الموجز
حزيمة بنت ناصر (1884-1935) هي زوجة الملك فيصل الأول، وملكة العراق منذ عام 1921 وحتى وفاته عام 1933. لُقِّبت بالملكة الأم عند تولّي ابنها الوحيد الملك غازي عرش العراق عقب وفاة والده في أيلول/ سبتمبر 1933، وتركز حضورها العام في رعاية الأنشطة الاجتماعية والإنسانية حتى وفاتها.
النشأة والزواج
وُلِدت حزيمة بنت ناصر في مكة المكرمة، ونشأت فيها. في عام 1904، اختارها
الشريف حسين بن علي (1853-1931) زوجةً لابنه
الأمير فيصل (ملك سورية والعراق لاحقًا، 1885-1933)، واختار شقيقتها
مصباح بنت ناصر زوجةً لابنه الأكبر
الأمير عبد الله (ملك الأردن لاحقًا، 1882-1951). انتقلت مع زوجها إلى
إسطنبول عقب انتخابه عضوًا في
مجلس المبعوثان. ومع انطلاق
الثورة العربية الكبرى عام 1916، عادت إلى مكة المكرمة لتُقيم مع أُسرة عمّها طوال مدة غياب زوجها في الميدان.
المرحلة السورية
في كانون الأول/ ديسمبر 1918، انتقلت حزيمة بنت ناصر للعيش في
دمشق رفقة أبنائها، بعد تنصيب الأمير فيصل حاكمًا على سوريا في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه. وصلت الأُسرة إلى دمشق، وكانت تضمّ الأميرات عزّة (مواليد 1906)، ورفيعة (مواليد 1910)، وراجحة (مواليد 1907)، والأمير غازي (1912-1939) الذي كان في السادسة من عمره آنذاك[1]. لم يكن فيصل في استقبال أُسرته عند وصولها، نظرًا إلى سفره قبل أيام إلى
فرنسا لحضور
مؤتمر الصلح المنعقد في
باريس، فأوكل مهمّة استقبالهم إلى أستاذه الدمشقي
صفوت العوا {{صفوت العوا: ضابط سابق في الجيش العثماني من دمشق، من أعضاء الجمعية القحطانية. عَيَّنه الشريف حسين مُعلّمًا لأبنائه، ثم صار كبير أُمناء الملك فيصل، وظلَّ ملازمًا للملك حتى وفاته.}}[2].
أقامت حزيمة في منزلٍ في منطقة
العفيف، حيث انخرطت في مجتمع المدينة من خلال لقاءات دورية مع عدد من الشخصيات النسائية البارزة، من بينهن:
ماري عجمي صاحبة
مجلة العروس، وأسماء عيد (زوجة وزير المالية
فارس الخوري)، وزهراء اليوسف (شقيقة أمير الحاج
عبد الرحمن باشا اليوسف)[3].
صورة رسمية للملك فيصل الأول ملكًا على سوريا، دمشق، 1920؛ يُحيط بها التاج الملكي وعلم المملكة السورية العربية ذو النجمة السباعية.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وعلى الرغم من هذه اللقاءات الاجتماعية، لم تشارك في العمل السياسي المعلن أو تظهر في الفعاليات والمراسم الرسمية العامة، فلم تظهر رفقة الأمير -ثم الملك فيصل- في أي مناسبة رسمية، بما في ذلك مراسم تتويجه ملكًا على سوريا في 8 آذار/ مارس 1920[4]، وهو الحفل الذي اقتصر فيه الحضور من أُسرته على ابنه الأمير غازي. تركَّزت اهتمامات حزيمة في تلك المرحلة على الشؤون الأسرية، ولا سيما رعاية ابنتها الأميرة رفيعة، التي أُصيبت بالشلل في إثر حادثة سقوطٍ من يد إحدى الخادمات، وهي الإصابة التي رافقتها حتى وفاتها التي أعقبت وفاة والدها بمدة وجيزة[5].
