تسجيل الدخول

التثقيف بالنظير



الموجز

التثقيف بالنظير مقاربة تربوية واجتماعية تقوم على نقل المعرفة والمهارات والسلوكيات بين أفراد ينتمون إلى فئة عمرية أو اجتماعية متقاربة. وتستند هذه المقاربة إلى افتراض أن النظير، أو القرين، قد يكون أكثر قدرة على التواصل مع أقرانه وفهم خبراتهم واحتياجاتهم، ولا سيما في الفئات الشابة، مثل الأطفال والمراهقين والشباب.

تُستخدَم هذه المقاربة في مجالات متعددة، منها التربية والصحة والعمل الاجتماعي، وتكتسب أهمية خاصة في البرامج المرتبطة بالتنشئة الاجتماعية وبناء الهوية الشخصية وتعزيز المشاركة. فمن خلال جماعات النظراء، يمكن تشجيع الممارسات الإيجابية، وتيسير الحوار حول قضايا تمسّ حياة المشاركين، مثل التعليم والصحة والعلاقات الاجتماعية، وإشراكهم في القرارات والبرامج التي تستهدفهم. ويُنظر إلى التثقيف بالنظير بوصفه وسيلة لتعزيز حضور الفئات الشابة في محيطها الاجتماعي، ودعم قدرتها على التعبير عن احتياجاتها والمشاركة في معالجتها.

تتحدد خصوصية التثقيف بالنظير من خلال أسسه النظرية، وسياقات ظهوره التاريخية، ومجالات تطبيقه في التربية والصحة والعمل الاجتماعي، فضلًا عن أثره في تعزيز مكانة جماعات النظراء في حياة الأطفال والمراهقين والشباب. كما ينطوي هذا النهج على بعد تدخّلي واضح، إذ يُستخدَم في برامج التوعية والوقاية وتنمية المهارات، مع الإقرار بوجود حدودٍ له تتصل بجودة التدريب، وطبيعة الإشراف، ومدى ملاءمته للسياق الذي يُطبَّق فيه. 


حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


تعريفه

يشير التثقيف بالنظير إلى عملية تثقيفية أو تربوية يتولاها فرد تجاه أقرانه الذين يشتركون معه في خصائص معينة، مثل السن أو الجنس أو الاهتمامات والتطلُّعات. وللمقاربة تسميات وممارسات متعددة، منها المرافقة بالنظير، والدعم بالنظير، والاستشارة بالنظير، والمساعدة بالنظير والوساطة بالنظير، وغيرها. 

وتدل هذه التسميات على أشكال مختلفة من التنشئة الاجتماعية بالنظير حين تكون  منظمة وقصدية، أي عندما تجري ضمن برامج أو تدخلات تربوية واجتماعية محددة، في مقابل التنشئة الاجتماعية العفوية، التي تحدث تلقائيًا في إطار جماعات النُّظراء. وتشير هذه المرادفات المختلفة للتثقيف بالنظير إلى الأدوار والمسؤوليات المختلفة التي يضطلع بها المثقف النظير[1] في خضمّ هذه المقاربة التربوية، فبقدر ما يكون النظير مثقفًا أو مُربّيًا لنُظرائه، يستطيع أن يضطلع أيضًا بدور المرافق والمساعد والمستشار والوسيط لهم.

والتثقيف بالنظير مقاربة تربوية، أي منظومة من الأفكار والتصوُّرات والإجراءات المُؤطِّرة لعملية التثقيف بالنظير وغاياتها، والوسائل والطرق المعتمَدة فيها، وكيفية تقويمها[2]. ومن أجل فهم دقيق لدلالة مقاربة التثقيف بالنظير، يُشار إلى أن النظراء (أو الأقران) يُقصَد بهم الأفراد الذين يشتركون في عدد من المزايا، مثل الجنس والسن والثقافة والاهتمامات والترفيه والتطلُّعات وغيرها. وهكذا، يُسمَّى النظير نظيرًا لأنه مثيل أو شبيه[3]، فكما يوضح أوليڤييه تاراماركاز (1959-): "النُّظراء هم نظراء لأن لديهم شيئًا ما مشترَكًا، لكن أيضًا لأن لديهم شيئًا ما خاصًّا: علامة تُميّزهم عن الفاعلين الآخرين الذين ليسوا نُظراء"[4]. وغالبًا ما يُحيل هذا المفهوم على جماعات السن، ولا سيما جماعات المراهقين الذين يتقاسمون ثقافة شبابية خاصة.

