تسجيل الدخول

السند لأمر

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم

سند لأمر

المجال

القانون التجاري، الأوراق التجارية، القانون المدني

التعريف

صك يتضمن تعهدًا من المُحرِّر بدفع مبلغ معين من النقود للمستفيد أو لأمره في ميعاد محدد أو عند الاطلاع

الأطراف

المُحرِّر (المدين الأصلي)، المستفيد

الوظيفة

أداة وفاء وائتمان وتسهيل المعاملات

الصيغة

تعهد بالدفع وليس أمرًا بالأداء

الشروط

شروط موضوعية (أهلية، إرادة، سبب مشروع)

شروط شكلية (الكتابة والتوقيع)

الإطار الدولي

اتفاقيات جنيف 1930 و1931



السند لأمر ورقة تجارية لها دور محوري في الحياة الاقتصادية؛ إذ يُمثل أداة وفاء وائتمان تمنح الثقة بين المتعاملين، وتُسهل إنجاز المعاملات التجارية والمالية. وبموجب هذا السند يلتزم شخص يُعرَف بالمُحَرِّر بأن يدفع مبلغًا محددًا من النقود، إما في ميعاد معين أو عند الاطلاع، إلى شخص آخر يُدعى المُستفيد أو لأمره، من دون الحاجة إلى وجود طرف ثالث كما هو الحال في سند السحب أو الشيك. لهذه الوثيقة، رغم بساطتها من حيث الأطراف والإجراءات، حماية قانونية مقررة للأوراق التجارية؛ ما يجعلها وسيلة فعّالة لضمان الحقوق وتسريع تداول الأموال في السوق.

مفهوم السند لأمر

تعريفه

في أغلبية الدول لم يعرّف المشرّع السند لأمر، وإنما اكتفى بذكر البيانات الواجب توافرها فيه. وبناءً عليه، يمكن تعريف السند لأمر بأنه: "صك يُنظّم وفق شكل خاص حدّده القانون، يشتمل على تعهد صادر عن شخص يُدعى المُحَرِّر بدفع مبلغ معين من النقود، في ميعاد مُحدد أو قابل للتحديد عند الاطلاع، لأمر شخص آخر يُسمى المُستفيد"[1].

وذهب البعض الآخر إلى تعريفه بأنه: "مُحَرَّر مكتوب يلتزم بموجبه شخص يُسمى المُحَرِّر بأن يدفع لأمر شخص آخر يدعى المستفيد مبلغًا معينًا من النقود في ميعاد محدد، ويمكن كتابته وفقًا لنماذج متعددة، فالمشرّع لم يحدد نموذجًا معينًا لكتابة السند لأمر"[2].​​

خصائصه

  1. السند لأمر ثنائي الأطراف

يقوم السند لأمر على طرفين رئيسين تربطهما علاقة قانونية مباشرة، وهما: المُحَرِّر، وهو الشخص الذي يُنشئ السند، ويُعدُّ المدين الأصلي بموجبه، إذ يتعهد بدفع مبلغ معين من المال؛ المستفيد، وهو من يجب الوفاء له أو لأمره[3]. ويتميز المُحَرِّر في السند لأمر بأنه يجمع بين صفتي الساحب والمسحوب عليه (وهو طرف ثالث موجود في بقية الأوراق التجارية، مثل سند السحب والشيك)، نظرًا إلى كونه من يتعهد بالدفع من دون تدخل طرف ثالث.

  1. السند لأمر لا يخضع للقبول

يتميز السند لأمر عن بقية الأوراق التجارية بأنه لا يمرّ بإجراء القبول، وذلك لأن مُحَرِّره هو المدين الأصلي فيه، والمُلزَم بالدفع عند حلول الآجل[4]. فعلى سبيل المثال، في سند السحب يُوجَّه الأمر من الساحب إلى المسحوب عليه ليقبل الالتزام بالدفع، أما في السند لأمر، فإن المُحَرِّر يلتزم مباشرةً بدفع المبلغ للمستفيد أو لأمره من دون الحاجة لعرضه على أحد للقبول. وهذه الصفة تُبسّط التعامل بالسند لأمر، وتختصر الإجراءات، وتمنح المستفيد ضمانة مباشرة، إذ ينشئ التزام المُحَرِّر بالدفع منذ لحظة كتابة السند.

