تسجيل الدخول

العقلانية الإجرائية

(‫Procedural Rationality‬)



الموجز

العقلانية الإجرائية (Procedural Rationality) مفهوم في نظرية القرار يؤكد على أهمية إجراءات عملية صنع القرار، بدلًا من التركيز الحصري على نتائج القرار أو عواقبه. وتعود جذورها إلى إسهامات هربرت سيمون (Herbert Simon، 1916-2001)، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بنظريته "العقلانية المحدودة".

لمنظور العقلانية الإجرائية تأثيرٌ كبير في مجالات متعدّدة، مثل الاقتصاد، والسلوك التنظيمي، وعلم النفس الإدراكي، والذكاء الاصطناعي. وقد ألهم هذا المنظور رؤًى عدّةً في كثير من الحقول المعرفية، بشأن كيفية تعامُل الأفراد والمؤسسات مع تحديات صنع القرار في العالم الحقيقي.

التعريف

مفهوم "العقلانية الإجرائية" هو أحد مفاهيم نظرية القرار​، ويركز على أهمية العمليات والأساليب التي تُتّخذ من خلالها القرارات، بدلًا من التركيز حصرًا على نتائج تلك القرارات أو عواقبها. وبذلك، فإن العقلانية الإجرائية تأتي على خلاف "العقلانية الموضوعية" (Substantive Rationality)، التي تُقيّم القرارات على أساس توافُقها مع الأهداف المحددة مسبقًا أو النتائج المُثلى[1].

تعود جذور العقلانية الإجرائية إلى الإسهامات المؤسّسة لهربرت سيمون، الذي قدَّم الفكرة في إطار نقده لنظرية الاختيار العقلاني الكلاسيكية، مؤكّدًا أنّ عملية اتخاذ القرار البشري محدودةٌ بطبيعتها، بسبب القيود الإدراكية والمعلومات غير الكاملة والتعقيد البيئي، ما يجعل من المستحيل تحقيق العقلانية الموضوعية المثالية. وبدلًا من ذلك، اقترح سيمون أن تُفهم العقلانية من حيث الإجراءات والأساليب التي يستخدمها الأفراد للتعامل مع هذه القيود الذاتية والموضوعية[2].

يرتبط مفهوم العقلانية الإجرائية ارتباطًا وثيقًا بنظرية سيمون الأوسع، "العقلانية المحدودة" (Bounded Rationality)، التي تفترض أن الأفراد يرضون بما فيه الكفاية {{مُرضٍ بما فيه الكفاية: (Satisficing) مصطلح صاغه هربرت سيمون من خلال دمج كلمتَي إرضاء (Satisfy) و"بما يكفي" (Suffice)، لوصف عملية صنع القرار التي تسعى إلى إيجاد حلول مناسبة بدلًا من الحلول المثالية، مع الاعتراف بالقيود المعرفية والزمنية التي تجعل التحسين المثالي غيرَ عمليٍّ في المواقف المعقدة الواقعية.}} بدلًا من التعظيم {{التعظيم: (Optimizing) مفهوم في الاقتصاد النيوكلاسيكي يُشير إلى أنّ الفاعلين الاقتصاديين يتّخذون خياراتٍ تُعظّم منفعتهم أو أرباحهم، وتُحقق أفضل نتيجة ممكنة بالنظر إلى تفضيلاتهم وقيودهم والمعلومات المتاحة.}}، أي أنهم يسعون إلى حلولٍ مُرضية بما فيه الكفاية لتلبية احتياجاتهم، بدلًا من السعي إلى الحصول على أفضل نتيجةٍ ممكنة[3].

ومع الأخذ في الحسبان أنّ الحلول المُثلى ليست ممكنةً دائمًا بسبب العقلانية المحدودة، فإن العقلانية الإجرائية تؤكد على الحاجة إلى عمليات صنع قرار معقولة ومنهجية[4]؛ وهي بذلك تعمل على تحويل التركيز من النتيجة النهائية إلى عملية صنع القرار نفسها، من خلال فحص كيفية تنظيم الأفراد والمنظمات بَحثَهم عن المعلومات، وتقييم البدائل، والتوصل إلى القرارات.

التأثير في المجالات الأخرى

كان لمنظور العقلانية الإجرائية تأثيرٌ كبير في مجالات متعدّدة، مثل الاقتصاد، والسلوك التنظيمي، وعلم النفس الإدراكي، من حيث توفيره إطارًا لفهم كيفية اتخاذ القرارات في الواقع، في ظلّ ظروفٍ من التعقيد وانعدام اليقين.

ففي مجال الاقتصاد، استُخدِمت العقلانية الإجرائية لانتقاد افتراضات النماذج النيوكلاسيكية، التي غالبًا ما تفترض أنّ الأفراد لديهم معلومات مثالية ويمكنهم تحقيق حساباتٍ مُثلى، بينما تؤكد العقلانية الإجرائية على أنّ الفاعلين الاقتصاديين يعتمدون على القواعد التجريبية والممارسات الاعتيادية (Routines) والأطر المؤسسية لتبسيط عملية اتخاذ القرار. فعلى سبيل المثال، سلَّط باحثون الضوءَ على كيفية استخدام الشركات والمؤسسات للعقلانية الإجرائية من أجل تطوير الممارسات الاعتيادية وعمليات صنع القرار التي تمكّنها من التكيُّف مع ظروف السوق المتغيرة. لذلك، فإن هذه الممارسات الاعتيادية، رغم كونها ليست دائمًا مثالية، تُمكّن الشركات والمؤسسات من العمل بفاعلية في بيئات معقدة وغير مؤكدة[5].

