الموجز
العلوم السياسية تخصّصٌ تمحورَ منذ بدايات القرن العشرين حول ما يمكن تسميته "الاهتمام بالشأن العامّ"، بما يشمله من قضايا النظام السياسي، والحكم، والديمقراطية، والمجتمع، والعدالة. وقد نشأ هذ العلم من جذور قديمة في الفلسفة والتاريخ، منذ أفلاطون وأرسطو، مرورًا بابن خلدون ومكيافيلي وهوبز ولوك ومونتسكيو وتوكفيل، قبل أن يتبلور أكاديميًا في الجامعات الأوروبية والأميركية في القرنين التاسع عشر والعشرين، متقاطعًا مع عدد من الحقول الفرعية الرئيسة، من أبرزها: النظرية السياسية، والسياسة المقارنة، ودراسة المؤسسات السياسية التي انصرفت في جانب مُهمٍّ منها إلى تحليل النُّظُم الديمقراطية، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب حقل العلاقات الدولية.
تهدف العلوم السياسية إلى فهم الظواهر السياسية وتحليلها، نظريًّا وتجريبيًّا، من أجل إنتاج معرفة قابلة للاختبار والتحقّق، ومتّصلة بإشكالية "الصالح العامّ". تحقيقًا لذلك، يستعين التخصص بأدوات ومناهج طُوّرت في حقول معرفية مُجاوِرة، مثل الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس، بعد تكييفها وتطويرها بما يُلائِم موضوعاته. ومن ثمّ، يمكن القول إن العلوم السياسية نشأت وتطوّرت على قاعدة تكامُل التخصصات، وما تزال تحافظ على هذا الطابع التفاعُلي حتى اليوم.
وللعلوم السياسية فروع أساسية، في مقدمتها النظرية السياسية، والسياسة المقارنة، والعلاقات الدولية، والإدارة العامة والاقتصاد السياسي وعلم النفس السياسي والمنهجية السياسية. فالنظرية السياسية مثلًا تحتفظ داخل حقل العلوم السياسية بوظيفة نقدية ومعيارية، فهي لا تكتفي بوصف الواقع السياسي، بل تسائل مفاهيم العدالة والحرية والمساواة والسلطة والشرعية، في حين تدرس السياسة المقارنة النظم السياسية في العالم وتفسر الاختلافات بينها كما تقارن بين أسسها وأدواتها ومخرجاتها.
وقد تطور هذا التخصص ضمن مسارات مختلفة في الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، لاسيما في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، وذلك تبعًا للسياقات الجامعية والسياسية والثقافية في كل بلد. أما في العالم العربي، فتعود بدايات تدريس العلوم السياسية إلى جامعات مثل الجامعة الأميركية في بيروت، وجامعة القاهرة، وجامعة الخرطوم وغيرها، إلا أنّه دخل المنطقة في سياقات استعمارية وما بعد استعمارية، وأعاق تطوّرَه وحدّ من استقلاليته طبيعة الظروف السلطوية في البلاد العربية، فضلًا عن تدهور الأوضاع الاقتصادية وضعف فرص العمل المتوفرة للمنخرطين في هذا التخصص.
أصول التخصص
أفلاطون، تفصيل من لوحة أكاديمية أثينا، رفائيل سانيزو
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تُعَدّ العلوم السياسية من أقدم العلوم الاجتماعية وأحدثها في الوقت نفسه، ذلك أن جذورها تعود (في الرأي الأعمّ) إلى فلاسفة اليونان، ولا سيما أفلاطون (Plato، 347-427 ق.م.) وتلميذه أرسطو (Aristotle، 322-384 ق. م.)، فإسهاماتُ كلَيْهما تتميّز بتناول السياسة من خارجها، أي من مقعد المراقِب غير المنخرط فيها مباشرةً، الأمر الذي يُميّزهما عن السياسيّين، مثل حاكم أثينا الأشهر وخطيبها المُفوَّه بيريكليس (Pericles، 429-490 ق. م.)، وغيره من بُناة الدول وقادتها، رغم أن أولئك قد يكونون مُفكّرين وأصحاب رأي؛ فمثلًا، يفخر بيريكليس بديمقراطية أثينا في خطبة الجنازة الشهيرة، ويعدّد فضائلها، بما فيها احترام خصوصية مُواطِنيها.
وقد وُصِف أفلاطون بأنه مخترع العلوم السياسية، لأنه تناول الأوضاع السياسية نقديًّا، بعيدًا عن الأساطير وترديد السرديات التبريرية للأوضاع القائمة. كذلك عُدَّت الأكاديمية التي أنشأها في أثينا "أول مدرسة للعلوم للسياسية"[1]. لقد سنَّ أفلاطون سُنّة النقد العقلاني للممارسات السياسية، وتناولها من منظور مستقلّ إلى درجةٍ ما، هذا مع العلم بأنه لم يكن من أنصار الديمقراطية الأثينية (Athenian democracy)، ربما بدايةً لأنها أعدمت أستاذَه سقراط (Socrates، 399-470 ق. م.) بتهمة "إفساد الشباب" الذين كان يُشجِّعهُم على نقد المجتمع، وربما السخرية منه. وقد انتقد أفلاطون بيريكليس، مُتّهِمًا إيّاه بدغدغة مشاعر الغوغاء عبر إسماعهم ما يريدون، وجعلهم يتيهون فخرًا بأوضاعهم المُزرية. وقد تبنّى هذا النهج من لحقوا به من الفلاسفة والمؤرّخين والمفكّرين، كما في تسجيلهم لتاريخ الدول وتجاربها، إذ أشاروا إلى ما رأوه أخطاء ارتكبها قادتُها، وقَدَّموا ما رأوه حلولًا. وبالتأكيد، لم يكن حيادهم كاملًا، إلا أن طريقة تقديمهم للأفكار كانت ذات طبيعة قابلة للتعميم، بدليل أن أفكارهم ما زالت تُناقَش بعد قرون من رحيلهم.
كتاب القوانين لافلاطون
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يُلخِّص كثير من الدارسين إنجاز تلميذ أفلاطون الأشهر أرسطو، في أنه حقَّق نقلة في تناول السياسة من الأخلاقيات إلى تحليل إمبيريقي لدساتير المُدن الإغريقية، ولكن لعَلّ الأصحّ أنه قدّم مزيجًا من التحليل التجريبي والأحكام والمُعالَجات الأخلاقية في دراسته للأوضاع السياسية. وقد ورث أرسطو عن أفلاطون مفهومَيْن مُهمَّيْن، هُما: التقسيم السداسي لأنواع الحكم، وفكرة الدستور المختلَط. وكان الأوّل قد قسّم أنواع الحكم إلى خمسة أنواع، رتّبَها بحسب الأفضلية: الأرستقراطية (Aristocracy) وهي حكم الأفضل من أهل العلم والفضيلة؛ فالتيموقراطية (Timocracy) وهي حكم أهل الشرف والمُقاتلين؛ فالأوليغارشية (Oligarchy) وهي حكم الأقلّية الثريّة غالبًا؛ ثم الديمقراطية (Democracy) وهي حكم العامّة؛ ثم أخيرًا الحكم الاستبدادي (Autocracy) وهو حكم الفرد. وبحسب أفلاطون، فإن الأرستقراطية هي الأفضل، خصوصًا حين يحكم أهل العلم (الفلاسفة). وتتدهور الأرستقراطية إلى التيموقراطية، ثم الأوليغارشية، وهكذا. وقد عدّل أرسطو التقسيمات إلى ثلاثة أزواج: الملكية (Monarchy/ الحاكم الواحد وراثيًّا)، وتتدهور إلى الاستبداد عندما تفسد؛ والأرستقراطية (حكم الأقلّية الصالحة)، وتتدهور إلى الأوليغارشية عند فسادها؛ وأخيرًا الجمهورية (Republic/ حكم الأغلبية المنضبط)، وتتدهور إلى الديمقراطية، أي حكم الأغلبية غير المنضبطة (الغوغاء)[2].
تنازل أفلاطون شيئًا ما عن مثاليّته في كتاب القوانين الذي صنّفه في آخر أيامه، طارحًا فكرة "الدستور المختلَط" لتحقيق الاستقرار على حساب المثالية، في محاولة منه للمزج بين مزايا أكثر من دستور، مثل الحكمة والفضيلة في المَلكية، مع فضائل الحرية في الديمقراطية. وقد طوّر أرسطو بدَوْره هذه الفكرة التي ما زالت محلّ نقاش بين المفكّرين. وبحسب روبرت غودين (Robert Goodin) وهانز-ديتر كلينمان (Hans-Dieter Klingemann)، فإن هذه كانت "أول نظرية سياسية تفسيرية في تاريخ العلوم السياسية، رُبطت فيها المؤسّسات والتوجّهات والأفكار بالعملية [السياسية] والأداء، ويمكن اعتبارها مصدر نظرية فصل السلطات"[3].
بين أثينا وفلورنسا
ورث الرومان فكرة الدستور المختلَط، وأضافوا إليها مفهوم "القانون الطبيعي" لتطوير تحليلات مُماثِلة لتاريخ الدولة الرومانية ومؤسّساتها. ثم تطوّرت هذه المفاهيم عبر توما الأكويني (Thomas Aquinas، 1225-1274) الذي ربط هذه الأفكار بالقانون السماوي وممارساته في عهد موسى وخلفائه[4]. وفي عصر النهضة، قدَّمت البندقية نموذجًا عمليًّا لنظام الحكم المُختلَط تحت سقف القانون الطبيعي، إلا أن مدينة قريبة منها جغرافيًّا أخرى من مدن النهضة هي التي أنجبت المفكّر الموصوف بأنه مؤسّس العلوم السياسية الحديثة، بل مؤسّس الحداثة عند بعضهم[5]، وهو الفيلسوف ورجل الدولة والسياسي والدبلوماسي نيكولو مكيافيلي (بالإيطالية: Niccolò Machiavelli، 1527-1469)، صاحب الكتب المشهورة مثل الأمير، وأطروحات، ومحاضرات حول ليفي، وغيرها. يُنسَب نفوذ مكيافيلي إلى كتاباته، وكذلك إلى دعوته إلى التفريق بين القِيَم والواقع في الشأن السياسي، وهو ما يجعله أقرب إلى الكتابات العلمية الحديثة. ولعلّ المفارقة هنا تكمُن في أنه لم يذكر في كتاباته مسألة التفريق بين القِيَم والحقائق، فضلًا عن أن بعض أهمّ كُتُبه مثل الأمير نُشرت بعد وفاته[6]. المفارقة الأكبر هي أن جُلَّ المؤلِّفين ذوي الشأن لم يستشهدوا لعدة قرون بمكيافيلي في كتاباتهم مباشرةً، بسبب سوء صيته. ولهذا، فإن الفيلسوف إيمانويل كانط (بالألمانية: Immanuel Kant، 1804-1724) مثلًا، قد تطرّق إلى بعض أفكاره في تعليقاته على يوهان غوتفريد هيردر (بالألمانية: Johann Gottfried Herder، 1803-1744) الذي كان مُعجَبًا به، من دون التطرّق إلى اسمه، وإن كان الأمر قد تغيّر في وقت لاحق[7].
ما أشار إليه مكيافيلي مباشرةً هو تأكيده على الواقعية، مُنتقِدًا الكُتّاب الذين يطرحون نماذجَ مثاليةً للدولة لا وجودَ لها في الواقع، حتى إنها تشبه جمهورية أفلاطون الخيالية. كذلك فقد جسَّد التفريق بين القِيَم والوقائع، حين دعا في الفصل الخامس عشر من الأمير إلى ضرورة أن يتعلّم الأمير كيف "لا يكون خيرًا". من جهة أخرى، يقول مكيافيلي إنه يُوجِّه معظم نصائحه إلى "الأمير المؤسِّس" المُنخرِط في إنشاء جمهورية جديدة، وهو الذي يصفه بأنه بمنزلة النبي، لذا عليه أن يتجاهل القوانين والقِيَم السائدة، لأنه بصدد تأسيس نظام جديد يَتبعُه مَن يأتي بعده. تشير وصفة مكيافيلي دائمًا إلى أن هذا يأتي عند الضرورة، ولقطع دابر الفساد، أو للمحافظة على بقاء الدولة غالبًا، إذ إنه يتبع أرسطو في جعل "الصالح العامّ" هو المرجعية، وإن كان يُعيد تعريف المفهوم بحسب الظروف[8].
مهما يكُن، فإن تخصّص العلوم السياسية قد جعل من مكيافيلي "أبًا" له بصورة رجعية (ما-بعدية)، وهو تَبَنٍّ معكوسٌ إن صحَّ التعبير، بعد أن وجد فيه المؤسّسون الأحدث تشابُهًا كبيرًا مع ما يفعلونه أو يريدون فعله. ولعلّ ما جمع بين مكيافيلي وشريكه المفترض في تأسيس العِلم توماس هوبز (Thomas Hobbes، 1588-1679)، هو اتفاقهما على أن طبيعة الإنسان شرّيرة بالفطرة، إذ يتّسم معظم البشر بأنهم مخادعون وأنانيون ولا يُعتمد عليهم، وهذا بدَوْره يرجّح عدم منحهم الشراكة الكاملة في العملية السياسية، بل إخضاعهم لها[9].
ولكن، لعلّ هذا يستوجب وقفة مع مفكّر رائد آخر، سبق مكيافيلي بأكثر من قرن في تبنّي معالم التفكير العِلمي في دراسة السياسة، ألا وهو المؤرّخ والفقيه ورجل السياسة والقاضي العربي المغاربي عبد الرحمن بن خلدون (732-808هـ/ 1332-1406م). لا يتميّز ابن خلدون عن مكيافيلي وكارل ماركس (بالألمانية: Karl Marx، 1883-1929) وماكس فيبر (بالألمانية: Maximilian Weber، 1864-1920) وسواهم بأنه أسَّس الواقعية والنظرة النقدية فحسب، بل بإسهامه أيضًا في توضيح العلاقات السببية بين الحقائق الاجتماعية والنتائج السياسية. لقد توصّل ابن خلدون، عبر نظرة استقرائية في تاريخ الدول التي تابع تطوّرَها ومسارَها (وشارك في بعض حكوماتها)، إلى أن أهمّ عامل في نشأة الدول وبقائها هو العصبية (العشائرية/ القَبلية في الأساس) التي يمكنها أن تُدعم بهُويات أخرى، مثل اللحمة الدينية أو القومية- اللسانية. وقد عَمَّم هذه الفرضية على الإمبراطوريات الكُبرى، وحتى على نشأة الأمة الإسلامية، استنادًا إلى عصبية قريش[10].
تواجه أطروحة ابن خلدون إشكالات عدّة، مثل محدودية التجارب التي استند إليها، ووجود نماذج مخالفة لها، مثل غياب العصبيات القوية في أوروبا وبلاد فارس (الاسم التاريخي لإيران في الوقت الراهن)، حتى قيام القوميات الحديثة التي يمكن أن تصبح متغيّرًا بديلًا. كذلك فإن حُجّته بأن نبيّ الإسلام محمدًا بُعث في قريش لأنها أهمّ قبائل العرب وقتئذٍ، تُواجِه إشكاليةَ أن قبيلة قريش وقفت بكل وزنها ضد نبي الإسلام حتى هُزمت بتحالفات مضادّة، ومن هنا لم يستفِد النبي ودعوته من الانتساب إلى قريش. على الرغم من ذلك، تُقدّم فرضية ابن خلدون نموذجًا متطوّرًا لمنهج علمي قائم على الاستقراء، يتجاوز نقاشات مكيافيلي وما تبعها من افتراضات حول حالة الطبيعة ثم العقد الاجتماعي عند بعض لاحقيه، إذ إن نظرية ابن خلدون اكتشفت علاقة سببية بين الظواهر الاجتماعية والتطوّرات السياسية، الأمر الذي لم يحدث إلا بعده بقرون.
الطريق إلى الحداثة
شهدت التطوّرات الفكرية في أوروبا خطوات متسارعة مع بدايات الثورة العلمية في القرن السابع العشر، والتحوّل الرأسمالي، واختراع الطباعة، وتحسّن طرق التواصل البحري والبرّي، واكتشاف قارّاتٍ وطُرق مِلاحة جديدة. شهدت الفترة نفسها الإصلاح البروتستانتي، وما تلاه من حروب دينية قسّمت أوروبا. صاحبت ذلك أيضًا اضطرابات داخلية في بعض الدول، مثل الحرب الأهلية الإنكليزية وذيولها (1642-1651).