  1. ورود السند لأمر بصيغة التعهد لا الأمر بالأداء

يُحَرَّر السند لأمر بصيغة التعهد بالدفع، حيث يلتزم المُحَرِّر (المدين الأصلي) بدفع مبلغ معين من النقود في تاريخ محدد لصالح المستفيد أو لأمره، وتأتي صيغة الالتزام فيه بعبارات واضحة مثل: "أتعهد بالدفع أو ألتزم بالدفع".

أما في بقية الأوراق التجارية فإن الصيغة تأتي على شكل أمر بالأداء، إذ يُوجه الساحب أمرًا إلى المسحوب عليه لدفع مبلغ من المال لصالح المستفيد، مثل: "ادفعوا لأمر فُلان".

كما يجب أن يكون هذا التعهد باتًا وغير مُعلّق على شرط، سواءٌ أكان شرطًا فاسخًا أم واقفًا؛ لأنه إذا كان معلقًا على شرط، أو كان المبلغ غير معين تعيينًا كافيًا، سيؤدي إلى بطلان السند بوصفه ورقة تجارية، ويمكن أن يُعد بمنزلة سند عادي تسري عليه أحكام القواعد العامة في السندات[5].

  1. السند لأمر لا يكون دائمًا ذا طبيعة تجارية

طبيعة السند لأمر تعتمد على سبب إنشائه وصفة أطرافه؛ فيكون تجاريًا إذا حُرِّرَ بمناسبة عمل تجاري، أو إذا كان أحد طرفيه تاجرًا وأُنشِئَ بسبب تجارته، وفي هذه الحالة يخضع لأحكام قانون التجارة من حيث الالتزامات والتقادم وطرق التداول والدفوع الصرفية. ويكون السند لأمر مدنيًا إذا كان مُحَرَّرًا عن علاقة مدنية بحتة، مثل القروض الشخصية بين الأفراد أو المعاملات العائلية التي لا علاقة لها بالتجارة، وهنا يخضع للقواعد العامة في القانون المدني، وليس إلى القواعد والأحكام المتعلقة بالأوراق التجارية.

أما باقي الأوراق التجارية، مثل الشيك وسند السحب، فتكون ذات صفة تجارية دائمًا حتى ولو كانت ناشئة عن علاقة مدنية بحتة، أو كانت مُحَرَّرة بين أشخاص غير تجار (مع استثناءات فقهية وقضائية).

إنشاء السند لأمر

يتطلب إنشاء السند لأمر توافر نوعين من الشروط: الموضوعية والشكلية.

الشروط الموضوعية

يتطلب نشوء الالتزام الصرفي المُترتب على التوقيع على السند لأمر توافر مجموعة من الشروط الموضوعية اللازمة لصحته، وأهمها الشروط الأهلية القانونية اللازمة للالتزام الصرفي، وهي بلوغ سن الرشد المقرر قانونًا، ووجود إرادة سليمة خالية من أي عيب من عيوب الإرادة، مثل الغش، والغلط، والإكراه والتدليس، ووجود محل ممكن ومشروع للالتزام، إضافة إلى سبب مشروع لتحرير السند لأمر.

ويُشترط أن يكون المُوقِّع مفوضًا أو ذا صلاحية للتوقيع؛ وذلك إذا قام بتحرير السند والتوقيع عليه لحساب شخص آخر، وهذه الشروط في مجموعها تمثل المتطلبات الموضوعية اللازمة لصحة إنشاء السند[6].

الشروط الشكلية

يُعدّ السند لأمر صكًَّا مكتوبًا، ويأتي في الغالب على شكل سند عادي يُحرّر من طرف المُحَرِّر بخط يده، أو يحرّره الطرف المستفيد، ولكن بشرط توقيع المُحَرِّر[7].

ولا يحول القانون دون تنظيم السند لأمر لدى الكاتب بالعدل، فيكتسب عندئذٍ صفة السند الرسمي، غير أن اللجوء إلى هذا الأسلوب يظل محدودًا في التطبيق العملي، نظرًا إلى ما يترتب عليه من إجراءات زمنية وتكاليف إضافية مقارنةً بالسند العادي[8].