أما المثقف النظير، فيُقصَد به الفرد الذي يملك مزايا جماعة النُّظراء نفسها، ويُنتقَى وفقًا لمعايير محددة[5] للاضطلاع بمهمة التثقيف أو التربية، المتمثلة في نقل المعارف والقِيَم والمهارات إلى نُظرائه. ولهذه الغاية، يخضع لتكوين خاص، من أجل اكتساب كفايات معرفية ومنهجية (نظرية وعملية) تُمكِّنه من الاضطلاع بعملية النقل بكيفية مُيسَّرة وفعَّالة[6].

وغالبًا ما يُنتقَى النُّظراء على أساس التطوّع، حتى وإن لم يكونوا جميعًا مُنتَقين، إذ يكون الانتقاء وفق معايير صريحة إلى حدٍّ ما، تختلف باختلاف البرامج والأهداف المتَّبعة. وغالبًا ما يكون اختيار النُّظراء بعد مُلاحظة وتتبُّع، واختبارٍ من الراشدين في البيئة التي يعيشون فيها (من طرف الأساتذة، والأخصائيين الاجتماعيين، والمسؤولين في الجمعيات، وغيرهم)[7].

وهكذا، فمقاربة التثقيف بالنظير تنطوي على مبادئ التماثلية والتبادلية والمساواة، فجاذبيتها تقوم على بناء دينامية علائقية، انطلاقًا من التشابُه أو التماثُل بين الفرد الذي له دور المثقف النظير، وذلك المماثل له الذي له دور المتلقّي (أو المستفيد)[8].

ومقاربة التثقيف بالنظير هي أكثر من مجرد مقاربة تربوية، فهي شكلٌ مبتكَر من التدخُّل الاجتماعي، الذي يتميَّز عن التدخل الاجتماعي المهني المتداول بما يتيحه من تجسير بين دور كُلٍّ من المُستفيد والمتدخّل[9].

ولعلَّ هذا الطابع الأداتي لمقاربة التثقيف بالنظير، الذي يجعل منها طريقة مُيسَّرة وناجعة لتوعية المراهقين والشباب وتثقيفهم، هو الذي يُفسّر توظيفها المكثّف على مستوى السياسات والبرامج المُوجَّهة إلى الجيل الناشئ، مثلما يُفسّر لجوء المؤسسات الرسمية وغير الرسمية إلى تعريفات عملية، تُركِّز على البُعد الإجرائي للمقاربة، وعلى توجُّهها التدخُّلي[10].

لمحة تاريخية

تعود ممارسة التثقيف بالنظير إلى أزمان غابرة، ففكرة النظير قديمة، وكل واحد منا مُحاطٌ في حياته دائمًا بنُظرائه، بِمن يُشبهونه ويماثلونه في السن أو الوظيفة أو الوضع الاجتماعي أو القِيَم، أو غيرها[11].

وقد سبق لكونفوشيوس (Confucius) أن قال: "يتعلَّم المرء من نُظرائه بشكل أفضل من الراشدين المُحيطين به"[12]. وطوال القرون الماضية، استُعملت هذه المقاربة بدرجات متفاوتة في الأوساط التربوية، ومنها بعض مدارس التعليم الديني.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


يرصُد تاراماركاز التاريخ الحديث لهذه المقاربة التي نشَأت مع بداية القرن السادس عشر، والتي تطوَّرت وفق أشكال متعددة في الوسط المدرسي إلى حدود القرن التاسع عشر، ولا سيما في إنكلترا وسويسرا وفرنسا، وفي القرن العشرين في بقية مجتمعات أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وقد تعزَّزت في القرن العشرين مع تطوُّر التعاوُنيات المدرسية والمُخيّمات الصيفية[13].

