تسجيل الدخول

الحوسبة الكمية

(Quantum Computing)

​

الموجز

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الحوسبة الكمية (Quantum Computing​) نموذج حاسوبي يعتمد على مبادئ ميكانيكا الكم، مثل: التراكب والتشابك، لمعالجة المعلومات. وتشير الدراسات إلى إمكانية تحقيق تفوق في بعض المسائل المحددة مقارنة بالحوسبة الكلاسيكية. وتشمل تطبيقاتها المحتملة مجالات، مثل: التشفير وتحليل البيانات. وقد ظهرت منصات الحوسبة الكمية السحابية التي تتيح الوصول إلى هذه الأنظمة عن بُعد، وهذا ما أسهم في انتقالها من الإطار النظري إلى تطبيقات أولية.

نظرة عامة على الحوسبة الكمية

الحوسبة الكمية نموذج حاسوبي، يهدف إلى معالجة المشكلات التي يصعب حلها باستعمال الحواسيب الكلاسيكية التقليدية بكفاءة عالية. تعتمد الحوسبة الكمية على الاستفادة من سلوك الجسيمات الكمية. وقد أظهرت دراسات تزايد الاهتمام العالمي بإمكاناتها، مع وجود دلائل أولية على تفوقها في بعض التطبيقات المحددة. ومن التطبيقات المحتملة لها: معالجة مسائل التشفير، وبعض مهام تحليل البيانات المعقدة. كذلك، بدأت خدمات الحوسبة الكمية السحابية (cloud computers) بالظهور مع وجود حسابات مجانية للباحثين. وقد وفرت بعض الشركات حواسيب كمية سحابية، وهذا ما يتيح للباحثين والمطورين الوصول إليها وتجربتها، من دون الحاجة إلى امتلاك الأجهزة المتقدمة باهظة الثمن. فضلًا عن ذلك، توفر بعض هذه الخدمات حسابات مجانية للباحثين، لتشجيع المزيد من الأبحاث والاكتشافات في هذا المجال. وقد أسهم ذلك في انتقال الحوسبة الكمية من إطارها النظري إلى مراحل تطبيقية أولية[1].

مفاهيمها الأساسية

في الحوسبة الكمية، يُعد البت الكمي أو كيوبت (Qubit) الذي يُعتبر المكافئ للبت (Bit) في الحوسبة الكلاسيكية، الوحدة الأساسية للمعلومات. الفرق الرئيس بين الكيوبت والبت الكلاسيكي يكمن في قدرة الكيوبت على الوجود في حالات متعددة في الوقت نفسه، بفضل خاصية التراكب الكمي (Quantum superposition). هذا التراكب هو ما يسمح بإجراء الحسابات الكمية عمليات حسابية على الحالتين ∣0⟩ و ∣1⟩ بصورة متزامنة. وغالبًا ما يُشار إلى ذلك باسم التوازي الكمي (Quantum Parallelism). إلى جانب التراكب الكمي، تُوجد ظاهرة أخرى تُعرف بالتشابك الكمي (quantum entanglement)، وهي الحالة التي يصبح فيها كيوبتان أو أكثر مترابطين، بحيث إن حالة أحدهما تحدد حالة الآخر، بغض النظر عن المسافة الفاصلة بينهما. هذا الترابط يمكن أن يكون مفيدًا في تطبيقات متنوعة، مثل: التشفير الكمومي، ونقل المعلومات الكمومية. وهذا ما يمهد الطريق لابتكارات في مجال التكنولوجيا والحوسبة. ويمكن تمثيل الكيوبت عن طريق خواص الجسيمات الكمية، على سبيل المثال: استقطاب الفوتونات (polarization of photons)[2].

