في الشعر الجاهلي كتاب ألّفه الأديب والناقد المصري طه حسين (1889-1973)، صدر عام 1926، يُقدّم فيه قراءة جديدة للشعر العربي في فترة ما قبل الإسلام، ويهدف إلى إحياء دراسة الأدب العربي، بطريقة تخلو من قيود المدارس التقليدية النقدية. ويحاجّ طه حسين في كتابه، بأن أكثر الشعر المنسوب إلى هذا العصر لم يُكتَب فيما يُسمى بالمرحلة الجاهلية، بل في عصر صدر الإسلام وما بعده. تعرّض الكتاب لكثير من النقد الذي دفع بمؤلفه إلى إصدار نسخة أخرى بعنوان في الأدب الجاهلي عام 1927، وألغى فصولًا وأضاف أخرى. تناول طه حسين في كتابه قضية الانتحال {{قضية الانتحال: هي أن يأخذ الشاعر كلام غيره وينسبه لنفسه. وهي قضية قديمة في النقد الأدبي العربي تبحث في نسبة الشعر الجاهلي وغيره إلى زمانه ومكانه وأصحابه، وتشك في روايته ومصادره.}} في الشعر الجاهلي، ودرس كذلك لهجات العرب، وسعى في كتابه هذا إلى تكريس المنهج العقلي في البحث العلمي، بدلًا من المناهج التقليدية المستخدمة في دراسة تاريخ الأدب {{تاريخ الأدب: مصطلح نقدي ومجال بحثي يُدرس فيه تطور أدب معين خلال العصور التاريخية والفترات الزمنية.}}.
التعريف به
كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين كتاب في النقد العربي الحديث، صدر أواخر آذار/ مارس عام 1926، ويُقدّم الكاتب فيه تحليلًا مفصلًا للشعر الجاهلي والزمن الذي كُتِب فيه، هادفًا إلى التشكيك في حقيقة الأخبار التي وصلت عن مصادر هذا الشعر، ومنطلقًا من فكرة أن الشعر الجاهلي بطبيعته منحول، وأن نسبته إلى عصر ما قبل الإسلام (العصر الجاهلي) بحاجة ماسة إلى المراجعة.
لا يُعدّ هذا الكتاب من المؤلفات البارزة القليلة عن تاريخ الأدب العربي فحسب، بل تكمن شهرته وأهميته في أنه كشف عن أزمة مجتمع يصارع الجديد ويحاربه، وعن أزمة تقبّل النقد الجديد من النُّقّاد التقليديين. كذلك أثار الشكوك في المنهج النقدي السائد عند النُّقّاد، فالكتاب في جوهره كَسْر لهذه التقاليد النقدية التعليمية.
لم يكن الكتاب تحريضًا للعقول على التمرد على المسلّمات والفروض الجاهزة فقط، بل إشارة إلى بزوغ تيار جديد يسعى، أول ما يسعى، إلى قراءة التراث قراءة علمية متسمة بالفكر النقدي، ووفق أساليب جديدة تُولي الأهمية في المقام الأول للمنهج. وقد أعلن طه حسين في تمهيده لكتابه، أن منهجه في قراءة تاريخ الشعر العربي منهج فلسفي نقدي يقوم على الشك الديكارتي {{الشك الديكارتي: أسلوب منهجي قائم على الشك المؤقت عند رينيه ديكارت، ويهدف هذا الشك إلى الوصول إلى حالة يقين علمي أو وجودي يتعلق بالأشياء والكائنات. لا يُعدّ الشك عند ديكارت عبثيًّا أو شكًا لغرض الشك، بل وسيلة لها قوانينها وقواعدها تهدف للوصول لحقائق الأشياء وجوهرها.}} في نسبة الشعر الجاهلي إلى عصره، وحقيقة انتحاله، فيقول: "أريد ألّا نقبل شيئًا مما قال القدماء في الأدب وتاريخه إلا بعد بحث وتثبّت، إن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى الرجحان"[1].
