الموجز
عمر بن إبراهيم البطش (1885-1950)، موسيقي من مدينة حلب، وأحد أشهر الوشّاحين العرب في القرن العشرين. كان له فضل في حفظ التراث الغنائي الحلبي القديم، وفي إخراج رقص السماح من حلقات المتصوفة إلى فرق الفنون الشعبية والمسارح المدرسية، وساهم في وضع مناهج تعليم الموسيقى الشرقية في عدد من المعاهد الموسيقية السورية.
نشأته وتعلّمه
ولد عمر البطش في حي الكلاسة، أحد أحياء مدينة حلب القديمة، وتعلّم القراءة والكتابة في الكتاتيب الأهلية، قبل أن يتعهده خاله الحاج بكري القصير، المنشد المعروف في مدينة حلب، ورئيس نوبة مشايخ الطرق الصوفية فيها، ويعلمه مهنة البناء، ويصقل موهبته الموسيقية. وقد تلقى الفن الأصيل من مورده الصافي، فأخذ عن الفنانين الحلبيين المشهورين أمثال الشيخ أحمد عقيل (1813-1903) والشيخ صالح الجذبة (1858-1922) وغيرهما؛ فبـرع وتفوق على مجايليه بتلحين الموشحات، فاعترفوا بأستاذيته[1]. انتقل بعد ذلك إلى فن رقص السماح، فصرف إليه عنايته حتى أضحى حجةً في أصوله. وبالتوازي مع ذلك، ألمَّ البطش بالعزف على العود وآلاتٍ أخرى، غير أنه وجد شغفه الأكبر في آلات الإيقاع، فبرع في النقر على الدف والطبلة[2].
التحق عمر البطش بالخدمة العسكرية في الجيش العثماني عام 1905، فشفعت له معرفته الموسيقية عند والي دمشق، فضمه إلى فرقة الموسيقى العسكرية عازفًا على آلة الترومبيت. وبعد انتهاء خدمته، عمل ضاربًا للإيقاع في مسارح حلب وفرقها الموسيقية. وبدأ معها أولى مراحل التلحين، وأصبح المطربون يتوافدون إليه لغناء ألحانه، وغدا بقوة فنه وكثرة محفوظاته مرجعًا لموسيقيي عصره[3].
معلم لفنون الطرب
في عام 1912، رافق البطش الشيخ علي الدرويش (1882-1952) في رحلة فنية شملت بغداد والمحمرة عاصمة الأهواز، حيث استقرا في كنف أمير المحمرة الشيخ خزعل الكعبي (1861-1936) لمدة عامين، وخلال تلك الفترة، أسهم في تأسيس فرقة الشيخ خزعل وتدريب أعضائها، قبل أن يقفل عائدًا مع سائر أفراد الفرقة عام 1914 حاملاً معه عوائد مجزية كفلت له حياة كريمة[4]. ولم تمض شهور قليلة حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى، فسيق إلى الجندية مجددًا فأمضاها في فرقة الموسيقى العسكرية في القدس، وهناك تعرف عليه الموسيقي الفلسطيني واصف جوهرية (1897-1973) الذي أخذ عنه الموشحات والإيقاعات[5].
عقب انقضاء الحرب، استقر في حلب وامتهن التجارة وافتتح حانوتًا صغيرًا في مطلع الثلاثينيات. ومع اعتزاله الفن بوصفه مهنة، تعمّق وازعه الديني فلازم حلقات الذكر في الزوايا والتكايا، مسخرًا خبرته الفنية لخدمة التراث من خلال تدريس فن الموشحات وأصول رقص السماح في المدارس الخاصة[6].
قصته مع عبد الوهاب
شهد عام 1932 زيارة تاريخية للموسيقار محمد عبد الوهاب (1898-1991) إلى حلب، حيث واجه اختبارًا قاسيًا من جمهورها، إذ فُوجئ في حفلته الأولى بقاعة شبه خاوية، فغنى لعددٍ محدود وهو في غاية الدهشة. وما إن أبدع في أدائه حتى التفّ حوله القوم ليعلنوا نجاحه في "الامتحان الحلبي"، واعدين إياه بقاعة غاصة في ليلته التالية. وفي سهرة فنية جمعته بأقطاب الطرب الحلبي، وعلى رأسهم الشيخ عمر البطش، استمع عبد الوهاب إلى روائع الموشحات فانتشى طربًا، ثم أراد بدوره اختبار عمقهم الموسيقي، فطلب سماع موشحات من مقام "السيكاه" الصافي دون شائبة من "الهزام". وإذ صعب على الحاضرين الأمر، تصدى الشيخ عمر البطش للمهمة، وأنجز تلحين وصلة كاملة من السيكاه. وفي الليلة التالية، أسمعه موشحات "يا معير الغصن" و"رمى قلبي رشا أحور" و"سماعي دارج"، فذهل عبد الوهاب بمتانة ألحان البطش وبراعة إلقائه[7].
المعاهد الموسيقية
في عام 1943، تلقى البطش دعوة من معهد الموسيقى الشرقية بدمشق، والذي كان في طور التأسيس آنذاك، للانضمام إلى كادره التعليمي. واستجابةً لهذه الدعوة، انتقل البطش إلى العاصمة، ليتفرغ لتدريس الفنون التي شغف بها، ناقلًا أسرار الموشحات وأصول رقص السماح لطلابه[8]. ورغم إغلاق المعهد وافتتاحه عدة مرات، استأنف نشاطه بهمة الزعيم الوطني السوري فخري البارودي (1887-1966)، فكان الشيخ البطش عماد التدريس في هذه المعاهد، وتخرج على يديه أهم موسيقيي سورية وعلى رأسهم المطرب صباح فخري (1933-2021)[9].