صحيح أن مقاربة التثقيف بالنظير عرفت انتشارَها الواسعَ في النصف الثاني من القرن العشرين، خصوصًا منذ سبعينياته بفضل استعمالها في مجال الصحة لوقاية الشباب من بعض الأمراض والسلوكات الخطِرة، إلا أن الرصد التاريخي السريع يُبيّن أنها اقترنت بالتيّار البيداغوجي التربوي، قبل أن يُدمَج لاحقًا ضمن مجال الصحة[14].

وإذا كانت مقاربة التثقيف بالنظير قد صارت مُهيمنة في فرنسا منذ تسعينيات القرن العشرين[15]، فإن البلدان الأنكلوسكسونية كانت هي السبَّاقة إلى توظيف هذه المقاربة في حقل التربية أولًا، ثم بعد ذلك في مجالات أخرى، مثل التثقيف الصحي والوقاية من الإدمان[16]، بعد أن لحظ الباحثون والفاعلون في مجال الوقاية نجاعةَ إشراك المثقفين النُّظراء في الوقاية من المخاطر التي تُواجه نُظراءهم (من الشباب أو فئات الساكنة الهشّة الأخرى)، أو في العمل على تغيير سلوكاتهم أو قِيَمهم أو مواقفهم[17].

إن محدودية انتشار مقاربة التثقيف بالنظير في بعض السياقات الثقافية -أو تأخّر ظهورها- ترجع في نظر بعض الباحثين إلى الخصوصية الثقافية، فكما أوضح فرانسوا شوبو، فإن التثقيف بالنظير -كما هو معروف- نشَأ في الثقافة الأنكلوسكسونية المتأثرة بالبروتستانتية؛ ففي سياق هذه الثقافة الدينية، يكون للفرد بُعد جماعي، وهذه السمة الجماعية مسؤولة عمّا يفعله، لأن القدرة الإلهية وفق هذه الرؤية تترك للإنسان مجالًا لتحمُّل مسؤوليته، إذ لا يمكنها أن ترعى خطواته كلها. أما في فرنسا، فتسود الثقافة الدينية الكاثوليكية أساسًا، التي تفترض بناء علاقة مباشرة بين الشخص والخالق، من دون تلك الأهمية الممنوحة للجماعة[18].

وقد انتشرت مقاربة التثقيف بالنظير خلال العقود الأخيرة بوصفها مقاربةً تربويةً وأداةً للتدخُّل، وتطوَّرت متخذةً أشكالًا متعددة تُوظَّف في حقول مختلفة، وتستهدف فئات متنوّعة من النُّظراء[19].

أما في العالم العربي، فقد أسهم صندوق الأمم المتحدة للسُّكان في نشر مقاربة التثقيف بالنظير على نطاق واسع، من خلال دعمه شبكةً لتثقيف الشباب بالنظير، ولا سيما من خلال إنشائه مركز التميُّز الإقليمي للتثقيف بالنظير في عمّان سنة 2013[20]، من أجل التكوين وتقديم المساعدة التقنية، ولا سيما توظيف وسائل مثل تأدية الأدوار، والارتجال، والمحاكاة، ومهارات المسرح والدراما التفاعلية[21].