في هذا الجوّ، ظهرت كتابات سياسية جديدة، أبرزها مؤلَّفات الإنكليزي توماس هوبز الذي كان منحازًا إلى الجانب المَلكي في الصراع بين الملك والبرلمان في الحرب الأهلية الإنكليزية. لقد سعى هوبز لاتّباع منهج علمي يعتمد السببية الميكانيكية في تفسير السلوك الإنساني[11]، وأسَّس نظريته على افتراض أن النُّظُم السياسية خرجت من رحم أوضاع طبيعية كانت تسودها حالات من الفوضى والفردية، يأكل فيها القويّ الضعيف، وجاء أوّل نظام سلطةٍ مِن توافُقٍ على عقدٍ اجتماعيّ يخضع فيه الجميع لسلطة حاكمة تضمن لهم الأمنَ ويُسْرَ العيش. وحتى يتحقّق هذا، لا بد من الخضوع الكامل الإلزامي لسلطة واحدة، سواء أتمثّلت في حاكم واحد أم مؤسّسة حاكمة، وإلّا بطُلت الفائدة، فلو كان الخضوع مشروطًا أو محلّ تفاوُضٍ ودرجات، لهدّد بالارتداد إلى حالة الطبيعة وما فيها من صراع الكلّ ضد الكلّ.
إلا أن رؤية هوبز وجدت معارضة من طلائع الليبراليين، من أمثال الفيلسوف الإنكليزي جون لوك (John Locke، 1704-1632) الذي عارض رؤية هوبز لحالة الطبيعة، فهي كانت فعلًا (عند لوك) حالة قبل-سياسية، ولكنها لم تكن قبل-اجتماعية، إذ لم تكن مسرح فوضى واقتتال، بل حالة تعاوُن ونيّات حسنة وحقوق طبيعية، ويجب أن يُحسِّن الانتقال منها إلى نظام سياسي الأوضاعَ بدل حرمان الناس من حقوقهم المُكتسَبة. بناءً عليه، لا بدّ من أن تُحصر سلطات الحكومة (Government) في النطاق الأدنى المطلوب لحفظ السِّلْم الأهلي، ويجب أن تُحاط بضمانات تمنع تغوّلها على الحقوق، ويشمل ذلك فصل السلطات[12].
يُلحَظ هنا أن هذه الكتابات اعتمدت على فرضيات مُتخيَّلة لمجتمعات ما قبل الدولة، مُستنتَجةٍ على أساس عقلاني، ربما بناءً على بعض المعلومات والفرضيات التاريخية، علاوة على أن هوبز ولوك استنتجا من الفرضيات نفسها نتائجَ متعارضة، فكان المحتوى العلمي بناءً على ذلك محدودًا. في المقابل، عاد المفكّر الفرنسي مونتسكيو (بالفرنسية: Montesquieu، 1755-1689) في كتابه روح القوانين إلى منهج أرسطو، فدرس دساتيرَ عدّة دول، من أبرزها بريطانيا. وقد تناول في دراسته حالات غير أوروبية مثل فارس، ومصادرَ تاريخيةً مثل تاريخ روما[13].
وقد أثّرت كتابات مونتسكيو، وقبله لوك، في "الآباء المؤسّسين" للنظام الأميركي، من أمثال ألكسندر هاميلتون (Alexander Hamilton، 1804-1755)، وتوماس جيفرسون (Thomas Jefferson، 1826-1743)، وجيمس ماديسون (James Madison، 1836-1751). من جهة أخرى، ألّف الفرنسي الآخر ألكسيس دو توكفيل (بالفرنسية: Alexis de Tocqueville، 1859-1805) كتابَه الديمقراطية في أميركا (1835)، استنادًا إلى ملحوظاته الخاصة في الولايات المتحدة، وهذا بدَوْره أثّر في تفكير كُتّابٍ وسياسيّين في مناطق وأزمان أخرى.
إذن، يتبيّن وجود بداية انتقالَيْن مُهمَّيْن، هُما: التوجّه نحو الملاحظة التجريبية، علاوة على التفكير المستقلّ ومفتوح المدى في دراسة السياسة؛ والتأثّر المتبادَل بين الكتابات والممارسة. لكنَّ الأمر احتاج إلى عوامل أخرى حتى تظهر العلوم السياسية في صورتها الحالية، فشمل ذلك تطوّرات اقتصادية اجتماعية، مثل: نموّ المدن، والهجرة المتزايدة إلى أميركا، وتوسّع التعليم، وتشكّل علم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا وعلم النفس، فضلًا عن الدراسات الميدانية في الجامعات الأميركية المُخصَّصة لعمل مؤسَّسات الحُكْم والعملية السياسية.
العلوم السياسية في الولايات المتحدة
شهدت العلوم السياسية في الولايات المتحدة الأميركية، بحسب جون درايزيك (John Dryzek)، خمس ثورات لم تنجح منها سوى اثنتَيْن. هذه الثورات هي: توجّه "الدولتية" الذي صاحب نشأة التخصص ومهنته مع بداية القرن العشرين؛ والتعدّدية التي شهدتها نهاية العقد الثاني وبداية الثالث من العقد نفسه؛ ثم السلوكية؛ ثم التجمّع من أجل عِلْم سياسي جديد؛ وأخيرًا البيريسترويكا (Perestroika)[14].
وقد كانت التعدّدية أشبه بثورة خَفيّة اندمجت بسلاسة مع سابقتها، حتى ظهرت هيمنتها في نهاية الستينيات، رغم أن جون غونيل (John Gunnell) وصفها بالثورة الحقيقية الوحيدة في العلوم السياسية الأميركية[15]. وقد كان هارولد لاسكي (Harold Laski، 1950-1893)، وماري فوليت (Mary Follett، 1933-1868)، وجورج كاتلين (George Catlin، 1979-1896) من أهمّ رموز هذه الثورة. وقد اختلفت هذه المجموعة مع الجيل الأوّل بشأن التعددية التي اعترف الطرفان بوجودها، ولكن الأوّلين رأوها مشكلة يجب حلُّها، في حين احتفل بها الأخيرون، وهو الموقف الذي ساد فيما بعد.
وقد اكتسبت هذه الصراعات أهمية في الساحة الأميركية، لا لأنها الساحة الأكبر والأكثر دينامية فحسب، بل بسبب الوضع الفريد الذي أدّته الرابطة وظلّت تؤدّيه، بوصفها سلطةً لا رديفَ لها في المناطق الأخرى، تكاد تتفوّق على سلطة الحكومات الدكتاتورية. يعود هذا جزئيًّا إلى الطريقة البطرياركية التي تُدار بها الرابطة، لكنَّ السبب الأهمّ هو أن الرابطة نجحت في أن تخلق لنفسها سلطة فوق الجامعات مستقلّة عنها، بسبب هيمنتها على منابر النشر الأهمّ في التخصص، وهذا بدَوْره يؤثر في الصِّيت والتوظيف والترقيات.
أما هذه السلطة، فقد ظلت لا مركزية ومُشتَّتة في أوروبا وبقية أنحاء العالم، ومُوزَّعةً بين الجامعات والمجالس الحكومية، لتمويل التخصصات ودعمها والإشراف عليها. بل إن هذا الوضع ظلّ متفرّدًا في حالة العلوم السياسية، حتى في الولايات المتحدة نفسها، إذ لم تقُم "ثوراتٌ" وحركاتُ "بيريسترويكا" في تخصّص علم الاجتماع أو علم النفس. ورغم أنّ هناك مدارس وتوجّهات وتفضيلات منهجية تتنافس، فإنها لا تتحوّل إلى حروب ومُحاولات لإقصاء منهجٍ ما وإحلال منهجٍ محلّه، أو توجيهه إلى مكان آخر. ففي العادة، تطرح أي مجموعة رأيها في "السوق" بصورة تنافُسية، فيُقبَل أو يُرفَض، إلّا في أميركا وفي العلوم السياسية، لأن الرابطة تحوّلت إلى سلطة مركزية على نوعٍ من التسلّطية، تحتاج إلى "ثوراتٍ" وانتفاضاتِ "بيريسترويكا".
مهما يكُن، فإن الرؤى المختلفة ظلّت تتعايش وتتنافس حتى في داخل تخصّص العلوم السياسية، فالمعارك تُشَنّ عبر كُتب أو أوراق في دوريات، أو مداخلات في مؤتمرات، أو وسائل تواصُل أخرى. وكما ورد أعلاه، فإن ما يُسمَّى بالثورات نادرًا ما ينجح في فرض هيمنته. على سبيل المثال، إنّ ما سُمّي بالتوجّه التقليدي الذي يُركِّز على الدولة قد تراجع شيئًا ما، لكن ما لبثت المطالبات بإعادة الدولة إلى الواجهة أن عادت بعد مدة قصيرة من نجاح السلوكية، فيما وُصف بأنه إقصاء لها، كذلك فإن السلوكية الجديدة (Neobehaviourism) أعادت التوازن إلى دعاوى السلوكية الراديكالية، وهكذا.
ويتّضح أن المواقف اتّجهت نحو تقارُب مُثير للاهتمام، حتى في الصراعات السياسية التي شهدها التخصّص بين التيارات المتنازِعة، كما في الاستقطاب بين التعدّدية الليبرالية كتبريرٍ للنظام الديمقراطي السائد وبين التيارات الماركسية. وقد بات معروفًا أن التعددية برزت في أواسط القرن الماضي بوصفها توصيفًا واقعيًّا لحالة الديمقراطيات الغربية خصوصًا في الولايات المتحدة، بدلًا من الفرضية القديمة لمواطنين أفراد مُتساوين في الحقوق والواجبات والتأثير في النظام، بعد أن ظهر جليًا أن تلك الفرضية كانت بعيدة جدًّا عن الواقع. بحسب الفرضية الجديدة، يتحرّك المواطنون على شكل مجموعات، إمّا بوصفهم جماعات ضغط اقتصادية/ طبقية، كما في النقابات مقابل رجال الأعمال، وإما بوصفهم تكتّلات ثقافية عرقية ودينية ولُغوية ومناطقية تتصارع على المكاسب، بينما تعمل الدولة بوصفها حَكَمًا بين هذه المطالب، للتأكّد من وجود توازن يضمن المطالب العادلة. في المقابل، يرى الماركسيون أن الدولة هي في الواقع أبعد ما تكون عن الحياد والاستقلالية، لأنها أداة البرجوازية ورأس المال في قمع الطبقات الدنيا، وإذا كان لها استقلال نسبي، فهو استقلال وظيفي بين الفئات الرأسمالية المتنافِسة، تتطلّبه النجاعة في تحقيق مصالحها.
في مرحلة لاحقة، اعترف التعدّديون بحقيقة أن المجموعات المتصارعة ليست في الحقيقة مُتساوية في القوة، وأن الدولة كذلك ليست مُحايِدة، إذ إنها أكثر ميلًا لدعم مصالح الفئات الأقوى. في الوقت نفسه، قَبِل الماركسيون بحقيقة وجود استقلالية نسبية للدولة، وفضاءٍ يُوفِّر للطبقات العاملة مساحة للتحرّك لتحقيق مكاسب ذات معنى، كما في دولة الرفاه وغيرها[16]. وما زال هذا التقارب مستمرًّا، إذ لم يَعُد وصف التخصّص بأنه يقوم على "طوائف متناحرة" صحيحًا تمامًا، فحتى في الولايات المتحدة ما زال الجميع تقريبًا يحضرون مؤتمرات الرابطة لتقديم أوراقهم ومناقشتها، ويتنافسون في نشرها في دورياتها الأساسية، التي أصبحت بدَوْرها تشمل منابرَ "ثوريةً" لبعض التيارات النقدية.
وصحيحٌ أن العلوم السياسية انتشرت في كل بلدان العالم تقريبًا، ولكن تأثُّرَها بالمحور الأميركي ما زال من المزايا، حتى حين يكون بالرفض والتمرّد. أما الصين، فهناك من يرى أن حالها يَصْدُق مقولة صمويل هنتنغتون (Samuel Huntington، 1927-2008) عن التعارض الجذري بين السلطوية ووجود العلوم السياسية، ناهيك من ازدهارها[17]، وإنْ كان العالَم العربي يُمثِّل تصديقًا جزئيًّا ومحدودًا للمقولة. وبسبب تعدّد الفضاءات الأكاديمية المُتاحة وتنوّعها، يمكن عقد أمل أن تسبق نهضة العلوم الاجتماعية، بما فيها السياسية، النهضةَ العربيةَ الشاملةَ وتكون قاطرتها، فمن المهمّ تذكّر أن بوادر العلوم السياسية والتفكير السياسي نشأت في ظلّ أنظمة أوروبية قبل-ديمقراطية، وأثّرت في الترويج للحريات والتطور الديمقراطي، بما في ذلك في الولايات المتحدة التي تعايشت فيها الديمقراطية مع الرقّ وإبادة السُّكّان الأصليّين للبلاد.
ماهية السياسة
تشير العبارة الإنكليزية المعرّفة إلى التخصّص (Discipline) إلى دلالات عدة، أهمّها الضبط والانضباط كما في الجيش أو المدارس، مع الصرامة في الضبط والعقوبات إن لزم. وثمة ظلالٌ من هذا المعنى في تعريف التخصّصات الأكاديمية، إذ تعتمد على قيام جماعة أكاديمية تتّبع رقابة صارمة على مُمارِسي التخصّص/ المهنة، من حيث ضبط المعايير والقِيَم المفترض سيادتها، مع صرامة أكثر تجاه الطامحين إلى الدخول في التخصص. من هنا، فإن التخصص يُشبِه المهنة أو الحرفة، مثل النجّار أو الحدّاد، بحيث يتطلّب الأمر الانضباط أمام المُحترِف الخبير لتعلّم المهنة، بينما تكون النتيجة مستقبلًا قُدراتٍ وتمكّنًا، مع الارتفاع إلى مستوى "الخبير". من جهة أخرى، فإن المهنة قد تُشبه "الرسالة" (Vocation)، مثل المهمة الروحية التي يُكرِّس لها الإنسان حياته[18].
حنا أرندت
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
من هذا المنطلق، فإن كل المهن والحرف مثل الطب والطيران والهندسة، وحتى الكثير من التخصّصات الأكاديمية، تتشارك الموضوع والمهارات والمنهجيات التي تربط أفرادها، مثلما أن العلوم السياسية تتشارك مناهجها مع كثير مع العلوم الاجتماعية الأخرى. كذلك فإنها لا تتشارك -بوصفها تخصصًا- منهجًا واحدًا تنفرد به ويجمعها، بل تعيش خلافات منهجية تزداد عمقًا وتعقيدًا، وما يُميّزها هو فقط حقل اهتمامها، وهو السياسة التي لا يبدو تعريفُها بدَوْرِه يسيرًا. أحد التعريفات التي يستخدمها المختصّون هو أن السياسة هي الاستخدام المنضبط للقوة والسلطة، أي الاستخدام المنضبط ذاتيًّا. بناءً عليه، تُغطّي دراسة السياسة طبيعة هذه الضوابط ومصدرها، وتقنيات استخدام القوة في إطارها[19]. هذا يعني أن التعامل العشوائي العنيف للسلطة لا يترك مجالًا للسياسة، وهذا ما يظهر بوضوح عند حنا أرندت (Hannah Arendt، 1975-1906) التي تؤكد أن السياسة لا تدور حول الحكم والهيمنة في المقام الأول، بل إن أساسها هو تحرّك الناس معًا بحرية وانسجام في المجال العامّ، والمشاركة في القرار. من هذا المنطلق، فإن السلطة (power) هي القدرة على العمل جماعيًّا في تناغُم، وهي بذلك تتخلّق بخلاف القوة (force) والقهر عندما يُقرّر الناس العمل معًا، وتختفي عندما يتفرّقون. بناءً عليه، لا يمكن للسلطة أن تكون حصرًا عند شخص واحد، بل هي مملوكة للمجموعة، ويمكن استدامتها فقط بالمشاركة المستمرّة بقدْرٍ من الوفاق[20].
يتّفق كثيرون مع أرندت على حصر مفهوم السياسة في التعامل السِّلْمي في حوارٍ عاقلٍ بين أصحاب مصالح متعدّدة حول السياسات العامّة، تكون النتائج المُرجَّحة فيه صفقةً مُتوافَقًا عليها. وبهذا المعنى، فإن السياسة هي الطريقة التي تحكم بها المجتمعات الحُرّة، "فالسياسة هي السياسة، أما أشكال الحكم الأخرى فهي شيء آخر"[21]. إلا أن باحثين آخرين يخالفون هذا الرأي، إذ يرى أدريان لفتويتش (Adrian Leftwich) أن السياسة تُمثّل كل أنواع الصراع (سِلْميًّا كان أم غير ذلك)، والتفاوض والتعاون حول استخدام الموارد أو توزيعها أينما وُجدت، داخل المؤسّسات الرسمية أو خارجها (على المستوى الدولي، أو داخل الأُسرة إذا شملت شخصَيْن أو أكثر)[22]. في هذه المقولة الأخيرة، لا يكتفي لفتويتش بالانحياز إلى فريق واحد في الخلاف حول ضرورة السلمية لاستحقاق تصنيف "السياسة"، بل في إطار خلاف آخر يتعلّق بما إذا كانت السياسة تنحصر فيما يدور داخل المؤسسات الرسمية فقط (وهو الفهم التقليدي للسياسة)، وبين ما إذا كانت تدخل في ميادين أخرى كثيرة، مثل الأمور الخاصة بالأُسرة والمؤسسات الخاصة، وحتى بالفن والأدب والترفيه والتعليم، وغيرها.
