تسجيل الدخول

اضطراب الوسواس القهري

(Obsessive Compulsive Disorder)

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الأسباب وعوامل الخطورة

· عوامل جينية وفيزيولوجية

· عوامل بيولوجية أو كيميائية عصبية

· عوامل بيئية

· الطبع والسمات الشخصية

الأعراض

· أفكار وسواسية متكررة وغير مرغوبة

· سلوكيات قهرية متكررة للتخفيف من القلق، مثل غسل اليدين أو التحقق المستمر

التشخيص

المقابلات السريرية والمعايير التشخيصية مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، لتحديد شدة الأعراض وتأثيرها على الحياة اليومية

العلاج

· العلاج السلوكي المعرفي

· أدوية مثل مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية

· الدعم النفسي المستمر



اضطراب الوسواس القهري (Obsessive Compulsive Disorder - OCD) اضطراب يتميز بوجود أفكار وسواسية إقحامية غير مرغوب فيها و/أو أفعال قهرية متكررة يؤديها المريض لتخفيف القلق الناجم عن تلك الأفكار. وتتبايَن الأعراض بين المرضى، فتشمل أنماطًا شائعة مثل وساوس التلوث، والتناظر، والأفكار المحرَّمة، والتحقّق المتكرر. وتوصف تلك الأعراض بالاضطراب عندما تستهلك وقتًا طويلًا أو تسبِّب خللًا في الأداء الاجتماعي أو المهني للمريض، مع تبايُن درجة الاستبصار بين المرضى. يبدأ الاضطراب غالبًا في الطفولة أو المراهقة، ويميل إلى أن يكون مزمنًا من دون علاج مع تذبذب في شدة أعراضه. تتداخل في نشأته عوامل وراثية وعصبية وبيئية، كما يختلف مساره وشكل أعراضه باختلاف الثقافة والجنس، وله تأثير كبير في جودة الحياة والأداء الوظيفي، وقد يرتبط باضطرابات نفسية أخرى.

تعريفه

يُعرَّف اضطراب الوسواس القهري بأنه اضطراب يتسم بوجود أفكار وسواسية و/أو أفعال قهرية تهيمن على وعي المريض، إذ يحاول من خلال هذه الأفعال تخفيف حدة القلق الذي تتسبب فيه تلك الأفكار. تتمثل الأفكار الوسواسية في أفكار أو رغبات أو صور غير مرغوب بها، لا إرادية وإقحامية ومتكررة ومُلِحّة، تُسبب ضغطًا نفسيًا واضحًا. أما الأفعال القهرية فهي سلوكيات أو عمليات ذهنية يشعر المريض بأنه مجبَر على أدائها وتكرارها استجابةً لتلك الأفكار أو لقواعد صارمة يراها واجبة. ويتميَّز اضطراب الوسواس القهري بانشغالات وطقوس وسلوكيات متكررة، تهدف إلى تقليل أو منع القلق الناجم عن الأفكار الوسواسية أو الحيلولة دون وقوع حدث مخيف متصوَّر، رغم عدم وجود ارتباط واقعي بين هذه الأفعال وما يحاول المريض تحييده أو منعه[1]. ويؤثر هذا الاضطراب في حوالي 2 إلى 3 في المئة من الناس، ويمكن أن يصيب الأشخاص من جميع الأعمار والفئات، ويبدأ غالبًا في مرحلة المراهقة أو بداية الشباب[2].

يختلف مضمون الوساوس وطبيعة الأفعال القهرية من مريض إلى آخر، غير أنّ هناك أنماطًا شائعة، مثل التنظيف القهري، ووساوس تناظر الأشكال، والتكرار والترتيب، والعدّ القهري، إضافة إلى وساوس الأفكار المحرّمة، أو العدوانية، أو الجنسية، أو الدينية، وكذلك وساوس إيذاء النفس أو الآخرين، فضلًا عن أفعال التحقّق القهرية المتكرّرة. ويتميّز اضطراب الوسواس القهري عن الانشغالات والطقوس الطبيعية بكونه مفرطًا ومستمرًا لفترات تتجاوز ما هو مناسب لمراحل النمو المختلفة. ولا تُمارس الأفعال القهرية بدافع المتعة، وإن كان المصابون قد يشعرون براحة مؤقتة وتخفّفًا من الضيق عند تأديتها[3].