بدأ المشروع الفكري الذي تمخّض عن كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين، في هيئة محاضرات قدَّمها أمام طلابه في الجامعة بين عامَي 1925 و1926، ثم رأى ضرورة جَمْعِها في كتاب، لتعمّ به الفائدة بين الناس. أثار هذا الكتاب، ومن قبله المحاضرات، حفيظة بعض طلبة الجامعة وأساتذتها، وكان من بين الطلبة حينئذٍ محمود محمد شاكر (1909-1997)، الباحث والناقد اللغوي فيما بعد، وابن الشيخ محمد شاكر (1866-1939) وكيل الأزهر الشريف حينذاك، الذي لمَّح إلى سرقة طه حسين أفكار محاضراته وكتابه من مقالة "نشأة الشعر الجاهلي" للمستشرق الإنكليزي ديڤيد مارغليوث (David Margoliouth، 1858-1940)، وهو الأمر الذي نفاه مارغليوث نفسه، حسب ما ذكر عبد الرشيد الصادق محمودي[2]. وانتقل الخلاف إلى خارج أسوار الجامعة، وعرَف به آخرون من أمثال مصطفى صادق الرافعي (1880-1937) الذي سرعان ما هاجم الكتاب أيضًا[3].
منهجه
أعلن طه حسين عن منهجه النقدي بوضوح في القسم الثاني من الكتاب، بعنوان "منهج البحث"، وقال إنه سيسلك في بحثه "مسلك المُحْدَثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما يتناولون من العلم والفلسفة". ويقصد بذلك مسلك ديكارت الشكي ومنهجه، قائلًا: "أريد أن أقول إني سأسلك في هذا النحو من البحث مسلكَ المُحْدَثين من أصحاب العلم والفلسفة، فيما يتناولون من العلم والفلسفة. أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي، الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث. والناس جميعًا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج، هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه، خلوًّا تامًا"[4]. ثم يوضح أهمية المنهج وخصائصه قائلًا: "والناس جميعًا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر، قد كان من أخصب المناهج وأقومها وأحسنها أثرًا، وأنه قد جدّد العلم والفلسفة تجديدًا، وأنه قد غيّر مذاهب الأدباء في أدبهم والفنانين في فنونهم، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث"[5].
وفيما يتعلق بمنهج طه حسين، يقول محمود أمين العالم (1922-2009) في كتابه مفاهيم وقضايا إشكالية، إن منهج الشك الديكارتي عند طه حسين لا يُمثل منهجه العقلاني كاملًا: "والقول الشائع عن طه حسين، إن منهجه العلمي العقلاني هو المنهج الديكارتي وفي صميمه الشك، وهذا في تقديري تقليص مُخلّ لحقيقة منهج طه حسين"[6] وهو بهذا يمتدح أسلوب حسين العقلاني المتطوّر في النقد، ويضيف: "إن الشك في الشعر الجاهلي عند طه حسين أداة إجرائية، ولا أقول منهجية"[7]. وثمة من نفى علاقة منهج طه حسين بمنهج ديكارت، كما فعل وائل غالي وشكّك في منهجه بأنه منهج ديكارتي مبني على الشك، بقوله: "إن الصلة التي تربط طه حسين بديكارت صلة عابرة، في اتصال أعمّ بين طه حسين والحضارة الأوروبية الحديثة، التي جوهرها النقد ومظهرها الرأسمالية المركزية"[8].
فالحقيقة أن تطبيق المنهج جاء بعيدًا البعد كله عن آليات منهج ديكارت الذي هو منهج "قائم على قواعد منتظمة تصل إلى إثبات ما شك فيه بالبداهة من قبل، عن طريق العقل والتحليل"[9]، علاوة على أنه شك قائم على الإرادة، وليس نابعًا من حالة نفسية أو تجربة وجودية. أما الشك عند طه حسين، فيبتغي الإنكار والنفي، وقد رأى عمار علي حسن (1967-) أن للشك عنده روافد كثيرة، منها: القرآن الكريم، وعلم الجرح والتعديل، ودراسة المنطق، وعلوم العرب في الأدب والتاريخ[10]. كذلك تأثّر بأبي العلاء المعري (363-449هـ/ 973-1057م) الذي أرجع تسلل المنحول والمدسوس إلى النسيان، الذي كان سببًا في ضياع كثير من التراث الجاهلي والإسلامي، على ما جاء في رسالة الغفران[11].
