الهرم السكاني (Population pyramid) رسم بياني واسع الاستخدام في مجال الديموغرافيا، يستند في إنشائه إلى البيانات الإحصائية عن تركيب السكان حسب العمر والجنس، ويقدّم رؤيةً عن بنية المجتمع المدروس وتاريخه الديموغرافي والحوادث الطارئة التي أثّرت فيه. ولا تقتصر وظيفة الهرم على قراءة تاريخ السكان، بل تتعدّاها لتصِف حاضرهم وتقدِّم تصوُّرًا عن مستقبلهم. وعلى الرغم من أنّ تسمية الهرم ترجع إلى شكله الهرميّ في النظام الديموغرافي الأولي الذي يتسم بارتفاع الولادات والوفيات، فإنه شهد باختلاف الأزمنة والأمكنة تغيّرات كبيرة في شكله العام، جاءت انعكاسًا لتغيّرات تطال تركيبة السكان نفسها، وتمسّ بشكل خاص الظواهر الديموغرافية الرئيسة من مواليد ووفيات وهجرة.
تتنوع نماذج الأهرامات السكانية تبعًا لمراحل الانتقال الديموغرافي، وتتمايز في أربعة أشكال رئيسة: الهرم المثلثي الذي يمثل المجتمعات التقليدية ذات الخصوبة والوفاة المرتفعتين، والهرم المكوّم الذي يعكس بدء تحسن الرعاية الصحية، وصولًا إلى هرم الوعاء المقلوب (خلية النحل) والهرم البستوني اللذين يمثلان المجتمعات المتقدمة أو التي تشهد عودة ارتفاع نسبة المواليد بعد مراحل انخفاض سابقة.
يقدّم الهرم نماذج إيضاحية لأثر الحروب والأحوال الطارئة، وما تتركه من تغيرات وفجوات في أجيال المواليد وفائض وفيات الذكور، بالإضافة إلى تأثير الهجرة الوافدة واستقطاب العمالة، كما يظهر بوضوح في النماذج السكانية لبعض دول الخليج العربي، إذ يختل التناظر الطبيعي لصالح فئات الشباب والذكور.
نشأة الهرم السكاني وتصميمه
يُعَدّ الهرم السكاني أحد التمثيلات البيانية واسعة الاستخدام في مجال علم السكان، وهو الأكثر شيوعًا في تصوير توزّعات السكان حسب تركيبتَي العمر والجنس معًا، لذلك تُطلق عليه أيضًا تسميةُ هرم السكان حسب العمر والجنس (Population pyramid by age and sex)، أو باختصار الهرم العمري (Age pyramid).
ترجع نشأة هذا النوع من الرسوم البيانية إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين بدأت أولى محاولات التمثيل البياني للمعطيات الإحصائية في أشكال ثلاثية الأبعاد، كان أبرزها وأكثرها نجاحًا الهرم السكاني الذي وضعه عام 1874 عالمُ الاقتصاد والإحصاء الأميركي فرانسيس ووكر Francis Walker)، 1840-1897) في سياق العمل على أوّل أطلس إحصائي للولايات المتحدة الأميركية، واستُقي اسمه في ذلك الحين من الشكل الأوّلي الذي يتّخذه عند تسجيل مولودية مرتفعة ووفيات مرتفعة في أوساط السكان، وهو شكل هرمي ذو قاعدة واسعة وقمة ضيقة (الشكل 1)، شهد لاحقًا تغيّرات كثيرة باختلاف المجتمعات والمراحل الزمنية[1].