يُميَّز هذا الاضطراب عن الوساوس العابرة غير المرضية بتقدير شدة معاناة الفرد، ومدى تأثير الأعراض في حياته اليومية. ويُشترَط للتشخيص أن تستغرق الوساوس أو الأفعال القهرية ساعة أو أكثر يوميًّا، أو أن تُحدِث ضيقًا أو خللًا ذا دلالة سريرية في الجوانب الاجتماعية أو المهنية أو غيرها من مجالات الأداء المهمة. وفي تشخيص الأطفال، يؤخذ في الاعتبار أنهم قد يعجزون أحيانًا عن التعبير عن أهداف السلوكيات أو الأفعال الذهنية[4].

المحددات والانتشار

يختلف المصابون باضطراب الوسواس القهري في درجة استبصارهم بصحة معتقداتهم الوسواسية، إذ يتمتع كثير منهم باستبصار جيد أو متوسط؛ فيدرك المريض، مثلًا، أن المنزل لن يحترق إن لم يفحص الموقد 30 مرة. في المقابل، يعاني عدد قليل منهم، نحو 4% أو أقل، من ضعف شديد في الاستبصار أو من معتقدات وهمية، كالاقتناع التام بأن المنزل سيحترق إذا لم يُفحَص الموقد 30 مرة. وغالبًا ما يعاني المرضى أفكارًا وسواسية متعددة الموضوعات، وقد يتغير مستوى الاستبصار لديهم خلال مسار المرض، ويرتبط ضعفه بسوء العواقب الناتجة عن الاضطراب. كما يُقدَّر أن ما يصل إلى 30% من المصابين باضطراب الوسواس القهري يعانون، أو سيعانون، من اضطراب العَرّات (Tic disorder) في مرحلةٍ ما من حياتهم، وهذا شائع بشكل خاص لدى الذكور الذين يبدأ اضطراب الوسواس القهري لديهم منذ الطفولة، إذ يميل هؤلاء إلى الاختلاف عن غيرهم في خصائص الأعراض، والاضطرابات المصاحبة، ومسار المرض، وأنماط انتقاله داخل الأسرة[5].

يُصيب اضطراب الوسواس ما بين 1% إلى 3% من الأفراد خلال حياتهم، ويتراوح معدل انتشار الإصابة باضطراب الوسواس لمدة سنة بين 1.1 و1.8% في بلدان مثل كندا والولايات المتحدة الأميركية وبورتوريكو وألمانيا وتايوان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا والسعودية[6]. وتميل نسبة الانتشار إلى الارتفاع بمعدل أعلى قليلًا لدى الإناث في مرحلة البلوغ، ولدى الذكور في مرحلة الطفولة[7].

مسار المرض

يبلغ متوسط عمر ظهور اضطراب الوسواس القهري في الولايات المتحدة الأميركية نحو 19.5 عامًا، إذ تبدأ الأعراض لدى 25% من الحالات قبل سن 14 عامًا، بينما يُعدّ ظهوره بعد سن 35 عامًا أمرًا نادرًا. ويبدأ المرض عند الذكور في عمر أبكر مقارنة بالإناث، حيث يُصاب قرابة 25% من الذكور المصابين بالاضطراب قبل سن العاشرة. وغالبًا ما يكون ظهور الأعراض تدريجيًا[8].

إذا لم يُعالج اضطراب الوسواس القهري، فإنه غالبًا ما يتخذ طابعًا مزمنًا مع تذبذُب في شدة الأعراض. فقد يعاني بعض المصابين من نوبات متقطعة، بينما تشهد حالات قليلة تدهورًا ملحوظًا. وفي غياب العلاج، تبقى معدلات الشفاء لدى البالغين منخفضة، فتصل إلى 20% لمن أُعيد تقييمهم بعد 40 عامًا. وقد يؤدي ظهوره في الطفولة أو المراهقة إلى استمراره مدى الحياة، رغم أن نحو 40% من المصابين في هذه المراحل قد يتعافون مع بداية البلوغ. كما يزداد تعقيد مسار الاضطراب غالبًا بسبب تزامنه مع اضطرابات أخرى[9].