محتواه
بدأ طه حسين كتابه بعرض منهجه وأهميته، وبيّن مصادر هذا المنهج، ثم قسّم كتابه إلى ثلاثة أقسام سمّاها كتبًا. ويشير في التمهيد للكتاب الأول، إلى ضرورة مراجعة ما قاله القدماء عن الشعر الجاهلي، قائلًا: "بين يدينا مسألة الشعر الجاهلي، نريد أن ندرسها وننتهي فيها إلى الحق [...]، لنذهب في الأدب وفنونه مذهبَ الفقهاء في الفقه بعد أن أُغلِق باب الاجتهاد"[12]. ثم يقارن بين أنصار النقد القديم الذين "لم يغيروا في الأدب شيئًا، وما كان لهم أن يغيروا فيه شيئًا، وقد أخذوا أنفسهم بالاطمئنان إلى ما قال القدماء"، وبين أنصار التجديد الذين "لا يطمئِنون إلى ما قال القدماء، وإنما يلقونه بالتحفظ والشك"[13]، فالمجدّدون يدرسون مسألة الشعر الجاهلي، ويثيرون أسئلة مثل: أهناك حقًا شعر جاهلي؟ وما السبيل إلى معرفته؟ وبمَ يمتاز؟
يشير طه حسين إلى خطورة هذا المبحث[14]، وهو على يقين بأن مبحث التجديد والشك سيلقاه فريق يمكن وصفهم بالـ"ساخطين"، "وبأن فريقًا آخر سيزورّون عنه ازورارًا"، لكنه يؤكد "على سخط أولئك وازورار هؤلاء"، ويُصرّ على إذاعة بحثه، معلنًا قناعته التامة بالنتائج التي سيصل إليها، فيقول: "ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعًا ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة، التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي"[15]. ثم يذكر طه حسين في القسم الثاني من الكتاب الأول، أن منهج كتابه في الاستقصاء منهج شكي فلسفي مستمّد من منهج الشك عند ديكارت، وهو منهج يتجرد فيه الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، ويستقبل بحثه خاليًا في ذهنه خلوًا تامًا مما قيل سابقًا، ويعرض النتيجة التي توصّل إليها، وهي إن لم تكن يقينًا فهي قريبة من اليقين. وتوصّل إلى "أن الكثرة المطلقة مِمّا نسميه شعرًا جاهليًّا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام"[16]. ويستدل على ذلك بأن القيم الأخلاقية في القصائد، تُمثّل حياة المسلمين وميولهم أكثر مما تُمثّل حياة الجاهلية أو عصر ما قبل الإسلام.
وتحدّث أيضًا عن علاقة الشعر الجاهلي باللغة من ناحية، واللهجات من ناحية أخرى، وقد رأى أن الشعر الجاهلي بعيد البعد كله عن أن يُمثّل اللغة العربية في العصر الجاهلي، لأن ثمة خلافًا قويًا بين لغة حِمْيَر ولغة عدنان، والقبائل الشمالية والقبائل الجنوبية تختلف من حيث اللهجة، وقد جاء الشعر الذي وصل إلينا بلهجة واحدة. ويعترض على من اتّخذ الشعر الجاهلي مادة للاستشهاد على ألفاظ القرآن والحديث، رغم أن الشعر لم يصل مُدوّنًا، بل عن طريق الرواية الشفهية. ويضيف عن شعر امرئ القيس والأعشى، فيقول: إن "هذا الشعر الذي يُنسَب إلى امرئ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين، لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء، ولا أن يكون قد قيل وأُذيع قبل أن يظهر القرآن [...] لا ينبغي أن يُستشهَد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث، وإنما ينبغي أن يُستشهَد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله"[17].