لقد ساد لمدة من الزمن ما يمكن وصفه بالتفريق بين العامّ والخاص، وعَدِّ السياسة من الشأن العامّ أو هي جوهره، في حين يُعَدّ كل ما هو خاص خارج نطاق السياسة. لهذا السبب، ظهر مصطلح التسييس (Politicization) أو الزجّ بالسياسة فيما ليس منها، فيُسمَع مثلًا إنكار تسييس الدِّين، باعتبار أنه خارج السياسة وفوقها، ولا يَصحّ الزجّ به فيها، لأن هذا يحطّ من قدره، بل وقد "يُدنّسه". بالقدر نفسه، يُحذّر بعضهم من إدخال السياسة في الأمور الخاصة، كما في العلاقات الأُسرية. ولعلّ من المفيد التذكير بأن التفريق بين العامّ والخاص مرّ بمراحل عدة، فقد فَرَّق أرسطو بين العام والخاص، على اعتبار الثاني يرتبط بالبيت، وإلى حدٍّ ما بالاقتصاد. أيضًا، فخر بيريكليس في خطبة الجنازة بأن ديمقراطية أثينا تتميّز بعدم فضول الناس تجاه شؤون الجيران الخاصة، أو الحكم عليها. وفي العصر الإسلامي، كانت ثمة حماية لخصوصية البيت والملكية الخاصة، وهو أمرٌ ساد في معظم الحضارات. إلا أن شيئًا من التداخل بين الأمرَيْن ظلّ جزءًا من المشهد، فقد ظلّ الخاص جزءًا من السياسة، إن لم يكن من أهمّ مُقوّماتها، بدايةً من الحكم الوراثي الذي يستند إلى علاقات القرابة. كذلك، كانت مشروعية العلاقات، أو حتى ما يُوصَف بأنه علاقات الزواج "غير المتكافئ"، تتطلّب اهتمام الحاكم والعدالة، وقد تُثير الحروب. ولا حاجة إلى الإشارة هنا إلى أن قرار الملك الإنكليزي هنري الثامن (Henry VIII، 1491-1547) بتحويل مملكته إلى البروتستانتية كان يعود إلى رغبته في تشريع طلاق زوجته، لحرصه على تأمين وريثٍ ذكر. ولكن، مع ظهور الليبرالية التي صاحبت العلمنة (Secularization) زاد التركيز على الحريات الشخصية والتأكيد على حمايتها من تغوّل السلطة[23]. وفي وقت لاحق، تطوّرت المساحة التي سمّاها يورغن هابرماس (بالألمانية: Jürgen Habermas، 1929-2026) الفضاء العامّ (the Public Sphere)، أو "الفضاء العامّ البرجوازي"، كمساحة وسيطة بين الخاص والعام، ونقطة التقاء بينهما، فهي ساحة تَلاقٍ بين المواطنين تُتيح التداول "الخاص" حول الشأن العامّ، وتظل خارج سيطرة الدولة ومؤثّرة فيها.
في الوقت نفسه، طوّرت الرأسمالية المجال الاقتصادي بوصفه أيضًا مجالًا خاصًا للتبادل الاقتصادي الحُرّ بين المواطنين جماعات وأفرادًا، وطالبت بحمايته من تغوّل الدولة العشوائي. ويرى هابرماس أن "الفضاء العامّ هو من نتاج الرأسمالية، بإتاحتها المقاهي والأندية وغيرها من الفضاءات للتلاقي العامّ، وكذلك الصحافة أيضًا باعتبارها ساحة لتبادل الآراء"[24]. وهنا، برزت شكاوى أخرى، بدايةً بكارل ماركس، مفادُها أن الخاص في الرأسمالي ليس خاصًا إطلاقًا، إذ إن المصالح الرأسمالية هي التي أصبحت تُهيمن على الدولة والفضاء السياسي معًا. بناءً عليه، أصبح التحدّي تحرير العامّ من الخاص بدل التوجّه الليبرالي إلى تحرير الخاص من العامّ.
مع الوقت، أدّى تطوّر الإعلام ووسائل الاتصال إلى شكوى أخرى من تهديد الخصوصية، إذ باتت أدوات الاتصال تتوفّر على قدرات هائلة على اختراق الدولة والمصالح الخاصة معًا، بل حتى انتهاك خصوصية الأفراد. صاحبت هذا مفارقة أخرى، وهي مطالبة بعض الفئات والتيّارات بتدخّل الدولة في الساحة الخاصة لحماية الفئات الهشّة من النساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة مثلًا. وفي هذا المجال، برز شعار الحركات النسوية: "الخاص هو سياسيٌّ بامتياز"، الأمر الذي فرض تدخّل الدولة والمحاكم والإعلام في الشؤون الخاصة للأفراد، مع تزايد الطلب في الوقت نفسه على حماية الدولة لفئاتٍ تشعُر بالتهديد من المجتمع، بسبب ميولها الخاصة من ميول جنسية وغيرها[25].
ثمة مفارقة لم تلتفت إليها أرندت، وإن كان هابرماس ومُنظِّرو المجتمع المدني قد فعلوا ذلك، وهي أن الفضاء العامّ، سواء أكان مدنيًّا بحسب هابرماس أم سياسيًّا بحسب أرندت، يعتمد بالضرورة على وجود الدولة وجناح الحماية الذي تبسطه لضمان الحريات داخلها. إلا أن الدولة ليست بريئة من العنف، بل إن قوامها هو احتكار العنف لنفسها، وتجريمه في حقّ غيرها من الفئات. لهذا السبب، أصبحت الدولة، ودَوْرُها، ومناهجُها، ومَن يتحكّم فيها، من لُبّ اختصاص العلوم السياسية، الأمر الذي يُعيد إلى موضوع العلوم السياسية وتاريخِها ودَوْرِها وانشغالاتِها. مهما يكن، لم يتبع التوجّه الفعلي للتخصّص وصفة أرندت وأتباعها في الاقتصار على السياسة بطابعها التوافقي، بل أصبحت النزاعات والحروب -كما القمع والاستبداد- من صميم اهتمامات التخصص، لأهمّيتهما المحورية في إدارة الشأن العامّ، فثمة مفارقات عدّة في دَوْر الدولة بوصفها حارسًا للسِّلْم الأهلي، ومن ثم بوصفها أحد أهمّ أركان إتاحة خلق مساحة للسياسة على نهج أرندت، لأن هذا يتطلّب احتكار العنف، وهو ما يعني بدَوْره استخدام العنف الساحق أو التهديد به للتصدّي لأي جهة منافسة، مثل العصابات الإجرامية أو حركات المعارضة المسلّحة. كذلك، يتطلّب وجودُ الدولة القومية (Nation state) المعاصرة على الساحة الأساسية لأي نشاط سياسي، تطويرَ القدرة على الدفاع عن وجودها ضد أي تهديد خارجي، وهذا يتطلّب من جهته وجود جيوش ومؤسسات أمنية وعسكرية، قد تصبح بدورها تهديدًا للساحة السياسية يتطلّب مُعالَجات مؤسَّسية[26].
العلوم السياسية الحديثة
بدأت دراسة السياسة تتميّز بالتدريج عن الفلسفة والتاريخ والاقتصاد كما في الجامعات الألمانية، بدراسة ما يُسمّى علوم الدولة وعلوم الإدارة في بدايات القرن الثامن العشر. وفي نهايات القرن التاسع عشر، درس طُلّابٌ أميركيون من أمثال وودرو ويلسون (Woodrow Wilson، 1924-1856)، وجون بيرجس (John Burgess، 1931-1844)، وفرانك غودناو (Frank Goodnow، 1939-1859) العلوم السياسية في جامعات ألمانية، ثم أسَّس بيرجس مدرسة العلوم السياسية في جامعة كولومبيا (Columbia University) على النموذج الألماني عام 1880[27]. جاء هذا بعد تأسيس المدرسة الحُرة للعلوم السياسية في باريس (École Libre des Sciences Politiques) عام 1872. وقد كانت الدراسات السياسة في النموذج الألماني تُؤطَّر في أقسام القانون والفلسفة والعلوم الإدارية، وتهتمّ بتعزيز قدرات الدولة وفقًا لواقع النُّظُم السلطوية القائمة آنذاك. أمّا توجّه المدرسة الفرنسية، فكان يجمع بين التأمّلات الفلسفية ودراسة الواقع، خصوصًا قضايا المواطنة والفضاء العامّ وعقلنة الدولة. أما أهدافُها العَملية، فكانت دعم الدبلوماسية وتدريب النُّخبة وتربية المواطن. في المقابل، احتفظت المدرسة الأميركية الأنكلوساكسونية المتأثّرة بالألمانية في أوّل أمرها، بروابط مع علوم النفس والاجتماع والاقتصاد، واتّجهت بالتدريج نحو دراسة السلوك السياسي والمؤسسات السياسية، وكانت مناهجها تجريبية في الغالب[28].
شهد التخصّص قفزة مهمّة مع توجّه مدرسة العلوم السياسية في جامعة شيكاغو (1920-1940)، بقيادة شارلز ميريام (Charles Merriam، 1953-1874)، نحو تطوير مشروعات بحثية تستخدم تعدُّدَ التخصّصات والمنهج الكَمّي الوليد لدراسة العملية الانتخابية، والدعاية السياسية، وتأثير التحوّلات الاقتصادية في الحركات السياسية، وغيرها. وقد عُرف هذا التوجّه فيما بعد بالمدرسة السلوكية (Behavioralism) التي سعت لجعل السياسة عِلْمًا، والتي ركّزت على الدراسات الميدانية المعتمِدة على المنهج الكَمّي (كان في بداياته). إلا أن إدارة الجامعة انقلبت عليها في نهاية الثلاثينيات، وهو ما دفع بعددٍ من رموزها، مثل هارولد لاسويل (Harold Lasswell، 1978-1902)، إلى الانتقال إلى جامعات أخرى. وقد أدى تقاعد ميريام في عام 1940 إلى انحسار هذا التيار في جامعة شيكاغو (The University of Chicago)، إلا أن النهج استمرّ في جامعات أخرى مثل جامعة ييل (Yale University) التي انتقل إليها لاسويل. تأثّرت كذلك جامعات برينستون (Princeton University) وكولومبيا (Columbia University) وستانفورد (Stanford University) ومعهد ماساتشوستس للتقنية (Massachusetts Institute of Technology) بانتقالاتٍ مشابهة، في حين ظهر في جامعة هارڤارد (Harvard University) جيل جديد من أنصار هذا المنهج[29].
وقد حشدت الحكومة الأميركية في أثناء الحرب العالمية الثانية جيوشًا من العُلماء المُتمرِّسين في المناهج الكَمّية من شتى الاختصاصات، لدعم المجهود الحربي في مجالات الاستخبارات، والاستبيانات، والدراسات المَسْحية، والدعاية، والاتصال، والإدارة، والمؤسسات العدلية، والزراعة، والاقتصاد، والتجارة، والتنظيمات العسكرية، وغيرها. من هنا، لم يَعُد هناك أكاديمي ذو شأن إلا والتحق بالمجهود العسكري، حتى أوشكَ الجيش أن يصبح جامعة أو شبكة جامعات، تحوّل كبار الأكاديميين داخلها إلى مُشرِفين ومُرشِدين لمُساعديهم الشباب. وقد تدفّق كثير من أفراد هذا "الجيش" الأكاديمي فيما بعد إلى المؤسسات الأكاديمية التي شهدت توسّعًا كبيرًا بعد الحرب، وفي بداية حقبة الحرب الباردة (1947-1991) التي تلت[30].
عزَّزت هذه التحوّلات المهنية (professionalization) تخصّص العلوم السياسية الذي تمحور حول الرابطة الأميركية للعلوم السياسية American Political Science Association APSA)). وقد ارتفعت عضوية الرابطة من 200 متخصّص عند تأسيسها عام 1903 إلى 13 ألفًا أو يزيد في منتصف التسعينيات، قبل أن ينخفض العدد في نهايات عام 2025 إلى 11 ألفًا جاؤوا من 100 دولة. ركّزت "المهنية" المتصاعدة على اعتماد المنهج الكَمّي، وقد أدت جامعة ميتشيغان (University of Michigan) دَوْرًا محوريًّا في نشر هذه الثقافة عبر معهد البحوث الاجتماعية فيها، علاوة على المعاهد الصيفية للتدريب التي أسّستها، والتي تدرّب فيها مئات عُلماء السياسة الشباب على المناهج الإحصائية. أدى مجلس البحوث في العلوم الاجتماعية أيضًا، ولا سيما لجنة السلوك السياسي ولجنة السياسة المقارنة فيه دَوْرًا مهمًّا في دعم الأبحاث وتمويلها في هذا الاتجاه[31].
التخصص وفروعه
عند تحقيقه استقلاليته، خصوصًا عن تخصّصَي التاريخ والاقتصاد، توجّه تخصص العلوم السياسية في نسخته الأميركية إلى جعل الدولة محور اهتمامه، متأثرًا بأصوله الألمانية إذ درس معظم مُؤسِّسيه؛ وعلى هذا الأساس، ركّز على دراسة الحُكْم ومؤسّساته الرسمية. وقد ارتبط هذا التوجّه في البداية بالبُعْد عن التنظير، بخلاف الاقتصاد وعلم الاجتماع اللذَيْن شهدا إعادة صياغة النظرية الكلاسيكية. في المقابل، اختار مؤسّسو العلوم السياسية القطيعة مع أصول التخصص في التاريخ، لصالح توجُّهٍ قانونيّ شكليّ في دراسة مؤسّسات الحكم الرسمية، مع التسليم بالقِيَم السياسية السائدة من ديمقراطية محدودة وإصلاحات ما بعد الحرب الأهلية الأميركية[32]. فيما بعد، توسّعت الاهتمامات التي تُوحِّد مُمارسيه، بالتركيز على مجموعة مترابطة من القضايا أو المخرجات مثل النظام والديمقراطية، علاوة على تطوير حقول فرعية مثل السياسة المقارنة، والعلاقات الدولية، والنظرية السياسية، وهي المجال التأمّلي الفلسفي الذي ينشغل بالمعايير والقِيَم والغايات[33].
يشير بعضهم إلى تأثير المحورية الذاتية الأميركية في تحديد التخصصات الفرعية في مجال العلوم السياسية، إذ تُحدَّد التقسيمات الرئيسة في التخصص كالآتي: النظرية السياسية (Political Theory)، والسياسة المقارنة (Comparative politics)، والعلاقات الدولية (International relations)؛ في حين تُدرَج السياسة الأميركية بوصفها حقلًا منفصلًا عن المؤسسات السياسية والسياسة المقارنة التي تُعرَف أحيانًا بأنها السياسة الداخلية في البلدان الأخرى، مقارنة بالسياسة الأميركية. وتُعرَف العلاقات الدولية بأنها السياسة بين الدول، وكذلك السياسة الخارجية للدول الأخرى. يشي هذا التصنيف بافتراض أن سياسة الولايات المتحدة تختلف عن السياسة في البلدان الأخرى وتتفوّق عليها[34].
غالبًا ما تُضاف إلى هذه الرباعية الأساسية تخصّصات أخرى فرعية، وإن كان بعضها قد استقلّ بذاته بوصفه مجالًا، أو ظلّ يراوح بين مجالَيْن. تشمل هذه التخصصات: المنهجية السياسية (Political methodology)، والاقتصاد السياسي (Political Economy)، والإدارة العامة (Public administration)، والسياسات العامة (public policy)، وعلم النفس السياسي (Political Psychology)، والنظم السياسية (Political system)، والمؤسسات، وغيرها[35]. وتعترف رابطة العلوم السياسية الأميركية (American Political Science Association) بـ56 تخصصًا فرعيًّا منظّمًا تحت مظلّتها، وتقدّم الدعم لها. تشمل هذه التخصصات الفرعية دراسات: التشريع، والفدرالية، والدِّين والسياسة، وأُسس النظرية السياسية، والجنس والسياسة، والأمن العالَمي، وسياسة جنوب آسيا، والسياسة والمجتمع في أوروبا، وغيرها. إلا أنها أشبه بالاهتمامات منها بالتخصصات.