غير أن تشخيص السلوكيات القهرية لدى الأطفال أسهل من تشخيص الوساوس، لكونها غالبًا ما تكون قابلة للملاحظة. ومع ذلك، فإن معظم الأطفال يعانون من الوساوس والسلوكيات القهرية معًا، كما هو الحال لدى أغلب البالغين. ويتميز نمط الأعراض لدى البالغين بدرجة من الاستقرار عبر الزمن، بينما يكون أكثر تنوعًا لدى الأطفال. وقد أشارت بعض الدراسات إلى وجود اختلافات في محتوى الوساوس والسلوكيات القهرية عند الأطفال والمراهقين مقارنة بالبالغين، ويُرجَّح أن تعكس هذه الفروق متطلبات ومضامين مراحل النمو المختلفة. فعلى سبيل المثال، تنتشر الوساوس الجنسية والدينية بشكل أكبر لدى المراهقين، بينما ترتفع معدلات وساوس الأذى لدى الأطفال[10].

عوامل الإصابة بالوسواس القهري

هناك دور كبير لعدد من العوامل في زيادة احتمالية الإصابة باضطراب الوسواس القهري، ومن أبرز تلك العوامل:

  • العوامل النفسية:

مما يزيد من فرص الإصابة بالوسواس القهري ازديادُ الأعراض الداخلية السلبية الموجّهة نحو الذات، كالحزن والقلق وفقدان شخص عزيز أو التعرض لحادث، وكذا ارتفاعُ مستوى المشاعر السلبية كمًّا ونوعًا، مع ظهور سمات كبح السلوك منذ مرحلة الطفولة، مثل الحذر والخجل[11]. ولذا فإن التجارب الحياتية المجهدة أو الصادمة قد تؤدي إلى تفاقم أعراض الوسواس القهري. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تسهم الحوادث المؤلمة أو الضغط النفسي في ظهور الأفكار الوسواسية[12]. كما أن بعض العوامل النفسية، مثل الشعور بالقلق أو الاكتئاب، قد تساهم في تفاقم الوسواس القهري[13]. وقد تكون الخبرات المبكرة، مثل الخوف أو الاضطراب العاطفي في مرحلة الطفولة، عوامل مساهمة في تطور الوسواس القهري في وقت لاحق من الحياة. كما أن هناك ارتباط بين إصابة الأطفال ببعض أنواع الالتهابات البكتيرية ونشوء الوسواس القهري[14].

  • العوامل البيئية:

قد تسهم مجموعة من العوامل البيئية في زيادة خطر الإصابة، كالمشكلات المرتبطة بفترة ما حول الولادة، والولادة المبكرة، وتدخين الأم أثناء الحمل، والضغوط العائلية، وضغوط العمل. كما يُعد التعرّض للإيذاء الجسدي أو الجنسي في الطفولة، أو التعرض للإهمال أو التنمر أو العيش في بيئات تتطلب الكمال، من العوامل التي قد تزيد من احتمالية الإصابة باضطراب الوسواس القهري. وفي بعض الحالات، قد يظهر الاضطراب لدى الأطفال بشكل مفاجئ عقب الإصابة بعدوى فيروسية أو بكتيرية مثل بكتيريا المكورات العقدية، أو عدوى طفيلية، أو نتيجة متلازمة مناعية ذاتية تنشأ بعد العدوى[15].

  • العوامل الجينية والفيزيولوجية:

يُرصَد اضطراب الوسواس القهري بنسبة أعلى داخل العائلة الواحدة، إذ يزداد خطر الإصابة لدى أقارب الدرجة الأولى للمصابين إلى نحو الضعف مقارنة بأقارب غير المصابين، وهو ما يؤكد دور الجينات الوراثية. ويتفاقم هذا الخطر عندما يبدأ الاضطراب في سن مبكرة، حيث يكون أقارب مَن ظهرت لديهم الأعراض في الطفولة أو المراهقة أكثر عرضة للإصابة بما يقارب عشرة أضعاف. ومع أن للوراثة دورًا مهمًّا في انتقال الاستعداد للإصابة داخل العائلات، فإنها ليست العامل الوحيد، إذ بيَّنت دراسات التوائم أن احتمال إصابة التوأم الآخر أعلى بكثير لدى التوائم المتطابقة مقارنة بغير المتطابقة (0.57 مقابل 0.22)، ما يشير إلى تأثير جيني واضح. ومع ذلك، تفسّر العوامل الوراثية نحو 40٪ من تبايُن الأعراض، وتعود النسبة المتبقيّة إلى عوامل غير وراثية. إذ يرتبط الوسواس القهري، عصبيًّا وفيزيولوجيًّا، بخلل في نشاط بعض مناطق الدماغ (خاصة القشرة الجبهية الحجاجية، والقشرة الحزامية الأمامية، والجسم المخطط)، إضافة إلى تغيّرات ملحوظة في الشبكات الدماغية الجبهية-الحوفية والجدارية والمُخَيْخِية[16].

