الموجز
العدمية هي موقف فلسفي يقوم على إنكار وجود معنى موضوعي للحياة، أو غاية نهائية للوجود، أو أساس ثابت ولكلّ ما يُمكن أن يُقال عنه حقيقة ثابتة، أو قيم أخلاقية أصيلة. اشتُقّ المصطلح من اللفظ اللّاتيني (nihil)، ويعني "اللا شيء"، ويُقابله في العربية لفظ "العدم". أما اصطلاحًا فيعبر المفهوم عن حالة من الخواء المعرفي والقيمي وانعدام أي غاية نهائية للحياة.
تبلور هذا المفهوم من الناحية الدلالية الفلسفية مع الفيلسوف الألماني فريدريش ياكوبي وذلك في سياق نقد العقلانية المجردة، قبل أن يمنحه فريدريش نيتشه عمقه الوجودي من خلال التمييز بين العدمية السالبة (التي ترفض الحياة من أصلها) والعدمية الفاعلة (التي تتجاوز انهيار القيم عن طريق ابتكار قيم أخرى جديدة). وقد تطورت المفاهيم المُتعلقة بالعدمية لدى أنصار النّزعة الوجودية، خصوصًا عند سارتر وهايدغر وكامو، لتتخذ أشكالًا متباينة ومتنوعة: معرفية، أخلاقية، سياسية، ووجودية، ولتنعكس فيما بعد أيضًا على مجالات أخرى كالأدب، والفن، وعلم النفس المعاصر. أما في سياق الفكر العربي المعاصر، فقد بدأت المعالم الأولى لهذا المفهوم مع جبران خليل جبران، الذي تناولها من منطلق احتكاكه بفلسفة نيتشه، لتبرز لاحقًا مع عبد الرحمن بدوي من خلال اهتمامه بالمذهب الوجودي وهذا ما عبّرت عنه ترجماته ومؤلفاته عن الوجودية. لتتطور راهنًا مع فتحي المسكيني الذي ربطها بأزمة الهوية والفراغ الوجودي الذي تعانيه الذات العربية في تصوّره.
فريدريش ياكوبي
فريدريش نيتشه
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تعريف المفهوم
العدمية[1] لفظ مشتق من الكلمة اللاتينية (nihil)[2]، وإذا رُجِعَ إلى التأصيل اللغوي لهذا اللفظ، فإنه يتألف من الجذر اللاتيني (nihil) من البادئة (ne-) التي تعني حرفيًّا "ليس" أو "لا"، ومن الكلمة (hilum) التي تُستعمل للإشارة إلى شيء صغير جدًّا تافه وحقير لا يحمل أية قيمة. وباجتماعهما معًا، تُصبح كلمة (nihil) تعبيرًا صريحًا عن "اللاشيء" أو "العدم".[3] وعليه؛ يمكن النظر إلى العدمية في أحد مستوياتها بوصفها إيمانًا باللّا إيمان باللّا شيء: (Belief in nothing) هو رؤية فلسفية وجودية، تُعبر عن قناعة ذاتية راسخة بعدم وجود غاية نهائية أو حقيقة مُطلقة تقبع فيما وراء الطبيعة، ولا يعني ذلك وجود
إيمانٍ متعالٍ {{إيمان متعالٍ: هو ضرب من الاعتقاد الديني الذي يتجاوز منحى حدود التجربة الحسية، وينهل مرجعيته من مبدأ علوي مطلق يكون هو السبب الأول للوجود ومانح معناه ومبتغاه النهائي.}} لا يرتبط بشيء معين، بل يعني أن الإنسان يعيش وكأن الحياة نفسها خالية من كل دلالة أو قيمة. فالعدمية، من حيث هي موقف فكري أو بتعبير أدّق:
أيديولوجيا العدم {{أيديولوجيا العدم: (Ideology of nothingness) هي منظومة فكرانية تعمد إلى تشكيل تأصيلٍ ينفي المعنى والغائية، وتحوِّرُ العدمية إلى ضربٍ من التقويض والهدم.}} تنبني على افتراض مفاده أن ما يُعتَقَد ويُتمسَّك به من معتقدات ومسلّمات، لا يتجاوز كونه مجرد افتراضات بلا مضمون فعلي. وبهذا المعنى فهي تعبير عن تفكك البنية المعرفية والقيمية، وانهيار المرجعيات المؤسسة للمعنى، بحيث لا يبقى للحقائق موقع يُحتكم إليه، ولا للقيم أي وزن يمكن التعويل عليه، فيغدو الفكر التفافًا في حلقة مفرغة، والوجود حالة من التيهان لا أفق له[4].
أحاط بمفهوم العدمية الكثير من الإشكالات الفلسفية، نظرًا إلى ما تحمله من تداعيات فكرية وأخلاقية ووجودية عميقة. إذ يدلّ هذا المصطلح على موقف فلسفي يُنكر وجود معنى موضوعي للحياة، أو قيم أخلاقية تمتاز بالثبات، أو حتى إمكان تأسيس معرفي على منحى يقيني. وهي تنطلق من افتراض مفاده أن كل القيم والرؤى والمعارف البشرية ليست سوى أوهام أو إسقاطات ذاتية، ولا تستند إلى أي أساس ميتافيزيقي أو ضروري[5]. كما أنَّه يرتبط من الناحية التاريخية، بالنقض الجذري لكيان المؤسستين الدينية والسياسية في الحضارة الغربية باعتبارها الوجه الآخر لفقدان المرجعية العليا فيهما؛ فهي ليست إلا صدًى لتفكك المنظومة القيمية التي كانت تمنح العقل الغربي مشروعية التفوقية، فلم تعد هناك من قيم أو مبادئ أو حتى مرجعيات. فقد انهار البناء العتيق، ولم يُخلِّف سوى أنقاضٍ مُبعثرة؛ والعدمية هي هذه الأنقاض وقد ارتدت لبوس الفلسفة[6].
ولعل من أبرز المفارقات التي أحاطت بالعدمية مفارقة "الذاتية" و"الموضوعية"؛ بحيث تُنكر العدمية الأخلاقية وجود قيم موضوعية مطلقة، وهو ما يضعها أمام إشكالية مفادها: إذا لم تكن هناك معايير موضوعية للحكم، فبأي معيار يمكن الحُكم على العدمية نفسها؟ وعليه؛ تُفضي هذه المفارقة إلى تساؤل جوهري: حول ما إذا كانت العدمية تعبيرًا عن قناعة ذاتية أم دعوى موضوعية تنقض ذاتها. فبمجرد أن تتخذ العدمية موقفًا كليًّا ينفي إمكانية الكليات، فإنها تُصبح من الناحية المنطقية في حالة من التناقض الأداتي، ويتعزز هذا التناقض بفكرة مفارقة المعنى التي تطرحها العدمية الوجودية، التي تعتبر أن الحياة والكون يفتقران إلى أي معنى جوهري أو غاية نهائية، وبذلك تفككت الأسس الميتافيزيقية للدين والفكر الفلسفي في الغرب مما أفضى إلى انهيار منظومة القيم الأخلاقية التقليدية، وفتح الباب على مصراعيه أمام عدمية ترى في الأخلاق محض اصطلاح تاريخي لا يرقى إلى مرتبة الإلزام العقلي أو الروحي[7].