وفي النظرية التنظيمية، طُبّقت العقلانية الإجرائية لفهم كيفية تصميم المؤسسات لعمليات صنع القرار، لإدارة التعقيد والحدِّ من عدم اليقين. وفي هذا الصدد، أكّد بعض الباحثين، في نموذج صنع القرار التنظيمي في الفوضى المنظمة {{نموذج صنع القرار التنظيمي في الفوضى المنظمة: (Garbage Can Model) نموذجٌ يصف عملية صنع القرار التنظيمي بوصفها عملية فوضوية، بحيث تتدفق المشكلات والحلول والمشاركون وفرص الاختيار على نحوٍ مستقل، وترتبط بشكل كبير بالصدفة بدلًا من التخطيط العقلاني.}}، أن المنظمات تعتمد غالبًا على العقلانية الإجرائية للتعامل مع الأهداف الغامضة والتفضيلات المتضاربة[6]؛ فمن خلال إنشاء إجراءات موحدة وبروتوكولات صنع قرار، يمكن للمنظمات ضمان درجة من الاتساق والقدرة على التنبؤ، حتى في غياب الأهداف الواضحة أو المعلومات الكاملة.

كذلك وظَّفت بعض الأبحاث الحديثة في علم النفس الإدراكي والاقتصاد السلوكي مفهومَ العقلانية الإجرائية، من خلال استكشاف دور القواعد والتحيُّزات في عملية صنع القرار، وأكدت أنَّ الأساليب التجريبية، بعيدًا عن أنها غير عقلانية، غالبًا ما تكون أدوات فعّالة للغاية في اتخاذ القرارات التي تتوافق مع مبادئ العقلانية الإجرائية[7]. وتشير هذه المقاربات إلى أن الأفراد يستخدمون مجموعةً من الأساليب التي صُمِّمت لتناسب سياقات محددة، ما يُمكّنهم من اتخاذ قرارات فعّالة وقابلة للتكيُّف، على الرغم من قيودهم المعرفية. وبذلك، يتحدى هذا المنظور النظرةَ التقليدية للأساليب التجريبية بوصفها مصادرَ للخطأ، ويسلط الضوء بدلًا من ذلك على دورها في تسهيل العقلانية الإجرائية.

الانتقادات

ذهبت بعض الانتقادات لمقاربة العقلانية الإجرائية إلى أنها قد تؤدي إلى التركيز المفرط على العملية على حساب النتائج، ما قد يُبرِّر اتخاذ قرارات غير فعّالة أو دون المستوى الأمثل.

ومع ذلك، تظلّ العقلانية الإجرائية تُقدِّم فهمًا أكثر واقعيةً ودقةً لصنع القرار، لا سيما في البيئات المعقدة وغير المؤكدة، حيث غالبًا ما تكون النتائج المُثلى غير قابلة للتحقيق؛ فمن خلال التركيز على العمليات التي تُتّخذ من خلالها القرارات، توفر العقلانية الإجرائية رؤًى مهمةً عن كيفية تعامل الأفراد والمؤسسات مع تحديات صنع القرار في العالم الحقيقي.

المراجع

Frost, Richard L., Michael A. Goodrich & Wynn C. Stirling. “Procedurally Rational Decision-Making and Control.” IEEE Control Systems Magazine. vol. 16, no. 5 (1996). pp. 66-75.

Gigerenzer, Gerd & Wolfgang Gaissmaier. “Heuristic Decision Making.” Annual Review of Psychology. vol. 62 (2011). pp. 451-482.

March, James G. & Johan P. Olsen. Ambiguity and Choice in Organizations. Bergen: Universitetsforlaget, 1976.

Nelson, Richard R. & Sidney G. Winter. An Evolutionary Theory of Economic Change. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1982.

Simon, Herbert A. “From Substantive to Procedural Rationality.” in: Spiro J. Latsis. (ed.). Method and Appraisal in Economics. Cambridge: Cambridge University Press, 1976. pp. 129-148.

__________. Models of Man: Social and Rational. New York: Wiley, 1957.

[1] Herbert A. Simon, “From Substantive to Procedural Rationality,” in: Spiro J. Latsis (ed.), Method and Appraisal in Economics (Cambridge: Cambridge University Press, 1976), pp. 129-148.

[2] Ibid.

[3] Herbert A. Simon, Models of Man: Social and Rational (New York: Wiley, 1957).

[4] Richard L. Frost, Michael A. Goodrich & Wynn C. Stirling, “Procedurally Rational Decision-Making and Control,” IEEE Control Systems Magazine, vol. 16, no. 5 (1996), pp. 66-75.

[5] Richard R. Nelson & Sidney G. Winter, An Evolutionary Theory of Economic Change (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1982).

[6] James G. March & Johan P. Olsen, Ambiguity and Choice in Organizations (Bergen: Universitetsforlaget, 1976).

[7] Gerd Gigerenzer & Wolfgang Gaissmaier, “Heuristic Decision Making,” Annual Review of Psychology, vol. 62 (2011), pp. 451-482.


المحتويات

الهوامش