مجالات تطبيقها

إن مجالات تطبيق مقاربة التثقيف بالنظير متنوّعة ومتعددة، تنتقل من التربية إلى الصحة، مرورًا بالاندماج الاجتماعي والعمل الاجتماعي والتربية الشعبية. وتشترك هذه المجالات كلها في فكرة منح دور مختلف للمثقف النظير عن دوره المعتاد ضمن جماعة النُّظراء[22]. وهكذا، ففي حقل التربية، المثقف النظير ليس مجرد طالب يُشبه نظراءه؛ وهو في حقل الصحة ليس مجرد مريض مثل بقية نُظرائه المرضى؛ وفي مجال الاندماج ليس مجرد شخص مُقصًى يُشبه نظراءه من الأشخاص أو المهمَّشين. فالأمر يتعلق في هذه الحالات كلها بدور مختلف يؤديه المثقف النظير، يُشكِّل صُلب المقاربة بصفتها أداةً للتدخُّل[23]؛ فالمثقف النظير يقتسم تجربة العيش مع نُظرائه، ويتماهى مع اهتماماتهم، ويتفهّم مشكلاتهم وانشغالاتهم، فيبدو لهم مثل شخص أصيل حقيقي، أو منهم وإليهم، وليس عُنصرًا خارجيًا فوقيًا[24].

وتُحيل مقاربة التثقيف بالنظير في حقل الصحة إلى مقاربات الصحة الجماعاتية؛ وفي حقل التعليم إلى البيداغوجيا التعاونية[25]؛ وفي حقل التنشيط إلى التربية الشعبية؛ وفي مجال العمل الاجتماعي إلى المبادرات المُسمّاة جماعية وتعاوُنية وجماعاتية[26].

ويمكن التمييز بين ثلاثة مجالات أساسية للتدخُّل بالنسبة إلى مقاربة التثقيف بالنّظير، تبعًا للأدوار الثلاثة التي يمكن أن يضطلع بها المُثقف النظير، وهي:

  1. دور التأثير الاجتماعي: إذ يتمحور دور المثقف النظير حول آليات التأثير التي يُمكنه توظيفها تُجاه نظرائه، وفق منطق الوقاية من المخاطر والأضرار، أو تغيير السلوكات والمواقف والقِيَم.
  2. دور المورد الاجتماعي: إذ يُعَد المثقف النظير شخصية مورد (Personne-ressource)، يتحدد دورها في علاقات المساعدة البينية، والتبادلات التي يُقيمها من أجل تحقيق أهدافه التثقيفية وأهداف الآخرين التعلُّمية، هذا علاوة على أن الآخرين أنفسهم يتشكّلون في إطار جماعات تُمثِّل في ذاتها موردًا بالنسبة إلى مجموع الأعضاء.
  3. دور الوسيط أو نقطة الارتكاز الاجتماعية: إذ يُمثِّل المثقف النظير، من خلال الانتماء إلى عوالم اجتماعية متناقضة ومختلفة، وسيطًا يُسهّل الانتقال الرمزي أو الواقعي بين هذه العوالم، فيُشكِّل بذلك نقطة ارتكاز اجتماعية أو "جسر عبور"[27].

وبخصوص التطبيق في المجال الصحي، تعترف منظمة الصحة العالمية، كما السياسات العمومية الصحية في كثير من البلدان، بمقاربة التثقيف بالنظير، التي يُوظِّف فيها الأشخاص الذين لديهم معارف وقدرات مُستقاة من تجربتهم في الإعاقة، أو من تجربة التعايش مع المرض المزمن، ما راكموه من خبرة، من أجل دعم نُظرائهم المُعاقين أو المرضى، ومرافقتهم بطريقة غير رسمية ومجّانية. فوفق هذه المقاربة، يضطلع النظير بدور المساعد والمصاحب والمُيسِّر والوسيط بين النُّظراء، سواء أكانوا مُصابين بإعاقة أو مرض مزمن، أم مُدمنين على الكحول أو المخدّرات، أو غيرها[28] .

ووُظِّفت مقاربة التثقيف بالنظير في مجال الصحة في البداية من أجل الوقاية الأولية، حيث يكون التدخُّل قبل وقوع المشكل الصحي أو المرض (مثل التلقيح). كذلك، وُظِّف التثقيف بالنظير من أجل الوقاية الثانوية (التي تؤثر أكثر في مرحلة بداية تطوُّر المرض، أو في تقليص المخاطر والأضرار المرتبطة بمشكل صحي ما)[29].