غير أن هذا النفي نفسه يبدو عليه التناقض: إذ إنَّ أي إعلان عن انعدام المعنى هو في حد ذاته إنتاج لمعنى على نحوٍ ما. فهل يمكن التفكير أو العيش ضمن رؤية تنفي إمكان المعنى من دون الوقوع في تناقض دلالي؟ إن هذا التساؤل يُبرز هشاشة العدمية حين تُطرَح بوصفها رؤية شاملة للعالم، فتبدو عاجزة عن الحفاظ على تماسكها الداخلي دون أن تنقض ذاتها. ومن جهة أخرى تطرح العدمية إشكالية مُربكة على صعيد التأسيس الأخلاقي ترتّب عنه موقف عدمي رافض لإمكان التأسيس الأخلاقي الموضوعي، وهو ما أدى في بعض التأويلات إلى نتائج مقلقة مثل: غياب معيار حقيقي للتفريق بين الخير والشر، أو تسويغ العنف أو العدم الأخلاقي باسم الحرية الفردية مما يثير معضلة حول مستقبل الأخلاق فيما بعد انهيار الأسس الميتافيزيقية. وما تحمله العدمية من تبعات تتجاوز القيم الموروثة، بُغية تشكيل قيم جديدة بناءة، لا بد أن يُخلف أثرًا وخيمًا من الناحية الوجودية والسيكولوجية، ويتحول في نهاية المطاف إلى ظاهرة ثقافية-نفسية، تتجلى في الشعور العام باللاجدوى، والانهيار القيمي والإحباط الوجودي، ولا سيما في المجتمعات المعاصرة. وقد نُظر إلى هذه الحالة بوصفها تجسيدًا لانهيار
المرجعيات الكبرى {{المرجعيات الكبرى: هي السياقات والأطر الفلسفية والثقافية الشاملة التي تنبني عليها المجتمعات في سعيها نحو تشييد تصوراتها ومفاهيمها وقيمها الأخلاقية عن العالم.}} التي كانت تمنح الحياة معناها ومبرراتها[8].
تاريخ استعمال اللفظ/ المصطلح
يرجع أول استعمال للفظ العدمية إلى الأدب الروسي، وبالضبط مع الناقد الأدبي الروسي
نيكولاي إيڤانوفيتش نادجين {{نيكولاي إيڤانوفيتش نادجين: (Nikolai Ivanovich Nadezhdin، 1804-1856) هو ناقد أدبي ومفكر روسي برز في القرن التاسع عشر، يعتبره العديد من المؤرخين بأنه من أوائل مَنْ واشج بين الفلسفة والتاريخ والأدب في النقد الأدبي الروسي.}} الذي نشر في عام 1829 مقالًا هجائيًا تهكميًا حمل عنوان: "مجمع العدميين: مشهد من مسرحٍ هزلي أدبي" (The Assembly of Nihilists: A Scene from a Literary Farce ) في دورية رسول أوروبا (Messenger of Europe) التي كان يرأس تحريرها
ميخائيل كاتشينوفسكي {{ميخائيل كاتشينوفسكي: (Mikhail Kachenovsky، 1775-1842) {{ميخائيل كاتشينوفسكي هو مفكر وناقد ومؤرخ روسي، اُشتهر بتحريره العلمي لدورية رسول أوروبا، كما قدم إسهامات مهمة في مجال الأدب الروسي والنقد التاريخي في بدايات القرن التاسع عشر.}}[9] لكنّ نادجين استخدم المصطلح بمعنى مرادف
للشكوكية {{الشكوكية: الشكوكية أو الريبيّة/ الشكّية هي موقف فكري يُشكّك في إمكانية الوصول إلى معرفة حقّة ويقينية، ويعتنق موقفًا يميل إلى تعليق الحكم على الشيء ما لم تتوفر لديه براهينُ وإثباتات كافية.}}، وفي المقابل ذلك؛ استعمل كاتكوڤ لفظ العدمية بوصفه مرادفًا للثورة، معتبرًا إياه بمنزلة الخطر الاجتماعي كون العدمية تتنكر لجميع المبادئ الأخلاقية. إلى أن جاء الروائي الروسي
إيڤان تورغينيڤ {{إيڤان تورغينيڤ: (Ivan
Turgeenv، 1818-1883) هو كاتب مسرحي وروائي روسي، اشتهر في القرن التاسع عشر، برز بصورة خاصة عن طريق رواياته ذات الملمح الواقعي؛ إذ اقتدرت على تقديم تصوير دقيق للتحولات العميقة التي مسّت المجتمع الروسي.}} وعمَّم المصطلح، فأصبح متداولًا في الاستعمال العام وذلك في روايته:
الآباء والبنون (Fathers and Sons) عام 1862، إذ تضمن الفصل الخامس منها حوارًا يستحضر فيه مفهوم العدمية بين شخصية أركادي وعمه بافيل حين يُقدم أركادي صديقه بازاروف قائلًا بأنه "عدمي"، أي لا يعترف بأي سلطة أو قيم تقليدية[10]. وبذلك أصبح مفهوم العدمية وصفًا للحركات الثورية في روسيا، التي حصلت بين 1860 و1917، والتي رفضت وصاية أي سلطة مهما كان نوعها أو مصدرها (الدولة، الكنيسة، الأسرة). وقد وردت جملة لميخائيل باكونين {{ميخائيل باكونين: (Mikhail Bakunin، 1814-1876) هو فيلسوف سياسي روسي، يُعتبر من أهم مؤسسي الفلسفة الأناركية وأشد المُنافحين على قيام الثورة الاجتماعية.}} تُعبر عن العدمية في كتابه:
رد فعل في ألمانيا؛ مقال بقلم فرنسي(Die Reaktion in Deutschland: Ein Fragment von einem Franzosen) (1842) يقول فيها: "فلنضع ثقتنا إذًا في الروح الأزلي، الذي لا يعمد إلى التدمير أو النفي، إلا لكونه ينبوع الحياة الدائم، فالتدمير حين ينبع منه فهو يعني الشغف الخلّاق، الذي يحمل في طياته قوة البناء من خلال الهدم"[11].