رقص السماح
يُعزى الفضل للشيخ عمر البطش في صياغة الشكل العصري لرقص السماح، إذ كرّس حياته لتطويره وتخليصه من الرتابة والجمود اللذين غلبا عليه تاريخيًا. غير أن هذا التجديد واجه اختبارًا اجتماعيًا عسيرًا في عام 1947، حين اعتلت طالبات معهد دوحة الأدب مدرج جامعة دمشق لتقديم رقصة السماح على أنغام موشح "املا لِيَ الْأَقْداحَ صِرْفًا". أثارت هذه الخطوة الجريئة عاصفة من الاحتجاج في أوساط المجتمع الدمشقي المحافظ آنذاك، ووجهت سهام النقد للمعهد وإدارته، وصولًا إلى البطش نفسه[10].
وكان البطش هو أول من أخرج رقص السماح من بيئته الدينية في الزوايا والتكايا، وجعله فنًا مستقلًا وعلّمه لفرق المدارس. وأدخل الفتيات فيه بعد أن كان خاصًا بالرجال فقط. كما يعود له الفضل في نقل رقص السماح إلى دمشق فهو فن حلبي خالص[11].
قيمته الفنية
ثمّة إجماع بين مؤرخي الموسيقى العربية على قيمة الشيخ عمر البطش العالية، فهو إضافة إلى إجادته للمقامات والإيقاعات الشرقية جميعها، وتلحينه أكثر من 130 موشحًا ما زال الكثير منها يجري على ألسنة الناس، كان معلّمًا متميزًا أثّر في الأجيال الموسيقية التي نهلت من علومه. وقد وثّق الموسيقي الفلسطيني واصف جوهرية (1897-1973) دور البطش في حماية التراث الغنائي العربي، مشيرًا إلى أن حلب ظلت المعقل الأخير للموشحات بفضل جهود معلمه. كما أقرّ جوهرية في مذكراته بالفضل الكبير للأوزان التي تعلمها من البطش في تعزيز قدراته الفنية، معتبرًا إياه "أستاذه الأكبر" الذي لولاه لما وصلت موهبته في الغناء والعزف إلى ما وصلت إليه من نضج وإتقان[12].
أما الموسيقار التركي الشهير رفيق فرسان (1893-1965) فيقول عن البطش: "إنه أستاذ في الموسيقى العربية يستحق الاحترام، حفظ جميع الأعمال الكلاسيكية، بالأصول الـ 107 من ضَرْب فَتْح إلى نيم دور. يؤدي الحاج عمر البطش أفندي أيضًا رقص "السَّماح" وفقًا لترتيب الجمل الموسيقية. إنني مفتون به، وسأستفيد من هذا الشخص كثيرًا"[13].
أدى الشيخ عمر البطش دور الوسيط بين عصرين موسيقيين في سورية، فهو سليل منشدي الزوايا الصوفية وحلقات الذكر، وفي الوقت نفسه، كان صاحب فضل في نقل هذا التراث الموسيقي الغني من الزوايا والربط إلى المعاهد الموسيقية التي تخرج منها أهم الموسيقيين السوريين في القرن العشرين.
المراجع
آل جندي، أدهم. أعلام الأدب والفن. دمشق: مطبعة مجلة صوت سورية، 1954.
أزويلدريم، مراد. وحدة الموسيقى العربية والتركية في القرن العشرين. ترجمة ملاك دينيز أوزدريم. أبو ظبي: دائرة الثقافة والسياحة، 2023
الشريف، صميم. الموسيقا في سورية: أعلام وتاريخ. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011.
بوبس، أحمد. مبدعو الألحان السورية في القرن العشرين. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011.
جوهرية، واصف. القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية: الكتاب الأول من مذكرات الموسيقي واصف جوهرية 1904-1917. تحرير وتقديم سليم تماري وعصام نصار. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.
.
[1] أدهم آل جندي، أعلام الأدب والفن، ج 1 (دمشق: مطبعة مجلة صوت سورية، 1954)، ص 284.
[2] صميم الشريف، الموسيقا في سورية: أعلام وتاريخ (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011)، ص 121.
[3] أحمد بوبس، مبدعو الألحان السورية في القرن العشرين (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011)، ص 211.
[4] الشريف، ص 121.
[5] واصف جوهرية، القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية: الكتاب الأول من مذكرات الموسيقي واصف جوهرية 1904-1917، تحرير وتقديم سليم تماري وعصام نصار (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003)، ص 193-196.
[6] الشريف، ص 122.
[7] هذه القصة رواها عبد في لقاء على شاشة التلفزيون السوري، ينظر: الشريف، ص 122-123؛ آل جندي، ص 284.
[8] الشريف، ص 125.
[9] آل جندي، ص 284.
[10] الشريف، ص 125.
[11] بوبس، ص 216.
[12] جوهرية، ص 196.
[13] مراد أزويلدريم، وحدة الموسيقى العربية والتركية في القرن العشرين، ترجمة ملاك دينيز أوزدريم (أبو ظبي: دائرة الثقافة والسياحة، 2023)، ص 135.