تُستعمل صيغة ديراك (Dirac notation) بشكل عام لوصف حالة الكيوبت على النحو التالي: \(|\psi ⟩ = \alpha |0⟩ + \beta |1⟩\)، حيث \(\alpha \) و \(\beta \)عددان مركبان (Complex number) يُعرفان بالسعات الاحتمالية (Probability amplitude) للحالات الكلاسيكية: الصفر \(|0⟩\) والواحد \(|1⟩\) على التوالي. وتكون حالة الكيوبت مُطبَّعة (Normalized)، بحيث تحقق العلاقة: \(\left|\alpha \right|^{2}+ \left|\beta \right|^{2}= 1\). ولكن، عند قياس حالة الكيوبت \(|\psi ⟩\)، تُستخلص قيمة كلاسيكية واحدة فقط، هي: \(|0⟩\) أو \(|1⟩\)، باحتمالين مقدارهما \(\left|\alpha \right|^{2}\) و \(\left|\beta \right|^{2}\) على التوالي. وتكون عملية القياس عملية غير عكسية، إذ تنهار حالة الكيوبت إلى القيمة \(|0⟩\) أو \(|1⟩\) التي شُوهدت، وهذا ما يؤدي إلى فقدان معلومات السعات الاحتمالية الأصلية \(\alpha \) و \(\beta \)، ولا يمكن الرجوع إلى حالة الكيوبت الأصلية مرة أخرى[3].

البوابات والدوائر الكمية

تُمثل العمليات على الكيوبتات عادة بوساطة بوابات كمية (Quantum gates)، مشابهة للبوابات المنطقية (Logic gates) في الحوسبة الكلاسيكية. ومن أشهر هذه البوابات بوابة النفي (NOT Gate)، المعروفة أيضًا ببوابة باولي-إكس (Pauli-X)، وهي النظير الكمي لبوابة النفي في الدوائر الكلاسيكية (Classical circuits). عند تطبيق بوابة النفي على الحالة \(|\psi_0⟩ = \alpha |0⟩ + \beta |1⟩\)، تتحول الحالة إلى \(|\psi_1⟩ = \beta |0⟩ + \alpha |1⟩\). وتُمثَّل البوابات الكمية رياضيًا بوساطة مصفوفات وحدوية (Unitary Matrices)، في حين تُمثَّل الحالات الكمية بوساطة متجهات عمودية (Column vectors). وتُمثَّل بوابة نوت (بوابة النفي) بالمصفوفة \(\begin{pmatrix} 0 & 1 \\ 1 & 0 \end{pmatrix}\)، ويمكن التعبير عن العملية على النحو التالي:

\[|\psi_1⟩ = NOT(|\psi_0⟩) = \begin{pmatrix} 0 & 1 \\ 1 & 0 \end{pmatrix}\left(\frac{\alpha}{\beta}\right)\]

ومن البوابات الأساسية أيضًا بوابة هادامارد (Hadamard Gate) التي تحول \(|0⟩\) إلى \(\frac{1}{\sqrt{2}}(|0⟩ + |1⟩)\)، وهي حالة تراكب باحتمالين متساويين للحالتين \(|0⟩\) و \(|1⟩\)، وتحول \(|1⟩\) إلى \(\frac{1}{\sqrt{2}}(|0⟩ - |1⟩)\) [4].

يوضح (الشكل 1) دائرة كمية بسيطة، حيث تمثل الخطوط المفردة قنوات معلومات كمية، وتمثل الخطوط المزدوجة قنوات معلومات كلاسيكية، عادة بعد إجراء القياس. تُطبّق في هذه الدائرة بوابة هادامارد (H) على الحالة \(|0⟩\)، وهذا ما ينتج الحالة \(\frac{1}{\sqrt{2}}(|0⟩ + |1⟩)\) عند مخرج البوابة. وتؤدي عملية القياس إلى الحصول على إحدى القيمتين 0 أو 1 باحتمالين متساويين -أي: وفق مربع السعة الاحتمالية للحالة المقيسة- وبعد القياس تنهار الحالة إلى قيمة البت الكلاسيكي الملاحظة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