تبلور معناه الفلسفي
غلاف كتاب حول تعاليم سبينوزا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يرجع أول ظهور لمصطلح العدمية في مفهومه الفلسفي إلى عام 1733 في كتاب:
دراسة في الاسمية والعدمية في سياق الفكر اللاهوتي[12]De nonismo et nihilismo in theologia، لعالم اللاهوت البروتستانتي
فريدرش ليبريشت غوتسه {{فريدرش ليبريشت غوتسه: (Friedrich Lebrecht Goetze، (1704-1748) هو لاهوتيٌّ وفيلسوف تنويري ألماني، اشتهر بأعماله في مجال فلسفة الأخلاق وعلم المنطق.}}، لكنه أنه لم يحضَ بمعناه الفلسفي الحديث إلَّا أواخر القرن 18، ولا سيما مع المتصوف الألماني
جاكوب هرمان أوبريت {{جاكوب هرمان أوبريت:(Jacob Hermann Obereit، 1740–1807) هو متصوف وعرفاني ألماني، اشتهر بأعماله ذات المنحى الروحاني وتأملاته الخبرة الدينية الباطنية في عصر التنوير الألماني.}} عام 1787 والفيلسوف فريدريش هاينريش ياكوبي {{فريدريشهاينريش ياكوبي: (Friedrich Heinrich Jacobi، 1743-1819) فيلسوف ألماني، معروف بنقده الصارم للعقلانية في صورتها المجردة، ودفاعه في المقابل من ذلك عن المعرفة الإيمانية والحدس المباشر بوصفهما منبعًا أوحد لبلوغ الحقيقة.}} عام 1799. إذ نحته في بادئ الأمر أوبريت فاستعمل هذا المفهوم لنعت مفهوم
الشيء في ذاته {{الشيء في ذاته: هو مفهوم فلسفي وضعه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط للإشارة إلى الواقع كما هو بعيدًا عن الإدراك أو التصورات العقلية والحسية.}} الذي وضعه
الكانطيون الجذريون {{الكانطيون الجذريون: هم زمرة الفلاسفة الذين سلكوا طريقًا متشددًا في قراءتهم لفلسفة كانط، غلَّبوا في هذه القراءة المنهج النقدي ودعوا إلى القول باستقلال العقل والأخلاق.}} في مكان الإله، وعليه وصف المثالية المتعالية باعتبارها ضربًا من النزعة العدمية[13]. لكن الفضل الحقيقي في إذاعة هذا المفهوم وترسيخه يُنسب إلى هاينريش ياكوبي كأول استخدامٍ للفظ العدمية في سياقه الفلسفي، وتحديدًا في كتابه:
حول تعاليم سبينوزا (Über die Lehre des Spinoza) (1799)، إذ اتّهم فيه بعض الفلاسفة الألمان الذين عاصروه أمثال:
يوهان غوتليب فيشته {{يوهان غوتليب فيشته: (Johann Gottlieb Fichte، 1762–1814) هو فيلسوف مثالي ألماني، اشتهر في الأوساط الفلسفية بتطويره لفلسفة الذات المطلقة، كما قدّم مساهمات مهمة في التأسيس للمثالية الألمانية بعد الفيلسوف كانط.}} وفريدريش هيغل {{فريدريش هيغل: (Friedrich Hegel، 1770-1831) أحد أبرز الفلاسفة المثاليين الألمان، عُرف بفلسفته الدياليكتيكية ونظامه الفلسفي حول الروح المطلق والعقل والتاريخ.}}، بالميل نحو العدمية، ومرد ذلك هو اعتمادهم على الاستدلال العقلي الخالص وانخراطهما في صرامة المثالية المطلقة. وهو ما يؤدي حسب رأيه، إلى "لا شيء" (Nihil). وكان يقصد بذلك التنبيه إلى خطر الانهيار القيمي والروحي الذي قد ينجم عن الاعتماد المطلق على العقل[14].
وعليه فإن ياكوبي يعتقد أن المثالية الألمانية في سياق تموقعها داخل نسق عقلي مغلق سينتهي بها المطاف إلى إنكار الواقع نفسه، وبالتالي الوقوع في العدم. وهذا ما وضحه بدقة في كتابه:
حول مسعى النزعة النقدية إخضاع العقل للفهم (Über das Unternehmen des Kritizismus, die Vernunft zu Verstande zu bringen) (1812)، فهاجم نقد العقل الخالص الكانطي ومن تبعه، معتبرًا أن العقل حين يعمد إلى تأسيس كل شيء بذاته، فإن ذلك سيؤدي به إلى الانقلاب على ذاته وهو ما يوقعه في التناقض ومن ثم في العدمية[15]. وبالتالي؛ فقد أصبحت العدمية في الفلسفة الحديثة، تعبيرًا عن انهيار الأسس التقليدية للمعرفة والأخلاق، وظهور وعي بانعدام المعنى الثابت أو الحقيقة المطلقة. وتحوّلت من مجرد موقف سلبي إلى حالة وجودية تتطلب المواجهة. ولم يعد السؤال: هل هناك معنى؟ بل أصبح السؤال الأصح هو: ماذا نفعل في غياب المعنى؟
كما يُعتبر الفيلسوف الألماني
ماكس شتيرنر {{
ماكس شتيرنر: (Max Stirner، 1806- 1856) فيلسوف ألماني، اشتهر بنزعته الفردانية الراديكالية، وانتقاداته اللاذعة للدولة والدين والأيديولوجيا.}} من أهم الآباء المؤسسين لمفهوم العدمية في صورتها الفلسفية، حيث رأى بأن تمظهرها الأقصى يتجسد فيما يُمكن نعته بـ "العدمية الأنانية"، وقد وضح موقفه في كتابه:
الفريد وملكيته (Der Einzige und sein Eigentum) (1844) إذ تقوم العدمية عنده على أنطولوجيا النفي، فيتمظهر الفراغ وانعدام الغاية وتفكك المعنى، وعليه فإن أنانيته المطلقة تتأسس على رؤية العالم رؤيةً عدميةً محضة، وهو ما يتيح فرصة غير مسبوقة للتأمل في البنية الميتافيزيقية لنظام عدمي صيغَ بضمير المتكلم وبأسلوب مباشر، لا يخلو من وضوح كلاسيكي وفصاحة نادرة[16].
وفي إطار الفلسفة الغربية المعاصرة؛ وتحديدًا مع الفيلسوف الألماني
فريدريش نيتشه {{فريدريش نيتشه: (Friedrich Nietzsche، 1844-1900) هو أحد أشهر الفلاسفة الألمان، عُرف بانتقاداته الجريئة للأخلاق والدين وطرحه لمفاهيم القوة، موت الإله، والإنسان الأعلى.}} فقد برزت العدمية في صورتين أساسيين: الأولى؛ "عدمية سالبة" (Negativer Nihilismus) تقوم على إرادة النفي، تعكس حالة إنكار للحياة وتبخيس للوجود، حيث تسود نظرة تشاؤمية وانسحابية ترى أن الحياة بلا معنى أو قيمة، وأن العالم كما هو لا يستحق أن يوجد؛ والثانية؛ "عدمية فاعلة" (Aktiver Nihilismus) تقوم على إرادة الإثبات، وتدعو إلى تجاوز الانهيار القيمي من خلال تكوين قيم جديدة تنبع من قوة الحياة نفسها بوصفها الأصل والمعنى. وبين هذين الشكلين يميز نيتشه بين حضارة تنحدر وتُضعف الإنسان، وأخرى قد تنهض من رماد القيم المنهارة بإرادة خلاقة[17]. وهناك من يُرجع جذور فهم نيتشه للعدمية إلى السياق الروسي؛ التي أخذها من أعمال الروائي الروسي إيڤان تورجينيف الذي عمد إلى قراءة النسخة الفرنسية لأعماله عن طريق
بروسبير ميريميه {{بروسبير ميريميه: (Prosper Mérimée، 1803–1870) هو كاتب روائي فرنسي معروف، اشتهر برواياته وقصصه وعلى رأسها رواية "كارمن" التي كانت مصدر إلهام لأوبرا بيزي.}}، وعن طريق الصدفة كانت رواية
كارمن التي ألَّفها ميريميه عام 1845 كذلك أساس نص أوبرا بيزيه، التي ظهرت عام 1875، والتي حملت الاسم عينه، وقد كانت المُحبّذة عند نيتشه، لكنها مع هذا الأخير أخذت العدمية تصورها الفلسفي المتكامل، كما أن ما يُميّزها عن السياق الروسي هو في كونها مسألة ميتافيزيقية بخلاف طريقة ورودها في السياق الروسي الذي حمل بُعدًا سياسيًّا واجتماعيًّا[18].