البيانات الإلزامية

حتى يُعد السند لأمر ورقة تجارية صحيحة، لا يكفي أن يرد في صك مكتوب، بل لا بد من توافر مجموعة من البيانات الإلزامية التي نص عليها قانون التجارة في معظم التشريعات العربية والأجنبية، ويترتب على إغفالها بطلان صفته بوصفه سندًا تجاريًا، وهذه البيانات الإلزامية هي:

  1. شرط لأمر أو جملة "سند لأمر"
    نماذج سند لأمر

    حذف الصورة؟

    سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

يجب أن يتضمن السند جملة "سند لأمر" مكتوبة في متن السند، وباللغة المُستعملة في تحريره؛ حتى لا يختلط مع أي مُحَرَّر آخر[9].

  1. التعهد بلا قيد أو شرط بدفع مبلغ معين من النقود

يجب أن يتضمن السند التزام المُحَرِّر بدفع مبلغ محدد من النقود من دون تعليق على شرط، ويترتب على تعليق التعهد على شرط فقدان السند لأمر صفتُه بكونه ورقة تجارية وتَحوُّلُهُ إلى تعهد عادي معلّق على شرط يخضع للقواعد العامة[10].

  1. تاريخ الاستحقاق ومكانه

يُعد ميعاد الاستحقاق من البيانات الجوهرية في السند لأمر؛ إذ يُحدِد اللحظة الزمنية التي يلتزم فيها المُحَرِّر بالوفاء بقيمته لصالح المُستفيد أو الحامل الشرعي. ويكون السند لأمر مُستَحَقَّ الوفاء؛ إما لدى الاطّلاع، أو بتحديد مدة معينة من تاريخ الاطّلاع. فإذا خلا السند من بيان ميعاد الاستحقاق، عُدّ مُستحقًا للوفاء عند الاطّلاع بحكم القانون.

أما سندات الأمر مُستحقة الوفاء بعد مدة معينة من الاطّلاع، فيلزم عرضها على المُحَرِّر خلال سنة من تاريخ إنشائها للحصول على تأشيرته بما يُفيد الاطلاع، ويُحتَسب بدء سريان مدة الاستحقاق من تاريخ هذا التأشير، فإذا امتنع المُحَرِّر عن وضع التأشير المُؤرَّخ، تعين إثبات هذا الامتناع بواسطة ورقة احتجاج، ويُعد تاريخ الاحتجاج في هذه الحالة الأساسَ لبدء سريان مدة الاطّلاع.

أما بالنسبة إلى مكان الوفاء، فلا بد من تحديده، وذلك حتى يعلم الحامل للسند أين يتوجه للمطالبة به، ومن الضروري ذكر مكان الوفاء للقيام بالإجراءات القانونية في حالة عدم الدفع[11].

  1. اسم من يجب الوفاء له أو لأمره

يجب أن يُعيّن في السند لأمر اسم المستفيد منه، غير أن القانون لا يُجيز إصدار سند لأمر لحامله[12]، إذ يتعين أن يكون المستفيد محددًا بالاسم صراحةً، كأن يُقال: "أتعهد بأن أدفع لأمر السيد فُلان، أو أتعهد بأن أدفع بموجب السند لأمر هذا إلى السيد فُلان"[13]، ولا يجوز للمُحَرِّر أن ينصِّب من نفسه مستفيدًا من السند؛ لأن هذا الأمر يتعارض مع طبيعته بوصفه التزامًا صرفيًّا يقوم بين طرفين مختلفين.

  1. توقيع المُحَرِّر

يمثل التوقيع الدليل الرئيس على التزام المُحَرِّر بالوفاء، وبدونه لا يكون السند صحيحًا.

  1. تاريخ الإنشاء ومكانه

الغرض من ذكر تاريخ الإنشاء هو تحديد أهلية المُحَرِّر وقت الإنشاء، وتحديد بدء سريان المواعيد القانونية. أما مكان الإنشاء فالغاية منه تحديد القانون الواجب التطبيق عند نشوب منازعات حول السند، ولا سيما في حال وجود عنصر أجنبي.