طه حسين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يبدأ طه حسين الكتاب الثاني: "أسباب انتحال الشعر"، بالفصل الأول: "ليس الانتحال مقصورًا على العرب"، ويشير هنا إلى أن انتحال الشعر ظاهرة طبيعية، وُجِدت عند أمم أخرى مثل اليونان والرومان، وليست مقصورة على الأمة العربية وحدها، أو ليست الأمة العربية بمعزل عن هذه الظاهرة. ويقوم الفصل الثاني: "السياسة وانتحال الشعر"، على فكرة أن الدين والسياسة والعصبية القبلية الموجودة بين المسلمين والعرب من قريش، أدّت إلى ولادة الشعر عندما كان الطرفان يتقاتلان، ولا سيما شعر الهجاء، الذي كان قليلًا قبل ظهور الإسلام. ويؤكد في الفصل الثالث: "الدين وانتحال الشعر"، على فكرة أن الدين هو أساس انتشار الشعر في تلك الفترة، مثل السياسة والعصبية القبلية، والانتحال الشعري هنا كان بقصد إثبات صِحة النبوّة ليس أكثر، وما التنبؤ الموجود في هذه الأشعار عن انبعاث النبي محمد سوى دليل على خطأ الشعر المنسوب إلى الجاهلية.
ثم يستدل في الفصل الرابع: "القصص وانتحال الشعر"، بأن العرب في العصر الإسلامي اشتُهروا بالفن القصصي النثري، وهذا أيضًا دليل على قدرتهم غير المسبوقة في كتابة شعر موزون، وأن هذه القصص أصبحت أداة سياسة بيد الخلفاء، مثلها مثل الشعر، يستخدمونها في الذود عن أنفسهم. وأشار إلى أن الديانتين اليهودية والمسيحية لم يظهر لهما أثر في الشعر الجاهلي، ثم تحدث عن القصص والرواة، وإن كان أشار بإيجاز إلى أن الانتحال ليس مقصورًا على العرب.
بدأ الكتاب الثالث: "الشعر والشعراء"، بالفصل الأول: "قصص وتاريخ"، الذي أكّد فيه على الفكرة الأساسية لكتابه بقوله: "ولن نستطيع أن نعترف بما يُروى من سيرة هؤلاء الشعراء الجاهليين، وما يُضاف إليهم من الشعر تاريخ يمكن الاطمئنان إليه أو الثقة به، وإنما كثرة هذا كله قصص وأساطير لا تفيد يقينًا ولا ترجيحًا، وإنما تبعث في النفوس ظنونًا وأوهامًا"[18]. كذلك يؤكد على أن "سبيل الباحث المحقق أن يستعرضها في عناية وأناة وبراءة من الأهواء والأغراض، فيدرسها محللًا ناقدًا مستقصيًا في النقد والتحليل"[19]. يُضاف إلى ذلك إعلان طه حسين أن "القرآن وحده هو النص العربي القديم الذي يستطيع المؤرخ أن يطمئِن إلى صحته، ويعتبره مشخصًا للعصر الذي تُلِي فيه"، إن قُورِن بشعر "هؤلاء الشعراء وخطب هؤلاء الخطباء وسجع هؤلاء الساجعين، فلا سبيل إلى الثقة بها ولا إلى الاطمئنان إليها"[20]. وفي القسم الثاني: "امرؤ القيس، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة الفحل"، تحدث عن نسب الثلاثة، هادفًا إلى تفكيك صحة الأخبار التي وصلت عنهم. ويضيف أن هناك خلطًا في نَسَب امرئ القيس وإن كثرت الأخبار عنه، وأن الشيء اليسير قد عُرِف عنه في الحقيقة، لكن بقية الأخبار لا تتجاوز الأساطير التي "لم تشِع بين الناس إلا في عصر متأخر"[21]. فإن كان ثمة اضطراب في الأخبار عن حياته، فمن المؤكد وجود اضطراب في نقل أشعاره كافة ونسبتها إليه، وهذا ينطبق أيضًا على غيره من شعراء المعلقات.