[الشكل1] - الشكل التقليدي لهرم السكان (مثال دول غرب أفريقيا 1950)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يتألف الهرم السكاني من
مدرجَين تكراريّين {{المدرج التكراري: أحد أساليب عرض بيانات الجداول التكرارية، ويأخذ شكل أعمدة متلاصقة. يُمثّل عرض كل منها طول الفئة، ويُمثّل طولها قيمة التكرار، ويعكس الرسم عدد مرات حدوث شيء ما.}}، واحد لكل جنس، ومن المتوافَق عليه أن يوضَع الذكور على يسار الرسم والإناث على يمينه. وتكون أعداد السكان ذكورًا وإناثًا على محور السينات (الخط الأفقي)، والأعمار على محور الصادات (الخط العمودي)[2]، مع تدرّج في الفئات العمرية الأحادية أو
الفئات العمرية الخماسية {{الفئة العمرية الخماسية: تضم خمس سنوات عمرية معًا، مثل الفئة (5 إلى 9) سنوات التي تضم الأفراد من تمام الخامسة حتى ما قُبيل إتمام العاشرة.}} يبدأ من أصغرها في قاعدة الهرم وينتهي بأكبرها في ذروته[3]. ويؤخذ في الاعتبار أنه في حال تجميع بيانات وحدات الأعمار في فئات عمرية خُماسية، يجب تقسيم مجموع عدد الأفراد الكلي في الفئات الخمس على طول الفئة المعتمَدة (أي على خمسة).
يقوم تصميم الهرم السكاني على مبدأ بسيط، هو رسم أعمدة يعادل عرضُها طول الفئة العمرية، ويساوي طولها إما العدد المطلق للأفراد في الفئة العمرية المعنية (الهرم العددي)، أو نسبتهم من مجمل عدد السكان لكل جنس وفئة عمرية (الهرم النسبي)[4]. قد يُرسَم هرم السكان لكي يعرض بيانات العمر والجنس لدولة أو لمدينة، أو حتى لحيّ من أحياء إحدى المدن أو للأفراد العاملين في مهنة بعينها[5]. ويُتيح تصميم الهرم رؤية بصريّة مباشرة لتوزّع السكان حسب العمر والجنس في لحظة زمنية معينة، فتستكشف العين الخبيرة بلمحة واحدة بنية المجتمع المدروس، وتستنتج جملة من المعطيات السكانية والاقتصادية والاجتماعية عنه[6].
أهميته وخصائصه
يسمح الهرم السكاني بقراءة المنظومة الديموغرافية لبلد ما وتاريخها على امتداد فترة السبعين سنة الأخيرة لها بتنوّع أحداثها. ومع أنّ الشائع أن معلومات الهرم السكاني تطال قرنًا من الزمن، إلا أنه تبيَّن عمليًّا تأثير الأحداث المختلفة وممايزتها إذا كانت تُعزى إلى مراحل أقدم من حدود السبعين عامًا[7].
يمكن من خلال الأهرامات السكانية معرفة ما يمر به السكان من حوادث الولادة والوفاة والهجرة، إذ يُشكّل الهرم ذاكرة حقيقية للأزمات التي عاشتها المجموعة السكانية المعنية في الماضي، مثل: المجاعات والحروب والأوبئة؛ أو للتغيرات الطارئة في بنية السكان، مثل: الزيادات المؤقتة في معدل المواليد أو
طفرة المواليد {{طفرة المواليد: (Baby boom) مصطلح يشير إلى الارتفاع المفاجئ والكبير في معدلات الولادة خلال فترة زمنية محدودة، واستُخدم لوصف الزيادة السكانية التي شهدتها عدة بلدان صناعية بعد الحرب العالمية الثانية بين عامَي 1946 و1964، وقد ظهر في الأدبيات الديموغرافية الأميركية أواخر الأربعينيات من دون نسبته إلى باحث محدد، بل ترسّخ تدريجيًا مع توسّع الدراسات السكانية.}}. ولا تقتصر المعلومات التي يقدّمها الهرم على الماضي، بل فيه كذلك انعكاسٌ لحاضر السكان، ونافذة مفتوحة على مستقبلهم[8]، إذ يضم في بنائه "تجميعًا
لأفواج {{الفوج: مجموعة من الأفراد الذين عاشوا حادثة ديموغرافية ما في لحظة زمنية واحدة، فيشكِّل الأفراد الذين ولدوا في عام واحد مثلًا فوجًا من الأفراد يُسَمّى الجيل، ويشكل الأفراد الذين تزوجوا في فترة زمنية واحدة مثلًا فوجًا من الأزواج.}} مولودة في سنوات مختلفة، أي أنه يُظهِر في نقطة زمنية محددة الأفواج المختلفة الباقية من الأفراد من كل جنس"[9]، ويعكس بناء على ذلك تجربة الماضي والحاضر وتوقعات المستقبل لهذه الأفواج.