في بداية الأمر، كان حقل السياسة المقارنة يهتمّ بعدد قليل من الدول الكبرى في أوروبا، قبل أن يتطوّر مع الحرب الباردة ويشمل عددًا متزايدًا من دول شرق أوروبا و"العالم الثالث". نتيجةً لهذا، تطوّر تعريف الحقل ليصبح "الدراسة المنهجية للنظم السياسية في العالَم، ومقارنتها لتفسير أوجه الاختلاف بين البلدان وأوجه التشابه بينها". يُطلَق مصطلح السياسة المقارنة على كلٍّ من موضوع الدراسة ومنهجها في آنٍ واحد، إذ تُعنى بدراسة النظم السياسية في الدول الأخرى، وتعتمد في الوقت نفسه على المقارنة بوصفها أداةً تحليلية لفهم أوجه التشابه والاختلاف بينها[36]. ويضيف ديڤيد ليتن (David Laitin): "يهتمّ حقل السياسة المقارنة بأسئلة مثل لماذا تصل أنظمةٌ سياسية مختلفة إلى مخرجات مختلفة؟ وهنا تُوضَع مخرجات مثل الديمقراطية كمتغيّر تابع، يُبحَث لها عن تفسيرات ومُسبّبات تصبح هي المتغيّرات المستقلة في إطارٍ نظريّ مُعيَّن"[37].
إلا أن بعضهم اتّهم هذا الحقل بغياب الوعي بالمنهجية (في مرحلة مُعيَّنة على الأقلّ)، فما يُسمَّى بالمنهج المقارن ليس في الحقيقة منهجًا، بل هو التركيز على الجوانب البين-مجتمعية، والمؤسَّسية، والاجتماعية الأوسع (Macrosocial) في المجتمعات، والتحليل الاجتماعي[38]. مع ذلك، ظلّ الحقل ساحة الصراع الأساسية بشأن السجالات المنهجية التي قسمت التخصص إلى "طوائف"، بحسب مصطلح غابرييل ألموند (Gabriel Almond) الشهير[39]، فها هُنا تفجّرت الصراعات بين التوجّهات السلوكية والتقليدية، ثم السلوكية وما بعد السلوكية (Post-behavioralism)، وبين دُعاة المنهج الكَمّي وأنصار المنهج الكَيْفي، ثم منهجية "الخيار العقلاني" ومُنافسيها. وفي هذه الناحية، اندمج هذا الحقل الفرعي إلى درجةٍ ما مع حقل المنهجية الذي يُصنّفه بعضهم بوصفه حقلًا منفصلًا في التخصّص.
تشمل النظرية السياسية "الدراسة التحليلية النقدية والمعيارية للأفكار والمفاهيم والسجالات المحورية للفكر السياسي، بشقَّيْه الأكاديمي والعامّ"[40]، وتُعَدّ امتدادًا للتفكير الفلسفي المعياري في الشؤون السياسية، وتُمثِّل محاولة لجسر المسافة بين الفلسفة السياسية الكلاسيكية والعلوم السياسية الحديثة. ويُلخِّص بعض مُمارسيها مهمّتَها بأنها "توسيع آفاق الفكر السياسي". ومن هذه الزاوية، وجدت النظرية السياسية نفسها جزءًا من العلوم السياسية الحديثة، آخذةً في الحسبان توجّهات التخصص التجريبية، وسعيَه لوصف الأنظمة والمؤسّسات السياسية والسلوك السياسي والحياة السياسية الأوسع وتحليل كل ذلك وتفسيره، وبهذا فإنها تخدم المجهود العِلمي للتخصص، وذلك بتوضيح المفاهيم بما يُمكِّن التنظير فيه من أن يقف على أرضية صلبة. من هنا، يمكن للنظرية السياسية أن تُعامَل بوصفها علومًا سياسية (من حيث الوصف) وفلسفة سياسية (من حيث التبرير المعياري) في آن واحد[41].
تتوسّع النظرية السياسية في توضيح القِيَم التي تستند إليها الحياة السياسية (أو ينبغي لها ذلك)، وهي قِيَمٌ لا تُهمِلُها بقية فروع العلوم السياسية، لكنها لا تُركِّز عليها، زعمًا بأن اختصاصها هو الواقع؛ فعلماء السياسة لا يعارضون أو يهملون قِيَمًا كالعدالة والحرية والمساواة، ويُفضِّلون غالبًا النُّظُم الديمقراطية، لكنَّ أولويّتهم هي -كما يرون- فهم كيف تعمل النُّظُم السياسية وتتشابه أو تختلف واقعًا. بالقدر نفسه، لا تُهمِل النظرية السياسية الواقع، لكنها تُضيف إليه أسئلة عن الغايات والقِيَم، فلا تكتفي بما هو كائن، بل تنظر إلى ما يجب أن يكون، فهي تنظر إلى طبيعة السياسة وغاياتها في الوقت نفسه، وتستقصي المفاهيم، وتبحث في طبيعة الدولة ومهمّاتها، مع تركيز خاص على الأُسُس الأخلاقية للنُظُم السياسية والضوابط الأخلاقية لعملها، وتبحث في طبيعة السلطة وأُسُس شرعيتها[42].
إلا أن الحقلَيْن قد يصطدمان أحيانًا، كما حدث في ستينيات القرن العشرين عند بروز التوجّه السلوكي "العَلْمَويّ" وهيمنته على التخصص، وتوجُّهِ معظم عُلماء السياسة نحو التعامل مع المجال السياسي بصورة تكاد تكون تجريبية محضة، مُستخدِمين الإحصائيات (في مجال التصويت مثلًا) وتحليل توجّهات الناخبين من واقع الطبقة، أو الخلفية الثقافية والعرقية والمناطقية، وغيرها. فقد انتقد المُنظِّرون هذه التوجّهات بحجة أنها ترى الواقع بصورة ميكانيكية منفصلة عنه فعليًّا، وأنها تميل إلى المحافظة، إذ إن هذه التوجّهات تستصحب مُسلَّمات الممارسة الأميركية السائدة، ولا تُسائِلُها كثيرًا. هذا في مقابل النظرية السياسية التي رأت نفسها منهجًا "تفسيريًّا ونقديًّا ومعياريًّا يتفحّص لغة السياسة ومفاهيمها، بقصد الكشف عن الافتراضات الخفية، وتحدّي التشويهات الأيديولوجية، طارحًا رؤًى بديلةً للحياة السياسية" في ممارساتها السائدة وأيديولوجياتها المؤطَّرة[43].
يذهب شيلدون وولين (Sheldon Wolin، 2015-1922)، وهو أحد أشهر مُنظِّري القرن الماضي، إلى أبعد من ذلك، حين يصف التنظير السياسي بأنه فعلٌ "يكشف ويُعبّر عن معنى الحياة السياسية"، في انشغاله باستعادة رؤية شاملة لها أو خلقها، وتخيّل إمكانات لنُظُم بديلة يسودها العدل والتعايش الإنساني، في حين يسود منظورَ النظرية السياسية طابعُ التأمّل الذاتي حول أشكال الجماعة السياسية والغاية من وجودها الجماعي[44].
ليو شتراوس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في ورقته الشهيرة، "النظرية السياسية كرسالة (1969)"، يَصُبّ وولين جام نقده على العلوم السياسية في ثوبها السلوكي، قائلًا إن توجّهها "المنهجاني" (methodist) وهوسها بالتكنيك والبيانات، مقابل الأبعاد التأمّلية-الأخلاقية وبُعْدِ الخيال، قد أفقرا الفَهْم السياسي، إذ أصبح الطُلّاب يُدرَّبون على المنهجيات التقنية الصمّاء، ويُحرمون من الحكمة والمعرفة السياسية الضمنية والفهم الحدسي، وكلها أمور ضرورية لاستيعاب معنى الحياة السياسية وأهميتها. يُخفي هذا المنهج التجزيئي قصير النظر التحيّزات الأيديولوجية للوضع القائم الذي يُعَدّ صوابًا لأنه قائمٌ ومقبولٌ فقط. في المقابل، يُوقِظ البُعدُ التأمّلي المعياري للنظرية السياسية الحسَّ النقديَّ في الطلّاب ويُلهِبُ خيالَهم، ويُمكّنهم من الانخراط العميق في التجربة السياسية[45]. وقد استشهد وولين بالعبارة التي وصف بها خصمَه المُنظِّرَ اليمينيّ ليو شتراوس (Leo Strauss، 1973-1899) في تلك الحقبة، وهي العبارة التي ذهبت مثلًا، إذ جاء فيها أن القوم "يعزفون بينما روما تحترق، وإنما لهُما عُذران: الأول أنهم لا يدركون أنهم يعزفون، والثاني أنه لا علم لهم بأن روما كانت تحترق"[46].
ولعلّ أقرب الحقول المتخصّصة إلى أن يصبح تخصصًا قائمًا بذاته هو حقل العلاقات الدولية، فقد نشأ الحقل مستقلًا في بريطانيا، وليس الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وكان متأثرًا بها. فقد أنشأت جامعة أبرسويث (Aberystwyth University) في مقاطعة ويلز تخصصًا للعلاقات الدولية على المستوى الجامعي عام 1919، ثم توالى بعد ذلك إدخاله على مستوى التدريس فوق الجامعي، مع إنشاء كراسي لهذا الغرض. يُعزِّز هذه الاستقلالية ويؤشكلها في الوقت نفسه ما يُلحَظ من كون برامج العلوم السياسية حول العالم تُسمّي نفسها دائمًا "العلوم السياسية والعلاقات الدولية"، في اعترافٍ باستقلالية لا تبلُغ حدَّ الانفصال. وكما هي الحال في بقية حقول التخصص، نشأت توجّهات ومفاهيم مختلفة داخل حقل العلاقات الدولية وحوله، وممارسات قائمة عليها، فقد كان التوجّه الأوّل هو التركيز على العلاقات بين الدول، ثم على القضايا الاستراتيجية والدبلوماسية وأمور الحرب والسِّلْم، لكنَّ زوايا أخرى دخلت في الاهتمام، مثل الشؤون العابرة للحدود، بما فيها المُبادَلات التجارية. وهنا، أصبحت المفاوضات التجارية جزءًا من الاهتمام، وكذلك عمل المنظمات غير الحكومية، مثل منظمات الإغاثة وحقوق الإنسان، بما يشمل أيضًا المنظمات الصحية العالمية والقضايا الثقافية. وفي وقت لاحق، أصبحت العَولمة اهتمامًا محوريًّا في التخصص[47].
أيضًا، ثمة مدارس مختلفة في حقل العلاقات الدولية، من أبرزها: الليبرالية (Liberalism) التي تُركِّز على الجانب التعاوُني في العلاقات الدولية؛ والواقعية (Realism) التي تُركّز على الدولة كفاعل أساسي، وعلى الأمن باعتبار الحرب متوقّعة دائمًا في إطار عالَم تسودُه الدول ذات السيادة؛ والمجتمع الدولي (International community)، وهو المفهوم الذي ارتبط بما يُسمّى "المدرسة الإنكليزية"، ويأخذ في الحسبان وجود تجمّعات دولية لها قِيَم ومؤسسات مشتركة مثل الاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يُعزّز النظام الدولي؛ والبنائية الاجتماعية (Social constructivism) التي تقوم على انتقاد المُسلَّمات الجامدة بشأن الهُوية، مع أخذ التغيّرات التاريخية والثقافية في الحسبان؛ والاقتصاد السياسي الدولي (International political economy)؛ والوضعية (Positivism)، وهي الميل إلى عَدّ الواقع واضحًا بنفسه ويمكن قياسه بالوسائل العلمية، وبناء التوقّعات على أساس هذه المعلومات؛ وما بعد الوضعية (Postpositivism) التي ترى الواقع خاضعًا لتفسيرات متعدّدة تعتمد على منظور المُراقِب وموقعه، إذ لا يوجد مراقب محايد أو حقائق "موضوعية". فضلًا عن ذلك، هناك المدرسة الليبرالية الجديدة (New liberalism) التي تقوم على مفهوم الاعتماد المُتبادَل، والتقليل من دَوْر الدولة في ظل تشابك العلاقات بين الشعوب، وظهور فاعلين من خارج الدولة ذوي دَوْر مهمّ في العلاقات الدولية، مثل الشركات العابرة للقارات؛ والواقعية الجديدة (Neorealism)، التي تؤكّد على دَوْر الدولة المستمرّ، وإنْ بدرجة أضعف، وكذلك على كون الاعتماد ليس متبادَلًا بالتساوي[48].
أيضًا، ثمة نظريات متأثرة بالفكر الماركسي، على رأسها: نظرية التبعية (Dependency theory) التي أطلقها مُنظِّرون من أميركا اللاتينية؛ والإطار الأوسع البنيوي/ الهيكلي (structuralist). خلاصة هذه النظريات أن التنمية غير المُتساوِية مفروضة على دول الجنوب/ الهامش من طبيعة النظام العالمي الرأسمالي، ولها جذور تعود إلى القرن السادس عشر وإلى الحالة الاستعمارية[49].
وقد كان هناك شيء من التتابُع في ظهور هذه النظريات وأهميتها، إذ ظهرت الواقعية ردًا على ما رآه أنصارها إخفاق النظرية الليبرالية الكلاسيكية (Classical liberalism) بسبب الحرب العالمية الثانية، ثم لقيت النظرية دعمًا أكبر مع الحرب الباردة. في المقابل، تُعَدّ نظريات المجتمع الدولي، والاعتماد المتبادَل، والليبرالية الجديدة، محاولات لإحياء الليبرالية وإنقاذها، وكذلك الواقعية الجديدة لاستعادة الواقعية. ثمة أيضًا تداخل مع السياسة المقارنة ومنهجياتها في ظهور الوضعية وما بعدها، فضلًا عن الرأي القائل إن الواقعية لم تكن عدوًّا لليبرالية كما هو سائد، بل محاولة لتعزيزها وحمايتها من نقاط ضعفها[50].
التطور والسجالات المنهجية في التخصص
بالقدر نفسه، تأثرت التطوّرات التي شهدها حقل السياسة المقارنة، وحقل المنهجية الذي تتأثّر به حقول التخصص الأخرى الفرعية، بدينامياتٍ مُماثِلةٍ من الصراع والتزاحم بين رؤى مختلفة للتخصص وطبيعته وغاياته ومناهجه الأصح؛ فقد قامت العلوم السياسية منذ انطلاقها على افتراضات وجود "ظواهر وفاعلين، ومصالح وبنى، ومخرجات سياسية بادية للعيان وقابلة للملاحظة والتحليل"، ويمكن لعلماء السياسة أن يطرحوا حولها "ملاحظات تحليلية متدبّرة واعية وذكية"[51]. إلا أن التخصص شهد منذ البداية تنازُعًا بين أصوله في التاريخ والفلسفة والاقتصاد وغيرها، وبين التطلّع إلى مُضاهاة العلوم الطبيعية، كما يدلّ اسمه كعِلم.
في تناوُله لتأسيس الرابطة الأميركية للعلوم السياسية عام 1903، بوصف ذلك خطوةً فاصلةً في تأسيس التخصص، يُشير غونيل إلى معضلة رئيسة واجهت التخصص منذ نشأته، وهي التوتر بين المهنية من جهة، والتخصص العلمي من جهة أخرى. يشير غونيل إلى الترابط بين المهنية والتوجّهات المحافظة من جهة، مقابل مركزية التخصص والميل إلى النشاط العملي من جهة أخرى. لقد شدّدت الرابطة الأميركية للعلوم السياسية في بداية نشأتها على الحيادية السياسية والارتفاع فوق الحزبية، وأن يكون تأثيرها العَمَلي في المجتمع والسياسة عبر نشاطها العِلْمي، لكنّ كثيرًا من علماء السياسة (خصوصًا اليساريين) كانوا يميلون إلى الجمع بين التخصص الأكاديمي والنشاط السياسي[52].
ورغم الاعتراف بأهمية النظرية السياسية، رأى قادة الرابطة ضرورة لجم "التهويمات الفلسفية" لصالح تعزير مكانة التخصص كعلم، مع التأكيد على استقلاليته عن العلوم الأخرى، والاحتفاظ بمسافة بينه وبين معتركات السياسة. على هذا الأساس، يجب على سلطة التخصص أن تنبُع من إنجازاته ومكانته العِلمية، وليس من أي حراك سياسي مباشر يضطلع به. وقد ذهب غونيل إلى أن هذه الخطوة جعلت تأسيس الرابطة بمنزلة إعادة صياغة استراتيجية أساسية، عبر تقديم سلطة العلم على التدخّل المباشر في العملية السياسية. وستُلاحِق معضلة الخيار بين الحياد والصلة بالواقع هذه مسيرة الرابطة حتى يومنا هذا. في الوقت نفسه، انصبّ التركيز على دراسة الدولة ومؤسسات الحُكْم، والمقاربات القانونية والتاريخية.