ويستمرّ طه حسين بهذا الأسلوب في الأقسام اللاحقة، مع الحديث عن شعراء المعلقات مثل عمرو بن قميئة (448-540م)، والمهلهل (443-531م) وجليلة بنت مرة (ت. 540م)، وطرفة بن العبد (543-569)، والمتلمس الضبعي (ت. 580م). وقد أشار في هذا الجزء إلى عدم صحة وجود بعض شعراء المعلقات أصلًا. وتحدث عن الشعر المضريّ في آخر كتابه، وحاول أن يتخذ له مقياسًا فنيًا لصحة الشعر، ذلك المقياس الذي يظهر في شعر أوس بن حجر (530-620م)، وأتباع مدرسته: زهير بن أبي سُلمى (520-609م) وكعب بن زهير (ت. 26هـ/ 647م) والحُطيئة (ت. 45هـ/ 665م).
انتقاده
حملَ النقدُ الموجّه إلى طه حسين بعدًا دينيًّا، وقُدِّمت القضية بوصفها قضية "دينية وليست أدبية"[22]، وهو ما خلق حالة من الهجوم عليه من رجال الأزهر والأحزاب الدينية، وكلهم خاض في الأزمة لأسباب خاصة به. فكتب الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) صاحب مجلة المنار مقالة بعنوان: "الدعوة إلى الإلحاد بالتشكيك في الدين: كتاب في الشعر الجاهلي"[23]. ثم عاد مرة أخرى وكتب مقالة بعنوان: "كتاب في الشعر الجاهلي: دعاية إلى الإلحاد والزندقة وطعن في الإسلام". وفي متن المقالة، يحكم بالقطع أن طه حسين "ما ألّف كتابه لتحقيق ما يمكن الوصول إليه من الشعر الجاهلي يقينًا أو ظنًا أو شكًا، بل ألّفه لأجل الطعن في الإسلام، والصد عن سبيل الإيمان، والدعوة إلى الزندقة والإلحاد. هذا هو المقصد، والشعر الجاهلي والأدب العربي وسيلة إليه"[24].
وظهرت كتابات أخرى عارضت أفكاره ومنهجه، من أشهرها: "محاضرات في بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي" للشيخ محمد الخضري (1872-1927)؛ وكتاب الشهاب الراصد لمحمد لطفي جمعة (1886-1953)، وكتاب نقد كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد فريد وجدي (1878-1954)؛ ونقض كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد الخضر حسين (1876-1958)؛ وتحت راية القرآن لمصطفى صادق الرافعي؛ والنقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي لمحمد أحمد الغمراوي (1883-1951)؛ وصولًا إلى كتاب ناصر الدين الأسد (1922-2015) مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية الذي كان نقدًا لكل ما جاء في كتاب في الشعر الجاهلي عن قضايا الانتحال والشك وغير ذلك؛ وكتاب الشعر الجاهلي: خصائصه وفنونه ليحيى الجبوري (1932-2019)؛ ولم تتوقّف السجالات التي أحدثها الكتاب قط، سواء في صورة مقالات أم كتب.
غلاف كتاب في الأدب الجاهلي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وقد انتهت أزمة الكتاب إلى ساحة القضاء، واستُدعِي طه حسين للمثول أمام النيابة العامة، وحدّد النائب العام محمد نور بك (1850-1933)[25] آنذاك قرار الاتهام في أربعة مواضع:
الأول: أن المؤلف أهان الدين الإسلامي بتكذيب القرآن حين ذكره في كتابه.
الثاني: ما تعرّض له المؤلف بشأن القراءات السبع المجْمَع عليها والثابتة لدى المسلمين جميعًا، فقد زعم أنها قراءات قرأتها العرب، فهي معطى بشري لم يرد في شأنها وحي.
الثالث: أن المؤلف طعن في كتابه على النبي محمد.