أما في مجال التربية والتكوين، فيشهد توظيف مقاربة التثقيف بالنظير انتشارًا واسعًا، على النحو الذي[30] يُلجَأ فيه في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، إلى توظيفها المُكثَّف في التعليم العالي، منذ بدايات تسعينيات القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، إذ يُشير الباحثون إلى حضور كبير لها في غالبية مؤسسات التعليم العالي في الولايات المتحدة (تُوظَّف في نحو 75 في المئة من المؤسسات). وينخرط المُثقّفون النُّظراء في مجال التربية والتكوين، ولا سيما في التعليم العالي، في تقديم تشكيلة واسعة ومتنوّعة من الخدمات والأنشطة، مثل تقديم المعلومات والإرشادات، وتفسير السياسات والتدابير الإدارية والقانونية، وتوجيه الطلاب الجُدد، وتوفير المساعدات الخاصة المرتبطة بالمشكلات التي تواجه الطُّلاب، وتنفيذ البرامج الاجتماعية والتربوية، والمصاحبة، وغيرها[31].

وتُعَد هذه الخدمات والأنشطة التي يقدّمها المُثقّفون النُّظراء مفيدة وفعّالة، بحكم التجربة والقرب وإلمام المُثقّفين النُّظراء بالموضوع، وقدرتهم على التماهي مع وضعية الطلاب الآخرين، مثلما أن انخراط المُثقفين النُّظراء في هذه الخدمات والأنشطة اقتصاديٌّ على مستوى ما يتطلّبه من ميزانية وإمكانات، قياسًا على ما يتطلّبه الموظفون المداومون[32].

مجتمع النظراء (أو الأقران) في المقاربة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

كشف إدغار موران (بالفرنسية: Edgar Morin، 1921-) عن أهمية التنشئة الاجتماعية بالنظير، فالشباب اليوم يضطلعون بمسؤولية التنشئة الاجتماعية الذاتية (Auto-socialisation)، نتيجةَ الأزمة المزدوجة التي تُعانيها المجتمعات الحديثة: أزمة النماذج السائدة نتيجةَ تقويض سلطة الأجيال السابقة؛ وأزمة مؤسسات التنشِئة الاجتماعية التي تُعاني ضعفًا كبيرًا في الفاعلية وتراجُعًا في الشعبية، فالتنشئة الاجتماعية للشباب في إطار جماعات النُّظراء غير مفصولة عن الصعوبات التي تُواجه كلا الوالدَيْن في تربية أطفالهم، والأساتذة في تعليم تلاميذهم[33].

وبتعبير يستحضر منظور التحليل النفسي، فإن هُوية المراهقين تُبنى أقلَّ فأقل اليوم في العلاقة مع رمزية الأب والراشد عمومًا، وتُبنى بالإحالة أكثر فأكثر على النُّظراء، بحيث يحدث نوع من الانتقال من الأب إلى جماعة الأقران[34].

وتطرح مقاربة التثقيف بالنظير سؤالَ تأثير جماعة النُّظراء الذي يُلحَظ منذ سنٍّ باكرة جدًّا، ويزداد قوةً عندما ينتقل الإنسان من الطفولة إلى المراهقة، إذ يبدأ المراهق في أخذ مسافة من العالم الأُسري، هذه المسافة تتشكَّل نتيجةَ التنشِئة المدرسية، ثم تُعزَّز نتيجةَ التنشئة الاجتماعية لجماعة النُّظراء[35]، إذ تملك ثقافة النُّظراء قُوةً لا يمكن إنكارها، وتدخل في منافسة مع تأثيرات المدرسة أو الأُسرة.