من العلم إلى العلموية
اتّجه التفكير السياسي منذ بداياته عند أفلاطون وأرسطو، مرورًا بابن خلدون فمكيافيلي وبودان وهوبز، إلى البناء على فرضيات مُعمَّمة حول طبيعة الإنسان وحوافز سلوكه ومُوجّهاته، مع ملحوظات عامّة واستنتاجات تاريخية وشواهد فردية غير منهجية (anecdotal) عن هذا السلوك، وتحليلات "عقلانية" له. فالإنسان عند أفلاطون ميّالٌ إلى الانحراف ما لم يجد الهداية على يد "فيلسوف-ملك" يجمع بين الحكمة والعلم، فيهديه السبيل إن ضَلّ. أما عند ابن خلدون، فإن السلطة السياسية بطبيعتها تخضع لهوى العصبية وتنبُع منها، وهي عند مكيافيلي وهوبز تقوم على فكرة أن الإنسان ظلومٌ جهولٌ ومخادِعٌ تابعٌ لهواه، ومجبولٌ على الأنانية والأثرة والظلم، إلا إنْ منعته عن ذلك قوة قاهرة. وقد جاء بعد ذلك مُفكّرون مثل كانط ولوك وديڤيد هيوم (David Hume، 1776-1711) وجون ستيوارت مِل (John Stuart Mill، 1873-1806) وآدم سميث (Adam Smith، 1790-1723)، وغيرهم مِمَّن كانوا أكثر ميلًا إلى قَبول فكرة الطبيعة البشرية الخَيّرة، فكانوا أقرب إلى تقبّل الحكم الديمقراطي. وقد ساعد في هذا ظهور تجارب ديمقراطية في بريطانيا، ثم الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية الصغيرة، علاوة على استعادة تجارب روما وأثينا.
العلوم السياسية أو الدولة من منظور نظري وعملي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
من هنا، اعتمدت العلوم السياسة لدى تبلوُرها في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، على مزيج من الدراسات التاريخية والتأمّلات الفلسفية والأخلاقية. ولم تكُن العلوم السياسية -بوصفها تخصصًا- بارزةً أو مرغوبة في الولايات المتحدة والغرب في نهايات القرن التاسع عشر. وتشير المصادر إلى أن عدد من يصفون أنفسهم بأنهم علماء سياسة لم يزد على 100 شخص بحلول عام 1900. وقد نشر الكاتب الأميركي ثيودور دوايت وولزي (Theodore Dwight Woolsey، 1801-1889)، رئيس جامعة ييل عام 1878، كتابه الموسوم بـPolitical Science: Or, the State Theoretically and Practically Considered (العلوم السياسية أو الدولة من منظور نظري وعملي) الذي عُدّ أول كتاب منهجي في علم السياسة.
جُلّ مُؤسِّسي الرابطة الأميركية للعلوم السياسية، ومعظم الرعيل الأول من عُلماء السياسة الأميركيين، كانوا مِمَّن دَرَسوا في ألمانيا وفي بروسيا تحديدًا، وقد تأثّروا بالفكر الهيغلي، نسبةً إلى غيورغ هيغل (Georg Hegel، 1770-1831) الذي يرى في الدولة قمّة كلّ المؤسسات وخلاصتها وغايتها. وقد ركَّزت تلك الحقبة التي وُصفت بأنها "تقليدية" في تطوّر العلوم السياسية الأميركية، على تدريس الدولة ومؤسّسات الحُكْم، وكان الهدف من ذلك تأهيل إداريين في الدولة. كانت هذه الفئة "التقليدية" محافظة في الأساس، ولا تلتفت إلى تفاصيل مثل الفصل العرقي، أو عدم المُساواة في الدخل، أو حقوق المرأة[53].
منذ بداية عشرينيات القرن الماضي، بدأ بعض المختصّين يدعون إلى الاقتداء بالعلوم الاجتماعية الأخرى مثل علم النفس في اتّباع النهج العلمي، والتخلّي عن النهج التاريخي-المقارن المتّبع حتى ذلك الوقت. ومع منتصف العشرينيات، أصبح تشارلز مريم (Charles Merriam، 1874-1953) الذي ترأّس الرابطة عام 1925، وقاد برنامج العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، مِن رُوّاد ما عُرف لاحقًا بالتوجّه السلوكي، وهو توجّه طمح إلى مراقبة السوك الإنساني الفردي والجماعي، والتركيز على أشكال السلوك القابلة للتسجيل والقياس، للربط بين مُعطياتٍ ومُتغيّراتٍ مُشاهَدةٍ ونتائج قابلة أيضًا للملاحظة والقياس؛ على سبيل المثال: أوصاف الناخبين وخصوصياتهم، مثل المؤهّلات التعليمية، ومكان السكن، والوضع الاقتصادي-الطبقي، واللون، والدين، وغيره، وربطها بتوجّهات الشخص الانتخابية.
إلا أن هذا التوجّه تحوّل في بداية الخمسينيات إلى تيار عبّر عنه ديڤيد إيستون (David Easton، 1917-2014) في كتابه النظام السياسي: بحث في حالة العلوم السياسية (1953). عُدَّت دعوة إيستون إلى تطوير منهجية علمية نقطةَ انطلاق ما سُمّي بالثورة السلوكية (Behavioral Revolution) التي بدأت وقتئذٍ بوصفها حركة أقلّية، لدرجة أن أنصارها فكّروا في الانشقاق عن الرابطة في نهاية الخمسينيات، وتشكيل منظمة بديلة[54]. إلا أن نفوذ الحركة تزايد في ستينيات ذلك القرن، واتّسع القَبول لدعواتها نحو الاتجاه لمناقشة سلوك الفاعلين السياسيين بعيدًا عن الدولة، مثل الأحزاب وجماعات الضغط والروابط، خصوصًا في الحالات القابلة للقياس، مثل اتجاهات الرأي العامّ وأنساق التصويت وغير ذلك، مع استخدام أدوات منهجية تجريبية متطوّرة مثل المناهج الإحصائية، والتعمّق في التنظير المستند إلى البحث التجريبي[55].
وقد بدأ هذا التوجّه يسود مع منتصف ستينيات القرن العشرين، لدرجة أن سلسلة من رؤساء الرابطة جاؤوا من أنصاره. كذلك تولّى أحد أنصار التيار رئاسة تحرير مجلة الرابطة الأساسية للعلوم السياسية الأميركية (The American Political Science Review)، وبلغ الأمر حدَّ تفجّرِ انتفاضةٍ ضده بحلول عام 1967، تحت راية "التجمّع من أجل علم سياسة جديد". وقد هاجمت تلك الحركة ما وصفته بـ"العلموية" المُفرِطة السائدة حينئذٍ في التخصص تحت الهيمنة السلوكية. وقد أضاف التجمّع الذي غلب على صفوفه اليساريون والراديكاليون، إلى الانتقادات المنهجية والعلمية للسلوكية، مآخذَ أخرى حول ضعف صلة التخصص بالمجتمع ومشاغله الحاضرة (كانت تلك فترة الثورات الشبابية ضد حرب ڤيتنام بين عامَي 1955 و1975، وصعود حركة الحقوق المدنية للسُّود بين عامَي 1954 و1968)، وهاجمت نزعة التخصص المحافظة، وتبنّيه غير النقدي للمنظور الليبرالي التعددي السائد حول السياسة الأميركية، وهو ما جعله مركّبًا أيديولوجيًّا داعمًا للوضع السياسي القائم، في حقبةٍ كانت تشهد معارضة سياسية واسعة. ويقدح هذا في ادّعاء السلوكية حياديتها الأخلاقية، على أساس نهجها "العلمي" الباحث عن الحقيقة فقط[56]. وقد اجتهد التجمّع في حشد المؤيّدين لتولّي رئاسة الرابطة، ولكن النجاح لم يتحقق. وقد قَبِل المعارضون عرض قيادة الرابطة بتوفير حيّز للمعارضين داخل البنية الهرمية للرابطة، وتخصيص دورية جديدة تُعبِّر عن توجّهاتهم، هي دورية العلوم السياسية الجديدة (New Political Science) التي تصف نفسها بأنها الدورية الرسمية للتجمع من أجل علوم سياسية نقدية.
خلال هذا الصراع، وفي أثناء التطوّرات العلمية والمعرفية والسياسية والاجتماعية المُصاحِبة، حدثت تطوّرات داخلية في المدرسة السلوكية، وهو ما أدى إلى بروز ما سُميّ "ما بعد السلوكية"، وهو توجّه انطلق من داخل الحركة السلوكية لمواجهة الانتقادات التي وُجّهت إلى السلوكية، بِبُعْدِها عن الواقع وعن القضايا السياسية الحقيقية، وحيادها الأخلاقي المزعوم، وضيق أدواتها المنهجية واهتماماتها الموضوعية، وعلمويتها المفرطة[57]. لهذا، اتّجهت ما بعد السلوكية نحو التعدّدية المنهجية بدل المنهج الكَمّي والشكلانية، ونحو محاولة معالجة مشكلات الواقع بدل الاكتفاء بالتحليل والتنبؤ، مع تعميق الحساسية للسياق. كذلك قرّرت الحركة أخذ البُعْد الأخلاقي في الحسبان، بعد أن كانت السلوكية تتمسّك بالحياد الأخلاقي، رغم اعترافها بأهمية البُعْد الأخلاقي في السياسة، وإعطائه الوزن عند دراسة المواقف السياسية[58].
ولعلها كانت مفارقة أن إيستون الذي قاد ثورة التوجّه السلوكي في مطلع ستينيات القرن العشرين، كان هو نفسه من قاد توجّه "ما بعد السلوكية" في نهاية الستينيات من ذلك القرن، وذلك عبر كلمته الشهيرة بصفته رئيسًا للرابطة عام 1969، بعنوان "ثورة جديدة في العلوم السياسية". وكان هو من أطلق على التوجّه الجديد اسم "ما بعد السلوكية"، ووصف شعاره بأنه "الفعل والتأثير الواقعي" (Action and Relevance)[59].
بالرغم من هذه التطوّرات، ورغم النجاح النسبي لثورة ما بعد السلوكية، فإن انتفاضة أخرى تفجّرت عَشية الألفية الثانية، تميّزت هذه المرة بأنها كانت تحرّكًا من "الأسفل"، ولم تكُن في بدايتها صراعًا بين القيادات. انطلقت الحركة التي عُرفت بحركة "البيريسترويكا" في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2000، بسبب رسالة بريد إلكتروني مجهولة المصدر أُرسلت إلى مُحرِّري دورية الرابطة الأساسية، ثم جرى تداولها على نطاق واسع. انتقدت الرسالة المنهج السائد في علم السياسة الأميركي، وخصَّ صاحبُها الذي سمّى نفسه "السيد بيريسترويكا" بالنقد فرط انشغال التخصص بذاته وهوسه بالتقنيات الكَمّية، واحتجَّ على الهيمنة الخانقة للطرق الإحصائية في دوريات الرابطة التي تكاد ألّا تنشر إلا الأوراق التي تستخدم المنهجية الكَمّية أو نظرية الألعاب (game theory). وفي أثناء النقاش الذي تفجّر، احتدّ أحد النُّقّاد متسائلًا: أين التاريخ السياسي؟ التاريخ الدولي؟ علم الاجتماع السياسي؟ المنهجيات التأويلية؟ البنائية؟ دراسات المناطق؟ النظرية النقدية؟ وأخيرًا وليس آخرًا ما بعد الحداثة؟"[60].
وقد هُوجمت المقاربة السائدة أيضًا بوصفها أُحادية ومجرّدة أكثر من اللازم، ومنزوعة من السياق، بل غير إنسانية، بسبب تركيزها المَرَضِيّ على الروابط السببية، فلا غرابة في أنها كثيرًا ما تُخفِق "في إنتاج معرفة يمكن أن تُثري الحياة الاجتماعية بصورة ذات معنى"[61]. وفي سعيها لتطوير نظريات قابلة للتطبيق عالميًّا، فإن هذه المقاربة، في ميلها المُفرِط إلى التجريد، تستبعد كثيرًا من البحوث القَيِّمة، وتُقلّل من شأن دراسات الحالة والبحوث المُراعِية للسياق[62].
وقد أصبحت السرعة التي تضخّمت بها الحركة لاحقًا جزءًا من تاريخ التخصص؛ فقبل نهاية ذلك الشهر، كتب المُنظِّر السياسي البارز في جامعة ييل، روجرز سميث (Rogers Smith)، رسالةً أكثر توازُنًا إلى دورية Political Science and Politics (العلوم السياسية والسياسة)، أعاد فيها طرح الموقف ضد تفضيل التكنيك على الجوهر. وقد جمعت الرسالة عددًا كبيرًا من التوقيعات خلال مدة وجيزة[63]. بعد ذلك، تطوّر توافقٌ بشأن رفضِ السعي لتعميمات منزوعة السياق حول السياسة، لصالح منهجية أكثر انفتاحًا على تعدّديةٍ تُراعي السياق، وتربط بصورة أكبر بين النظرية والممارسة، وبين الفكر والفعل، وفي أكثر من سياق. وأضافت أن على علم السياسة أن يُقلِّل من هوسه بإثبات أنه "علم"، لصالح "تقديم معارف محدودة، سياقية، وربما مَحلّية، تخدم الناس كلًّا في بيئته"[64]. ورأى أنصار التوجّه أن ظهور أثر التحوّل المطلوب سيتجلّى في إنتاج معرفة سياسية ذات أثر في المعنى وذات تأثير ملموس، ومثال ذلك الابتعاد عن التركيز على مفاهيم مجرّدة مثل التنمية أو التحديث، لصالح دراسات مقارنة للتغيّر في دول مُعيَّنة، باستخدام مفاهيم مثل التنمية أو التحديث، وبطرق حسّاسة للسياق.
أما بالنسبة إلى المُتشكّكين، فقد مَثَّلت البيريسترويكا أحد أعراض مرضٍ بنيويٍّ مُزمنٍ يُعاني منه التخصص، وكانت أيضًا فرصة ضائعة، إذ كان يجب أن يُنظَر إلى الحركة، على نسق الانتفاضات السابقة داخل صفوف علم السياسة، بوصفها واحدة من أزمات الهُوية المتكرّرة التي طبعت تطوّر علم السياسة بطابعها، وهذه علّة تُعاني منها بقية العلوم الاجتماعية، لأن موضوعاتها ستظلّ دائمًا مُشكَّلة سلفًا في خطابها، ومتمتّعة بقدر من الاستقلال الذاتي، والنتيجة هي أن العلوم الاجتماعية يجب أن تنشغل بالتفكير في هُويتها، وتُعيد غالبًا تشكيل تلك الهُوية في أثناء مواجهتها لعلاقتها العملية والمعرفية بموضوع بحثها[65].
وتبدو المشكلة أكثر حدّةً بالنسبة إلى علم السياسة، إذ يجد صعوبة في أن يحذو حذو العلوم الأخرى (الاجتماع، والاقتصاد، والأنثروبولوجيا) في خلق مسافة بينه وبين موضوعه، باستخدام مصطلحات عامّة مثل المجتمع، والاقتصاد، والثقافة. ولكن، بما أن مصطلح "السياسة" يُواصِل الإشارة إلى ممارسةٍ مُحدَّدةٍ ومُتميِّزة، يصبح من الصعب تبنّي استراتيجيات لخلق مسافة، وهذا بدَوْره يميل إلى توليد شعور متكرّر بالأزمة، كما حدث في انتفاضة الستينيات المُشار إليها أعلاه ضد السلوكية و"علمويتها"، وقد أثارت تلك الانتفاضة شواغلَ منهجيةً ومِهْنيةً مشابهةً لحركة البيريسترويكا.
ومع ذلك، كانت هناك تبايُنات جوهرية، فقد عزت حركة الستينيات ضعف صلة التخصص بالمجتمع إلى نزوعه المُحافِظ واندماجه الأعمى في المنظور الليبرالي التعدّدي السائد في السياسة الأميركية وقتئذٍ. في المقابل، لم تطرح البيريسترويكا تحدّيًا جِدّيًا للهيمنة الأيديولوجية للنظرية السياسية الديمقراطية التعدّدية، وقد سلَّمت كذلك بمفهوم "العلم" السائد الذي قام عليه التخصص، ولم تُقدِّم أي تصوّر بحثي بديل في العلوم الاجتماعية، ولم تُجرِ أيضًا أي مساءلة نقدية للعلاقة بين علم السياسة والسياسة نفسها[66].
