الثورة السلبية (Passive Revolution) مفهوم نحته المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي {{أنطونيو غرامشي: (Antonio Gramsci، 1891-1937) مفكر ماركسي إيطالي وأحد مؤسسي الحزب الشيوعي الإيطالي اعتقله الفاشيون عام 1926، وخلال سجنه ألف دفاتر السجن (The Prison Notebook) التي صاغ فيها وطور المفاهيم الشهيرة: الهيمنة، والكتلة التاريخية، والمثقف العضوي، والثورة السلبية، والأمير الحديث، وحرب المواقع، وحرب المناورة. بدأ نشاطه في تورينو وأصدر مع رفاقه صحيفة أورديني نووفو وأدارها.}} للإشارة إلى عملية تغيير تاريخي تتحقق من الأعلى من دون تعبئة ثورية من الأسفل، أي أنها ليست ثورة شعبية بالمعنى التقليدي، إذ يحدث فيها تحوُّل في البنية الاقتصادية والاجتماعية من دون انقلاب سياسي جذري لصالح القوى الشعبية[1].
صاغ غرامشي هذا المفهوم في دفاتر السجن، محللًا حالات مثل توحيد إيطاليا {{توحيد إيطاليا: حراك سياسي عسكري قاده عدد من الساسة الطليان في القرن التاسع عشر أبرزهم كافور ومازيني، سعى إلى توحيد الممالك والكانتونات الإيطالية وتحريرها من الحكم النمساوي والنابليوني، بدأت في الفترة الممتدة ما بعد مؤتمر فيينا 1815 حتى إعلان مملكة إيطاليا وضم روما في عام 1871.}} (باالإيطالية: Risorgimento، ريزورجيمينتو) التي أنجزتها النخب الليبرالية {{الليبرالية: تصور سياسي وأخلاقي يضع الفرد وحقوقه في المركز، ويجعل وظيفة الدولة حماية الحرية وسيادة القانون. نشأت مع العقد الاجتماعي والدستوري، وتؤكد حرية التعبير، والمساواة أمام القانون، والفصل بين السلطات. تتفرع الليبرالية إلى ليبرالية كلاسيكية، وليبرالية اجتماعية، ونيوليبرالية. وفي نسختها السياسية تركز على التعددية والانتخابات والضمانات الدستورية لحقوق الأقليات.}} بصورة إصلاحية بدلًا من صورة جماهيرية شاملة. إذ رأى غرامشي أن مثل هذا المسار أدى إلى استمرارية هيمنة الطبقات القديمة بشكل معتدل، وهو ما جعله يستعير تعبير "الثورة السلبية" لوصف الثورة من الأعلى التي تتجنب المواجهة الثورية المباشرة[2].
يقوم تحليل غرامشي النظري للثورة السلبية على إبراز غياب دور الجماهير الفعال في عملية التغيير[3]. فهي تَنتُج في ظل غياب المبادرة الشعبية من الأسفل، حيث تقوم الطبقات المهيمنة بإدخال تغييرات تدريجية واستيعاب مطالب التغيير، للحفاظ على النظام القائم. وتُحقّق بعض المطالب الشعبية، بشكل جزئي ومشوّه، ضمن إطار النظام القديم، بحيث تُفرَّغ هذه المطالب من قدرتها على إحداث تحول ثوري جذري وحقيقي[4]. بهذا المعنى، تعكس الثورة السلبية حالةَ توازنٍ غير مستقر، حيث تتجنب النخبة الحاكمة انهيار نظامها عبر تقديم تنازلات محسوبة وإجراءات تجديدية من الأعلى، من دون السماح بقيادة شعبية تغييرية مستقلة.
ما يُميِّز هذه العملية، بحسب غرامشي، هو كون صيغة الحكم تصبح دكتاتورية بلا هيمنة، أي أنه يصبح حكمًا طبقيًا يفرض التغيير من موقع السيطرة القسرية، من دون أن يَبني توافقًا واسعًا أو قيادةً فكرية وأخلاقية للمجتمع[5]. فالنخب تؤدي وظيفة السيطرة (domination) من دون وظيفة القيادة (leadership) بالمعنى الغرامشي، ما يعني غياب "الهيمنة"، أي غياب القدرة على بناء توافق ثقافي وأخلاقي واسع مع الطبقات الفرعية. على النقيض، وفي الثورات الفاعلة على غرار النموذج اليعقوبي {{النموذج اليعقوبي: (Jacobin Model) نموذج الدولة الثورية خلال مرحلة اليعاقبة بالثورة الفرنسية (1793-1794)، حيث اتسم النموذج بمركزية صارمة وديكتاتورية ثورية عبر لجنة السلامة العامة، وتعبئة جماهيرية، واستخدام الإرهاب السياسي لفرض المساواة العلمانية وكسر الامتيازات والإقطاعية.}} للثورة الفرنسية، تحقق الطبقة الثورية هيمنةً واسعة عبر مشاركة شعبية نشطة وقيادة سياسية وفكرية جامعة. في حين في الثورة السلبية تظل القوى الشعبية في موقع المتلقّي للتغيير لا صانعه، ما يترك عملية التحول ناقصةً وقابلة للانتكاس[6].