الرابع: أن المؤلف أنكر أن تكون للإسلام أوليّة في بلاد العرب، وأنه دين إبراهيم.
وانتهى القاضي بعد تفنيد أوجه الخلاف والرد عليها ردًّا علميًّا بالحجة والدليل، إلى أن جريمة التعدي على الأديان تتكوّن بتوفّر أربعة أركان فصّلها جميعًا، ثم انتهى إلى حكمه التاريخي بالقول: "وحيث إنه مما تقدم، أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه، إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي، مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها. وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر، فلذلك تُحفَظ الأوراق إداريًّا"[26].
هكذا أغلق النائب العام الباب أمام التهمة الدينية، وحفظ الأوراق التي برَّأت طه حسين من التهم المنسوبة إليه، من دون أن يغفل الأخطاء التي وقع فيها بوصفه باحثًا أخلّ بمعايير البحث العلمي. وإمعانًا في إظهار حسن النية من طه حسين، أعاد طبع كتابه، بعد أن غيّر عنوانه وجعله: في الأدب الجاهلي، عام 1927، وحذف بعض فصوله، ولا سيما تلك التي كانت موضع الأزمة، وأضاف أخرى.
طبعاته اللاحقة
بعد أعوام من المنع والمصادرة، صدر كتاب في الشعر الجاهلي في عدد نيسان/ أبريل 1995 من مجلة القاهرة، ثم توالت طبعات الكتاب، ولكنها قليلة فأول طبعة كاملة صدرت عن دار نشر كانت عام 2007، بتقديمٍ ودراسةٍ للدكتور عبد المنعم تليمة (1937-2017)، وصدرت عن دار رؤية للنشر والتوزيع، وحملت عنوان: في الشعر الجاهلي: الكتاب والقضية. وفي عام 2014، نشرت دار سؤال نسخة من الطبعة الأصلية؛ ثم مع مرور ذكرى 50 عامًا على رحيل طه حسين عام 2023، أعادت أكثر من دارٍ نشرَ الكتاب الأصلي، فصدر عن: الهيئة العامة لقصور الثقافة، والهيئة المصرية العامة للكتاب، وعن دار المعارف، والدار المصرية اللبنانية. وقد أتاح انقضاء حق الملكية الفكرية لمعظم دور النشر إعادة طبع أعمال طه حسين، بما فيها النسخة الأصلية من كتاب في الشعر الجاهلي.
المراجع
البازعي، سعد. استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2004.
ثابت، ياسر. ذاكرة القرن العشرين. القاهرة: دار الكتب للنشر والتوزيع، 2021.
حسن، عمار علي. بصيرة حاضرة: طه حسين من ست زوايا. مشروع كلمة. أبو ظبي: مركز أبو ظبي للغة العربية في دائرة الثقافة والسياحة، 2023.
حسين، طه. في الأدب الجاهلي. القاهرة: دار الكتب المصرية، 1926.
________. في الشعر الجاهلي. تقديم وتحليل سامح كريم. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2014.
رضا، محمد رشيد. "الدعوة إلى الإلحاد بالتشكيك في الدين: كتاب في الشعر الجاهلي". المنار. ج 8، العدد 27 (1926).
________. "كتاب في الشعر الجاهلي: دعاية إلى الإلحاد والزندقة وطعن في الإسلام". المنار. ج 9، العدد 27 (1926).
سرور، نجيب. تحت عباءة أبي العلاء. تحقيق وتقديم حازم خيري. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2008.
شلبي، خيري. محاكمة طه حسين. القاهرة: دار المستقبل بالفجالة، [د. ت.].
العالم، محمود أمين. مفاهيم وقضايا إشكالية. القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1990.
________. مواقف نقدية من التراث. القاهرة: دار القضايا الفكرية للنشر والتوزيع، 1997.
غالي، وائل. "ديكارت الغائب عن طه حسين". القاهرة. العدد 159 (1996). ص 102-105.