وكما حدث مع حركة التجمّع في ستينيات القرن العشرين، فإن "الثورة" الجديدة جرى استيعابها في صفوف "النظام القديم" هذه المرة بنجاح أكبر، فقد أُعطيت الجماعة منبرًا داخل الرابطة، عبر تمليكها دورية جديدة تُعبِّر عن توجّهاتها، بعنوان Perspectives onPolitics (وجهات نظر حول السياسة). من جهة أخرى، نجح بعض المُعتدِلين من رموز الحركة والمتعاطفين معها في الوصول إلى رئاسة الرابطة بعد محاولات عدّة، على خلاف الحال مع مُنتفِضي ستينيات ذلك القرن.
إلا أن السلوكية الجديدة -وبعض التوجّهات المُنبثِقة عنها- واصلت هيمنتها على التخصّص، مع تراجع كبير عن أطروحاتها الأولى المتطرّفة. من هذه التيارات ما سُمّي بالخيار العقلاني (Rational Choice) أو الخيار العام (Public Choice)، وهو في جوهره تطبيق للمفاهيم الاقتصادية في حقل العلوم السياسية، في تبنّي الفردانية المنهجية، ومبدأ العقلانية في الخيار الإنساني، وتصوير السياسة على أنها عملية تبادل. وكما في الاقتصاد، يُنظر إلى الفاعل السياسي (فردًا كان أو جماعة) على أنه يبحث عن مصالحه، ويُقيّمُها عقلانيًّا[67].
ولم يكُن ثمة كثير من الجِدّة في النظرة إلى السياسة بأنها "لعبة" تقاسم مصالح تقترب من الانتهازية (أو تُجسّدُها وتتفوّق عليها)، إذ إن هذه النظرة للفاعلين السياسيين على أنهم يتصرّفون بحسب المصالح، ربما رافقت السياسة منذ بدايتها، بالرغم من أن السياسيين يَدَّعُون دائمًا أنهم يخدمون القِيَم السامية، دينية أو دنيوية، ويُعطون الأولوية لمصلحة العموم (الأمة، والدولة، والشعب، وغيرها)، لكن السائد فيهم هو التعامل بالمصلحة القريبة، خصوصًا مصلحة بلوغ السلطة أو الاحتفاظ بها.
إلا أن مُنظِّري الخيار العقلاني رأوا أن الأفعال والتطوّرات السياسية جميعها يمكن تفسيرها بالحوافز التي تُحرِّك الناس، وأن الاقتصاد يمكن أن يُفسِّر كل شيء، بل إن بعضهم زعم أن العلوم السياسية ستصبح فرعًا من فروع الاقتصاد في المستقبل القريب[68]. وقد بدا أن توجّه الخيار العقلاني يتّجه للهيمنة على التخصص، على الأقل في الولايات المتحدة، أما حضوره في أوروبا فما زال ضعيفًا، إذ إن أكثر من 40 في المئة من الأوراق التي نُشرت في دورية الرابطة الأهم American Political studies Review (مراجعة الدراسات السياسية الأميركية) في بداية تسعينيات القرن العشرين، استخدَمت مقاربة الخيار العقلاني، في حين أن عدد أنصار الخيار بين عُلماء السياسة ظلّ صغيرًا جدًّا.
وكان استخدام مقاربة الخيار العقلاني قد بدأ في بعض جامعات فرجينيا والولايات المجاوِرة في مطلع ستينيات ذلك القرن، قبل أن يكتسب حضورًا ملموسًا في حقل العلوم السياسية في التسعينيات. ومع ذلك، فإن الزخم الذي دفع به إلى قلب التخصص لم يُحقِّق نبوءة الاكتساح، إذ ما زال يتنازع الساحة مع توجّهات أخرى، مثل السلوكية الجديدة، والمؤسسية الجديدة (New institutionalism)، والتأويلية (Interpretivism) والنظرية السياسية[69].
خارج الولايات المتحدة
ذُكِر سابقًا أن عدد المتخصّصين في العلوم السياسية في الولايات المتحدة عند منعطف القرن العشرين لم يزد على المئة، ولكن الوضع كان أصعب خارجها؛ فبحسب دراسة شاملة نشرها ديڤيد إيستون وجون غونيل ولويجي غراسيانو (Luigi Graziano) عام 1991، تحت رعاية اللجنة الدولية لدراسة تطوّر العلوم السياسية، فإن الرأي السائد أن العلوم السياسية هي في المجمل "اختراعٌ أميركيٌّ" له ما يُبرِّرُه، مع بعض الملحوظات، مثل آراء برنارد كريك (Bernard Crick) في كتابه الشهير The American Science of Politics (العلوم السياسية الأميركية)[70]، ونقده الحادّ للعلوم السياسية الأميركية وادّعائها الحياد العِلمي، في حين أنها كانت تعكس التقاليد الليبرالية الأميركية وتُعزِّزُها. تُخالِف هذه التقاليد، نتيجة ميلها إلى الخلط بين "العلم" و"التقنية"، كل ما هو أفضل في التجربة الأميركية، وتُهدِّد المجال السياسي نفسه. بناءً عليه، فإن العلوم السياسية الأميركية هي فعلًا اختراع أميركي، ولكنها ليست عِلْمًا، بل هي مُنتَجٌ ثقافيٌّ أميركيٌّ خاصّ بإطاره الثقافي[71].
في رَدِّه على برنارد كريك، يقول صمويل هنتنغتون (Samuel Huntington، 1927-2008): "ليس هناك شيء اسمه علم سياسة أميركي، هناك علم سياسة ديمقراطي، طُوّر لأول مرة وعلى أتَمِّه في الولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة كانت أوّل وأتمَّ ديمقراطية في العالم الحديث"[72]. هذه النقطة من هنتنغتون لها نتيجة أخرى مهمة، إذ يربطها بمقولة أن العلوم السياسية لا يمكن أن تنشأ وتزدهر إلا في الديمقراطيات. ويتوافق هذا مع اتّجاه كَرَّسَته دراسات كثيرة حول تطوّر العلوم السياسية، للترجيح بأن التخصّص يزدهر عادةً في بلدان تتمتّع بقدرٍ من الحرية والتطور الديمقراطي، وتتعزَّز كلما ارتبط هذا برفاه اقتصادي[73]. وتشير الدراسات نفسها إلى أن تطوّر العلوم السياسية يتسارع في دول الرفاه، أي الدول التي تتبع سياسات لتحقيق عدالة أكثر في توزيع الثروة. ومن جهة أخرى، فإن دول شمال أوروبا، مثل الدول الإسكندنافية وبريطانيا وألمانيا شهدت ظهورًا مبكّرًا أكثر وازدهارًا أكبر منه في جنوب أوروبا[74].
يُضيف إيستون ورفاقه أنه بالرغم من وجود حفنة (متناثرة) من دارسي العلوم السياسية في معظم الدول الصناعية قبل الحرب العالمية الثانية، فإن الولايات المتحدة كانت البلد الوحيد الذي نشأت فيه رابطة للتخصص قبل الحرب العالمية الثانية. وبحلول عام 1949، أصبح عدد الروابط التي أمكنها الانضمام إلى الرابطة الدولية أربعًا. أما عند وقت نشر الكتاب (1991)، فقد ارتفع العدد إلى خمسين رابطة، هذا مع نشأة العلوم السياسية بصورةٍ ما، في عددٍ من الأقطار الأخرى[75].
أُشير سابقًا إلى التأثير الكبير للجامعات الألمانية في نشأة العلوم السياسية في الولايات المتحدة، وهذا يُمثِّل جانبًا من التأثير الأوروبي المهمّ والمُتطاوِل في التعليم في أميركا الشمالية طوال قرون. وقد استمرّ هذا التأثير في فترة التأسيس الأميركية التي قامت على كتابات لوك وغيره من الفلاسفة والمُفكّرين الليبراليين، إلا أن الأبحاث تشير إلى أن نشأة علم السياسة الحديث تأخرت في ألمانيا، رغم أن نظرية الدولة بدأت تتبلور هناك منذ القرن التاسع عشر. وبالتأكيد، كانت هناك إسهامات فكرية سياسية مهمّة من ماركس إلى فيبر. وعندما كان تأسيس علم السياسة بعد الحرب العالمية الثانية مرتبطًا بـ"بناء الديمقراطية"، عارضه المحافظون الألمان بسبب ارتباطه بالاحتلال، في حين أيّده الديمقراطيون الاجتماعيون. وقد ذكر بعض المُسهِمين الأميركيين في تأسيس العمل أنهم اكتشفوا أن التخصص كان قد انقرض منذ جيل، وأن أول اجتماع لتوضيح ما يُقصَد بالعلوم السياسية للألمان عُقد تحت رعاية الحكومة العسكرية (المُحتلّة). وقد واجه تأسيس التخصص مقاومة من برامج التاريخ والقانون من جهة، وعلم الاجتماع من جهة أخرى، وهو الأمر ذاته الذي حدث في كندا وفنلندا وبلاد أخرى[76].
كانت جمهورية فايمر (Weimar Republic، 1918-1933) قد شهدت محاولة لتأسيس التخصص، وذلك بإنشاء الأكاديمية الألمانية للسياسة عام 1920 التي استولى عليها النازيون بعد انهيار جمهورية فايمر ثم حَلّوها. وقد أُعيد تشكيل الأكاديمية في برلين عام 1948، وضُمّت إلى جامعة برلين الحُرّة (Freie Universität Berlin) عام 1959. وقد استغرق الأمر نحو عشرين عامًا بين بداية إنشاء كراسي العلوم السياسية في جمهورية ألمانيا الفدرالية (ألمانيا الغربية) عام 1948، وانتشار التخصص في معظم جامعات ألمانيا الغربية في نهاية الستينيات. خلال هذه المرحلة، كان العلم الجديد موضع تنازُعٍ سياسي لدى التيار اليميني المُهيمِن الذي رأى فيه تخصصًا "مُستورَدًا"، مثل فرض تقاليد أجنبية على ألمانيا من الأميركيين المُحتلّين ومُستشاريهم الألمان. وقد زاد من المعارضة تبنّي الديمقراطيين الاشتراكيين بحماس إدخال مبادرات العلوم السياسية ودعمها، مُستغِلّين هيمنتَهم على بعض الولايات، بما فيها منطقة برلين، لإدخال التخصص في الجامعات في مناطقهم. وتعزّز هذا الدَّوْر بعد مشاركتهم السلطة في ألمانيا لأول مرة في النصف الثاني من الستينيات[77].
وقد تأثر علم السياسة في ألمانيا بالسياسة وتقلُّباتها، كما هي الحال في معظم الدول الأخرى؛ فقد زادت الأزمةُ الاقتصادية في منتصف الستينيات، وما سُمّي بنهاية المعجزة الألمانية (Wirtschaftswunder) بعد توقّفٍ مؤقّت للنموّ الاقتصادي، نفوذَ الديمقراطيين الاشتراكيين، وهو ما فتحَ البابَ لعودتهم إلى الحكم، وزاد من التوسّع في تدريس العلوم السياسية، حتى أصبح أعضاء الرابطة الدولية للعلوم السياسية من أكبر الأعداد في الرابطة. من جهة أخرى، فإن ثورة الطُلّاب في أواخر الستينيات، وحرب ڤيتنام سَمَحتا بعودة التيار الماركسي إلى قلب الأكاديمية، متأثرًا بدخول جيل جديد من المُحاضرين الشباب، وتأثير مدرسة فرانكفورت (Frankfurt School) ومناهجها النقدية في ألمانيا وخارجها، ووجود انسداد في المواجهة بين من يُسمَّون بالتقليديّين والتحديثيّين (أو أصحاب المنهج المعياري الفلسفي والتجريبيين). وقد حافظت الساحة مع ذلك على قدْرٍ من التعدّدية في المواجهة بين هذه الثلاثية من التوجّهات، مع وجود تدخّلات حكومية تحاول ضبطَها، ذلك أن تعيين الأكاديميين من رتبة أستاذ هو شأن وزاري بترشيحٍ من الجامعات. كذلك فإن وظائف المُحاضِرين والأساتذة مُحدَّدةٌ بالقانون وغير قابلة للتجديد. بناءً عليه، ظلت التعدّدية في حقل العلوم السياسية الألماني مضبوطة إلى حدّ كبير[78].
بياتريس ويب
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ورغم أن بريطانيا وفرنسا لم تُواجِها مشكلة ديمقراطية مثل ألمانيا، فإن علم السياسة لم ينشأ فيهما خلال القرن التاسع عشر، بسبب هيمنة علم الاجتماع في فرنسا الذي كان ما يزال يصارع الفلسفة ليُحقِّقَ استقلالَه، في وقتٍ ظلت دراسات الدستور والفلسفة وعلم الاجتماع فيه تُنافِس على احتكار المجال السياسي. أما في بريطانيا، فإن عدم مرونة النظام الجامعي، خصوصًا قلاعه الكُبرى في جامعَتَي أوكسفورد (The University of Oxford) وكامبريدج (University of Cambridge)، جعلها تقاوم التغيير، وتحتفظ بتركيزها على الفلسفة والدراسات التقليدية للسياسة. واستمرّ هذا الوضع رغم إنشاء مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (The London School of Economics and Political Science) عام 1895، فقد وصلت أوّل محاولة لتأسيس علم سياسة بريطاني حديث إلى طريق مسدود، بإخفاق مساعي تعيين مُحاضِرٍ في التخصص، بسبب نوعية المُرشَّحين المُخيِّبة للآمال، وهو ما جعل بياتريس ويب (Beatrice Webb، 1943-1858)، مؤسّسة المدرسة مع زوجها سيدني، تُعلّق في مذكّراتها قائلة: "لقد خطر لي أن هناك شيئًا من الصعوبة في تدريس علمٍ لم يُوجَد بعد"[79]. في ثلاثينيات ذلك القرن، جرت محاولة أخرى بإنشاء كلية نوفيلد (Nuffield College) في جامعة أوكسفورد، على أساس فكرة الجمع بين دارِسي السياسة ومُمارِسيها، إلا أن هذه التجربة أيضًا لم تتقدّم كثيرًا، رغم حصولها على دفعة أخرى في بداية الأربعينيات، بسبب رفض السياسيين والإداريين مشاركة تجاربهم مع الأكاديميين جزئيًّا، بسبب قوانين السرّية السائدة في دواليب الحكم البريطاني. إلا أن التخصص بدأ يتبلور مع نشأة رابطة الدراسات السياسية بنحو مئة عضو، في عام 1950. ويرى جاك هوارد (Jack Hayward) أن العلوم السياسية الحديثة لم تتأسّس فعلًا إلا عام 1965[80].
من جهة أخرى، فإن تفاعل التخصص مع رصيفه الأميركي، خصوصًا في جانبه السلوكي، كان سلبيًّا إلى حدٍّ كبير، ووُصف التخصص في بريطانيا لهذا السبب بأنه كان يتّصف بالمَحلّية، أو ما وصفه هوارد بأنه "المحافظة الديناميكية"، أي التغيير الذي يُعزِّز ما هو موجود. من هنا، تبرز أهمية إسهام كريك في كتابه المذكور أعلاه، وقد كان رسالة دكتوراه في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (فرغَ من كتابتها وهو باحث زائر في جامعة كاليفورنيا-بيركلي)، ذلك أن الكتاب أثّرَ في حقل العلوم السياسية في بريطانيا والولايات المتحدة معًا، وعزّزَ التوجّس من التوجّه السلوكي.
إذا كان التوجّس من الأمركة (Americanization)، والنظرة السلبية الحذرة إلى العلوم السياسية الأميركية، قد رافقا نشأة العلوم السياسية في ألمانيا وبريطانيا، فإن العداء للولايات المتحدة في فرنسا أخذ طابعًا "جهاديًّا" بين المُثقّفين. وقد وجد هذا التوجّه صداه في النزعة القومية الديغولية ذات النبرة الشعبوية، وكذلك في هيمنة التيار الماركسي داخل أوساط المُثقّفين الفرنسيين. إلا أن الأمر لم يقتصر عند بيير نورا (Pierre Nora) على الشقّ الأيديولوجي، خصوصًا أن حركة الشباب الفرنسي المُتمرِّد في انتفاضات عام 1968 وجدت نفسها أقرب إلى حركات الاحتجاج الشبابية الأميركية (ضد حرب ڤيتنام، ودعمًا للحقوق المدنية للسُّود). إن السبب بحسب نورا كان أعمق من ذلك، وهو الخلاف في نظرة البلدَيْن إلى ثورة كلٍّ منهما، ففي الولايات المتحدة، يتبيّن أن المُثُل الوطنية استوعبت المثال الثوري وعَدَّت نفسها إنجازًا له، في حين ما تزال الثورة عند الفرنسيين غاية مُستقبَلية. بمعنًى آخر، ففي حين تظلّ "الثورة في فرنسا مستقبلًا أبديًّا في بلد ذي ذاكرة مديدة، فإن الثورة في الولايات المتحدة أصبحت ماضيًا أزليًّا في بلدٍ لا يملك ذاكرة". لهذا السبب، فإن العداء بين المُثقّفين في فرنسا والولايات المتحدة ليس مسألة ثانوية، بل له عمقٌ في التركيب الاجتماعي والتاريخي للبلدَيْن، أي إنه ليس مسألة ثقافية فقط. بناءً عليه، فإن أي مُثقَّف أميركي سيجد صعوبة بالغة في فهم السبب في أنَّ هذا العدد كله من شباب فرنسا ظلّ لعشرين عامًا يُفضّل أن يكون على خطأ مع سارتر، بدل أن يكون على صواب مع ريموند أرون[81].