البيانات الاختيارية

إلى جانب البيانات الإلزامية التي لا يقوم السند من دونها، قد يتضمن السند لأمر بيانات إضافية اختيارية، وهي غير ضرورية لصحته، ولكن من الممكن أن تُضاف لتوضيح بعض الالتزامات أو لتنظيم آثار معينة بين الأطراف، ومن أبرز هذه البيانات:

  • شرط الفائدة.
  • شرط الرجوع دون مصاريف.
  • شرط الدفع في محل مختار.
  • شرط وصول القيمة، وغيرها من الشروط والبيانات الاختيارية.

تداول السند لأمر

التظهير

لم تُعرِّف أغلب التشريعات عملية التظهير، ولكن وردت العديد من التعريفات الفقهية حول هذا الأمر، ومنها تعريف الفقه الإنكليزي الذي عرّف التظهير بأنه "كتابة تُدوّن على ظهر الورقة التجارية، ويُعد وسيلة من وسائل تداولها، إذ يقوم من سُحِبت له الورقة بالتوقيع على ظهرها وتسليمها إلى المُظهَّر إليه؛ مما يترتب عليه انتقال الحقوق الثابتة فيها وفقًا لأحكام القانون"[14]. ويُعرّف كذلك بأنه "بيان يكتبه المظهِّر على السند لأمر تنتقل بواسطته ملكية الحق الثابت به إلى المظهَّر إليه"[15].

 أنواع التظهير

هناك نوعان رئيسان للتظهير، وهما التظهير الناقل للملكية (التظهير التام)، والتظهير غير الناقل للملكية أو الحق.

  1. التظهير الناقل للملكية

يعدّ التظهير الناقل للملكية أشيع أنواع التظهير من الناحية العملية، ويُقصد به انتقال الحق الثابت في سند لأمر من المظهِّر إلى المظهَّر إليه، وذلك عن خلال الكتابة على ظهر السند أو على ورقة متصلة به بما يفيد نقل هذا الحق، ويترتب على تظهير السند انتقال جميع الحقوق الثابتة فيه إلى المظهَّر إليه.

يجب توافر عدة شروط للتظهير الناقل للملكية، أولها أن يكون المظهِّر متمتعًا بالأهلية القانونية الكاملة، وهي بلوغ سن الرشد المقرر قانونًا، ووجوب أن تكون إرادته صحيحة وخالية من أي عيب من عيوب الإرادة. كما ينبغي أن يكون التظهير كاملًا؛ أي أن يرِدَ على قيمة السند لأمر كاملةً دون تجزئة، فلا يجوز تظهير جزء من المبلغ فقط، وإلا كان التظهير باطلًا. كما يجب خلو التظهير من الشروط، فالأصل أن يكون التظهير غير معلق على شرط، فإن عُلق على شرط يُعدُّ الشرط كأنه لم يكن، ويبقى التظهير صحيحًا[16].

وثمةَ أشكال عدة للتظهير التام نذكر منها:

أ‌. التظهير الاسمي: وهو التظهير الذي يُذكر فيه اسم المظهَّر إليه، مثل (ادفعوا للسيد فُلان).

ب‌. التظهير على بياض: وفي هذا الشكل من التظهير يكتفي المظّهِّر بتوقيعه من دون ذكر اسم المظهَّر إليه أو تحديده.

  1.  التظهير غير الناقل للملكية

وهذا النوع من التظهير لا يُقصد به نقل الحق الثابت في السند إلى المُظَهَّر إليه، وإنما يُستخدم لأغراض مُحددة، وينقسم إلى نوعين رئيسين، وهما التظهير التوكيلي والتظهير التأميني.

  • التظهير التوكيلي: ويُقصد به أن يتصرف المُظَهَّر إليه بوصفه وكيلًا لتحصيل الحق الثابت في السند لأمر نيابةً عن المُظَهِّر، ويُشترط أن يُصاحب هذا التظهير جملة توضح هذا الغرض، مثل: "التظهير للتوكيل"، أو "القيمة للقبض"، أو "القيمة للتحصيل"، أو أي تعبير آخر يُعبر عن المعنى نفسه.
  • التظهير التأميني: وهو نوع من أنواع التظهير لا ينقل ملكية الحق الثابت في السند لأمر بشكل كامل، بل يتم بموجبه تحويل السند إلى المظهَّر إليه بوصفه ضمانًا لدَين له في ذمة المظهِّر أو غيره.