يمتاز الهرم السكاني بسهولة تمثيله باستخدام مختلف برامج الجداول الإلكترونية، وبسهولة فهمه، إذ يقدِّم معلومات موجزة ومباشرة عن تركيب السكان حسب العمر والجنس، وعن ظاهرتي الهجرة والنمو السكاني، بصورة أكثر وضوحًا ودقة مما تتيحه الجداول والرسوم البيانية الأخرى. وبالنظر إلى شمولية ما يقدمه من معلومات في شكل واحد، فإنه يوفّر مؤشرات دالّة تسهم في تحديد الطلب على مجموعة واسعة من السلع والخدمات التي تختلف باختلاف العمر والجنس، مثل منتجات الأطفال وتأمين الرعاية لهم، والتعليم، والإسكان، ورعاية المسنين، وحتى خدمات الجنائز، فضلًا عن أن التركيبة العمرية للسكان تؤثر في الإنفاق الحكومي والإيرادات الضريبية من خلال تأثيرها في حجم القوة العاملة ومعدلات الإعالة[10].
على الرغم من أنّ الهرم السكاني أحد أكثر طرائق عرض بيانات التركيب السكاني كفاءة، فإنه لا يُستخدم إلا لأغراض وصفية حصرًا، ولا يسمح بامتحان جودة بيانات العمر والجنس بشكل مباشر[11] إلا في حالة واحدة، وهي عند رسمه بوحدات الأعمار، وليس بفئات عمرية خُماسية كما هو شائع؛ إذ يصبح الهرم قادرًا على التعبير بشكل جيد عن أخطاء تسجيل الأعمار[12]، فتظهر عليه مثلًا ظواهر من قبيل
جاذبية الأرقام المدورة {{جاذبية الأرقام المدورة: ظاهرة نفسية واجتماعية يميل فيها الأفراد، عند التصريح بأعمارهم، إلى اختيار أعداد منتهية بصفر أو خمسة بدل ذكر العمر الدقيق. لُوحظت في الإحصاء السكاني في القرن التاسع عشر، ولذلك طُوّرت مقاييس للكشف عنها، مثل مؤشر وِبل (Whipple) ومؤشر مايرز (Myers). ويطلق عليها التحيّز نحو الأعمار المدوّرة Age healing)).}} وهي ظاهرة شائعة تمس البيانات السكانية، تنجم عن عدم المعرفة الدقيقة بالأعمار بسبب سوء التسجيل. والأرقام المدورة أو "الأرقام الجاذبة هي الخمسة وأضعافها، أي الأرقام التي تنتهي بالخمسة أو الصفر، فإذا سُئل المرء عن عمره أجاب أحيانًا برقم مقرّب ينتهي بالصفر أو الخمسة"[13]. تنعكس جاذبية الأرقام المدورة في الهرم المرسوم بوحدات الأعمار على شكل استطالات واضحة في الأعمار المنتهية بالصفر والخمسة (25، 30، 35، 40، ...)، كما في مثال هرم سكان سورية لعام 1960 (الشكل 2)، إذ يُدلل شكله على ضعف جودة تسجيل البيانات المتعلقة بالعمر، ولا سيما عند الإناث.