  • العوامل البيولوجية:

ربما يكون للتغيرات في كيمياء الدماغ دورٌ في تطوير الوسواس القهري، إذ قد يكون هناك خلل في نقل الإشارات بين الخلايا العصبية، خاصة في المناطق المسؤولة عن التحفيز والسيطرة على السلوكيات. ويمكن أن يكون النقص أو الخلل في بعض الموادّ الكيميائية في الدماغ، مثل السيروتونين (Serotonin)، عاملًا مساهمًا[17].

  • الإصابات أو التغيرات في الدماغ:

قد تؤدي الإصابات أو التغيرات الفسيولوجية في الدماغ إلى ظهور أعراض الوسواس القهري. وقد تكون التغيرات في مناطق الدماغ المسؤولة عن الانفعالات والسلوكيات، مثل العقد القاعدية (Basal ganglia) أو القشرة الدماغية (Cerebral cortex)، سببًا في تطور الأعراض[18].

  • الإصابة ببعض الأمراض المعدية:

قد ترتبط العدوى ببكتيريا المكورات العقدية (Streptococci)، خاصةً لدى الأطفال، بتطور أعراض وسواسية[19].

أثر الثقافة والنوع الاجتماعي

تتشابه الثقافات المختلفة في خصائص اضطراب الوسواس القهري من حيث التوزع بين الجنسين وسن الظهور والاضطرابات المصاحبة ووصف الأعراض، لكن العوامل الثقافية تتجسد في شكل مضمون الوساوس والأفعال القهرية وتفسير الأعراض، مما قد يعزز أنماطًا قهرية معينة ويؤثر في سلوك طلب المساعدة[20].

ويظهر اضطراب الوسواس القهري لدى الذكور في سن أبكر، وغالبًا في مرحلة الطفولة، كما تزيد احتمالية ترافُقه مع اضطراب العَرّات؛ بينما يبدأ لدى الإناث عادة في المراهقة، ويكون لديهن أكثر انتشارًا في مرحلة البلوغ عن الذكور. كما تختلف الأعراض بين الجنسين، إذ تشيع وساوس التنظيف لدى الإناث، في حين تشيع وساوس الأفكار المحرَّمة والتناظر لدى الذكور. وقد يبدأ الاضطراب أو يشتد في فترة ما حول الولادة، بما يؤثّر في علاقة الأم برضيعها، كما قد تزداد شدته قُبيل الحيض[21].

الأنواع والأعراض

تختلف أنواع الوساوس القهرية، ومن أبرزها[22]:

  • الأفكار الوسواسية المتكررة وما يرافقها من سلوكيات قهرية، مثل الخوفُ من التلوث أو الجراثيم، إذ يخاف المصاب بشكل مُبالغٍ فيه من التلوث أو العدْوَى، ما يدفعه إلى الاهتمام بالنظافة بشكل مُفرِط، ويرافقه سلوكيات مثل الغسل المتكرر لليدين أو التنظيف المفرط للأسطح.
  • استمرارية الشك، مثل الشك المستمر في إغلاق الأبواب أو الأجهزة، ما يضطر الشخص إلى التحقق منها عدة مرات لتهدئة نفسه.
  • التعلّق بمسألة التماثُل والترتيب المفرط، بحيث يشعر المصاب بالراحة فقط عندما تكون الأشياء مرتبة بطريقة معينة ولا يتحمل رؤيتها في وضع غير منظَّم.
  • الأفكار المتطفلة الغير مرغوب فيها، التي قد تشمل أفكارًا عنيفة أو غير ملائمة لا يرغب المصاب في وجودها، لكنها تتكرر بشكل قهري.