وقد سلَّطت الدراسات السوسيولوجية والسيكولوجية التي أُنجِزت في كُلٍّ من الولايات المتحدة وفرنسا، الضوءَ على عمل مجموعة النُّظراء، ودورها في تحديد ممارسات الأطفال والمراهقين وتفضيلاتهم[36]. وقد تعزَّزت مكانة النُّظراء في حياة الأطفال والمراهقين، من خلال انفتاح الوسط الأُسري على الخارج، وتنظيم الفئات العمرية بوساطة المدرسة[37].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


وفي نظر جان بياجيه (بالفرنسية: Jean Piaget، 1896-1980)، يستطيع الأطفال والمراهقون التطوُّر معرفيًا في السياقات التي يكون فيها للنظراء السلطة نفسها، ولهُم جميعًا إمكانية التأثير المتبادل، فعندما يشتغل الراشدون مع الأطفال، توجد بنية سلطة لا محيد عنها، كفيلة بأن تدفع الأطفال إلى التماهي مع الراشد. ويكمُن الخطر في قبول ما يقوله الراشد الأقوى والأكبر سلطةً، من دون الشعور بالصراعات المعرفية أو فحص المعتقدات السائدة[38].


أما عندما يشتغل النُّظراء جماعيًا من دون حضور الراشد في المجموعة، فيمكن ألّا تكون علاقات السلطة متكافِئة، إذ يكون لبعض الأطفال وضع وسلطة، تبعًا لاعتبارات قُدراتهم المُدركة، وشعبيّتهم وقدراتهم الإدراكية، وبعض المُميّزات الأخرى مثل الجنس أو العرق أو غيرهما؛ فالأطفال ذوو الوضع الأعلى لهم عمومًا تأثير أكثر في التفاعلات الناتجة داخل المجموعة، فلهُم ميل نحو الحديث أكثر، وتقديم تفسيرات وأجوبة عن الأسئلة التي يطرحها الأطفال ذوو الأوضاع الأدنى؛ وبعض الأطفال يمكن ببساطة أن يُوافقوا على أفكار هؤلاء الأطفال ذوي الموقع الأعلى[39] (لكن بفضل التكوين الذي يتلقّاه المثقف النظير في إطار مقاربة التثقيف بالنظير، يمكنه تحقيق التوزان في علاقته مع بقية النُّظراء، عبر اقتسام المعرفة والسلطة معهم). عند ذلك، يمكن الحديث عمّا سمّاه ليڤ ڤيكوتسي (Lev Vygotski، 1896-1934) "منطقة النمو القريبة" التي تتيح للقرين إنجاز المهمة الموكَلة إليه والتحكُّم فيها، بفضل دعم المثقّف النظير ومُصاحبته[40].

حدودها

يُشار أخيرًا إلى أنه لا يجب الاستهانة بقيمة مقاربة التثقيف بالنظير، ولا المبالغة في تقدير أهميتها كما لو أن الأمر يتعلق بحَلٍّ سحري لمعضلات تربية المراهقين والشباب وتثقيفهم، فلا ينبغي عَدُّ هذه المقاربة التربوية الأُفقية شكلًا غير ملزم، أو كما يسود الاعتقاد أحيانًا شكلًا غير عنيف أو حُرًّا من التربية الذاتية، التي يتحمَّل فيها المراهقون والشباب مسؤولية تربية ذواتهم أو تثقيفها بشكل حُرٍّ ومُستقلّ تمامًا، وخارج أي قيد اجتماعي؛ إذ تتميّز جماعة النُّظراء، بوصفها بيئةً تربويةً أُفقية، بمتطلّبات وإكراهات مقيدة وشبيهة بتلك المميزة للتربية العمودية، ومصحوبة بعقوبات شديدة بالقدر نفسه في حالة الانحراف عن المعايير والضوابط المتوافَق عليها، فالتربية بوساطة النُّظراء قد تُشكِّل قيدًا إضافيًا أكثر مِمّا تُمثِّل مساحة من الحُرية[41].