وقد تناول نيتشه في كتابه:
إرادة القوة؛ محاولة لقلب كل القيم (Der Wille zur Macht: Versuch einer Umwertung aller Werte) (1901) مفهوم العدمية وخصص لها فصلًا كاملًا حمل عنوان: "العدمية الأوروبية"، تناول فيه تفكك القيم السامية في الغرب وانحدار الميتافيزيقا المسيحية[19]، والتمخضات الوجودية والفلسفية التي انجرّت عن هذا الانهيار، كما اعتبر بأن العدمية ماهي إلا تمظهر انبجس بصورة حتمية عبر تطورية العقل الغربي[20]. وعليه؛ فإن العدمية عند نيتشه تُعبر بحق عن أزمة زعزعت أساسات الحضارة الغربية في عمقها، وكشفت عن انهيار القيم الكلاسيكية، مما حتم إيجاد قيم بديلة عن طريق إرادة قوية، أو كما ينعتها نيتشه بـ "إرادة القوة" وهذا ما يُبشر بتطور لحق الوعي الغربي بمنحى تجاوز العدمية وحوَّرها إلى وسيلة نقدية وبنّاءة[21]. وبهذا يُمكن إجمال مفهوم العدمية عند نيتشه بأنها "محصّلة التأويل الأخلاقي للعالم، ونتيجة من نتائجه"[22]. وبالعودة إلى قراءة ألبير كامو لفلسفة نيتشه فإنّه يؤكد بأن هذا الأخير ليس مبتكر العدمية، وإنما كان بمنزلة الشاهد على تحققها باعتبارها مصيرًا للحداثة الغربية، كاشفًا بأن الفلسفة تتمحور حول مشكلة التمرد بعد موت الإله[23] (Gott ist tot)، عن طريق الاستعاضة عن الألوهية بنزعة إنسانية جوفاء، وبهذا يُمكن فهم هذا النفي النيتشوي على أنه لا يعني رفض وجود الإله، وإنما هو حالة من الاستنزاف الميتافيزيقي لكل قيمة متعالية، بحيث يصبح هذا الكائن البشري في مُجابهةٍ مع فراغ كوني لا يملك له توجيهًا[24].
مارتن هايدغر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كما تناولت النزعات الوجودية العدمية بوصفها أزمة أنطولوجية تعترض الإنسان الفرد حين ينكشف له غياب الغاية الخارجية أو الموضوعية لحياته. ويُمكن أخذ بعض الفلاسفة باعتبارهم نماذج لهذا النّزوع العدمي، فهي عند الفيلسوف الألماني
مارتن هايدغر {{مارتن هايدغر: (Martin
Heidegger، 1889-1976) هو فيلسوف أنطولوجي ألماني، اشتهر بأعماله حول الفينومينولوجيا والأنطولوجيا، وبكتابه المركزي:
الكينونة والزمان.}} مُتمخضة عن "الطريق المُنحرف للميتافيزيقا الغربية" (der Irrweg der abendländischen Metaphysik) التي انشغلت بالموجودات وتناست الوجود نفسه، فالعدمية ههنا نسيانُ الكينونة نفسها، ويوحي نسيانها هذا أنها تعمد إلى التقنُّع والتحجب، واعتبر هايدغر أن السؤال عن الكينونة "قد ذهب اليوم في النسيان، وإن كان عصرنا يعدّ القبول بـ "الميتافيزيقا" مرة أخرى ضربًا من التقدم".[25] وعليه، فإن الفهم الذي يُمكن تحصيله من قراءة هايدغر لسيرورة الميتافيزيقا الغربية لا يجعل من هذا النسيان سلبًا عرضيًّا، وإنما هو مصير مُقدَّر للميتافيزيقا نفسها. فمنذ انكشافها في البدايات اليونانية بدأت بالتواري والتحجب شيئًا فشيئًا، بداية من
أفلاطون {{أفلاطون: (Plato، 427 ق.م - 347 ق.م) هو فيلسوف إغريقي تتلمذ على يد الفيلسوف سقراط، ويُعدّ مؤسس الأكاديمية، كما اشتهر بنظريته في المثل.}} وصولًا إلى هيمنة التقنية الحديثة؛ وبذلك فإن اللامفكر فيه (الكينونة) لا يُقرأ على أنه نقص وإنما موضع سؤاله المؤجل[26]. كما تناول هايدغر العدمية في كتابه:
دروب لا تفضي إلى أي مكان[27] معتبرًا إياها حركة تاريخية كبرى، تعمل على الانخراط في مسرى المصير الغربي باعتبارها عملية تؤسس للكينونة الحديثة. وأنها بمنزلة التعبير الصامت عن فراغ المعنى الذي ما انفك ينخر البنية الروحية للغرب من الداخل، وهي بذلك سيرورة راديكالية تعمل في جوهر التاريخ الغربي من منطلق كونها المفعول الخلفي لكل محاولة تأسيس، ولأي سردية تحاول بلوغ الخلاص، وبهذا تكون العدمية نقطة فارقة على تحول الغرب من حالة اليقين في التنوير والأديان إلى حالة من الشك في الحداثة وما بعدها[28].
في حين أنَّ الوجودي الفرنسي
ألبير كامو {{ألبير كامو: (Albert Camus، 1913-1960) هو كاتب وأديب وفيلسوف وجودي فرنسي، اشتهر بأطروحاته عن العبثية والتمرد، من أشهر أعماله رواية:
الغريب.}} يراها في صورة "العبث" (L’absurde)، أي إدراك التوتر بين شغف الإنسان إلى المعنى وصمت العالم، ويعتقد أن الردّ عليها لا يكون بطريق الانتحار أو الاستسلام وإنما عبر "التمرد" (La révolte) والسعي الحثيث لتشكيل المعنى الذاتي رغم غيابه. وهكذا تختلف "العدمية الوجودية" عن كونها عبارة عن يأس ديني أو أزمة أنطولوجية أو وعي عبثي يستوجب المواجهة. ووفقًا لكامو فإن الكون لا يكترث بالإنسان، مما يجعل الوجود تمظهرًا للعبث كما يخلو من أي غاية نهائية. ومن هذا المنطلق، ينتقد الأيديولوجيات الشمولية التي تدّعي تفسير المعاناة، مؤكدًا على ضرورة مواجهة العبث بحرية ومسؤولية[29].
ويتجلى حضور العدمية عند
جان بول سارتر {{جان بول سارتر: هو كاتب روائي وفيلسوف وجودي فرنسي، يُعتبر من أهم رواد النزعة الوجودية الحديثة، من أشهر أعماله: الوجود والعدم.}} (Jean-Paul Sartre، 1905-1980) من خلال عمله:
الوجودية مذهب إنساني
L'existentialisme est un humanisme (1946) إذ يؤكد فيه بأن الوجوديين عمومًا، سواء أكانوا المسيحيين أم الملحدين يؤمنون جميعًا أن
الوجود يسبق الماهية (L'existence précède l'essence)، أو أن الذاتية تبدأ أولًا. ومعنى ذلك أن الإنسان يوجد أولًا، ثم يقوم بالتعرف إلى ذاته، ويتعالق بالعالم الخارجي، فتحصل بذلك له صفاته، ويعمد إلى اختيار أشياء لذاته هي التي تحدّده، وإذا لم يكن هذا الإنسان في بواكير حياته سمات محددة، فذلك لكونه قد بدأ من لحظة الصفر، وكانت بدايته كأنه لم يكن شيئًا مذكورًا. وهو لن يتمكن من أن يكون شيئًا إلا بعد ذلك، كما أن يكون بمقدوره أن يكون سوى ما قدره لنفسه. وبالتالي يتحدد الإنسان وفق ما يصنعه هو[30]. كما ورد ما يدل عليها في كتابه:
الوجود والعدم؛ بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية
L'Être et le Néant: Essai d'ontologie phénoménologique (1943) حيث كان مفهوم العدمية حاضرًا بطريقة ضمنية في سياق نقضه للجوهر الثابت ومفهوم الذات. ويتجلى العدم لما ينكشف الإنسان بوصفه كائنًا مفصولًا مقذوفًا به في عالم أخرس ويُحرَم من أي علة نهائية، ومع ذلك فهو مرغم على أن يبتكر معنًى لحياته، وفي ذلك تعبير صارخ عن مفارقة الإنسان في الأزمنة الحديثة، إذ تكون حريته قائمة من دون أساس[31].