محمودي، عبد الرشيد صادق. طه حسين بين السياج والمرايا. القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2005.
________. "العميد ومارغليوث وفصل الخطاب؛ العميد ورينان والفكرة المشتركة حول الشعر الجاهلي". الأهرام. 7/11/1986.
مكي، الطاهر أحمد. "في الشعر الجاهلي لطه حسين: محاولة تقييم". الهلال. العدد 9 (أيلول/ سبتمبر 1995). ص 38-47.
[1] طه حسين، في الشعر الجاهلي (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1926)، ص 2.
[2] عبد الرشيد الصادق محمودي، "العميد ومارغليوث وفصل الخطاب؛ العميد ورينان والفكرة المشتركة حول الشعر الجاهلي"، الأهرام، 7/11/1986؛ عبد الرشيد صادق محمودي، طه حسين بين السياج والمرايا (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2005)، ص 89-93.
[3] في مقدمة الكتاب، يُنظَر: طه حسين، في الشعر الجاهلي، تقديم وتحليل سامح كريم (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2014)، ص 152.
[4] حسين (1926)، ص 11.
[5] المرجع نفسه، ص 11-12.
[6] محمود أمين العالم، مفاهيم وقضايا إشكالية (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1990)، ص 282.
[7] محمود أمين العالم، مواقف نقدية من التراث (القاهرة: دار القضايا الفكرية للنشر والتوزيع، 1997)، ص 231.
[8] وائل غالي، "ديكارت الغائب عن طه حسين"، القاهرة، العدد 159 (1996)، ص 105.
[9] يجزم البازعي بتأثر طه حسين بمنهج ديكارت، فيقول: "والجانب الذي يسترعي الانتباه في سياق الاستقبال النقدي هنا، هو المنهج الشكوكي الذي تلقاه طه حسين عن ديكارت (أو بالأحرى عن مستشرقين تأثروا بديكارت مثل مارغليوث) أهمية خاصة، ليس لما كان لطه حسين من تأثير فحسب، وإنما أيضًا لما تضمنته تلك التجربة المبكرة من دلالات في محاولتنا استيعاب العلاقة العربية الغربية على مستوى النقد". يُنظر: سعد البازعي، استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2004)، ص 104.
[10] عمّار علي حسن، بصيرة حاضرة: طه حسين من ست زوايا، مشروع كلمة (أبو ظبي: مركز أبو ظبي للغة العربية في دائرة الثقافة والسياحة، 2023)، ص 38.
[11] نجيب سرور، تحت عباءة أبي العلاء، تحقيق وتقديم حازم خيري (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2008)، ص 44.
[12] حسين (1926)، ص 3-4.
[13] المرجع نفسه، ص 4-5.
[14] المرجع نفسه، ص 7.
[15] المرجع نفسه، ص 1.
[16] المرجع نفسه، ص 7.
[17] المرجع نفسه، ص 9.
[18] المرجع نفسه، ص 125.
[19] المرجع نفسه.
[20] المرجع نفسه، ص 126.
[21] المرجع نفسه، ص 134.
[22] الطاهر أحمد مكي، "في الشعر الجاهلي لطه حسين: محاولة تقييم"، الهلال، العدد 9 (أيلول/ سبتمبر 1995)، ص 39.
[23] محمد رشيد رضا، "الدعوة إلى الإلحاد بالتشكيك في الدين: كتاب في الشعر الجاهلي"، المنار، ج 8، العدد 27 (1926)، ص 619.
[24] محمد رشيد رضا، "كتاب في الشعر الجاهلي: دعاية إلى الإلحاد والزندقة وطعن في الإسلام"، المنار، ج 9، العدد 27 (1926)، ص 678.
[25] لمراجعة القضية والمحاكمة، يُنظَر: خيري شلبي، محاكمة طه حسين (القاهرة: دار المستقبل بالفجالة، [د. ت.])، ص 5.
[26] ياسر ثابت، ذاكرة القرن العشرين (القاهرة: دار الكتب للنشر والتوزيع، 2021)، ص 278.