الالتزام الصرفي بالسند لأمر

لا بد من التمييز بين الالتزام الصرفي من جهة، والعلاقة القانونية الأصلية التي حُرِّرَ السند لأمر بموجبها من جهة أخرى، فلكلٍ منهما من طبيعة وأحكام وآثار قانونية مختلفة. وبيانهما كما يلي:

  1.  الالتزام الصرفي

يُعد الالتزام الصرفي التزامًا مستقلًا وقائمًا بذاته، ينشأ بمجرد تحرير السند لأمر وتوقيعه من المُحَرِّر، ويخضع لأحكام القانون التجاري والقواعد الخاصة بالأوراق التجارية، ويستند هذا الالتزام إلى مبدأين رئيسين: استقلال التواقيع، وحسن النية في التداول.

وبمقتضى هذا الاستقلال، يلتزم المُحَرِّر بالوفاء بقيمة السند لأمر تجاه الحامل حَسَن النية التزامًا مجردًا عن سببه، بحيث لا يتأُثر هذا الالتزام بما قد يشوب العلاقة الأصلية التي صدر الشيك في إطارها من بطلان أو قابلية للإبطال أو أي نزاع آخر، ولا بالدفوع الشخصية الناشئة بين أطراف تلك العلاقة، فالحامل الذي يتلقى السند لأمر من طريق التظهير وبحسن نية، يتمتع بحماية قانونية كاملة، ولا يجوز المساس بحقوقه استنادًا إلى مشكلات سابقة لم يكن طرفًا فيها.

ويرتبط الالتزام الصرفي ارتباطًا وثيقًا بمبدأ جوهري هو "مبدأ تطهير الدفوع"، الذي يُعد أحد الركائز الرئيسة لنظام الأوراق التجارية، ويقضي هذا المبدأ بعدم جواز الاحتجاج في مواجهة الحامل حسن النية بالدفوع الشخصية المستمدة من العلاقات القانونية السابقة بين أطراف الورقة التجارية، سواءٌ أتعلقت بالعلاقة الأصلية أم بعلاقات تداول سابقة. غير أن هذا التظهير لا يمتد إلى جميع الدفوع؛ إذ تبقى الدفوع الصرفية أو الموضوعية، كالدفع بانعدام أحد الأركان الشكلية للسند لأمر، أو بتزوير توقيع المُحَرِّر، جائزةَ الاحتجاج في مواجهة الكافة، بمن فيهم الحامل حسن النية، وذلك لارتباطها الوثيق بالورقة التجارية ذاتها لا بالعلاقات الشخصية بين أطرافها.

  1.  العلاقة القانونية الأصلية

أما بالنسبة إلى العلاقة الأصلية، فهي الرابطة القانونية التي سبقت إصدار السند لأمر، وقد تكون علاقة بيع أو وفاء دين أو غيرها، وتخضع في الغالب إلى القواعد العامة في القانون المدني، وتمثل هذه العلاقة السبب القانوني الذي من أجله حُرِّر السند، غير أن آثارها تبقى محصورة بين أطرافها، ولا تمتد إلى الحامل الجديد حسن النية. ولا تؤثر هذه العلاقة، من حيثُ صحتها أو بطلانها أو تنفيذها في قوة الالتزام الصرفي الناشئ عن السند لأمر، ما دامت الورقة التجارية قد انتقلت إلى الحامل حسن النية وفقًا للقواعد القانونية.

ويمكن القول إن القوة الإلزامية للسند لأمر تستند إلى مبدأ استقلال الالتزام الصرفي، والذي يتجلى عمليًا في مبدأ تطهير الدفوع، ووفقًا لهذين المبدأين، فإنه لا يجوز للمدين الصرفي – سواءٌ أكان المُحَرِّر أو غيره من الملتزمين - أن يحتج في مواجهة الحامل حسن النية بالدفوع المستمدة من علاقاته الشخصية، أو من علاقة السببية التي صدر السند لأمر بمناسبتها، فيظل التزامه قائمًا ومستقرًا بمجرد توقيعه على السند لأمر، بغض النظر عن مصير تلك العلاقة الأصلية.