أما فلاسفة ما بعد الحداثة كـجان فرانسوا ليوتار {{جان فرانسوا ليوتار: (
Jean-François Lyotard، 1924-1998) فيلسوف فرنسي ما بعد حداثي، اشتهر بانتقاداته اللاذعة للسرديات الكبرى، من أهم كتبه:
حالة ما بعد الحداثة.}} وجان بودريار {{جان بودريار: (Jean Baudrillard، 1929 –2007) سوسيولوجي وفيلسوف فرنسي، عُرف بتحليلاته العميقة لظواهر الاستهلاك، من أشهر أعماله الفلسفية:
المصطَنع والاصطناع.}} فقد وظّفوا المفهوم للإشارة إلى تفكك "السرديات الكبرى" (Grand Narratives) وبروز نماذج جديدة من "العدمية النسبية" (Relativistic Nihilism). وترتبط
فلسفة ما بعد الحداثة {{فلسفة ما بعد الحداثة: (Postmodern Philosophy) هو تيار فلسفي نقدي يسلك منهجًا شكيًّا فيما يتعلق بالسرديات الكبرى ويركز بصورة أساسية على مفاهيم الاختلاف والتعدد ومنزلة اللغة والسلطة في عملية إنتاج المعرفة.}} جوهريًّا مع فكرة العدمية منذ بدايات استخدام مصطلح "ما بعد الحداثة"؛ حيث تُجسد هذه الفلسفة هُبوط القيم التقليدية وتفكك المثل التنويرية (الحرية، العقل، والتقدم)، وهو ما يُعَد تعبيرًا عن العدمية. وفي السياق عينه، تعلقت "ما بعد الحداثة" بتفشي النسبية وانهيار المعايير الأخلاقية والمعرفية، وظهور صور من الفن والفكر تُعارض المعايير الحداثية وتحتفي بالتشظي واللايقين. غير أن بعض المفكرين دافعوا عن "ما بعد الحداثة" باعتبارها ليست عدَمية من الناحية الوجودية، بل تسعى إلى تجاوز العدمية في تمظهرها الحداثي والتي نشأت من داخل القيم نفسها، كما فعل نيتشه. وبذلك فإن نقد "ما بعد الحداثة" بوصفها عدَمية غالبًا ما يقوم على افتراضات حداثية تُرفض ضمن هذا الإطار عينه، مما يستدعي فحصها من داخل خطابها، وليس من خارجه[32].
وبالرجوع إلى الفلسفة السياسية أو بالأحرى الخطاب السياسي المعاصر، فإنَّ أقرب نموذج عن ذلك في رؤية الفيلسوفة الألمانية
حنة أرنت {{حنة أرنت: (Hannah Arendt، 1906-1975) هي مفكرة ومنظرة سياسية ألمانية، اشتهرت بتحليلاتها العميقة حول أصول التوتاليتارية ومفاهيمها حول تفاهة الشر.}} التي حلّلت العدمية بوصفها أحد منابع التوتاليتارية (Totalitarianism)، إذ يؤدي انهيار القيم إلى فراغ تملأه الأيديولوجيات الشمولية (Totalitarian Ideologies). وتُبرز أرنت أن العدمية هي موقف تاريخي ناتج عن انهيار التقاليد وفقدان الوشائج الأخلاقية. فهي تُحلّل النازية بوصفها تعبيرًا عن عدميّة سياسية، تسعى إلى إنتاج "العدم" عبر التدمير المنهجي، مدعومة بصمت الجماهير. وتربط ذلك بإرث الإمبريالية الأوروبية (European Imperialism)، معتبرة أن العدمية أسلوب فرار من المسؤولية والتفكير، واستبدال المبادئ بالمصالح أو العنف، مما مهّد لظهور الأيديولوجيات الشمولية وغياب الأسس العقلانية والأخلاقية في الحياة العامة[33].
فرانز كافكا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما في مجال "النقد الأدبي والفني" فقد ارتبط مفهوم العدمية ارتباطًا وثيقًا بالمدارس الرمزية والتعبيرية، وبلغ ذروته فيما يُعرف بـ "مسرح العبث" (Theatre of the Absurd)، إذ تجلّت العدمية بوصفها شعورًا بالفراغ الوجودي وانهيار المعنى. ومن نماذج هؤلاء الأدباء الذين عبّروا عن هذا النزوع، الكاتب المسرحي التشيكي
فرانز كافكا {{فرانز كافكا: (Franz Kafka، 1883-1924) هو كاتب روائي وقاص تشيكي، معروف بكتاباته التي تميل إلى العبثية والرمزية في تناولها لمفاهيم الاغتراب والبيروقراطية.}} الذي رأى فيه دُعاة العبث رمزًا لشاعر العبثية والعدمية، وكاتب التساؤلات اليائسة التي لا يُمكن الحصول فيها على إجابة. كما نُعت أيضًا بشاعر التيه[34]. وصموئيل بيكيت {{صموئيل بيكيت: (Samuel Beckett، 1906-1989) هو كاتب مسرحي إيرلندي، اشتهر بفلسفته حول العبث، من أهم أعماله:
مسرحية في انتظار جودو.}} وما عبّرت عنه مسرحيته الشهيرة "في انتظار غودو" (En attendant Godot) (1953)، إذ تُجسد هذه المسرحية النظرية العبثية العدمية للوجود الإنساني، والانتظار العبثي الذي لا جدوى تُرتجى منه وفقدان اليقين الذي يُلازم الإنسان المعاصر[35].
وفيما يتعلق بالدراسات السيكولوجية المعاصرة، أصبح يُنظر إلى العدمية بوصفها أزمة معنى وجودي، وهذا ما تجلى في كتابات بعض علماء النفس المعاصرين أمثال الطبيب والمعالج النفساني النمساوي ڤيكتور فرانكل {{ڤيكتور فرانكل: (Viktor Frankl، 1905–1997) طبيب سيكولوجي ومفكر نمساوي، مؤسس ما صار يُعرف بالعلاج عن طريق المعنى، من أشهر أعماله:
الإنسان يبحث عن المعنى.}} ؛ الذي يُعتبر مؤسس "العلاج بالمعنى" (Logotherapy) في علم النفس المعاصر وأبرز ممثلي المدرسة النمساوية الثالثة في علم النفس، إذ عمد فرانكل إلى تطوير منهج علاج سيكولوجي يُركّز على حاجة الإنسان إلى اكتشاف معنى لحياته حتى يتحقق له التوازن النفسي والانسجام الوجودي. وقد انبثقت رؤيته هذه من معاناة شخصية عاشها في معسكرات الاعتقال النازية، مكَّنته من ابتداع طريقة علاجية وجودية بديلة للنماذج الكلاسيكية السابقة في علم النفس، تقوم أساسًا على الإرادة الحرة والمعنى بدلًا من الحتميات الغريزية أو السوسيولوجية[36].