التداخل الكمي

يُعد التداخل الكمي (quantum interference) أحد المفاهيم الأساسية في الحوسبة الكمية، إذ يعتمد على التأثيرات الكمية التي تتداخل فيها احتمالات متعددة للوصول إلى نتائج معينة. عند استعمال البوابات الكمية، تُعدّل السعات الاحتمالية للمدخلات، وهو ما يُعرف بالتداخل الكمي. البوابات الكمية تعمل على الكيوبتات بطريقة مشابهة للبوابات المنطقية في الحوسبة التقليدية، ولكنها تستغل خصائص التراكب الكمي، والتشابك الكمي. وتهدف الخوارزميات الكمية إلى اختيار البوابات الكمية وترتيبها بطريقة مدروسة، تؤدي إلى توجيه محتوى الكيوبتات نحو الحالة المطلوبة. من خلال هذا التوجيه، يمكن تحقيق نتيجة حسابية محددة بكفاءة عالية. وتُصمَّم هذه الخوارزميات الكمية بحيث تستفيد من التداخل الكمي، لتضخيم الاحتمالات المطلوبة وتقليل الاحتمالات غير المرغوب فيها، وهذا ما يزيد من دقة النتائج النهائية وكفاءتها. هذا الأسلوب يمكّن الحواسيب الكمية من تنفيذ عمليات معقدة بسرعة تفوق الحواسيب الكلاسيكية في بعض الحالات، مثل: فك التشفير، وتحليل البيانات الكبيرة. التداخل الكمي ليس عنصرًا أساسيًا فقط، بل هو العامل الرئيس الذي يجعل الحوسبة الكمية قادرة على تحقيق قفزات نوعية في مجال الحوسبة[5].

الأنظمة متعددة الكيوبت والتشابك

يمكن توسيع فكرة الكيوبت لتشمل مجموعة من الكيوبتات، باستعمال مفهوم السجل الكمي (quantum register). يعيش السجل الكمي \(|\psi ⟩\)، المكون من \(n\) كيوبت، في فضاء هيلبرت، مركب بأبعاد \(2^{n}\). يُحدد السجل \(|\psi ⟩= \sum_{i=0}^{2^{n}-1} \alpha_{i}|i⟩\) بوساطة أعداد مركبة \(\alpha_{0},\ldots ,\alpha_{2^{n}-1}\)، حيث \(\sum \left|\alpha_{i}\right|^{2}= 1\). ترمز الحالة الأساس \(|i⟩\) إلى التشفير الثنائي للعدد الصحيح \( i\). ويُستعمل حاصل الضرب التنسوري \(⊗ \)(Tensor product) لدمج نظامين كموميين. على سبيل المثال، إذا كانت:

\(|\psi ⟩ = \alpha |0⟩ + \beta |1⟩\)

و \(|\phi ⟩ = \gamma |0⟩ + \delta |1⟩\)

فإن الحالة المركبة تُعطى بـ:

\(|η⟩ = |\psi ⟩ ⊗ |\phi ⟩ = \alpha \gamma |00⟩ + \alpha \delta |01⟩ + \beta \gamma |10⟩ + \beta \delta |11⟩\)[6].

يمكن أيضًا تعريف البوابات للعمل على عدة كيوبتات. على سبيل المثال، يوضح (الشكل 2) بوابة شائعة في الدوائر الكمية، وهي بوابة التحكم (Controlled Gate). في بوابة التحكم، تُنفّذ العملية -مثل التبديل- على الأسلاك، إذا كان خط المصدر/ التحكم \(|1⟩\) حصرًا. يمكن استعمال ذلك لتحقيق تشابك الكيوبتات معًا. الكيوبتات المتشابكة تكون مترابطة بعضها مع بعض، بمعنى أن المعلومات عن حالة كيوبت واحد ستكشف عن معلومات عن حالة الكيوبت الآخر غير المعروف، بغض النظر عن المسافة الفاصلة بينهما.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.














مثال على بوابات التحكم. يُبدّل محتوى الكيوبتات إذا كانت قيمة الكيوبت المصدر \(|1⟩\)

تُعد الدوائر الكمية من الأساليب الشائعة لتمثيل الخوارزميات الكمية، إذ تتكون من تسلسل من البوابات الكمية، كما في (الشكل 1). المدخل إلى الدائرة هو عدد من الكيوبتات (في سجلات كمية)، والبوابات تعمل عليها لتغيير حالة الدائرة المجمعة، باستعمال التراكب والتشابك والتداخل، للوصول إلى الحالة النهائية المطلوبة. وتكون الخطوة النهائية قياس حالة المخرجات النهائية، وهذا ما يكشف عن المعلومات المطلوبة[7].