التقادم الصرفي

يُعد التقادم الصرفي من النُظم القانونية الخاصة التي أقرّها المشرع في إطار تنظيم الأوراق التجارية، مراعاةً لخصوصية المعاملات التجارية القائمة على السرعة والائتمان واستقرار التعامل، ويهدف هذا النظام إلى تحديد مدة قصيرة نسبيًا لانقضاء الدعاوى الصرفية الناشئة عن السندات التجارية،؛ مما يُحقق التوزان بين مصلحة الدائن في اقتضاء حقه، ومصلحة المدين في استقرار مركزه القانوني وعدم بقاء الالتزام معلقًا إلى أجل غير محدد، ومن هذا المُنطلق يُثير التقادم الصرفي آثارًا قانونية مهمة، ويستند إلى أساس قانوني متميز يختلف عن التقادم المدني من حيثُ الغاية والآلية.

الأساس القانوني للتقادم الصرفي

يرتكز التقادم الصرفي على قرينة قانونية مفادها افتراض وفاء المدين الصرفي بقيمة السند، وقد استند المشرع في إقراره لهذه القرينة إلى طبيعة المعاملات التجارية التي تقوم على السرعة والائتمان؛ إذ يُفترض في حامل السند التجاري ألّا يتقاعس عن المطالبة بحقه عند حلول أجل الاستحقاق إلا إذا كان قد استوفى قيمته بالفعل.

ولا يُعد بقاء السند في حيازة الحامل بعد انقضاء مدة التقادم دليلًا حاسمًا على عدم الوفاء، إذ قد يرجع ذلك إلى تساهل المدين أو إلى تنازله عن حقه في استرداد السند، فالقانون لا يُلزم المدين باستعادة السند عند الوفاء، وإنما يُقر له حقًا اختياريًا في طلب تسليمه مشفوعًا بما يُفيد الإبراء، وله أن يتنازل عن هذا الحق دون أن يؤثر ذلك في صحة الوفاء.

ومع ذلك، فإن قرينة الوفاء التي يقوم عليها التقادم الصرفي ليست قرينة قاطعة، بل أجاز المشرّع دحضها بإثبات العكس، وقد تم تنظيم هذا الأمر في المادة 340 من قانون التجارة السوري رقم 33، التي أجازت توجيه اليمين إلى المدين الصرفي الذي يتمسك بالتقادم لإثبات براءة ذمته، وأجازت توجيه اليمين إلى ورثته أو خلفائه، على أن يكون مفادها أنهم لا يعلمون أنَّ مورثهم قد توفي وذمته ما زالت مشغولة بالدين.

وبذلك يتضح أن التقادم الصرفي لا يُعد وسيلة لإعدام الدين وإنما أداة إجرائية قائمة على افتراض الوفاء، قابلة لإثبات العكس، وتوازن بين مصلحة الاستقرار في المعاملات التجارية وحق الدائن في اقتضاء دينه متى ثبت عدم الوفاء[17].

شروط تطبيق التقادم الصرفي

يُشترط في تطبيق نظام التقادم الصرفي توافر سند تجاري صحيح ومستكمل لجميع بياناته الإلزامية، ومُحَرَّر وفقًا للأوضاع الشكلية التي يفرضها القانون، عدا عن توافر أهلية المُحَرِّر والموقعين عليه.

وعليه، فإن فقدان السند لأمر لأحد الشروط الجوهرية يترتب عليه استبعاده من نطاق التقادم الصرفي، وإخضاعه لنظام قانوني مختلف من حيثُ المدة والآثار؛ مما يعكس الأهمية البالغة للشكل والبيانات في تحديد النظام القانوني الواجب التطبيق[18].