المفهوم في السياق العربي
مع تنامي الاهتمام بترجمة التراث الفلسفي الأوروبي الألماني والفرنسي في فترة الستينيات والثمانينيات خصوصًا ترجمة أعمال نيتشه وهايدغر، وأيضًا عن طريق الترجمات الأولى للأدب الروسي بدأت إرهاصات تداول مصطلح العدمية عربيًّا[37]؛ إذ يُمكن الوقوف على أقدم استعمال عربي لهذا المفهوم الحديث والذي كان مع عبد العزيز الدسوقي، من خلال نقله لرواية تورغينيف:
الآباء والبنون من اللغة الروسية إلى اللغة العربية في عام 1947، وكان هذا المصطلح يحمل معنى يُعبر عن الموقف التمردي والثوري على النظام الاجتماعي. ويعتقد فتحي المسكيني بأنّ
جبران خليل جبران {{جبران خليل جبران: شاعر ومفكر وأديب لبناني، اشتهر بأعماله ذات المنحى الوحي والرمزي، من أشهر كتبه:
النبي.}} (1883–1931) هو أول مفكر عربي تمثَّلَ فكرة العدمية في منحاها وبُعدها الأنطولوجي الجوهري المُعبِّر عن تجربة "الإنسانوية" (humanism) الغربية، وأيضًا باعتباره المفكر العربي الأول في الأزمنة الحديثة الذي انفتح على نصوص نيتشه[38]. وبهذا يكون جبران بمنزلة النسخة العربية لتجربة العدمية في صورتها الحديثة، والتي انبجست عن أزمة مسّت الذات العربية في بداية القرن العشرين، لما اصطدمت بحائطٍ تمثل في "الحداثة" وذلك دون أن تكون لهذه الذات أي فاعلية فيها، وعند التأمُّل ببعض كتابات جبران والتي على رأسها
العواصف (1920) يُتوصَّل إلى أنها تجسيد واضح لنصوص نثرية تحمل بعدًا فلسفيًّا عدميًّا ينبش في ماهية المعنى ويُفكر في الموت بوصفه قدرًا محتومًا للهوية، وعليه يتموضع جبران في جوهر سؤال الحداثة، حاله كحال من يُعايش ضربًا من القطيعة الأنطولوجية مع إمكانية قيام المعنى، ويقوم بالاستعاضة عن مطرقة نيتشه (Nietzsche’s Hammer) التي تهدم أصنام القيم بـ "رفشٍ" يحفر قبورًا لأصنام الشرق المهترئة، وهو في ذلك فاقد للأمل إزاء هذا التحطيم، فيستبدله بالدفن، وهو ما يجعل من "حفّار القبور"[39] أول النصوص العدمية في الأدب العربي الحديث، لكونه ينزل بالفكر في حد ذاته في مجابهة مع العدم، وفي هيئة شبح ليس له القدرة على التفكير. وعليه؛ يُمكن لهذا المنظور لدى جبران أن يقلب سؤال الحداثة رأسًا على عقب ليجعل منه شاهدًا على غسق المعنى وانفضاح الذات العربية على فراغها الوجودي[40].
غلاف كتاب الإنسانية والوجودية في الفكر العربي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ولعلّ من أبرز الباحثين العرب تناولًا لمفهوم العدمية هو
عبد الرحمن بدوي (1917-2002) سواء تعلق الأمر بترجماته أو مؤلفاته المتعلقة بالتراث الوجودي، إذ برز معه ما يُعبر عن هذا المفهوم في كتابه الصادر في طبعته الأولى عام 1948 حول
نيتشه، وفي سياق تناوله لموقف نيتشه وازدرائه للقيم الأخلاقية واعتبارها السبب الذي أدى إلى الانحلال الأوروبي الذي غمر عصره، وأن البشرية جميعًا على مر الزمن تكبّدت عناء الاضمحلال الذي سببه انتصار القيم الأخلاقية الصادرة عن العبيد وترسيخ قيم الضعف بديلًا عن قيم القوة[41]. كما يُعدّ بدوي من أوائل الباحثين العرب الذين عمدوا إلى نقل المقولات التأسيسية في الفلسفة الوجودية مثل: مقولات الوجود والعدم والزمان والحرية[42] ومناقشتها في السياق العربي، ومن أبرز مؤلفاته التي تناولت الوجودية ومفاهيمها:
الإنسانية والوجودية في الفكر العربي[43] (1979)، والزمان الوجودي (1945)، ودراسات في الفلسفة الوجودية[45] (1980)، والموت والعبقرية[46] (1962) وأيضًا من خلال ترجمته لأهم أعمال سارتر: الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية (1957).[47] كما تناول
عبد الوهاب المسيري {{عبد الوهاب المسيري: (1938-2008) مفكر مصري معاصر، اشتهر بدراساته وبحوثه المعمّقة حول الصهيونية واليهودية.}} العدمية في كتابه:
رحابة الإنسانية والإيمان، وناقشها في سياق اهتمامه بنيتشه، والذي صرح بموافقته على منظوره للعدمية معتبرًا إياها الصفة الأساسية للفلسفة الغربية، كما يستحضر آراء
رولان بارت {{رولان بارت: (Roland Barthes، 1915-1980) هو فيلسوف وناقد فرنسي، عُرف بتحليلاته المعمقة حول قضايا البنيوية والسيميائيات.}} الذي يرى أنّ العدمية هي الفلسفة الوحيدة الممكنة للتعبير عن وضعنا الحالي. لكن نقاش المسيري حولها لم يخرج عن تكرار ما طرحه فلاسفة ما بعد الحداثة حولها، ولم يتناولها في سياق عربي[48].
وفي سياق الفكر العربي المعاصر هناك حضورٌ لمفهوم العدمية، ومناقشتها في السياق العربي الراهن عند المسكيني الذي عمد إلى تناولها في إطار أزمة الهوية، إذ يميّز بين ثلاثة مفاهيمَ مركزية: الفتنة، والعنف، والإرهاب، مُصورًا إياها كظاهرة "عدمية تاريخية" تتمخض عن فشل الدولة الحديثة في سبيل تجديد شرعيتها، باسم الهوية المجروحة. كما اعتبر المسكيني أن الإرهاب ما هو إلا امتدادية حضارية لما يُمكن نعته بحالة عدم الجدوى والعدمية ولا يُمكن قراءته كسلوك عنيف فقط، وأنه حين الوقوف على ماهية الإرهاب فسيكون أمام ظاهرة عدمية متعمدة أو حالة من الموات الذي لا يحمل معه أي معنى وكأنه إهدار لحياة من دون أي تبرير وجودي[49].
تقسيمات المفهوم
بناء على ما سبق، يُمكن تصنيف العدمية إلى خمسة ضروب أساسية، وذلك تبعًا للسياق الذي تتجلى فيه. ويُعبّر كل ضرب منها عن شكل محدد من أشكال إنكار المعنى أو نفي القيمة ضمن منحى معيّن من مناحي الحياة أو التفكير، وعليه يُمكن تقسيمها كالآتي:
-
العدمية الوجودية (Existential Nihilism): التي تقوم على اعتقاد مفاده أنّ الحياة التي يعيشها الإنسان تفتقر إلى أي معنى موضوعي أو غاية نهائية، بحيث يبدو الوجود في نظر الإنسان مجرد عبث.