مبدأ عدم الاستنساخ

يشير مبدأ عدم الاستنساخ (no cloning theorem) إلى أنه -بخلاف البتات الكلاسيكية- لا يمكن استنساخ البتات الكمية. هذا يعني أنه لا يمكن نسخ البت الكمي بحسب الحاجة، وهذا ما يؤدي إلى عدم وجود توزيع، كما هو الحال في الدوائر الكلاسيكية. ولهذا المبدأ تأثيرات كبيرة في تصميم الخوارزميات الكمية، إذ يتعين على المصممين أخذ هذا المبدأ في الاعتبار عند تطوير تقنيات الحوسبة الكمية. على سبيل المثال، يُعد مبدأ عدم الاستنساخ عنصرًا أساسيًا في التشفير الكمي، لأنه يمنع المتنصتين من إنشاء نسخ من مفتاح التشفير الكمي المُرسَل، وهذا ما يعزز من أمان الاتصالات الكمية. وهذا يعني أن أي محاولة لاختلاس المفتاح الكمي ستؤدي إلى اضطراب في حالته، وهو ما يمكن أن يكتشفه المرسِل والمستقبِل.

من ناحية أخرى، يجعل هذا المبدأ تقنيات تصحيح الأخطاء الكلاسيكية غير مناسبة للحالات الكمية، إذ تعتمد هذه التقنيات على القدرة على نسخ المعلومات، واستعمال النسخ للتصحيح. بدلًا من ذلك، يتعين تطوير تقنيات تصحيح أخطاء كمية خاصة، تتعامل مع هذا القيد، وتستفيد من خصائص الكم، مثل: التراكب الكمي والتشابك الكمي، للتغلب على الأخطاء المحتملة في أثناء عمليات الحوسبة الكمية[8].

أحد التحديات في بناء حاسوب كمي واسع النطاق هو فك الارتباط الكمي (quantum decoherence). وهو ظاهرة رئيسة في الحوسبة الكمية، تؤثر، بشكل كبير، في أداء الأنظمة الكمية واستقرارها. يحدث فك الارتباط عندما تتفاعل الكيوبتات مع بيئتها المحيطة، وهذا ما يؤدي إلى فقدان التراكب الكمي، والتشابك بين الكيوبتات. هذا التأثير يتسبب في تحول النظام الكمي إلى نظام كلاسيكي، حيث تختفي الفوائد الكمية الفريدة، مثل: التوازي الكمي، والتشابك. يمثل فك الارتباط تحديًا كبيرًا لتطوير الحواسيب الكمية، لذا يجب على الباحثين تصميم أنظمة قادرة على تقليل فك الارتباط إلى أدنى حد ممكن. وهناك عدة طرق لمواجهة هذا التحدي، منها: استعمال تقنيات التبريد الفائق لتقليل التفاعل مع البيئة، وتطوير خوارزميات تصحيح الأخطاء الكمية. فضلًا عن ذلك، يُبحث عن مواد وأجهزة جديدة ذات خصائص كمية مستقرة، وقادرة على تحمل فك الارتباط. من خلال مواجهة فك الارتباط بفعالية، يمكن تعزيز استقرار الحواسيب الكمية وموثوقيتها، وهو ما يسهم في تحقيق الإمكانات الكاملة لهذه التكنولوجيا المتقدمة[9].