[الشكل 2] - الهرم السكاني بواحدات الأعمار (سورية 1960) وتظهر عليه استطالات تعكس مشكلة جاذبية الأرقام المدورة
المصدر: مدى شريقي، تطور الخصوبة السكانية في سورية منذ الاستقلال 1947-2005 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 88.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أشكال الهرم السكاني تبعًا للولادات والوفيات
تختلف تصنيفات الهرم السكاني تبعًا للمنظور التحليلي، سواء أكان يستند إلى طريقة بناء الهرم (عددي أو نسبي)، أم إلى الشكل الخارجي وتعبيره عن مراحل الانتقال الديموغرافي. وأبرز هذه التصنيفات هو ذلك الذي يستند إلى انعكاس الظواهر الديموغرافية الكبرى في شكل الهرم، إذ يتأثر شكل الهرم تأثيرًا مباشرًا بالمحددين الديموغرافيَّين الرئيسَين وهما: المواليد والوفيات، ثم تليهما في الأهمية الهجرة، والأحداث الطارئة مثل الحروب والأوبئة وغيرها.
يؤدي معدل المواليد الدور الأبرز في رسم الإطار العام للهرم؛ إذ تكون قاعدة الهرم واسعة وقمته ضيقة عند ارتفاع معدلات المواليد، وذلك بفعل ارتفاع نسبة صغار السن وانخفاض نسبة كباره، وتكون قاعدته ضيقة في الحالة المعاكسة. وتأتي الوفيات في المرتبة الثانية في تحديد شكل الهرم، إذ يكون أقصر أو يضيق بسرعة كبيرة عند ارتفاع الوفيات الكلية، ويصبح ممتلئًا وأكثر ارتفاعًا عند انخفاضها[14].
وبناءً على أثر المولودية والوفيات تتمايز أربعة نماذج أساسية من الأهرامات وفق شكلها العام على النحو الآتي[15]:
الهرم المثلّث
الهرم المثلّث
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الهرم المكوَّم
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
هرم الوعاء المقلوب (أو خلية النحل)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
هو الشكل التقليدي الأولي للهرم الذي يتّصف بقاعدة عريضة وقمة ضيقة، مع تناقص متسارع في أعداد الأفراد أو نسبهم في كل فئة عمرية. ويتوافق هذا الشكل مع النموذج الديموغرافي الأوّلي، إذ تكون نسبة المواليد مرتفعة جدًّا وطبيعية غير خاضعة للضبط، تتشكَّل معها قاعدة عريضة من صغار السن، كما تكون الوفيات الكلية مرتفعة جدًّا، والعمر المتوقع عند الولادة منخفضًا بين 50 و52 عامًا، لذلك لا يرتفع الهرم لأعلى كثيرًا.
الهرم المكوَّم
يتّسم هذا الهرم باستمرارية ارتفاع
نسبة المواليد، مما يجعل قاعدته عريضة، غير أنه يسجِّل في المقابل بدء انخفاض الوفيات الكلية بفعل تحسن الأوضاع الصحية عمومًا، فيتكوّم السكان في مختلف الفئات العمرية ويصبح الهرم أكثر امتلاءً. كما يرتفع
العمر المتوقع عند الولادة تدريجيًا، فيُسجِّل الهرم مستوى أكثر ارتفاعًا مقارنة بنموذج الهرم المثلّث.
هرم الوعاء المقلوب (أو خلية النحل)
يتّخذ الهرم هذا الشكل عندما تبدأ نسبة المواليد (المولودية) بالانخفاض عقب انخفاض الوفيات، فتتراجع قاعدة الهرم وتصبح أضيق مما كانت عليه، ويبقى الهرم ممتلئًا ومرتفعًا بفعل الوفيات المنخفضة، واستمرار تحسن الحالة الصحية العامة، مما يؤدي إلى تحقيق مستويات أعلى في العمر المتوقع عند الولادة.
