". أطلقت على مقرها في منطقة رأس النبع اسم "بيت الطلائع" أسوة بـ بيت الكتائب الذي أوجده الزعيم الماروني بيار جميّل (1905-1984)[9]. حيث تمكّنت من استقطاب شبان الشيعة من حزب النجادة في بيروت، لكنها واجهت معارضة شديدة من أحمد الأسعد، زعيم شيعة الجنوب، ومن صبري حمادة، زعيم شيعة بعلبك[10]. شجّع الأسعد الشباب على الانشقاق عن بيضون، والانضمام إلى جمعية النهضة المعارضة التي أسسها في برج البراجنة عام 1946[11].
أزمة عام 1943
بدأ رشيد بيضون مسيرته السياسية نائبًا عن الجنوب في مجلس النواب اللبناني عام 1937، وفي عام 1943، انتُخب نائبًا عن بيروت، وكان ضمن النواب المؤيدين لرئيس الحكومة رياض الصلح (1894-1951)، عندما طرح الأخير سلسلة من الإصلاحات الدستورية في 8 تشرين الثاني/ نوڨمبر 1943، منها تعزيز اللغة العربية، وجعلها رسمية في لبنان، إضافة لإسقاط المواد الانتدابية عن الدستور اللبناني المقرر منذ عام 1926، وتعديل العلم اللبناني مع إسقاط العلم الفرنسي من وسطه[12]. تبنّى المجلس النيابي هذه الإصلاحات، وفي 11 تشرين الثاني/ نوڨمبر 1943، أمر المندوب الفرنسي جان هيللو (Jean Helleu، 1885-1955) بتعطيل البرلمان، واعتقال رياض الصلح مع عدد من الوزراء، ومعهم رئيس الجمهورية بشارة الخوري (1890-1964)[13].
تمكّن بيضون من الوصول إلى مبنى البرلمان مع زملائه لعقد جلسة استثنائية برئاسة صبري حمادة، طالبوا فيها بإطلاق سراح رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، وصمموا العلم اللبناني الجديد، تتوسطه الأرزة الخضراء[14]. وضع التصميم نائب طرابلس سعدي المنلا (1890-1975) بخط اليد. وبعد موافقة المجتمعين والتوقيع عليه، تمكّن صائب سلام من الحصول على موافقة النواب المسلمين، في حين تعهّد نائب زغرتا هنري فرعون بموافقة المسيحيين[15].
مرحلة بشارة الخوري
بعد إطلاق سراح الخوري والصلح في 22 تشرين الثاني/ نوڨمبر 1943، وجلاء الفرنسيين عن لبنان في عام 1946، أعيد انتخاب رشيد بيضون نائبًا عام 1947، وكان مرشحًا لخلافة صبري حمادة في رئاسة المجلس النيابي، غير أن المنصب ذهب لخصمه أحمد الأسعد[16]. سُمّي بعدها وزيرًا للدفاع في حكومة عبد الله اليافي الثالثة (7 حزيران/ يونيو 1951 - 11 شباط/ فبراير 1952)[17] . وفي يوم تشكيل الوزارة، اعتذر بهيج تقي الدين عن قبول حقيبتي الشؤون الاجتماعية والصحة، فطلب عبد الله اليافي من رشيد بيضون تسلّم هذه المناصب، إضافة إلى وزارة الدفاع[18].
مرحلة كميل شمعون
واجه الرئيس بشارة الخوري معارضة سياسية وشعبية شديدة، لمنعه من الترشح لولاية ثانية، أُجبر بعدها على الاستقالة في أيلول/ سبتمبر 1952، وانتُخب كميل شمعون خلفًا له، ودعا الأخير إلى انتخابات نيابية عام 1953. كلّف الزعيم البيروتي صائب سلام بتأليف حكومة للإشراف على هذه الانتخابات، سُمي فيها رشيد بيضون وزيرًا للبرق، والبريد، والصحة، والإسعاف العام[19].
شهد عهد الرئيس شمعون معارضة حادة من خصومه، بسبب موقفه المؤيد لحلف بغداد عام 1955، الذي هدف إلى محاربة المدّ الشيوعي في المنطقة، واعتبر مشروعًا غربيًا، لدور بريطانيا فيه، ومعها الولايات المتحدة. وتعرّض شمعون لانتقاد لاذع من المعارضة، بسبب موقفه من الرئيس المصري جمال عبد الناصر إبان تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وصولًا إلى محاولة التجديد لنفسه بولاية ثانية، على غرار ما فعله بشارة الخوري عام 1948[20]. رغم إطلاق ثورة شعبية ضد رئيس الجمهورية عام 1958، شارك بيضون بحكومة سامي الصلح الثامنة (14 آذار/ مارس - 24 أيلول/ سبتمبر 1958)، حيث أوكلت إليه وزارة الدفاع[21]، لكنه استقال منها في 22 أيار/ مايو 1958، احتجاجًا على سياسات شمعون الإقصائية، وقبوله بمبدأ أيزنهاور (Eisenhower Doctrine)[22]. خلفه سامي الصلح في وزارة الدفاع، واستقال معه وزير البرق بشير عثمان[23].