تطبيقاتها

تفتح الحوسبة الكمومية أبوابًا في مجالات عدة. على سبيل المثال، في مجال اكتشاف الأدوية، يمكن للحواسيب الكمومية محاكاة تفاعلات الجزيئات المعقدة بدقة هائلة[10]، وهذا ما قد يقلص زمن تطوير دواء جديد من عشر سنوات إلى بضعة أشهر فقط، وهذا يعني إيجاد علاجات سريعة لأمراض، مثل: السرطان، والزهايمر، والسكري. وفي مجال الطاقة، قد تساعد الحوسبة الكمومية على تصميم بطاريات أكثر كفاءة للسيارات الكهربائية، بفضل قدرتها على محاكاة مواد جديدة خفيفة الوزن وسريعة الشحن[11]، ويمكنها أيضًا تطوير ألواح شمسية تحوّل ضوء الشمس إلى كهرباء بضعف الكفاءة الحالية، وهذا ما يسرع الانتقال إلى مستقبل نظيف وخالٍ من الوقود الأحفوري. وفي مجال النقل والخدمات اللوجستية، تستطيع الحواسيب الكمومية إيجاد المسار الأمثل لملايين الشاحنات والطائرات في ثوانٍ معدودة[12]، وهو ما يقلل استهلاك الوقود والانبعاثات الضارة بنسبة كبيرة جدًا، ويحل مشكلة ازدحام المدن الكبرى. وفي مجال الزراعة، يمكن محاكاة عملية التركيب الضوئي التي تقوم بها النباتات، لتطوير محاصيل أكثر مقاومة للجفاف والآفات[13]، وبالتالي تسهم في القضاء على الجوع في مناطق كثيرة من العالم.

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، تعمل الحوسبة الكمومية على تسريع تدريب النماذج الضخمة التي تحتاج إلى أسابيع وأجهزة كبرى عديدة[14]، وهو ما يفتح المجال لظهور تطبيقات ذكية أكثر دقة وقدرة على حل المشكلات الإنسانية المعقدة. وفي مجال التنبؤ بالطقس والتغير المناخي، تستطيع الحواسيب الكمومية محاكاة تفاعلات الغلاف الجوي والمحيطات على المستوى الجزيئي[15]، وهذا ما يعطي تنبؤات أدق بكثير عن الأعاصير والفيضانات والجفاف، ويساعد الحكومات على إنقاذ الأرواح قبل وقوع الكوارث.

وفي تطبيقات الحوسبة الكمومية في مجال الطاقة المتجددة، يمكن استعمال الحوسبة الكمية في تصميم مواد جديدة لتخزين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مدة طويلة مع تقليل الفاقد. وفي مجال الفضاء، يمكنها مساعدة وكالات الفضاء على حساب مسارات المركبات الفضائية بين الكواكب بدقة فائقة. وفي مجال علم المواد، يمكنها اكتشاف موصلات فائقة تعمل في درجة حرارة الغرفة، وذلك يعني نقل الكهرباء لمسافات بعيدة من دون أي فاقد، وهذا يغير شكل شبكات الطاقة في العالم بأكمله.

وفي مجال التشفير، يُعد التشفير الكمومي حجر الزاوية في أمن المعلومات. فعندما تُرسل كلمة سر مصرفية من خلال الإنترنت، تعتمد الخوارزميات الكلاسيكية على تعقيد الرياضيات لحماية البيانات، ويمكن لحاسوب كمومي قوي أن يخترق هذه الحماية بسهولة. وهنا، يأتي دور التشفير الكمومي، وبالتحديد بروتوكول "التوزيع الكمومي للمفتاح"[16]. يعتمد هذا البروتوكول على مبدأ التشابك الكمومي، وسلوك الجسيمات الكمومية، بحيث إن أي محاولة للتجسس على الرسالة ستدمر المعلومات نفسها فورًا (طبقًا لمبدأ عدم الاستنساخ)، وهذا ما ينبه المرسل والمستقبل، ويوفر أمانًا نظريًا مطلقًا لا يمكن اختراقه مهما كانت قوة الحاسوب المستعمَل. عند إرسال رسالة سرية، يمكن تحويلها إلى رموز باستعمال مفتاح سري. وفي التشفير الكمومي، يُرسَل هذا المفتاح من خلال جسيمات ضوئية مرتبطة بتشابك كمومي، وعند تعرض المفتاح للتجسس وقراءة هذه الجسيمات، تتغير حالتها بشكل لا يمكن إخفاؤه، فيكتشف المرسِل والمرسَل إليه فورًا وجود متطفل، وتتوقف عملية الإرسال. هذا النوع من الأمان مطلوب بشدة في المجالات الحساسة، كالخدمات المصرفية، والصحية، والعسكرية، وفي الانتخابات التي تجريها الدول لتحقيق نزاهة أعلى.