رأى غرامشي أن مفهوم الثورة السلبية مفيد لتحليل تطور الدول الرأسمالية {{الرأسمالية: منظومة اقتصادية-سياسية تقوم فيها ملكية وسائل الإنتاج أساسًا على القطاع الخاص، وتنسَّق أنشطتها عبر السوق. الوظيفة الجوهرية للدولة في هذه المنظومة هي حماية الملكية والعقود، وضبط النظام والنقد، وتهيئة شروط التراكم، والتدخل عند الأزمات والإخفاقات. وتعد مستقلة نسبيًا عن الطبقات، لكنها تميل تاريخيًا إلى خدمة شروط تراكم الرأسمال.}} الحديثة، لكن يجب فهم حدوده التاريخية، ففي دفاتر السجن المتأخرة شدّد على أن ترسُّخ الثورة السلبية ليس قدرًا حتميًا، بل إن استمرار تلك الحالة مرهون بغياب بديل ثوري منظم. لذلك، فإن الثورة السلبية لا تعني انعدام القوة المناوئة، بل إنها، على العكس، لا تكتسب معناها السياسي إلا في لحظة تاريخية توجد فيها قوى ثورية ذات مشروع تغييري جذري لكنها عاجزة عن بناء كتلة تاريخية تمكّنها من فرض هيمنتها[7]. وفي هذا السياق، تطوِّر النخبةُ الحاكمة -أو ما يطلق عليه غرامشي "الفرضية" (thesis)- مشروعَها لتستوعب فيها عناصر من خطاب النقيض (antithesis)، فتفرغه من مضمونه الثوري وتبقي السيطرة بيدها[8]. بهذا الفهم، يصبح تجاوز الثورة السلبية مرهونًا ببروز البروليتاريا {{البروليتاريا: هي، في المفهوم الماركسي، طبقة العمال الأجراء الذين لا يملكون وسائل الانتاج ويعيشون من بيع قوة عملهم، ويخضعون بنيويًا لعلاقة أجر ينتج فيها فائض القيمة ويستحوذ عليه البرجوازيون. سياسيًا تعد هذه الطبقة حاملًا محتملًا لمشروع تحرري عبر التنظيم النقابي والحزبي.}} المنظمة لتصبح قوة تاريخية قادرة على تأسيس همينة بديلة، عبر ما يسميه غرامشي "الأمير الحديث" {{الأمير الحديث: يشير الأمير الحديث إلى الحزب السياسي الثوري بوصفه الأمير الجماعي الذي يحل محل أمير ميكافيلّي الفرد، فهو الأداة القادرة على صوغ إراداة جماعية وطنية-شعبية، وبناء هيمنة أخلاقية-ثقافية عبر حرب المواقع، وتكوين مثقفين عضويين يربطون النظرية بالممارسة، ويقودون التحول ويقيمون توافقًا تاريخيًا يحل محل القسر ويؤسس لسلطة جديدة.}} (The Modern Prince)، أي الحزب الثوري صاحب المشروع الشامل المضاد لهيمنة الطبقة الحاكمة القائمة[9].
المراجع
Martin, James. “Antonio Gramsci.” In The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.). Spring 2023. Metaphysics Research Lab, Stanford University, 2023. at: https://acr.ps/1L9BPKV
Quintin, Hoare & Geoffrey Nowell Smith. Selections from the Prison Notebooks of Antonio Gramsci. London: Lawrence & Wishart, 1971.
Thomas, Peter D. “Gramsci’s Revolutions: Passive and Permanent.” Modern Intellectual History. vol. 17, no. 1 (March 2020).
[1] James Martin, “Antonio Gramsci,” in: The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), Spring 2023 (Metaphysics Research Lab, Stanford University, 2023), at: https://acr.ps/1L9BPKV
[2] Ibid.
[3] Peter D. Thomas, “Gramsci’s Revolutions: Passive and Permanent,” Modern Intellectual History, vol. 17, no. 1 (March 2020), p. 132.
[4] Hoare Quintin & Geoffrey Nowell Smith, Selections from the Prison Notebooks of Antonio Gramsci (London: Lawrence & Wishart, 1971), p. 109.
[5] Ibid., p. 106.
[6] Ibid.
[7] Ibid., p. 114.
[8] Ibid., p. 110, 114.
[9] Martin, “Antonio Gramsci.”