الهرم البستوني
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الهرم البستوني
يأخذ الهرم هنا شكل البستوني في ورق اللعب (♠)، وهو يميّز المجتمعات التي تُسجِّل عودة لارتفاع نسبة المواليد بعد مراحل انخفاض سابقة، إذ تُعوض المجتمعات البشرية النقص حين يصل حدًّا يهدد استبدال أجيال جديدة بالأجيال القديمة. في المقابل، تبقى الوفيات منخفضة فيزداد تكدّس الهرم ويرتفع العمر المتوقع عند الولادة أكثر فأكثر، فيكون الهرم هو الأكثر ارتفاعًا من بين كل النماذج الأخرى.
العوامل المؤثّرة في الهرم السكاني – نماذج إيضاحية
لا تقتصر أهمية الهرم السكاني على تصنيف المجتمعات وفق ثنائية المواليد والوفيات؛ بل تتعداها لتقديم سجلٍ تاريخي حافل بخصائص المجموعة السكانية وتحولاتها. وفي ما يأتي نموذجان يوضّحان كيف يتجاوز الهرم الوظيفة الوصفية إلى التحليل الديموغرافي المعمق.
أثر الحروب والأحوال الطارئة
[الشكل 3] - الهرم السكاني بوحدات الأعمار (فرنسا 1968) وتظهر عليه تأثيرات الحربين العالميّتين
المصدر: لوي هنري، الديموغرافيا: التحليل والنماذج، ترجمة: مدى شريقي، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 66.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
[الشكل 4] - الهرم السكاني الخماسي لأستراليا في عام 1861، وتظهر فيه تأثيرات الهجرة الوافدة
المصدر: لوي هنري، الديموغرافيا: التحليل والنماذج، ترجمة: مدى شريقي، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 66.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
[الشكل 5] - الهرم السكاني لدولة قطر عام 2019، وتظهر عليه تأثيرات استقطاب الهجرة الوافدة – عمالة الذكور
المصدر: “Population Pyramids of the World from 1950 to 2100: Qatar 2019,” populationpyramid.net, at: https://acr.ps/1L9F2Ws
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تترك الحروب تأثيرات مباشرة في بنية السكان، تمسّ المولودية أولًا. إذ تشهد مراحل الحروب ذات المعارك الأشد انخفاضًا في أعداد الولادات، يترك أثره عادةً في أهرامات السكان على شكل هبوط في الهرم يمسّ مواليد الحرب على امتداد أعمارهم. أي أنّ فاقد الولادات عام 1914 مثلًا، سيظهر في عام 1924 على شكل هبوط في فئة العمر (20 عامًا)، وهكذا. كما تشهد مراحل الاستقرار التالية مباشرة على الحروب عادةً تعويضًا للمواليد التي أجّلتها الحرب أو أعاقتها، فتزيد هذه المواليد بشكل واضح في بدايات مراحل الاستقرار.
تترك الحروب كذلك تأثيرات في الوفيات، تمسّ بشكل رئيس الذكور في سنّ الانخراط في الحرب، وتترك أثرها في الأهرامات السكانية على شكل عدم توازن بين أعداد الذكور والإناث في الفئات العمرية المعنية، ويستمر ظاهرًا إلى عقود لاحقة[16].
يُعدّ الهرم السكاني الفرنسي لعام 1968، الذي يُظهِر أثر الحربين العالَميَّتين الأولى والثانية في سكان فرنسا، أحد النماذج الكلاسيكية الشائعة الاستخدام في عرض تأثيرات الحروب والحوادث الطارئة في السكان (الشكل 3).