المرحلة العراقية
بعد زوال المملكة السورية العربية وفرض
الانتداب الفرنسي عام 1920، غادرت حزيمة دمشق عائدة إلى
الحجاز، حيث أقامت مع عمِّها الشريف حسين بن علي. في هذه الأثناء، تُوِّج فيصل ملكًا على العراق عام 1921، وبعد تثبيت دعائم حكمه في
بغداد، استدعى أُسرته للالتحاق به، وقد أوفد مدير الشرطة
أحمد الراوي لمرافقتهم من الحجاز إلى العراق، فوصلوا في كانون الأول/ ديسمبر 1924[6].
أشارت المستشارة البريطانية للملك فيصل
غيرترود بيل (Gertrude Bell، 1898-1926) في مذكّراتها إلى جوانب من المشاعر الشخصية للملك تجاه هذا اللقاء المرتقَب، إذ كتبت: "أعتقد أن الملك يشعر بمللٍ شديدٍ ويخاف من وصول الأُسرة، لكن بما أنه سيكون غائبًا لأسبوع، فإن اللحظة السيئة لم تحن بعد"[7]. كذلك ذكرت في مواضع أخرى أن الملك كان يخجل بالملكة حزيمة، وقد عَبَّر عن هذا الشعور أمامها في تموز/ يوليو 1921[8].
اتَّسَمت العلاقة بين الملكة حزيمة والمستشارة البريطانية بيل بالتوتر، إذ تُشير المصادر إلى وجود غيرة متبادلة ناتجة من تدخّل بيل في تربية الأبناء، وشراء الهدايا لهم من متجر
هارودز (Harrods) في
لندن[9]. ونقلت بعض المذكرات المعاصرة شائعات ترددت آنذاك بشأن صِلات عاطفية للملك بسيدات أجنبيات[10]. وقد عزَّز غياب الملك الطويل عن زوجته حزيمة هذه الإشاعات، حتى ذهبت بيل في مذكّراتها إلى حدِّ القول: "يمكننا القول إن فيصل ليست له زوجة"[11].
وفي تقييمه لهذه العلاقة، يذكر المؤرِّخ العراقي
علي العلاوي أن الزواج لم يكن قائمًا على الحبّ، مُشيرًا إلى أن حُزيمة لم تنجح في خلق بيئة استقرار منزلي تجذب الملك، عادًّا أنها لم تكن تتمتّع بجمال لافت، أو مهارات في تدبير شؤون القصر التي تتوافق مع تطلّعات الملك فيصل في تلك المرحلة.[12]
تفاقمَ الخلافُ بين الملكة حزيمة والمستشارة البريطانية بيل، وصولًا إلى مواجهة مباشرة بينهما؛ إذ اتَّهمتها الملكة بالسعي لتزويج فيصل من سيدة عراقية من آل صفوت. وردًّا على ذلك، اتّخذت الملكة قرارًا حازمًا بمنع السيدة المذكورة من دخول القصر نهائيًا. وقد وَثَّق المفوض البريطاني بالوكالة، السير
هنري دوبس (Henry Dobbs، 1871-1934) هذه الأزمة في مراسلاته الخاصة إلى زوجته، واصفًا أجواء التوتر الأسري في البلاط؛ إذ كتب: "حظرت الملكة نهائيًا على السيدة صفوت دخول القصر، وخاضت مع فيصل مشاجرة عنيفة أصابت أعصابه. فيصل يعيش في بؤس شديد، بينما تغار الملكة بشراسة، لأنه قَبَّل غيرترود على خدَّيْها البارحة.[13]"
الوفاة
في مرحلة متقدّمة من حياتها في العراق، بدأ دَوْر الملكة حزيمة يبرز أكثر في المجال العامّ، ففي عام 1933 رعت افتتاح الفرع النسائي من
جمعية الهلال الأحمر العراقي {{جمعية الهلال الأحمر العراقي: تأسَّست عام 1932 بجهود أرشد العمري، ونالت اعترافًا دوليًا عام 1934. وهي منظمة إنسانية تطوّعية مستقلة، تهدف إلى تخفيف المعاناة وتقديم الإغاثة والخدمات الطبية للمتضرّرين في السِّلْم والحرب والكوارث من دون تمييز، وتتمتَّع شارتها بحماية اتفاقيات جنيف الدولية.}}[14]. وعقب وفاة الملك فيصل الأول في 8 أيلول/ سبتمبر 1933، اعتلى نجلها الأمير غازي عرش العراق، وصارت زوجتُه