-
العدمية الأخلاقية (Moral Nihilism): ويتبنى موقفها الفلسفي إنكار وجود قيم أخلاقية تمتاز بالإطلاقية أو تبني معايير أخلاقية ثابتة وصحيحة، وترى أن ما نعتبره خيرًا أو شرًّا ليس إلا صناعة بشرية لا تستند إلى أساس موضوعي.
-
العدمية المعرفية (Epistemological Nihilism): وهي موقف يعمد إلى التشكيك في إمكانية تحصيل معرفة يقينية أو موضوعية، وبالتالي نفي وجود أي إمكانية لحقيقة مستقلة يمكن للإنسان أن يعرفها أو يعبّر عنها تعبيرًا دقيقًا وخالصًا ونهائيًّا.
-
العدمية السياسية (Political Nihilism): وهي موقف فلسفي يتنكر لأي شكل من أشكال السلطة السياسية والقانونية والمؤسسية، وينظر إلى النظام السياسي في جملته بوصفه بناءً عشوائيًّا لا شرعية له، ويرتبط هذا الضرب من العدمية من الناحية التاريخية بالحركات الثورية الراديكالية.
-
العدمية السيكولوجية (Psychological Nihilism): وتعبر هذه العدَمية في جوهرها عن تفكك منظومة القيم وانهيار الإيمان بمعنى الحياة، وتتمظهر في صورة اكتئاب عميق وشعور نفسي عميق بالخواء. وتُدرس عادة في علم النفس الوجودي والعيادي.
وينبغي التأكيد ههنا أن هذه التقسيمات ليست ضوابطَ ثابتة محددة، بل قد يُعبر عنها البعض بتسميات أخرى مختلفة وإن اتفقت في جوهر مدلولها، كما أنَّ البعض يقسمها إلى تقسيمات أخرى أكثر تعبيرًا عن موضوعاتها المتنوعة، من مُنطلق أن العدمية تتصف بثراء مفهومي وتشعب موضوعاتي كبير.
أهم الانتقادات
غلاف كتاب أزمة العلوم الأوروبية والفنومينولوجيا الترانسندالتية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ناقش عدد من المفكرين والفلاسفة مفهوم العدمية، ووجّهوا انتقادات متباينة وذلك وفقًا لتنوع قراءاتهم للفكر الفلسفي الغربي أو في سياق مشاريعهم الفلسفية. ومن أبرز الباحثين الذين وجهوا انتقادات إلى العدمية؛ المفكر السياسي الألماني-الأميركي
إيريك فيغلين {{إيريك فيغلين: (Eric Voegelin، 1901–1985) مفكر ومنظر سياسي ألماني، اشتهر بأعماله حول تاريخ الأفكار السياسية، ونقد الأيديولوجيات.}} الذي رأى فيها تعبيرًا عن اضطراب روحي (spiritual disorder) مسَّ الحضارة الغربية، وذلك بسبب تحوّل مسارات الفكر من التأكيد على البُعد المتعالي (Transcendental Dimension) إلى التمركز حول المعرفة والإرادة البشرية فقط، كما ربط فيغلين العدمية بالمسلك الغنوصي الغربي (The Western Gnostic Approach) الناتج من إلغاء الحياة الروحية لصالح تسخير العقل أداةً لإنقاذ العالم[50]. كما انتقد الفيلسوف الألماني
إدموند هوسرل {{إدموندهوسرل: (
Edmund Husserl، 1859-1938) فيلسوف ألماني معاصر، يُعتبر المؤسس الحقيقي للفلسفة الفينومينولوجية.}} العدمية -وإن كان لم يذكرها مباشرة في كتاباته الفلسفية- ولكنه عبّر عنها بوصفها انهيارًا للمعنى، الذي يتعالق بالعدمية في جوهره. كما أطلق هوسرل مفهوم "عالم الحياة" (Lebenswelt) ليكون رد فعل على العدمية وفقدان المعنى. وتجلى نقده هذا في كتابه:
أزمة العلوم الأوروبية والفنومينولوجيا الترانسندالتية (The Crisis of European Sciences and Transcendental Phenomenology) (1936)، الذي رأى فيه أن العلوم الأوروبية الحالية لم يعد لها تعالق يُعبر عن معنى الحياة، أي أن العلوم التي يتغنى بها العقل الأوروبي انحرفت عن مقصدية خدمة عالم الحياة والمعنى[51].
المفهوم اليوم
تمظهرت العدمية في الأزمنة الراهنة بطرق متعددة ومتباينة، أبرزها تراجع ثقة الإنسان المعاصر في شرعية المؤسسات الرسمية أو الاجتماعية التي ينتمي إليها وفعاليتها، وانتشار حركات تتبنى مواقفَ راديكالية واحتجاجية، وتفشي اللامبالاة السياسية والاجتماعية. وفقدان الإيمان بإمكانية إحداث تغيير فعلي إلى بسط هيمنة العدمية على الفضاء العمومي، سواء من خلال صيغها الشعبوية أو من خلال الانسحاب من الشأن العام. وقد ترسخ شعور جماعي بالإنهاك وخيبة الأمل، ليس على الصعيد الفردي فقط (كالشعور بالعجز، والمرض، والإنهاك وعدم القدرة على التغيير)، بل على مستوى التاريخ نفسه، حتى أصبح يُنظر إلى الزمن الراهن بوصفه زمنًا بلغ مرحلة من الشيخوخة أخلاقيًّا وحضاريًّا. ولا تقتصر هذه الحالة على الفئات المتقدمة في السن فقط، وإنما تشمل أيضًا قطاعات واسعة من الشباب الذين فقدوا الثقة في الليبرالية وقدرتها على إحداث تحوّل حقيقي أو التصدي لانتصار الرأسمالية وهيمنتها.[52]
أما على الصعيدين الوجودي والسيكولوجي؛ فتعكس العدمية أزمة الإنسان المعاصر في مواجهة عالم سريع التغير، ومعقد، وغير قابل للتوقع يجد فيه الفرد صعوبة في تحديد موقعه أو مغزى وجوده. ويظهر ذلك في تنامي مشاعر القلق، والاكتئاب، والانفصال عن الآخرين واعتزالهم. فالعدمية اليوم هي تجربة معيشة تمس الحياة برمتها. فهي مرآة لعصر فقد فيه الإنسان المقولات الكبرى التي كانت تمنحه المعنى، وتدفعه إلى التساؤل مجددًا: ما الذي يجعل الحياة تستحق أن تُعاش؟ ومن هنا تنبع راهنيتها القصوى، وضرورة التفكير فيها بوصفها موقعًا نقديًّا يُمكن تجاوزه نحو أفق جديد يصنع المعنى من جديد. وبذلك تُفضي العدمية، من حيث هي وعي وجودي على غياب المعنى (Meaninglessness)، إلى حالة من القلق الوجودي (Existential Anxiety) الراديكالي؛ إذ يغدو الإنسان مهدَّدًا من حضورٍ مُستمر وغامض للعدم. والتهديد يتسرّب إلى الحياة اليومية للفرد فيرتسم في مشاهد عابرة كاجتياز شارع مزدحم أو مواجهة امتحان غير متوقّع أو تفاعلات مباغتة، وكلها تُستعاد كأرموزة تُعبر على حالة وجودية تمتاز بالهشاشة، ينخرها العدم من الداخل. وهكذا لا تعود العدمية مجرّد فكرة أو موقف، بل مقام نفسي وأنطولوجي يتسلل إلى تفاصيل المعيش (The Lived) ليحوّله إلى ساحة تأهّب دائم لأي انهيار ممكن[53].