وباستعارة تعبير عالم الاجتماع برنارد لاهير (Bernard Lahire، 1963-)، يمكن القول إن الأطفال والمراهقين اليوم يخضعون لتأثير ثُلاثي، يشمل: المدرسة والوالدَيْن والنُّظراء؛ أو يخضعون لتأثير رباعي، إذا أُضيف تأثير الصناعات الثقافية وتأثير تكنولوجيا الإعلام والاتصال. ومن ثَمّ، فإن جماعة النُّظراء ليست فاعلًا حصريًا في التثقيف بالنظير في مرحلة المراهقة والشباب، وإنما هي فاعل يتداخل تأثيره ويتنافس مع تأثير مؤسسات تربوية أخرى[42].

المراجع

العربية

بيرلين، سيديل [وآخرون]. أدوات لتربية الشباب من خلال النظراء: دليل التدريب في التقنيات المسرحية. نيويورك: صندوق الأمم المتحدة للسكان وشبكة تربية النظراء الشباب، 2005.

الأجنبية

Amsellem-Mainguy, Yaëlle. "Qu’entend-on par ‘éducation pour la santé par les pairs?’." Cahiers de l’action. no. 43 (2014). pp. 9-16.

Baillargeau, Evelyne et al. (dir.). Transformations de l’intervention sociale Entre innovation et gestion des nouvelles réalités?. Québec: Presses de l’Université du, 2007.

Beaudier, F. et al. (dir.). Approche par les pairs et santé des adolescents: séminaire international francophone, Besançon5‑7 décembre 1994. coll. Séminaires. Vanves: CFES, 1996.

Chobeaux, F. "L’éducation par les pairs: attentes et limites." La Santé de l’homme. no. 421 (2012). pp. 15-16.

Darmon, Muriel. La socialisation. 3ème ed. Paris: Armand Colin, 2016.

Duru-Bellat, Marie & Agnès van Zanten. Sociologie de l’école. 4ème ed. Paris: Armand Colin, 2012.

Fize, Michel. Les bandes: L’«entre-soi» adolescent. Paris: Desclée de Brouwer, 1993.

Fonds des Nations Unies pour la population (UNFPA). Orientations opérationnelles de l’UNFPA pour l’éducation complète à la sexualité: une approche axée sur les droits de l’homme et l’égalité des genres. New York: 2014.

Galland, Olivier. Sociologie de la jeunesse. 4ème ed. Paris: Armand Colin, 2007.

Gardien, Eve. LAccompagnement et le soutien par les pairs. Fontaine: Presses universitaires de Grenoble, 2017.

Gauthier, Clermont & Maurice Tardif. La Pédagogie: Théories et pratique de l’Antiquité à nos jours. 2nde ed. Montréal: Gaëtan Morin, 2005.

Hmelo-Silver, Cindy et al. The International Handbook of Collaborative Learning. New York: Routledge, 2013.

Middleton-Lee, Sarah & Elaine Ireland. Pour une éducation par les pairs efficace. London: Publication Save the Children, 2004.

Newton, Fred B. & Steven C. Ender. Students Helping Students: A Guide for Peer Educators on College Campuses. 2nd ed. San Francisco: John Wiley & Sons, 2010.

Perrin, Florence Hirschy. Le tutorat entre pairs dans une école de soins infirmiers. vous avez dit pédagogie 52. Neuchâtel: Univ. de Neuchâtel Sciences de l'éducation, 1999.

[1] Fred B. Newton & Steven C. Ender, Students Helping Students: A Guide for Peer Educators on College Campuses, 2nd ed. (San Francisco: John Wiley & Sons, 2010), p. 6.

[2] Clermont Gauthier & Maurice Tardif, La Pédagogie: Théories et pratique de l’Antiquité à nos jours, 2nde ed. (Montréal: Gaëtan Morin, 2005), p. 3.

[3] Ibid., pp. 9-16.

[4] Florence Hirschy Perrin, Le tutorat entre pairs dans une école de soins infirmiers, vous avez dit pédagogie 52 (Neuchâtel: Univ. de Neuchâtel Sciences de l'éducation, 1999), p. 6.