الملكة علياء ملكةً على العراق، بينما نالت حزيمة لقب "الملكة الأمّ" حتى وفاتها في 27 آذار/ مارس 1935. وقد نقل
الأمير عادل أرسلان في مذكّراته تفاصيلَ تلك اللحظات كما سمعها من الملك غازي مباشرةً، إذ ذكر أنها كانت بصحّة جيدة صباح يوم وفاتها، وأنها فتحت نوافذَ غرفتها بنفسها، وعند شروعها في الوضوء شعرت بوعكة مفاجِئة، وطلبت زجاجة كولونيا، وعندما عادت الخادمة إليها كانت قد فارقت الحياة[15].
المراجع
العربية
أرسلان، عادل.
مذكرات الأمير عادل أرسلان 1934-1945. تحقيق يوسف أيبش. بيروت: الدار التقدمية للنشر، 1983.
الشيخ علي، فائق.
مذكرات وريثة العروش الأميرة بديعة ابنة الملك علي. ط 5. لندن: دار الحكمة، 2011.
مبيض، سامي مروان.
سكة الترامواي: طريق الحداثة مرّ بدمشق. بيروت: دار رياض نجيب الريس، 2022.
الأجنبية
Allawi, Ali A.
Faisal I of Iraq. New Haven: Yale University Press, 2014.
Bell, Gertrude Lowthian.
A Woman in Arabia: the writings of the Queen of the Desert. Georgina Howell (ed.). New York: Penguin Books, 2015.
Efrati, Noga.
Women in Iraq: Past Meets Present. New York: Columbia University Press, 2012.
Thompson, Elizabeth F.
How the West Stole Democracy from the Arabs: the Syrian Arab Congress of 1920 and the destruction of its historic liberal-Islamic alliance. New York: Atlantic Monthly Press, 2020.
[1] سامي مروان مبيض،
سكة الترامواي: طريق الحداثة مرّ بدمشق (بيروت: دار رياض نجيب الريس، 2022)، ص 61.
[2] المرجع نفسه.
[3] المرجع نفسه، ص 66.
[4] Elizabeth F. Thompson,
How the West Stole Democracy from the Arabs: the Syrian Arab Congress of 1920 and the destruction of its historic liberal-Islamic alliance (New York: Atlantic Monthly Press, 2020), p. 425.
[5] فائق الشيخ علي،
مذكرات وريثة العروش الأميرة بديعة ابنة الملك علي، ط 5 (لندن: دار الحكمة، 2011)، ص 222.
[6] Gertrude Lowthian Bell,
A Woman in Arabia: the writings of the Queen of the Desert, Georgina Howell (ed.) (New York: Penguin Books, 2015), p. 234.
[7] Ali A. Allawi,
Faisal I of Iraq (New Haven: Yale University Press, 2014), p. 468.
[8] Bell, p. 252.
[9] Ibid., p. 234.
[10] الشيخ علي، ص 223.
[11] Allawi, p. 431.
[12] Ibid., p. 468.
[13] Ibid.
[14] Noga Efrati,
Women in Iraq: Past Meets Present (New York: Columbia University Press, 2012), p. 468.
[15]عادل أرسلان،
مذكرات الأمير عادل أرسلان 1934-1945، تحقيق يوسف أيبش، ج 1 (بيروت: الدار التقدمية للنشر، 1983)، ص 90.