على الجانب الآخر، توجد خوارزمية شور التي اخترعها بيتر شور (Peter Shor)[17] عام 1994، وهي خوارزمية كمومية قادرة على تحليل الأعداد الكبيرة جدًا إلى عواملها الأولية (prime numbers) بسرعة هائلة. وتكمن أهمية هذا في أنّ المعاملات المصرفية والاتصالات المشفرة على الإنترنت، تعتمد على فكرة أن الحواسيب العادية تحتاج إلى آلاف السنين، لتحليل رقم كبير مكون من مئات الخانات. لكن، باستعمال خوارزمية شور على حاسوب كمومي قوي بما فيه الكفاية يمكن حل هذه المشكلة في دقائق أو ثوانٍ. هذا يعني أن خوارزمية شور قد تجعل معظم أنظمة التشفير الحالية قديمة وغير صالحة للاستعمال. ولهذا السبب، يُعمل على تطوير التشفير ما بعد الكمي[18]، وهو جيل جديد من خوارزميات التشفير، يصمد أمام هجمات الحواسيب الكمومية، وإن كانت قوية جدًا. إلى جانب خوارزمية شور، تُوجد خوارزميات كمومية أخرى مهمة، مثل: خوارزمية غروفر(Grover)[19] التي يمكنها البحث في قواعد البيانات غير المرتبة، بشكل أسرع بكثير من أي حاسوب تقليدي، وذلك له تطبيقات في كسر بعض أنواع التشفير، وفي تسريع محركات البحث، وتحسين الذكاء الاصطناعي أيضًا.


[1] IBM Quantum Experience, “IBM Quantum Systems Overview,” IBM Quantum Documentation, accessed on 15/04/2026, at: https://acr.ps/hBy5P1o

[2] Chris Bernhardt, Quantum Computing for Everyone (Cambridge, MA: The MIT Press, 2019).

[3] Michael A. Nielsen & Isaac L. Chuang, Quantum Computation and Quantum Information, 10th Anniversary Edition (Cambridge: Cambridge University Press, 2010).

[4] Ibid.

[5] IBM Quantum Experience, op. cit.

[6] Ibid.

[7] Ibid.

[8] W. K. Wootters & W. H. Zurek, “A Single Quantum cannot be Cloned,” Nature, vol. 299 (October 1982), pp. 802–803.

[9] Maximilian Schlosshauer, “Quantum decoherence,” Physics Reports, vol. 831 (October 2019), pp. 1–57.

[10] Yudong Cao et al, “Quantum Chemistry in the Age of Quantum Computing,” Chemical Reviews, vol. 119, no. 19 (August 2019), pp. 10856–10915. https://doi.org/10.1021/acs.chemrev.8b00803.

[11] Matthew Kiser, Matthias Beuerle & Fedor Šimkovic, “Contextual Subspace Auxiliary-Field Quantum Monte Carlo: Improved Bias with Reduced Quantum Resources,” Journal of Chemical Theory and Computation, vol. 21, no. 5 (February 2025), pp. 2256–2271.

[12] Florian Neukart et al, “Traffic Flow Optimization Using a Quantum Annealer,” Frontiers in ICT, vol. 4, no. 29 (December 2017).

[13] Markus Reiher et al, “Elucidating Reaction Mechanisms on Quantum Computers,” Proceedings of the National Academy of Sciences, vol. 114, no. 29 (July 2017), pp. 7555–7560.

[14] Jacob Biamonte et al, “Quantum Machine Learning,” Nature, vol. 549 (September 2017), pp. 195–202.