تقادم الدعوى الصرفية في السند لأمر

تخضع الدعاوى الصرفية الناشئة عن السند لأمر لمدة تقادم محددة وقصيرة، تختلف باختلاف صفة الملتزم، وذلك على النحو التالي[19]:

  1. التقادم ضد مُحَرِّر السند

تتقادم الدعوى المقامة على مُحَرِّر السند لأمر (الذي يكون في مركز مماثل لمركز المسحوب عليه القابل) بعد انقضاء ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ استحقاق السند، وتنطبق المدة نفسها على ضامن المُحَرِّر؛ إذ يلتزم الضامن بالالتزام نفسه خاصةِ الشخص المضمون.

  1. التقادم ضد المظَهِّرين والمستفيد الأول

تتقادم دعوى حامل السند ضد المُظهِرين وضد المستفيد الأول بعد انقضاء سنة واحدة على تنظيم الاحتجاج بعد الوفاء، أو من تاريخ الاستحقاق نفسه إذا كان السند لأمر يتضمن شرط الرجوع من دون مصاريف.

  1. التقادم في دعاوى الرجوع بين المُظهِرين

تتقادم الدعاوى التي يرفعها المُظهرون بعضهم ضد بعض بعد انقضاء ستة أشهر فقط، وتبدأ هذه المدة من تاريخ وفاء المُظهِر للحامل أو من تاريخ رفع الدعوى ضده.

وتجدر الإشارة إلى أن الدفع بالتقادم الصرفي يطال فقط الالتزامات والمطالبات الناشئة عن الالتزام الصرفي المستقل للسند، ولا يمتد هذا الأثر إلى الدعوى الناشئة عن العلاقة الأصلية، مثل عقد البيع أو غيره، وهي العلاقة التي كانت السبب في تحرير السند، فالحق في المطالبة بهذا الالتزام يبقى خاضعًا لقواعد التقادم المدني العامة، التي تكون مدتها أطول بكثير من مدة التقادم الصرفي.

اتفاقيات جنيڤ المتعلقة بالأوراق التجارية

لعلّ الدور الأبرز الذي تؤديه المعاهدات الدولية في مجال القانون الدولي الخاص، يتمثل في توحيد التشريعات الوطنية في بعض مسائل القانون الخاص، ولا سيما المسائل ذات الطابع التجاري. ويقوم هذا الأسلوب على توحيد القواعد الموضوعية المادية في تشريعات الدول المختلفة؛ مما يُفضي إلى نشوء نظام قانوني موحَّد ذي طابع عالمي، كما هو الحال في مجال الأوراق التجارية؛ إذ تسري هذه القواعد الموحّدة على العلاقات القانونية الناشئة منها، وتُعدُّ هذه الوسيلة من أنجع الوسائل للحد من تنازع القوانين.

وقد ظهرت الحاجة إلى توحيد القواعد المتعلقة بالأوراق التجارية منذ مدة بعيدة، إذ تعددت الندوات والمؤتمرات المُكرّسة لهذا الغرض، إلّا أن المحطة الأهم في هذا المسار تمثلت في اتفاقيات جنيڤ لعام 1930، التي انتهت بالاتفاق على ثلاث معاهدات خاصة بالأوراق التجارية.

انعقد مؤتمر جنيڤ في 13 أيار/ مايو 1930، واختتم أعماله في 7 حزيران/ يونيو من العام نفسه بالاتفاق على المعاهدات التالية:

  1. المعاهدة الأولى: التزمت الدول الموقِّعة بموجبها بإدخال أحكام القانون الموحَّد الذي توصل إليه المؤتمر في تشريعاتها الداخلية.

وقد أُرفِق بهذه المعاهدة ملحقان: تضمن الأول نصوص القانون الموحَد المنظم لقواعد الحوالة والسند لأمر، وتضمن الملحق الآخر التحفظات، أي المسائل التي تُرِكَ لكل دولة تنظيمها وفقًا لأنظمتها الداخلية، ومن بينها ملكية مقابل الوفاء، وأسباب انقطاع التقادم الصرفي ووقفه، وضياع السند أو سرقته، وتنظيم عمل الاحتجاج.

  1. المعاهدة الثانية: تناولت تنظيم تنازع القوانين في بعض الحالات الخاصة بالحوالة والسند لأمر، واضعةً قواعد إسناد تهدف إلى تحديد القانون الواجب التطبيق عند قيام عنصر أجنبي.
  2. المعاهدة الثالثة: تعلقت بالرسوم والدمغة التي تفرضها القوانين الداخلية على الأوراق التجارية، وقضت بعدم بطلان هذه الأوراق في حال مخالفتها لأحكام تلك القوانين.