رُبّما تكون لهذا الدَّوْر المُهمّ للمُثقَّف الفرنسي علاقة مع الصعوبة التي واجهت نموَّ علم سياسة فرنسي، بحسب جان ليكا، الذي كان يؤكد أنه لا يوجد علم سياسة حقيقي في فرنسا في وقته، فـ"مهنة" مناقشة السياسة يُمكِن أن يمارسها من يشاء. بناءً عليه، لا يوجد فرق بين العلوم السياسية بوصفها تخصّصًا و"المعرفة السياسية"، وبين نصٍّ في التخصص وافتتاحية في صحيفة لوموند. وهذه إشكالية لدى الطُلّاب الذين لا يجدون تدريبًا كافيًا، هذا على الرغم من أن العلوم السياسية سبقت علم الاجتماع في الظهور في فرنسا، عبر تأسيس المدرسة الحُرّة للعلوم السياسية عام 1872. إلا أن تلك المؤسسة كان لها مفهوم موسوعي للتخصص، ومفهوم ضيّق للسياسة، ينحصر في الدولة والحكومة والمؤسّسات العامة[82].
استمرّ هذا التوجّه سائدًا حتى إنشاء الرابطة الفرنسية للعلوم السياسية (Association Française de Science Politique) عام 1949، وما أعقب ذلك من بداية تدريس مُقرَّرات علوم سياسية في كُلّيات القانون عام 1955. ومع بداية الستينيات، بدأ الحراك نحو بناء جماعة عِلْمية تختصّ بالعلوم السياسية، وكانت نقطةُ الانطلاق إنشاءَ برامج دكتوراه في العلوم السياسية. ورغم تقدّم التخصص، فما زالت هناك أزمة هُوية فيه، مع افتقاده الاعتراف به من الآخرين. وتواجِه العلوم السياسية الفرنسية صعوبات بَيّنة في النشر في المجال المُوجَّه إلى التخصص بصورة شبه حصرية، بسبب صعوبات في محدودية الجمهور المُوجَّهة إليه مثل هذه المنشورات، علاوة على تدخّل فئات كثيرة في عملية التقييم. المشكلة نفسها يُواجهُها التخصص في الحقل العالمي، وهو ما يدفع بكثيرٍ من المتخصصين نحو إنتاج منشورات موجّهة أكثر إلى الجمهور العامّ، وهذا يُعيد إلى النقطة التي بدأ منها ليكا، وهي أن علم السياسة في فرنسا لم يتحوّل إلى علم بعد، وما زال في مرحلة "المهنة".
يؤكد هذا الأمر ما تُشير إليه الإحصائيات من صِغَرٍ لافتٍ في عدد الناشطين في الحقل؛ ففي عام 1989، كان عدد علماء السياسة في المركز الوطني للبحث العلمي نحو سبعين عالِمًا (نصف عدد مُنتسِبي علم الاجتماع)، في حين لم يتجاوز عدد الحاصلين على الأستاذية في العلوم السياسية الثمانين (مقابل ثلاثمئة في القانون العامّ). ولم تُضِف هذه المجموعة إلى عددها سوى ثلاثين أستاذًا بين عامَي 1972 و1989. وبالرغم من وجود نحو عشرين جامعة تُدرِّس العلوم السياسية في المستوى الجامعي، فإنه لا توجد سوى ستة معاهد دراسات سياسية (معظم مُقرَّراتها ليست في السياسة)، وبرنامج واحد للعلوم السياسية، و15 مجموعة بحثية في التخصص، معظمها صغيرة العدد[83]. ولم تتغيّر الأرقام كثيرًا بعد مرور أكثر من ثلث قرن، إذ إن عدد الباحثين السياسيين المُتفرِّغين في العقد الثالث في القرن العشرين هو 150، وعدد الأساتذة المُوظَّفين بصفة دائمة هو 400، مع وجود بضع عشرات في الجامعات الخاصة.
هذا لم يمنع وجود شخصيات أكاديمية فرنسية مهمّة كان لها تأثير في حقل العلوم السياسية الأميركية والحقول المجاورة، على رأسها ميشيل فوكو (بالفرنسية: Michel Foucault، 1926-1984)، وهو مؤرّخ وفيلسوف، علاوة على قلّة أخرى معظمها من الفلاسفة وعُلماء الاجتماع.
في العالم العربي
في ملفّ نشرَتْهُ دورية سياسات عربية الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بعنوان "حال العلوم السياسية في العالم العربي"، جرى تناول وضع التخصص في مجموعة من الأبحاث من عدّة دول عربية، لتقييم التطوّر فيه منذ بداياته التجريبية عند منتصف القرن الماضي. تُشير الدراسات إلى أن تدريس العلوم السياسية بدأ مبكّرًا في المنطقة، بدايةً بتدريس مُقرَّرٍ عن الاقتصاد السياسي في الكُلّية البروتستانتية السورية عام 1896، وذلك بعد ثلاثين عامًا من إنشاء الكُلّية عام 1866 ومُقرَّرات العلوم السياسية. وبعد أن تحوّلت الكُلّية إلى الجامعة الأميركية في بيروت عام 1920، بدأ تدريس مُقرَّرات في العلوم السياسية عام 1927، ثم تبع ذلك إنشاء قسم للعلوم السياسية عام 1941. من جانب آخر، أُنشئت في عام 1909 جامعة الجزائر، بعد خطوات بدأت منذ عام 1833 لتدريس الطبّ، تبعها إنشاء كُلّية للعلوم والآداب عام 1879. ورغم بداية تدريس القانون، بما في ذلك الشريعة الإسلامية في الجامعة، وعلوم الاستشراق واللّغات وغيرها منذ القرن التاسع عشر، فإن معهد العلوم السياسية في الجامعة لم ينشَأ إلا عام 1949. بناءً عليه، تُعَدّ جامعة القاهرة الثانية بعد الجامعة الأميركية التي بدأت تدريس العلوم السياسية عام 1835، وقد توسّعت في ذلك وحدّثته بإنشاء كُلّية الاقتصاد والعلوم السياسية فيها عام 1969 (اقتداءً بمدرسة الاقتصاد والعلوم السياسية في بريطانيا، ولخدمة المشروع الناصري أيضًا). وفي بغداد، بدأ تدريس العلوم السياسية في جامعة بغداد عام 1959، قبل إنشاء كُلّية الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1963[84].
أما في السودان، فقد نشأت كلية غوردون التذكارية عام 1902، وأُنشئت فيها مدرسة القانون عام 1935. وقد تحوّلت الكُلّية عام 1951 إلى كُلّية جامعية تابعة لجامعة لندن، قبل أن تصبح جامعة الخرطوم مع الاستقلال عام 1956. وقد بدأ تدريس العلوم السياسية فيها في قسم الاقتصاد التابع لكُلّية الآداب، وذلك قبل استقلال القسم لتأسيس كُلّية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية عام 1958، وتأسيس قسم العلوم السياسية فيها عام 1960. وقد أُضيفت تخصّصات الإدارة العامّة والعلاقات الدولية إلى القسم عام 1963، وكان معظم الأساتذة فيه أجانب من بريطانيا والهند، وعُيّن أوّل سوداني رئيسًا له عام 1965. ثم أُضيفت إلى القسم في العام نفسه تخصصات المؤسّسات السياسية، وسياسات الشرق الأوسط، والسياسة الأفريقية، والفكر السياسي الإسلامي. وقد استمرّ معظم الأساتذة من الأجانب حتى نهاية السبعينيات (في عام 1966 كان عدد السودانيين ثلاثة بين كل عشرة أعضاء للهيئة التدريسية، مع ثلاثة بريطانيين، والبقية من جنسيات أخرى). كان من هؤلاء الأجانب أساتذة اشتُهروا بعد عودتهم إلى بريطانيا، مثل تيم نيبلوك (Tim Niblock) وبيتر وودوارد (Peter Woodward) وطلال أسد. وقد ظلّ البرنامج متأثرًا بالمُقرَّرات البريطانية، وكان المُمتحِنون الخارجيون يأتون من جامعات بريطانية حتى نهاية سبعينيات ذلك. إلا أن الوضع بدأ يتغيّر في بداية التسعينيات، حين بدأت عملية تعريب واسعة، وأُنهي وضع اللغة الإنكليزية بوصفها لغة التدريس الأساسية[85].
أمّا فيما يتعلّق بإدخال تخصص العلوم السياسية إلى التعليم العالي في العالم العربي فقد بدأ التعليم بمستوًى معقول في معظم الجامعات العربية، وكان في معظمه متأثرًا بالدول المستعمِرة التي كانت تُدير التعليم حتى رحيلها، والتي ظلّت تُهيْمِن عليه بصورة غير مباشرة بعد رحيلها. فقد اقتدى التعليم في السودان بالنهج البريطاني، وارتبط بالجامعات البريطانية حتى نهاية السبعينيات. وفي مصر، كان هناك مزيج من التأثر البريطاني-الفرنسي. وفي لبنان ودول شمال أفريقيا الفرنكفونية، كانت فرنسا هي النموذج. وبالنسبة للجامعات العربية التي تلقّت دعمًا أجنبيًّا، مثل الجامعات الأميركية في القاهرة وبيروت، فقد تمسّكت الأميركية منها بالمناهج الأميركية، وقد ظلّت مرتبطة بالبلد "الأُمّ" وقوانينه، وكذلك الاجتهاد في مُضاهاة مستوياتها بكثيرٍ من النجاح.
في الوقت نفسه، توسّع التعليم العالي في البلدان العربية، وتحوّل من امتيازٍ نُخبويٍّ لبعض المئات إلى حقٍّ لمئات الآلاف، بل الملايين في دول مثل الجزائر ومصر. وقد شمل هذا التوسّع أقسام العلوم السياسية التي أصبحت تُخرِّج آلاف الطلبة. علاوة على ذلك، فإن كثيرًا من خِرّيجي هذه الجامعات التحقوا بالعمل في الجامعات الأوروبية وجامعات الولايات المتحدة وكندا، وتميّز بعضهم وحقّقَ الشهرة هناك. وقد عاد بعض هؤلاء إلى بلدانهم أو المنطقة العربية، وأسهموا في دعم التخصص والتعليم الجامعي. من جهة أخرى، دخلت العلوم السياسية إلى الجامعات العربية خلال أوقاتٍ حَرِجة من تاريخها: تحت الاستعمار في الجزائر التي خلّف الاستعمار فيها نظام حكم عسكري؛ أو بعد انقلابات عسكرية في العراق ومصر والسودان. بناءً عليه، فإن الدول القليلة التي سبقت بإدخال العلوم السياسية، سرعان ما خضعت لأجندات استبدادية أسهمت في تدهور المستوى فيها، خصوصًا مع تعرّض الأساتذة للمُضايَقة والملاحقة وحتى التهجير، ومن ثم إضعاف القابلية على استيعاب الزيادة الكبيرة في عدد الطلّاب، مع نقص عدد الأساتذة بدل زيادتهم. وإذا أُخذ في الحسبان، علاوة على هذا كله، التدهور الاقتصادي في معظم البلدان العربية، فإن التدهور في المستوى التعليمي في العلوم السياسية وغيرها كان حتميًّا. يضاف إلى هذا ضيق فرص العمل للخرّيجين من التخصص في ظل تزايُد أعدادهم، وهو ما دفع ببعض الحكومات، كما في الجزائر، إلى تخفيض الفرص المتاحة للدراسة في تخصص العلوم السياسية.
المراجع
العربية
ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. مقدمةابن خلدون. تحقيق عبد الله محمد الدرويش. دمشق: دار يعرب، 2004.
أحمد، حسن الحاج علي وياسر عوض عبد الله. "تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية: النشأة والتطور". سياسات عربية. مج 11، العدد 60 (كانون الثاني/ يناير 2023). ص 50-62.
الأفندي، عبد الوهاب. "العلوم السياسية عربيًا". سياسات عربية. مج 11، العدد 60 (كانون الثاني/ يناير 2023). ص 7-20.
بشارة، عزمي. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. ط 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.
الجابري، محمد عابد. فكر ابن خلدون: العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994.
درايزك، جون س. وبوني هونيغ وآن فيليبس (محرر). دليل أكسفورد للنظرية السياسية. ترجمة بشير محمد الخضرا. مراجعة عمر التل. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022.
الأجنبية
Adcock, Robert, Mark Bevir & Shannon C. Stimson (eds.). Modern Political Science: Anglo-American Exchanges Since 1880. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2007.
Ahmad, Iftikhar. "The Early Years of American Political Science: Traditionalist Paradigm and Its Critics." Research in social sciences and technology. vol. 1, no. 2 (2016). pp. 18-53.
Almond, Gabriel A. "Separate Tables: Schools and Sects in Political Science." PS: Political Science & Politics. vol. 21, no. 4 (1988). pp. 828-842.
Arendt, Hannah. On Violence. San Diego: Harcourt, 1970.
________. The Human Condition. Chicago: University of Chicago Press, 1958.
Ball, Terence. Reappraising Political Theory: Revisionist Studies in The History of Political Thought. New York: Clarendon Press; Oxford: Oxford University Press, 1995.
Barber, Benjamin R. "The Politics of Political Science: “Value-free” Theory and the Wolin–Strauss Dust-Up of 1963." The American Political Science Review. vol. 100, no. 4 (2006). pp. 539-545.
Brown, Chris & Kirsten Ainley. Understanding International Relations. 4th ed. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2009.
Chandler, Ralph Clark. "Plato and The Invention of Political Science." International Journal of Organization Theory and Behavior. vol. 6, issue 1 (2003). pp. 28-89.
Crick, Bernard. The American Science of Politics: Its Origins and Conditions. London: Routledge, 2006.
Douglas, Kellner. "Habermas, The Public Sphere, and Democracy: A Critical Intervention." Perspectives on Habermas. vol. 1, no. 1 (2000). pp. 259-288.
Dryzek, J. “Revolutions Without Enemies: Key Transformations in Political Science.” American PoliticalScience Review. vol. 100, issue 4 (2006). pp. 487-492.
Easton, David, John Gunnell & Luigi Graziano (eds.). The Development of Political Science: A Comparative Survey. London: Routledge, 1991.
Easton, David, John Gunnell & Luigi Graziano (eds.). The Development of Political Science: A Comparative Survey. London: Routledge, 2002.
Easton, David. "The New Revolution in Political Science." The American Political Science Review. vol. 63, no. 4 (1969). pp. 1051-1061.
Farr, James, John S. Dryzek & Stephen T. Leonard (eds.). Political Science in History: Research Programs and Political Traditions. Cambridge: Cambridge University Press, 1995.
Goodin, Robert E. & Hans-Dieter Klingemann. A New Handbook of Political Science. New York: Oxford University Press, 1996.
Goodin, Robert E. (ed.). The Oxford Handbook of Political Science. Oxford: Oxford University Press, 2009.
Gunnell, John G. "The founding of The American Political Science Association: Discipline, Profession, Political Theory, and Politics." American Political Science Review. vol. 100, no. 4 (2006). pp. 479-486.
________. The Descent of Political Theory: The Genealogy of an American Vocation. Chicago: University of Chicago Press, 1993.
________. "Pluralism and The Fate of Perestroika: A Historical Reflection." Perspectives on Politics. vol. 13, no. 2 (2015). pp. 408-4015.
He, Baogang. "Critical Reflections on Samuel Huntington’s Thesis of Regimes and Political Science: The Case of China." Asian Journal of Comparative Politics. vol. 1, issue 4 (2016). pp. 370-384.
Held, David. Political Theory and the Modern State. Stanford: Stanford University Press, 1991.
Heywood, Andrew & Clayton Chin. Political Theory: An Introduction. 5th ed. London: Bloomsbury Academic, 2023.
Heywood, Andrew. Politics. 4th ed. Hampshire: Palgrave Macmillan, 2013.
Horwitz, Morton J. "The History of The Public/Private Distinction." University of Pennsylvania Law Review. vol. 130, no. 6 (1982). pp. 1423-1428.
Huntington, Samuel P. "One Soul at a Time: Political Science and Political Reform." The American Political Science Review. vol. 82, no. 1 (1988), pp. 3-10.
Jesseph, Douglas. Hobbes and The Method of Natural Science. Cambridge: Cambridge Companion to Hobbes, 1996.