[15] F. Tennie & T. N. Palmer, “Quantum Computers for Weather and Climate Prediction: The Good, the Bad, and the Noisy,” Bulletin of the American Meteorological Society, vol. 104, no. 2 (February 2023), pp. 488–500.

[16] Charles H. Bennett & Gilles Brassard, “Quantum Cryptography: Public Key Distribution and Coin Tossing,” Theoretical Computer Science, vol. 560 (December 2014), pp. 7–11.

[17] P. W. Shor, “Algorithms for Quantum Computation: Discrete Logarithms and Factoring,” paper presented at Proceedings of the 35th Annual Symposium on Foundations of Computer Science (FOCS ’94), USA, 1994, pp. 124–134.

[18] Daniel J. Bernstein, “Introduction to Post-Quantum Cryptography,” In: Daniel J. Bernstein, Johannes Buchmann & Erik Dahmen (eds.), Post-Quantum Cryptography (Berlin/ Heidelberg: Springer, 2009), pp. 1-14.

[19] Lov K. Grover, “A Fast Quantum Mechanical Algorithm for Database Search,” paper presented at Proceedings of the Twenty-Eighth Annual ACM Symposium on Theory of Computing - STOC ’96, 1996, pp. 212–219.

المراجع

Bennett, Charles H. & Gilles Brassard. “Quantum Cryptography: Public Key Distribution and Coin Tossing.” Theoretical Computer Science. vol. 560 (December 2014), pp. 7–11.

Bernhardt, Chris. Quantum Computing for Everyone. Cambridge, MA: The MIT Press, 2019.

Bernstein, Daniel J. “Introduction to Post-Quantum Cryptography.” In: Daniel J. Bernstein, Johannes Buchmann & Erik Dahmen (eds.). Post-Quantum Cryptography. Berlin/ Heidelberg: Springer, 2009.

Biamonte, Jacob et al. “Quantum Machine Learning.” Nature. vol. 549 (September 2017), pp. 195–202.

Cao, Yudong et al. “Quantum Chemistry in the Age of Quantum Computing.” Chemical Reviews. vol. 119, no. 19 (August 2019), pp. 10856–10915.

Grover, Lov K. “A Fast Quantum Mechanical Algorithm for Database Search.” paper presented at Proceedings of the Twenty-Eighth Annual ACM Symposium on Theory of Computing (STOC ’96). pp. 212-219.

IBM Quantum Experience. “IBM Quantum Systems Overview.” IBM Quantum Documentation. at: https://acr.ps/hBy5P1o

Kiser, Matthew, Matthias Beuerle & Fedor Šimkovic. “Contextual Subspace Auxiliary-Field Quantum Monte Carlo: Improved Bias with Reduced Quantum Resources.” Journal of Chemical Theory and Computation. vol.21, no. 5 (February 2025), pp. 2256–2271.

Neukart, Florian et al. “Traffic Flow Optimization Using a Quantum Annealer.” Frontiers in ICT. vol. 4, no. 29 (December 2017).

Nielsen, Michael A. & Isaac L. Chuang. Quantum Computation and Quantum Information. 10th Anniversary Edition. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.

Reiher, Markus et al. “Elucidating Reaction Mechanisms on Quantum Computers.” Proceedings of the National Academy of Sciences. vol. 114, no. 29 (July 2017), pp. 7555–7560.

Schlosshauer, Maximilian. “Quantum decoherence.” Physics Reports. vol. 831 (October 2019), pp. 1–57.

Shor, P. W. “Algorithms for Quantum Computation: Discrete Logarithms and Factoring.” paper presented at Proceedings of the 35th Annual Symposium on Foundations of Computer Science (FOCS ’94), USA, 1994, pp. 124–134.

Tennie, F. & T. N. Palmer. “Quantum Computers for Weather and Climate Prediction: The Good, the Bad, and the Noisy.” Bulletin of the American Meteorological Society. vol. 104, no. 2 (February 2023), pp. 488–500.

Wootters, W.K. & W. H. Zurek. “A Single Quantum cannot be Cloned.” Nature. vol. 299 (October 1982), pp. 802–803.


المحتويات

الهوامش