مرحلة شارل حلو
غاب رشيد بيضون عن أي منصب حكومي في عهد الرئيس فؤاد شهاب (1958-1964)، وخسر الانتخابات النيابية عام 1960، وكذلك انتخابات عام 1968 التي جرت في عهد الرئيس شارل حلو (1964-1970). لكنه وفي العام نفسه، دُعي للعودة إلى الحكم والمشاركة في حكومة عبد الله اليافي التاسعة (28 شباط/ فبراير - 12 تشرين الأول/ أكتوبر 1968)، المكلفة بالإشراف على الانتخابات البرلمانية المقبلة[24]. تسلّم في هذه الوزارة حقيبتي العدل، والبرق، والبريد، وأجريت الانتخابات على ثلاثة مراحل، في 24 و30 آذار/ مارس و7 نيسان/ أبريل 1968. بعد أربعة أيام، استقال بيضون من وزارة البرق، وسُمي وزيرًا للسياحة، مع المحافظة على وزارة العدل لغاية صدور تعديل وزاري في 5 تموز/ يوليو 1968[25]. عُيّن حينها وزيرًا للدفاع، والسياحة، وبقي في مناصبه لغاية استقالة الحكومة في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه[26].
توفّي رشيد بيضون في 17 أيلول/ سبتمبر 1971.
المراجع
تويني، غسان وفارس ساسين ونواف سلام. كتاب الاستقلال بالصور والوثائق. ط 2. بيروت: دار النهار للنشر، 1999.
جنبلاط، كمال. حقيقة الثورة اللبنانية. بيروت: دار النشر العربية، 1959.
حمدان، طليع. تطور البنية المجتمعية في الجنوب اللبناني بين 1943-1975. بيروت: دار الفارابي، 2017.
الخوري، بشارة. حقائق لبنانية. بيروت: الدار اللبنانية للنشر الجامعي، 1983.
سلام، صائب. أحداث وذكريات. بيروت: مكتبة نوفل، 2022.
ضاهر، عدنان محسن وغنام رياض. المعجم الوزاري اللبناني 1922-2008. بيروت: دار بلال للطباعة والنشر، 2008.
طليس، أكرم. عصر الإمام: موسى الصدر والمسألة الشيعيةفي لبنان. بيروت: دار المحجة البيضاء، [د.ت.].
عباس، حسين عبد الحسين. "منظمة الطلائع اللبنانية: الحركة الشيعية الأولى المنظمة في لبنان 1944-1948". مجلة التربية والعلوم الإنسانية. مج 4، العدد 15 (2024). ص 37-66.
فتوني، علي عبد. تاريخ لبنان الطائفي. بيروت: دار الفارابي، 2013.
ماجد، ماجد. تاريخ الحكومات اللبنانية 1926-1996. بيروت: دار مؤلفون، 1997.
[1] أكرم طليس، عصر الإمام: موسى الصدر والمسألة الشيعية في لبنان (بيروت: دار المحجة البيضاء، [د.ت.])، ص 66.
[2] عدنان محسن ضاهر ورياض غنام، المعجم الوزاري اللبناني 1922-2008 (بيروت: دار بلال للطباعة والنشر، 2008)، ص 70.
[3] طليس، ص 67.
[4] علي عبد فتوني، تاريخ لبنان الطائفي (بيروت: دار الفارابي 2013)، ص 89-90.
[5] المرجع نفسه.
[6] صائب سلام، أحداث وذكريات، ج 1 (بيروت: مكتبة نوفل، 2022)، ص 225.
[7] حسين عبد الحسين عباس، "منظمة الطلائع اللبنانية: الحركة الشيعية الأولى المنظمة في لبنان 1944-1948"، مجلة التربية والعلوم الإنسانية، مج 4، العدد 15 (2024)، ص 37-66.
[8] المرجع نفسه.
[9] طليس، ص 78.
[10] طليع حمدان، تطور البنية المجتمعية في الجنوب اللبناني بين 1943-1975 (بيروت: دار الفارابي، 2017)، ص 251.
[11] طليس، ص 82.
[12] غسان تويني وفارس ساسين ونواف سلام، كتاب الاستقلال بالصور والوثائق، ط 2 (بيروت: دار النهار للنشر، 1999)، ص 22.
[13] بشارة الخوري، حقائق لبنانية، ج 2 (بيروت: الدار اللبنانية للنشر الجامعي، 1983)، ص 33-52.
[14] سلام، ص 151.
[15] المرجع نفسه، ص 151.
[16] المرجع نفسه، ص 227-228.
[17] ماجد ماجد، تاريخ الحكومات اللبنانية 1926-1996 (بيروت: دار مؤلفون، 1997)، ص 77.
[18] المرجع نفسه، ص 78.
[19] المرجع نفسه، ص 96.
[20] كمال جنبلاط، حقيقة الثورة اللبنانية (بيروت: دار النشر العربية، 1959)، ص 37-47.
[21] ماجد، ص 128.
[22] جريدة النهار (23 أيار/ مايو 1958).
[23] ماجد، ص 128.
[24] المرجع نفسه، ص 166-167.
[25] المرجع نفسه.
[26] المرجع نفسه.