وتُعدّ الظواهرُ الحسية التي تسبق الأفعال القهرية، مثل الإحساس بعدم النظافة أو عدم الرضا الكافي عن أداء فعلٍ ما، ظواهرَ شائعةً في اضطراب الوسواس القهري، إذ يعاني منها نحو 60% من المصابين. كما يمرّ المرضى باستجابات عاطفية متباينة عند التعرض لمثيرات الوساوس والأفعال القهرية، فبينما قد يعاني بعضهم قلقًا يصل إلى نوبات هلع متكررة، يشعر آخرون باشمئزاز قوي. وخلال أداء الطقوس القهرية قد يظهر شعور مزعج بعدم الاكتمال أو عدم الارتياح، إلى أن تبدو الأشياء أو تُحَسّ أو تُسمَع على نحو "مثالي" من منظور المريض. ومن الشائع تجنُّب المصابين ما يثير مخاوفهم؛ فمثلًا قد يتجنب مَن لديهم وساوس التلوث المطاعمَ ودوراتِ المياه، وقد ينسحب مَن لديهم وساوس إيذاء الآخرين من التفاعلات الاجتماعية. ويعاني كثيرٌ من المصابين من معتقدات مشوهة تشمل الإحساس المفرط بالمسؤولية، والمبالغة في تقدير المخاطر، والنزعة للكمال، وعدم تقبُّل الغموض، وتضخيم أهمية الأفكار والحاجة للسيطرة عليها. وتجدر الإشارة إلى أن إشراك الأهل أو الأصدقاء في الطقوس القهرية قد يفاقمها، وهذا ما يراعَى في العلاج، خاصة لدى الأطفال[23].

تأثيره على الأداء الاجتماعي

ترتبط شدة أعراض اضطراب الوسواس القهري بتدهور الأداء الاجتماعي والمهني، وذلك بسبب استنزاف الوقت في الأفكار الوسواسية والأفعال القهرية، كما يسهم تجنّب المواقف المثيرة للوساوس في تراجع الأداء الوظيفي. وتفرِض بعض الأعراض قيودًا مباشرة على الحياة اليومية؛ فربما تؤدي وساوس إيذاء الآخرين إلى الانسحاب الاجتماعي، بينما تعيق وساوسُ التناظر إنجازَ المهام الدراسية والمهنية لغياب الشعور بالاكتمال، وقد ينتهي ذلك بالرسوب أو فقدان الوظيفة. وتمتد الآثار إلى الجانب الصحي عبر تجنّب الرعاية الطبية أو حدوث مشكلات جلدية نتيجة الإفراط في الغسل، وأحيانًا تتداخل الأعراض مع العلاج في حال اعتبار المريض الأدوية ملوّثة. وإذا بدأ الاضطراب في الطفولة أو المراهقة، فقد يعرقل مسار النمو ويحد من الاستقلالية والعلاقات خارج الأسرة، فضلًا عن احتمال إحداث خلل أسري بسبب فرض المريض قواعدَ ومحظورات على أفراد عائلته[24].

التشخيص الفارق

لِتشخيص الوسواس القهري، يعتمد الأطباء على مجموعة من المعايير التي تشمل: مدةَ الأعراض وتكرارها (إذ يجِب أن تستمر الأعراض لفترات طويلة، كأن تستغرق الأفكار والسلوكيات أكثر من ساعة يوميًا)؛ ومدى تأثيرها على الحياة اليومية، إذ تؤثر بعضُ الأعراض على الأداءِ اليومي للفرد وقدرتِه على العمل والدراسة والتفاعل الاجتماعي؛ ودرجةَ الضيق والقلق الناتج من هذه الأفكار والسلوكيات القهرية؛ والإدراكَ الذاتي للمشكلة بحيث يدرك المصاب غالبًا أنَّ أفكاره وسلوكياته غير مبرَّرة، لكنه لا يستطيع السيطرَة عليها. كما يجري أيضًا استخدام استبيانات التقييم، إذ قد يعتمد الأطباء على استبيانات واختبارات قياس شدة الأعراض ومدى تأثيرها على حياة المصاب[25].

بالإضافة إلى ذلك، يجري أيضًا استبعاد الحالات الطبية الأخرى؛ إذ تُوصَف بعض السلوكيات أحيانًا بأنها قهرية، كالقلق العام والاكتئاب، والسلوك الجنسي في اضطرابات البارافيليا (الشذوذات الجنسية)، والاضطرابات المرتبطة بالمواد المخدرة والإدمان. ومع ذلك، تختلف هذه السلوكيات عن السلوكيات القهرية في كون الشخص عادةً ما يستمد منها المتعة، وقد يرغب في مقاومتها بسبب عواقبها فقط. ولذلك قد يتشابه اضطراب الوسواس القهري مع أعراضٍ لاضطرابات نفسية أخرى، منها[26]:

  • اضطراب القلق الاجتماعي:

قد يتشابه اضطراب القلق الاجتماعي (الرُّهاب) مع الوسواس القهري من ناحية وجود أفكار وسلوكيات تجنُّب وطلبات طمأنينة متكررة، إلا أن هذه المظاهر تكون غالبًا مرتبطة بمشكلات واقعية، بخلاف الوساوس القهرية التي تتسم بمحتوى غريب أو غير منطقي أو ذي طبيعة سحرية. وفي الرهاب يظهر الخوف من أشياء أو مواقف بشكل واضح ومحدد، لكنه لا يترافق مع طقوس قهرية. أما في اضطراب القلق الاجتماعي، فتقتصر المخاوف على التفاعلات الاجتماعية أو مواقف الأداء، ويتركز التجنب أو طلب الطمأنينة على الحد من مشاعر الإحراج.