يبدي الشكل هبوطات مهمة وصريحة في الأجيال التي عاصرت الحربين العالميّتَين الأولى والثانية، فمن هم في حدود منتصف العشرينيات من العمر عام 1968 تأثروا بنقص المواليد في الحرب العالمية الثانية، ومن هم في حدود منتصف الخمسينيات من العمر في عام 1968 تأثروا بنقص المواليد في الحرب العالمية الأولى. كذلك يظهر على الهرم تعويض الخصوبة في أجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي سمة عامة لمجتمعات ما بعد الحرب التي تشهد في مراحل ما بعد الاستقرار تعويضًا بزيادة معدلات الخصوبة. ويبيِّن الهرم الأثر الذي يتركه فائض وفيات الذكور بفعل الخسائر العسكرية، والذي يظهر على شكل عدم توازن بين الجنسين في الأعمار الأكبر. فالأفراد في الأعمار 75 فما فوق في عام 1968 كانوا في سن الشباب أثناء الحرب العالمية الأولى، وتعرّضت أفواجهم لوفيات عالية بتأثير انخراطهم في الأعمال العسكرية، لذلك تبدو أعدادهم أقلّ بشكل واضح من أعداد الإناث في الفئات العمرية نفسها عام 1968 (الشكل 3).
تأثيرات الهجرة الوافدة واستقطاب العمالة
ينعكس أثر الهجرات الوافدة في الأهرامات السكانية عادةً على شكل استطالات في أعداد السكان في الفئات العمرية التي سجّلت استقطابًا عاليًا للسكان عبر موجات الهجرة. وتخصّ الهجرات الوافدة عمومًا الذكور أكثر من الإناث، فتنعكس في الهرم على شكل فائض في أعداد الذكور في البلدان المستقبِلة للهجرة، كما في مثال أستراليا عام 1861، إذ سجّلت عدم توازن في أعداد الذكور والإناث ناجم عن عقود سابقة من الهجرات الوافدة (الشكل4).
وفي العصر الحديث تقدّم البنية السكانية لعدد من دول الخليج العربي أمثلة مماثلة لاستقطاب الهجرة الوافدة من الذكور بتأثير العمالة، فهي تؤدي إلى تشكّل أهرامات عمرية تخلو تمامًا من التناظر النسبي بين الجنسين وهو الشائع في شكل الأهرامات السكانية عمومًا. يُعدّ الهرم السكاني لدولة قطر عام 2019 نموذجًا للتغيرات التي تمسّ الهرم بتأثير استقطاب عمالة الذكور في الفئات الشابة (الشكل 5)، ويمكن بلمحة واحدة إدراك التكدّس العالي للذكور الذي بدأ من حدود سن العشرين مع الدخول الواضح في قوة العمل، ولا ينتهي إلا بالوصول إلى فئات أعمار كبار السن فوق 65 عامًا.
المراجع
العربية
الخريّف، رشود بن محمد.
معجم المصطلحات السكانية والتنموية. ط 2. الرياض: دار المؤيد، 2008.
شريقي، مدى.
تطور الخصوبة السكانية في سورية منذ الاستقلال 1947–2005. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.
عبد الكريم اليافي، "تصورات ومصطلحات أساسية في عام السكان".
مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق. العدد 62 (1987). ص 652-668.
عطية، شوقي.
علم السكان في البحث التطبيقي والإحصائي. بيروت: دار نلسن، 2017.
كارمايكل، غوردن أ.
أساسيات التحليل الديموغرافي: المفاهيم والمقاييس والطرائق. ترجمة مدى شريقي. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025.
هنري، لوي.
الديموغرافيا: التحليل والنماذج. ترجمة مدى شريقي. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
الأجنبية
Caselli, Graziella, Jacques Vallin & Guillaume Wunsch.
Demography: Analysis and Synthesis: A Treatise in Population. London: Elsevier, 2006.
Hinde, Andrew.
Population Methods. London/New York: Routledge, 1998.
“La pyramide des âges.” Institut national d'études démographiques (Ined). at:
https://acr.ps/1L9Ba5T
Lassen, Aske Juul, “Active Ageing and the Unmaking of Old Age,” PhD Dissertation, University of Copenhagen, Copenhagen, 2006.
Poston, Dudley L. & Leon F. Bouvier.
Population and Society: An Introduction to Demography. Cambridge: Cambridge University Press, 2017.
Poston, Dudley L. & Michael Micklin (eds.).