[5]يكون الانتقاء بناءً على معايير تختلف من ميدان إلى آخر؛ ففي ميدان التربية مثلًا، يُنتقى المثقفون النظراء من طُلّاب المؤسسة التربوية باستحضار معايير، من أهمها: السن (أن يتراوح بين 10 و18 سنة مثلًا)، والفاعلية (أن يُثبت الطالب فاعليته داخل مؤسسته)، والزعامة والشعبية (أن يكون رائدًا وذا شعبية بين نُظرائه الطلاب)، والاستعداد والالتزام (أن يُبدي الاستعداد والرغبة في التطوع للاضطلاع بمهمة المثقف النظير)، وغيرها.

[6] Sarah Middleton-Lee & Elaine Ireland, Pour une éducation par les pairs efficace (London: Publication Save the Children, 2004), p. 2.

[7] Yaëlle Amsellem-Mainguy, "Qu’entend-on par ‘éducation pour la santé par les pairs?’," Cahiers de l’action, no. 43 (2014), pp. 9-16.

[8] Ibid.

[9] Céline Bellot & Jacinthe Rivard, "L’intervention par les pairs: Un enjeu multiple de reconnaissance," in: Evelyne Baillargeau et al. (dir.), Transformations de l’intervention socialeEntre innovation et gestion des nouvelles réalités? (Québec: Presses de l’Université du, 2007), pp. 201-232.

[10] Amsellem-Mainguyop, op. cit.

[11] Bellot & Rivard, op. cit.

[12] Perrin, p. 4.

[13] Olivier Taramarcaz, "L’approche pédagogique par les pairs: perspectives historiques," in: F. Beaudier et al. (dir.), Approche par les pairs et santé des adolescents: séminaire international francophone, Besançon5‑7 décembre 1994, coll. Séminaires (Vanves: CFES, 1996), pp. 31-52.

[14] Ibid., pp. 17-22.

[15] Amsellem-Mainguyop, op. cit.

[16] Ibid.

[17] Bellot & Rivard, op. cit.

[18] F. Chobeaux, "L’éducation par les pairs: attentes et limites," La Santé de l’homme, no. 421 (2012), pp. 15-16.

[19] Bellot & Rivard, op. cit.

[20] Fonds des Nations Unies pour la population (UNFPA), Orientations opérationnelles de l’UNFPA pour l’éducation complète à la sexualité: une approche axée sur les droits de l’homme et l’égalité des genres (New York: 2014).

[21] سيديل بيرلين [وآخرون]، أدوات لتربية الشباب من خلال النظراء: دليل التدريب في التقنيات المسرحية (نيويورك: صندوق الأمم المتحدة للسكان وشبكة تربية النظراء الشباب، 2005).

[22] Bellot & Rivard, op. cit.

[23] Ibid.

[24] Amsellem-Mainguyop, op. cit.

[25] Chobeaux, op. cit.

[26] Ibid.

[27] Amsellem-Mainguyop, op. cit.

[28] Eve Gardien, L’Accompagnement et le soutien par les pairs (Fontaine: Presses universitaires de Grenoble, 2017), p. 9.

[29] Amsellem-Mainguyop, op. cit.

[30] Newton & Ender, pp. XX.

[31] Ibid., p. 2.

[32] Ibid., p. 6.

[33] Michel Fize, Les bandes: L’«entre-soi» adolescent (Paris: Desclée de Brouwer, 1993), p. 146.

[34] Ibid.

[35] Olivier Galland, Sociologie de la jeunesse, 4ème ed. (Paris: Armand Colin, 2007), p. 217.

[36] Muriel Darmon, La socialisation, 3ème ed. (Paris: Armand Colin, 2016), p. 70.

[37] Marie Duru-Bellat & Agnès van Zanten, Sociologie de l’école, 4ème ed. (Paris: Armand Colin, 2012), p. 191.

[38] Cindy Hmelo-Silver et al., The International Handbook of Collaborative Learning (New York: Routledge, 2013), p. 20.

[39]39 Ibid., p. 21.

[40] Ibid., p. 22.

[41] Darmon, p. 72.

[42] Ibid., p. 71.

المحتويات

الهوامش