  • اضطراب الاكتئاب الجسيم:

لا بد من التمييز بين الأفكار الوسواسية والاجترار في اضطراب الاكتئاب الجسيم، إذ تكون الأفكار في الاكتئاب غالبًا متوافقةً مع الحالة المزاجية وغيرَ إقحامية، كما أن الاجترار الاكتئابي لا يرتبط بأفعال قهرية كما هو الحال في اضطراب الوسواس القهري.

  • اضطرابات الأكل:

يمكن تمييز الوسواس القهري عن فقدان الشهية العصبي بأن الوساوس والأفعال القهرية في الوسواس القهري لا تنحصر في المخاوف المرتبطة بالوزن والطعام.

  • الاضطرابات الذهانية:

يعاني بعض الأفراد المصابين بالوسواس القهري من ضعف في الإدراك أو حتى من أوهام. ومع ذلك، لا تظهر عليهم سمات أخرى مثل الهلوسة أو الكلام غير المنتظم.

  • اضطراب العَرّات والحركات النمطية:

العَرّة هي حركة أو صوت مفاجئ وسريع ومتكرر وغير منتظم، مثل رمش العين. أما الحركة النمطية فهي سلوك حركي متكرر، يبدو مدفوعًا، ولا يؤدّي وظيفة محددة، كضرب الرأس أو هزّ الجسم. وعادةً ما تكون العرّات والحركات النمطية أقل تعقيدًا من السلوكيات القهرية ولا تهدف إلى تحييد الوساوس. مع ذلك، قد يكون التمييز بين التشنجات اللاإرادية المعقدة والسلوكيات القهرية صعبًا؛ فبينما تسبق الوساوسُ عادةً السلوكياتِ القهرية، تكون التشنجات اللاإرادية غالبًا مسبوقة برغبات حسية تحذيرية. ويمكن أن يعاني بعض المرضى من الاضطرابَين في آنٍ واحد.

  • اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية:

على الرغم من تشابه اسم هذا الاضطراب مع اضطراب الوسواس القهري، فإن المظاهر السريرية لكلا الاضطرابين تختلف اختلافًا واضحًا. إذ لا يتسم اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية بأفكار أو صور أو رغبات وسواسية إقحامية، ولا بسلوكيات متكررة ناتجة عن الوساوس، بل يقوم على نمط دائم من الكمالية المفرطة والتحكم الصارم. ويمكن أن يصاب المريض بكلاهما في آنٍ واحد.

  • اضطرابات تشوّه صورة الجسم:

يتميّز هذا الاضطراب عن اضطراب الوسواس القهري باقتصار وساوسه وأفعاله القهرية على المخاوف المرتبطة بالمظهر الجسدي، بينما يقتصر السلوك القهري في اضطراب نتف الشعر، مثلًا، على نتف الشعر دون وجود وساوس.

  • اضطراب الاكتناز:

تتركز أعراضه حصريًّا على الصعوبة المستمرة في التخلّص من الممتلكات، وما يصاحب ذلك من ضيق شديد من أي محاولة للتخلص من الأشياء، ما يؤدي إلى تراكُم مفرط لها.

مع ذلك، إذا كان لدى الفرد وساوس نموذجية لاضطراب الوسواس القهري، مثل المخاوف بشأن النقص أو الضرر، وأدت هذه الوساوس إلى تراكم قهري مثل الحصول على جميع الأشياء في مجموعة لتحقيق شعور بالاكتمال، فإن هذه الوساوس تُشخَّص على أنها اضطراب الوسواس القهري.