ولم تمضِ سنة واحدة على مؤتمر عام 1930 حتى انعقد مؤتمر دولي آخر في جنيڤ أسفر عن توقيع ثلاث اتفاقيات، في 19 آذار/ مارس 1931، تعلقت بتوحيد الأحكام القانونية الخاصة بالشيك. ومع ذلك، فإن هذه الاتفاقيات، على الرغم من أهميتها، لم تقضِ بصورة كاملة على تنازع القوانين، إذ اعتمدت إلى حدٍ كبير على قواعد الإسناد، ما أوجد نوعًا من التكامل بين منهج القواعد الموضوعية الموحّدة ومنهج قواعد تنازع القوانين، دون أن يُفضي ذلك إلى توحيد شامل ونهائي[20].

المراجع

البارودي، علي. القانون التجاري. الإسكندرية: منشأة المعارف، 1975.

باشيوة، عتيقة وماي صباح. "السند لأمر في القانون التجاري الجزائري". رسالة ماجستير. كلية الحقوق والعلوم السياسية. جامعة عبد الرحمان ميرة. بجاية، الجزائر، 2018.

البقيرات، عبد القادر. القانون التجاري الجزائري: السندات التجارية. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2010.

بنت باداه، جميلة. "تداول الأوراق التجارية في القانون الموريتاني والجزائري". رسالة ماجستير. كلية الحقوق. جامعة الجزائر 1 - بن يوسف بن خدة. الجزائر، [د. ت.].

حداد، إلياس. القانون التجاري: الأسناد التجارية. دمشق: منشورات جامعة دمشق، 2014.

خليل، خليل إبراهيم محمد. "اتفاقيات توحيد القواعد المتعلقة بالأوراق التجارية". المرجع الإلكتروني للمعلوماتية. 22/9/2022. في: https://acr.ps/1L9F36s

السباعي، أحمد شكري. الوسيط في الأوراق التجارية. المغرب: مطبعة المعارف، 2009.

 عرب، صبحي. محاضرات في القانون الجزائري: الأسناد التجارية. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1999.

[1] عبد القادر البقيرات، القانون التجاري الجزائري، السندات التجارية (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2010)، ص 131.

[2] صبحي عرب، محاضرات في القانون الجزائري، الأسناد التجارية (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1999)، ص 151.

[3] أحمد شكري السباعي، الوسيط في الأوراق التجارية (المغرب: مطبعة المعارف، 2009)، ص 385.

[4] باشيوة عتيقة وماي صباح، "السند لأمر في القانون التجاري الجزائري"، رسالة ماجستير، جامعة عبد الرحمان ميرة، بجاية، الجزائر، 2018، ص 11.

[5] المرجع نفسه، ص 13-14.

[6] إلياس حداد، القانون التجاري: الأسناد التجارية (دمشق: منشورات جامعة دمشق، 2014)، ص 403.

[7] عتيقة وصباح، ص 25.

[8] حداد، ص 403.

[9] المرجع نفسه، ص 404.

[10] عتيقة وصباح، ص 28.

[11] حداد، ص 405-406.

[12] المرجع نفسه، ص 406.

[13] عتيقة وصباح، ص 30.

[14] جميلة بنت باداه، "تداول الأوراق التجارية في القانون الموريتاني والجزائري"، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الجزائر 1 - بن يوسف بن خدة، الجزائر، [د. ت.]، ص 21.

[15] علي البارودي، القانون التجاري (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1975)، ص 65؛ عتيقة وصباح، ص 36.

[16] عتيقة وصباح، ص 37-38.

[17] حداد، ص 236.

[18]المرجع نفسه، ص 237.

[19]المرجع نفسه، ص 249.

[20] خليل إبراهيم محمد خليل، "اتفاقيات توحيد القواعد المتعلقة بالأوراق التجارية"، المرجع الإلكتروني للمعلوماتية، 22/9/2022، شوهد في: https://acr.ps/1L9F36s


المحتويات

الهوامش