Handbook of Population. Handbook of Sociology and Social Research. New York: Springer, 2006.
Thomas, Richard K.
Concepts, Methods and Practical Applications in Applied Demography: An Introductory Textbook. New York: Springer International Publishing, 2018.
Vidal, Annie.
Démographie: éléments d’analyse et évolution du peuplement humain. Grenoble: Presses Universitaires de Grenoble, 2002.
Walker, Francis Amasa.
Statistical Atlas of the United States Based on the Results of the Ninth Census 1870. New York: Julius Bien, 1874.
Wilson, Tom. “Visualising the Demographic Factors Which Shape Population Age Structure.”
Demographic Research. vol. 35, no. 29 (2016). pp. 867-890. doi:
10.4054/DemRes.2016.35.29
[1] يُنظر:
Francis Amasa Walker,
Statistical Atlas of the United States Based on the Results of the Ninth Census 1870 (New York: Julius Bien, 1874); Aske Juul Lassen, “Active Ageing and the Unmaking of Old Age,” PhD Dissertation, University of Copenhagen, Copenhagen, 2006, p.68; Graziella Caselli, Jacques Vallin & Guillaume Wunsch,
Demography Analysis and Synthesis: A Treatise in Population (London: Elsevier, 2006), pp. 775.
[2] “La pyramide des âges,” Institut national d'études démographiques (Ined), accessed on 18/3/2026, at:
https://acr.ps/1L9Ba5T
[3] غوردن أ. كارمايكل،
أساسيات التحليل الديموغرافي: المفاهيم والمقاييس والطرائق، ترجمة: مدى شريقي، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025)، ص 39.
[4] على سبيل المثال، يُنظر:
Richard K. Thomas,
Concepts, Methods and Practical Applications in Applied Demography: An Introductory Textbook (New York: Springer International Publishing, 2018), p. 92; Dudley L. Poston Jr. & Leon F. Bouvier,
Population and Society: An Introduction to Demography (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), p. 300.
[5] رشود بن محمد الخريّف،
معجم المصطلحات السكانية والتنموية، ط 2 (الرياض: دار المؤيد، 2008)، ص 206.
[6] يُنظر: شوقي عطية،
علم السكان في البحث التطبيقي والإحصائي (بيروت: دار نلسن، 2017)، ص 55.
[7] لوي هنري،
الديموغرافيا: التحليل والنماذج، ترجمة مدى شريقي، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 65.
[8] لمزيد من التفاصيل عن أهمية الأهرامات السكانية على سبيل المثال، يُنظر: الخريّف، ص 200؛ عطية، ص 55.
[9] Poston & Bouvier, p. 300.
[10] يُنظر:
Tom Wilson, “Visualising the Demographic Factors Which Shape Population Age Structure,”
Demographic Research, vol. 35, no. 29 (2016), p. 869, doi:
10.4054/DemRes.2016.35.29
[11] يُنظَر:
Poston & Bouvier,
op. cit.; Dudley L. Poston & Micklin Michael (eds.),
Handbook of Population, Handbook of Sociology and Social Research (New Yrok: Springer, 2006), p. 25.
[12] يُنظر: الخريّف، ص 201.
[13] عبد الكريم اليافي، "تصورات ومصطلحات أساسية في عام السكان"،
مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، العدد 62 (1987)، ص 652.
[14] يُنظر:
Andrew Hinde,
Population Methods (London/ New York: Routledge, 1998), p. 162.
[15] لا يوجد توافق كامل وتام على تسميات الأهرامات، وتتنوع تصنيفاتها كثيرًا، للمزيد يُنظر: عطية، ص 57-60؛ الخريّف، ص 201-211؛
Annie Vidal,
Démographie: éléments d'analyse et évolution du peuplement humain (Grenoble: Presses Universitaires de Grenoble, 2002), pp. 137-140.
[16] للمزيد عن العوامل المؤثرة في شكل الهرم يُنظر مثلًا: عطية، ص 63-65.