الاضطرابات المصاحبة

كما يتسم اضطراب الوسواس القهري بارتفاع شيوع الاضطرابات النفسية المصاحبة له، إذ أظهرت دراسة أن 76% من مرضى الوسواس القهري يعانون من اضطرابات القلق، و63% منهم يعانون اضطرابًا اكتئابيًّا أو الاضطراب الثنائي القطب، و56% منهم يعانون اضطراب التحكم في الاندفاع، و39% منهم يعانون من اضطرابات تعاطي المواد المخدرة في مرحلة ما من حياتهم. ويظهر الوسواس القهري عادةً في مرحلة متأخرة مقارنةً بمعظم اضطرابات القلق المصاحبة له، باستثناء اضطراب قلق الانفصال واضطراب الكرب التالي للصدمة، لكنه غالبًا يسبق الاضطرابات الاكتئابية. كما وجدت دراسة أن اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية يصيب 23-32% من المصابين باضطراب الوسواس القهري. كما تُلاحظ لدى الأطفال ثلاثية اضطراب الوسواس القهري، واضطراب التشنجات اللاإرادية، واضطراب نقص الانتباه المفرط النشاط. كذلك يرصد اضطراب الوسواس القهري بمعدلات أعلى لدى المصابين باضطراب تشوه صورة الجسم، واضطراب هوس نتف الشعر، واضطراب نتف الجلد[27].

علاج الوسواس القهري

يشمل علاج الوسواس القهري مجموعةً من الأساليب المتكاملة التي تعتمد على الجمع بين العلاج النفسي والعلاج الدوائي[28]. ويُعتبر العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive Behavioral Therapy - CBT) من بين العلاجات النفسية الأكثر فعالية، وتحديدًا، تقنية التعرض والوقاية من الاستجابة (Exposure and Response Prevention - ERP)، وهي من الأساليب الأساسية التي تهدف إلى تعريض الشخص للمواقف التي تثير الوساوس من دون السماح له بالقيام بالسلوك القهري الذي يخفف من ذلك القلق، وهو ما يساعد في تقليل استجابة الشخص للأفكار المزعجة[29].

أما بالنسبة للعلاج الدوائي، فتعتبر مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية (Selective Serotonin Reuptake Inhibitors - SSRIs)، المستخدَمة لعلاج الاكتئاب والقلق، من الأدوية الأكثر فعالية في معالجة الوسواس القهري. ومن الشائع في هذا السياق استخدام عقاقير مثل فلوكسيتين (Fluoxetine) وسيرترالين (Sertraline)، حيث ثبت أنها تعمل على زيادة مستويات السيروتونين في الدماغ، ما يساهم في تقليل الأعراض[30].

قد تتطلب بعض الحالات الشديدة العلاجَ باستخدام تقنيات متعددة، مثل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (Transcranial Magnetic Stimulation - TMS)، الذي يستخدم مجالات مغناطيسية لتحفيز مناطق محددة في الدماغ، أو التحفيز العميق للدماغ (Deep Brain Stimulation - DBS)، وهو علاج قابل للعكس والتعديل للحالات المستعصية حيث تُزرع فيه أقطاب كهربائية لتنظيم النشاط العصبي، غير أن استخداماته محدودة نظرًا لكلفته العالية. كما قد يُلجأ الى إجراءات جراحية خيارًا نهائيًا بعد فشل العلاجات الأخرى، مثل الجراحات التجسيمية (Stereotactic surgeries)، التي تعتمد على تحديد مناطق دقيقة في الدماغ باستخدام تقنيات تصويرية متقدمة، ويتم إجراء قطع محدود كالقطع الحزامي (Cingulotomy) والقطع الكبسولي (Capsulotomy)، أو تدمير جزئي في مناطق معينة لتنظيم الإشارات العصبية غير المتوازن، وتتراوح نسبة النجاح حينئذٍ بين 41-54 في المئة[31].

المراجع

Al-Twaijri, Yasmin, et al. “The epidemiology of obsessive-compulsive disorder in the Kingdom of Saudi Arabia: Data from the Saudi National Mental Health Survey.” Journal of Anxiety Disorders. vol. 103, article no. 102856 (2024).

American Psychiatric Association. “Obsessive-Compulsive and Related Disorders.” Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, 5th ed., Washington, DC: American Psychiatric Association, 2022.

Brock, Hannah, Abid Rizvi, & Manassa Hany. “Obsessive-Compulsive Disorder.” StatPearls, 2025. at: https://acr.ps/1L9B9um

Hudepohl, Neha, Joanna V. MacLean, & Lauren M. Osborne. “Perinatal Obsessive-Compulsive Disorder: Epidemiology, Phenomenology, Etiology, and Treatment.” Current Psychiatry Reports. vol. 24, no. 4 (April 2022). pp. 229-237.