Jr., Harvey C. Mansfield. “Machiavelli’s Political Science.” The American Political Science Review. vol. 75, no. 2 (1981). pp. 293-305.
Kilic, Ekim. "Power and Authority in Karl Marx, Niccoló Machiavelli and Thomas Hobbes." CUNY Academic Works. at: https://acr.ps/hBxWaPE
Kurrild-Klitgaard, Peter. "Public Choice and Political Science: a View From Europe." Public Choice. vol. 175, no. 3 (2018). pp. 245-257.
Kushner, Harvey W. & Gerald De Maio. "A Discipline in Search of Its Paradigm: Reflections on The Post-behavioral Era in Political Science." The Centennial Review. vol. 23, no. 3 (1979). pp. 263-286.
Landes, Joan B. Feminism, the Public and the Private. New York: Oxford University Press, 1998.
Landman, Todd. Issues and Methods in Comparative Politics: An Introduction. London: Routledge, 2002.
Leca, Jean. "French Political Science: Some Problems and Difficulties in The Social Organization of The Discipline." European Journal of Political Research. vol. 20, issue 3-4 (1991). pp. 323-340.
Leftwich, Adrian. What is Politics: The Activity and its Study. Oxford: Polity, 2015.
Lijphart, Arend. "Comparative Politics and The Comparative Method." American political science review. vol. 65, issue 3 (1971). pp. 682-693.
Lim, Timothy C. Doing Comparative Politics: An Introduction to Approaches and Issues. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2006.
Lindstaedt, Natasha & Jeroen J. van den Bosch (eds.). Research Handbook on Authoritarianism. Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing, 2024.
Locke, John. Two Treatises of Government. Peter Laslett (ed.). Cambridge: Cambridge University Press, 1988.
Lucchese, Filippo Del. "Machiavelli and Constituent Power: The Revolutionary Foundation of Modern Political Thought." European Journal of Political Theory. vol. 16, issue 1 (2017). pp. 3-23.
Mansfield, Edward D. & Richard Sisson (eds.). The Evolution of Political Knowledge: Democracy, Autonomy, and Conflict in Comparative and International Politics. Columbus: The Ohio State University Press, 2004.
Marsh, David & Gerry Stoker (eds.). Theory and Methods in Political Science. 3rd ed. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2010.
Marso, Lori J. "The Stories of Citizens: Rousseau, Montesquieu, and de Stael Challenge Enlightenment Reason." Polity. vol. 30, no. 3 (1998). pp. 435-463.
McLennan, Gregor, David Held & Stuart Hall (eds.). The Idea of The Modern State. Milton Keynes, UK: Open University Press, 1984.
Monroe, Kristen Renwick (ed.). Perestroika!: The Raucous Rebellion in Political Science. New Haven: Yale University Press, 2005.
Munck, Gerardo L. The Past and Present of Comparative Politics. Notre Dame, Ind.: Helen Kellogg Institute for International Studies, 2006.
Najemy, John M. (ed.). The Cambridge Companion to Machiavelli. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.
Natarajan, Usha et al. (eds.). Third World Approaches to International Law: on Praxis and The Intellectual. London: Routledge, 2018.
Nederman, Cary J. & Guillaume Bogiaris (eds.). Research Handbook on the History of Political Thought. Cheltenham, Glos: Edward Elgar Publishing, 2024.
Newton, Kenneth & Josep M. Vallés. "Introduction: Political Science in Western Europe, 1960–1990." European Journal of Political Research. vol. 20, issue 3-4 (1991). pp. 227-238.
Nora, Pierre & Michael Taylor. "America and The French Intellectuals." Daedalus. vol. 107, no. 1 (1978). pp. 325-337.
Ross, Dorothy. The Origins of American Social Science. Cambridge: Cambridge University Press, 1991.
Roy, Nalanda (ed.). Oxford Research Encyclopedia of International Studies. New York: Oxford University Press, 2017.
Schram, Sanford F. "Beyond Paradigm: Resisting the Assimilation of Phronetic Social Science." Politics & Society. vol. 32, no. 3 (2004). pp. 417-433.
________. “Return to Politics: Perestroika and Post-Paradigmatic Political Science.” Political Theory. vol. 31, no. 6 (2003). pp. 835-851.
Wolin, Sheldon S. “Political Theory as a Vocation.” The American Political Science Review. vol. 63, issue 4 (1969). pp. 1062-1082.
________. Politics and Vision: Continuity and Innovation in Western Political Thought. New Jersey: Princeton University Press, 2004.
[1] Ralph Clark Chandler, "Plato and The Invention of Political Science," International Journal of Organization Theory and Behavior, vol. 6, issue 1 (2003), p. 28.
[2] Steffen Kailitz, "Typologies of Autocratic Regimes," in: Natasha Lindstaedt & Jeroen J. van den Bosch (eds.), Research Handbook on Authoritarianism (Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing, 2024), pp. 11-24.
[3] Robert E. Goodin & Hans-Dieter Klingemann, A New Handbook of Political Science, vol. 3 (New York: Oxford University Press, 1996), p. 54.
[4] Cary J. Nederman & Guillaume Bogiaris (eds.), Research Handbook on the History of Political Thought (Cheltenham, Glos: Edward Elgar Publishing, 2024), pp. 328-338.
[5] Harvey C. Mansfield Jr., “Machiavelli’s Political Science,” The American Political Science Review, vol. 75, no. 2 (1981), pp. 293-305.
[6] Ibid.
[7] Jérémie Barthas, "Machiavelli in Political Thought from The Age of Revolutions to The Present," in: John M. Najemy (ed.), The Cambridge Companion to Machiavelli (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), pp. 256-257.
[8] Mansfield Jr., pp. 293-295; Filippo Del Lucchese, "Machiavelli and Constituent Power: The Revolutionary Foundation of Modern Political Thought," European Journal of Political Theory, vol. 16, issue 1 (2017), pp. 3-23.
[9] Ekim Kilic, "Power and Authority in Karl Marx, Niccoló Machiavelli and Thomas Hobbes," CUNY Academic Works, accessed on 22/4/2026, at: https://acr.ps/hBxWaPE
[10] عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون، مقدمةابن خلدون، تحقيق عبد الله محمد الدرويش (دمشق: دار يعرب، 2004)؛ للاستزادة يُنظر: محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون: العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994).
[11] Douglas Jesseph, Hobbes and The Method of Natural Science (Cambridge: Cambridge Companion to Hobbes, 1996), pp. 86-107.
[12] John Locke, Two Treatises of Government, Peter Laslett (ed.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1988), II. §4, II. §6, II. §13, IX. §123, XIX. §222.
[13] Lori J. Marso, "The Stories of Citizens: Rousseau, Montesquieu, and de Stael Challenge Enlightenment Reason," Polity, vol. 30, no. 3 (1998), pp. 435-463.
[14] J. Dryzek, “Revolutions Without Enemies: Key Transformations in Political Science,” American PoliticalScience Review, vol. 100, issue 4 (2006), pp. 487-492.
[15] Ibid., p. 488.
[16] Gregor McLennan, "Capitalist State or Democratic Polity," in: Gregor McLennan, David Held & Stuart Hall (eds.), The Idea of The Modern State (Milton Keynes, UK: Open University Press, 1984), pp. 80-109.
[17] Baogang He, "Critical Reflections on Samuel Huntington’s Thesis of Regimes and Political Science: The Case of China," Asian Journal of Comparative Politics, vol. 1, issue 4 (2016), pp. 370-384.
[18] Goodin & Klingemann, p. 10.
[19] Ibid., p. 11.
[20] Hannah Arendt, On Violence (San Diego: Harcourt, 1970), pp. 44-45, 52; Hannah Arendt, The Human Condition (Chicago: University of Chicago Press, 1958), pp. 205-206.
[21] Adrian Leftwich, What is Politics: The Activity and its Study (Oxford: Polity, 2015), p. 15.
[22] Ibid.
[23] Morton J. Horwitz, "The History of The Public/Private Distinction," University of Pennsylvania Law Review, vol. 130, no. 6 (1982), p. 1423.
[24] Kellner Douglas, "Habermas, The Public Sphere, and Democracy: A Critical Intervention," Perspectives on Habermas, vol. 1, no. 1 (2000), pp. 259-288.
[25] Joan B. Landes, Feminism, the Public and the Private (New York: Oxford University Press, 1998), p.
[26] عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017).
[27] Dorothy Ross, The Origins of American Social Science (Cambridge: Cambridge University Press, 1991).
[28] James Farr, John S. Dryzek & Stephen T. Leonard (eds.), Political Science in History: Research Programs and Political Traditions (Cambridge: Cambridge University Press, 1995); John G. Gunnell, The Descent of Political Theory: The Genealogy of an American Vocation (Chicago: University of Chicago Press, 1993).
[29] Gabriel A. Almond, “Political Science: The History of the Discipline,” in: Robert E. Goodin (ed.), The Oxford Handbook of Political Science (Oxford: Oxford University Press, 2009), pp. 67-68.
[30] Ibid., pp. 68-70.
[31] Ibid., pp. 70-71.
[32] Gerardo L. Munck, The Past and Present of Comparative Politics (Notre Dame, Ind.: Helen Kellogg Institute for International Studies, 2006), pp. 5-7.
[33] Laitin, op. cit.
[34] Timothy C. Lim, Doing Comparative Politics: An Introduction to Approaches and Issues (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2006), pp. 7-8.
[35] Andrew Heywood & Clayton Chin, Political Theory: An Introduction, 5th ed. (London: Bloomsbury Academic, 2023), p. 5.
[36] Lim, pp. 9-12; Todd Landman, Issues and Methods in Comparative Politics: An Introduction (London: Routledge, 2002), p. 4.
[37] Laitin, op. cit.
[38] Arend Lijphart, "Comparative Politics and The Comparative Method," American political science review, vol. 65, issue 3 (1971), pp. 682-693.
[39] Gabriel A. Almond, "Separate Tables: Schools and Sects in Political Science," PS: Political Science & Politics, vol. 21, no. 4 (1988), pp. 828-842.
[40] Heywood & Chin, pp. 3, 6;
للمزيد يُنظر أيضًا: جون س. درايزك وبوني هونيغ وآن فيليبس (محرر)، دليل أكسفورد للنظرية السياسية، ترجمة بشير محمد الخضرا، مراجعة عمر التل، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022).
[41] Heywood & Chin, pp. 3, 5.
[42] Andrew Heywood, Politics, 4th ed. (Hampshire: Palgrave Macmillan, 2013), p. 20; David Held, Political Theory and the Modern State (Stanford: Stanford University Press, 1991), p. 1.
[43] Terence Ball, Reappraising Political Theory: Revisionist Studies in The History of Political Thought (New York: Clarendon Press; Oxford: Oxford University Press, 1995), p. 10.
[44] Sheldon S. Wolin, Politics and Vision: Continuity and Innovation in Western Political Thought (New Jersey: Princeton University Press, 2004), pp. 16, 21, 29.
[45] Sheldon S. Wolin, “Political Theory as a Vocation,” The American Political Science Review, vol. 63, issue 4 (1969), pp. 1062-1082.
[46] Benjamin R. Barber, "The Politics of Political Science: “Value-free” Theory and the Wolin–Strauss Dust-Up of 1963," The American Political Science Review, vol. 100, no. 4 (2006), pp. 539-545.
[47] Chris Brown & Kirsten Ainley, Understanding International Relations, 4th ed. (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2009).
[48] Ibid., pp. 19-39; Tonny Brems Knudsen, "The Institutions of International Society (26 Apr. 2021)," in: Nalanda Roy (ed.), Oxford Research Encyclopedia of International Studies (New York: Oxford University Press, 2017).
[49] Tony Smith, "The Case of Dependency Theory," in: Usha Natarajan et al. (eds.), Third World Approaches to International Law: on Praxis and The Intellectual (London: Routledge, 2018), pp. 203-222; Brown & Ainley, pp. 151-161.
[50] Smith, op. cit.
[51] Landman, p. xix.
[52] John G. Gunnell, "The founding of The American Political Science Association: Discipline, Profession, Political Theory, and Politics," American Political Science Review, vol. 100, no. 4 (2006), pp. 479-486.
[53] Iftikhar Ahmad, "The Early Years of American Political Science: Traditionalist Paradigm and Its Critics," Research in social sciences and technology, vol. 1, no. 2 (2016), pp. 18-53.
[54] Robert Adcock, Mark Bevir & Shannon C. Stimson (eds.), Modern Political Science: Anglo-American Exchanges Since 1880 (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2007), pp. 180-183.
[55] Ibid., pp. 182-191.
[56] John Gunnell, "Pluralism and The Fate of Perestroika: A Historical Reflection," Perspectives on Politics, vol. 13, no. 2 (2015), pp. 408-4015.
[57] Harvey W. Kushner & Gerald De Maio, "A Discipline in Search of Its Paradigm: Reflections on The Post-behavioral Era in Political Science," The Centennial Review, vol. 23, no. 3 (1979), pp. 263-286.
[58] Ibid., pp. 263
[59] David Easton, "The New Revolution in Political Science," The American Political Science Review, vol. 63, no. 4 (1969), pp. 1051-1061.
[60] Susan Hoeber Rudolf, "Perestroika and Its Other," in: Kristen Renwick Monroe (ed.), Perestroika!: The Raucous Rebellion in Political Science (New Haven: Yale University Press, 2005), p. 12.
[61] Sanford F. Schram, "Beyond Paradigm: Resisting the Assimilation of Phronetic Social Science," Politics & Society, vol. 32, no. 3 (2004), pp. 417-433.
[62] Sanford F. Schram, “Return to Politics: Perestroika and Post-Paradigmatic Political Science,” Political Theory, vol. 31, no. 6 (2003), pp. 835-851.
[63] Rudolf, op. cit.
[64] Schram, "Return to Politics," op. cit.
[65] Gunnell, "Pluralism and The Fate of Perestroika," p. 408.
[66] Ibid., p. 413.
[67] Andrew Hindmoor, "Rational Choice," in: David Marsh & Gerry Stoker (eds.), Theory and Methods in Political Science, 3rd ed. (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2010), pp. 42-59; Peter Kurrild-Klitgaard, "Public Choice and Political Science: a View From Europe," Public Choice, vol. 175, no. 3 (2018), pp. 245-257.
[68] Hindmoor, pp. 43-46.
[69] Ibid.
[70] Bernard Crick, The American Science of Politics: Its Origins and Conditions (London: Routledge, 2006).
[71] John G. Gunnell, “The Historiography of American Political Science,” in: David Easton, John Gunnell & Luigi Graziano (eds.), The Development of Political Science: A Comparative Survey (London: Routledge, 1991), pp. 18-21.
[72] Samuel P. Huntington, "One Soul at a Time: Political Science and Political Reform," The American Political Science Review, vol. 82, no. 1 (1988), pp. 3-10; Erkki Berndtson, “The Development of Political Science,” in: David Easton, John Gunnell & Luigi Graziano (eds.), The Development of Political Science: A Comparative Survey (London: Routledge, 1991), p. 39.
[73] Kenneth Newton & Josep M. Vallés, "Introduction: Political Science in Western Europe, 1960–1990," European Journal of Political Research, vol. 20, issue 3-4 (1991), pp. 227-238.
[74] Ibid., pp. 227-230.
[75] David Easton, John Gunnell & Luigi Graziano (eds.), The Development of Political Science: A Comparative Survey (London: Routledge, 1991), p. 1.
[76] Berndtson, pp. 41-42.
[77] Hans Kastendiek, "Political Development and Political Science in West Germany," in: David Easton, John Gunnell & Luigi Graziano (eds.), The Development of Political Science: A Comparative Survey (London: Routledge, 2002), pp. 118-136.
[78] Ibid., pp. 121-125.
[79] Jack Hayward, "Cultural and Contextual Constraints Upon the Development of Political Science in Great Britain," in: David Easton, John Gunnell & Luigi Graziano (eds.), The Development of Political Science: A Comparative Survey (London: Routledge, 2002), pp. 103-117.
[80] Ibid., pp. 95-96.
[81] Pierre Nora & Michael Taylor, "America and The French Intellectuals," Daedalus, vol. 107, no. 1 (1978), pp. 325-337.
[82] Jean Leca, "French Political Science: Some Problems and Difficulties in The Social Organization of The Discipline," European Journal of Political Research, vol. 20, issue 3-4 (1991), pp. 323-340.
[83] Ibid., p. 338.
[84] عبد الوهاب الأفندي، "العلوم السياسية عربيًا"، سياسات عربية، مج 11، العدد 60 (كانون الثاني/ يناير 2023)، ص 7-20.
[85] حسن الحاج علي أحمد وياسر عوض عبد الله، "تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية: النشأة والتطور"، سياسات عربية، مج 11، العدد 60 (كانون الثاني/ يناير 2023)، ص 50-62.