NHS. “Overview – Obsessive Compulsive Disorder (OCD).” National Health Service - NHS. at: https://acr.ps/1L9BaeU

Pol-Fuster, Josep et al. “Association Between Severe Childhood Infections and Subsequent Risk of OCD Is Largely Explained by Shared Familial Factors.” BMJ Mental Health. vol. 27, no. 1 (October 2024), pp. 1-2.


Pittenger, Christopher, & Michael H. Bloch. “Pharmacological Treatment of Obsessive-Compulsive Disorder.” Psychiatric Clinics of North America. vol. 37, no. 3 (September 2014). pp. 375-391.

Singh, Abhimanyu, Vaibhav P. Anjankar & Bhagyesh Sapkale, “Obsessive-Compulsive Disorder (OCD): A Comprehensive Review of Diagnosis, Comorbidities, and Treatment Approaches,” Cureus. vol. 15, no. 11 (2023). pp. 1-7.

World Health Organization. “Obsessive Compulsive Disorder (OCD).” at: https://acr.ps/1L9B9lK

[1] American Psychiatric Association, “Obsessive-Compulsive and Related Disorders,” Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (Washington, DC: American Psychiatric Association, 2022), pp. 264-265.

[2] NHS, “Overview – Obsessive Compulsive Disorder (OCD),” National Health Service - NHS, accessed on 23/1/2026, at: https://acr.ps/1L9BaeU

[3] American Psychiatric Association, pp. 264-265.

[4] Ibid.; Hannah Brock, Abid Rizvi, & Manassa Hany, “Obsessive-Compulsive Disorder,” StatPearls, 2025, accessed on 23/1/2026, at: https://acr.ps/1L9B9um

[5] American Psychiatric Association, p. 267.

[6] Ibid.; Yasmin Al-Twaijri et al., “The epidemiology of obsessive-compulsive disorder in the Kingdom of Saudi Arabia: Data from the Saudi National Mental Health Survey,” Journal of Anxiety Disorders, vol. 103, article no. 102856 (2024).

[7] American Psychiatric Association, p. 268; Brock, Rizvi, & Hany, op. cit.

[8] American Psychiatric Association, pp. 268-269.

[9] Ibid.

[10] Ibid.

[11] Ibid., p. 269.

[12] Abhimanyu Singh, Vaibhav P. Anjankar & Bhagyesh Sapkale, “Obsessive-Compulsive Disorder (OCD): A Comprehensive Review of Diagnosis, Comorbidities, and Treatment Approaches,” Cureus, vol. 15, no. 11 (2023), pp. 1-7.

[13] Ibid.

[14] Josep Pol-Fuster et al., “Association Between Severe Childhood Infections and Subsequent Risk of OCD Is Largely Explained by Shared Familial Factors,” BMJ Mental Health, vol. 27, no. 1 (October 2024), pp. 1-2.

[15] American Psychiatric Association, p. 269.

[16] Ibid.; Singh, Anjankar, & Sapkale, pp. 1-7.

[17] Neha Hudepohl, Joanna V. MacLean, & Lauren M. Osborne, “Perinatal Obsessive-Compulsive Disorder: Epidemiology, Phenomenology, Etiology, and Treatment,” Current Psychiatry Reports, vol. 24, no. 4 (April 2022), pp. 229-237; Brock, Rizvi, & Hany, op. cit.

[18] Hudepohl, MacLean, & Osborne, pp. 229-237.

[19] Singh, Anjankar, & Sapkale, pp. 1-7.

[20] American Psychiatric Association, p. 272.

[21] American Psychiatric Association, p. 269.

[22] Ibid., p. 199.

[23] Ibid., p. 268.

[24] Ibid., p. 270.

[25] American Psychiatric Association, p. 265-267; Brock, Rizvi, & Hany, op. cit.

[26] American Psychiatric Association, pp. 270-271.

[27] Ibid., p. 272.

[28] World Health Organization, “Obsessive Compulsive Disorder (OCD),” accessed on 23/1/2026, at: https://acr.ps/1L9B9lK; NHS, op. cit.; Christopher Pittenger, & Michael H. Bloch, “Pharmacological Treatment of Obsessive-Compulsive Disorder.” Psychiatric Clinics of North America, vol. 37, no. 3 (September 2014), pp. 375-391.

[29] Brock, Rizvi, & Hany, op. cit.; Hudepohl, MacLean, & Osborne, pp. 229-237.

[30] Hudepohl, MacLean, & Osborne, pp. 229-237.

[31] Brock, Rizvi, & Hany, op. cit.

المحتويات

الهوامش