كما تناولت العديد من أفلام هوليود العدمية سواء أكان ذلك بطريقة مباشرة أم بصورة تحمل دلالات رمزية وفلسفية، مجسدةً في ذلك الانهيار القيمي وفقدان المعنى في الحياة المعاصرة. ويُعدّ فيلم "نادي القتال" Fight Club (1999) أبرز هذه الأعمال المُعبرة عن العدمية، إذ يروي الفيلم قصة شاب يُدعى إدوارد، مثقل بضغوط العمل، ويُعاني من الأرق الشديد، يسعى فجأة إلى نوع من التحرر والتمرد على الحياة الاستهلاكية بعد لقائه بشخص يدعى تايلر ديردن، فيؤسسان معًا ناديًا للقتال ليكون متنفّسًا للعنف المكبوت وحالة الخواء الروحي والغضب الجماعي[54]. وهناك فيلم "لا وطن لكبار السن" (No Country for Old Men) (2007)، الذي يروي قصة رجل يعثر على مال من صفقة مخدرات فاشلة، فيطارده قاتل مأجور بينما يلاحقهما شرطي عجوز ضائع في عالم لا يعرف الرحمة. ويُجسد هذا الفيلم "العدمية الأخلاقية" في صورتها المطلقة.[55] أما فيلم "ليباوسكي الكبير" (The Big Lebowski) (1998) فيسخر من مفهوم "المعنى" في حد ذاته من خلال شخصيات في الفيلم تعتنق العدمية بكل صراحة[56]. كما يُبرز فيلم "الجمال الأميركي" (American Beauty) (1999)، ضياع الإنسان المعاصر في براثن مجتمع سطحي مزيّف محكوم بعدمية عمياء. بينما يعكس فيلم "سينكدوكي، نيويورك" (Synecdoche, New York) (2008) عبثية الهوية والوجود في تجربة مسرحية متاهية[57]. في حين يكشف فيلم "الجوكر، جنون مُشترك" (Joker: Folie à Deux) (2019) عن انهيار المعايير الأخلاقية وتحول الألم إلى عنف عبثي[58].
المراجع
العربية
بدوي، عبد الرحمن.
الموت والعبقرية. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1962.
________.
الزمان الوجودي. بيروت: دار القلم، 1972.
________.
الإنسانية والوجودية في الفكر العربي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979.
________.
خلاصة الفكر الأوروبي:سلسلة الفلاسفة: نيتشة. ط 5. الكويت: وكالة المطبوعات، 1975.
________.
دراسات في الفلسفة الوجودية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980.
تورغينيف، إيفان.
الآباء والبنون. ترجمة عبد العزيز الدسوقي. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1947
________.
الآباء والبنون في العشية. ترجمة غائب طعمة فرمان وخيري الضامن. بيروت: دار المدى 2014.
جبران، خليل جبران. العواصف. ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2012.
جيرتز، نولن،
العدمية. ترجمة دينا عادل غراب. مراجعة شيماء طه الريدي. ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2024.
الزعبي، أحمد.
متاهات الإنسان المعاصر في الخطاب الأدبي. عمّان: الآن ناشرون وموزعون، 2023.
سارتر، جان بول.
الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية. ترجمة عبد الرحمن بدوي. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1957.
________.
الوجودية مذهب إنساني، مع مناقشة بين سارتر والكاتب الماركسي م. نافيل. ترجمة عبد المنعم الحفني. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1964.
فرانكل، ڤيكتور إيميل.
إرادة المعنى: أسس وتطبيقات العلاج بالمعنى، ترجمة إيمان فوزي. مصر: دار زهراء الشرق، 1998.
كافكا، فرانز.
الآثار الكاملة مع تفسيراتها: 1 (الأسرة). ترجمة وتحرير إبراهيم وطفي. ط 2. طرطوس: دار إبراهيم وطفي للنشر، 2003.
كامو، ألبير.
الإنسان المتمرد. ترجمة نهاد رضا. ط 3. بيروت: منشورات عويدات، 1983.
________.
السقوطـ. ترجمة ماهر البطوطي، تقديم ماهر شفيق فريد. القاهرة: دار الكُتب خان، 2023.
كريتشلي، سايمون.
الفلسفة القارية: مقدمة قصيرة جدًّا. ترجمة أحمد شكل. مراجعة مصطفى محمد فؤاد. ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2016.
لالاند، أندريه.
موسوعة لالاند الفلسفية. ترجمة خليل أحمد خليل. مج 2، ط 2. بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 2001 [1983].
عنيات، عبد الكريم. الصيرورة في فلسفة نيتشه. القاهرة: مركز الكتاب الأكاديمي، 2025.
ماي، رولو وإرفين يالوم.
مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي. ترجمة عادل مصطفى. مراجعة غسان يعقوب. ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2017.
المسكيني، فتحي. "ما هو الإرهاب؟ نحو مساءلة فلسفية"،
مجلة دراسات عربية، العدد 23، السنة 23 (صيف 1997)، ص 71-84.
________. "الخليفة الأخير: (الحلقة الأولى)". مؤمنون بلا حدود. 27/6/2017. في:
________.
الهجرة إلى الإنسانية. ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2024.
________.
فلسفة النوابت. ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2024.
المسيري، عبد الوهاب و[آخرون].
رحابة الإنسانية والإيمان: دراسات في أعمال مفكرين علمانيين وإسلاميين من الشرق والغرب. القاهرة: دار الشروق، 2012.
ناصيف، أنس. "في وجودية عبد الرحمن بدوي ونقد الجابري لها: ماهية العدم ومركزية الزمان".
مجلة تبيُّن. مج 8. العدد 29 (صيف 2019). ص 153-174.
بن منصور، نصر الدين،. "العدمية كانحطاط والعدمية كأفق في فلسفة نيتشه".
مجلـة التدوين، مج 14، العدد 1 (2022). ص 195-208.
نيتشه، فريدريش.
في جنيالوجيا الأخلاق. ترجمة فتحي المسكيني. مراجعة محمد محجوب. تونس: دار سيناترا، 2010.
________.
إرادة القوة: محاولة لقلب كل القيم. ترجمة وتقديم محمد الناجي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011.
هوسرل، إدموند.
أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية. ترجمة وتقديم إسماعيل مصدق. مراجعة جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008.
هيدجر، مارتن.
ماذا يعني التفكير؟ ترجمة نادية بونفقة. تقديم عبد الرحمن بوقاف. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2008.
________.
الكينونة والزمان. ترجمة وتقديم وتعليق فتحي المسكيني. مراجعة إسماعيل مصدق. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012.
________.
دروب لا تفضي إلى أي مكان. ترجمة عباس حمزة جبر. دمشق: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، 2023.
الأجنبية
Pratt, Alan. “Nihilism.” in: Edward N. Zalta (ed.).
The Stanford Encyclopedia of Philosophy. at:
https://acr.ps/hBxRXXq
Zhavoronkov, Alexey. “Nihilism and the Crisis of Tradition: Arendt and Contemporary Radical Conservatism.”
Russian Sociological Review, vol. 17, no. 4 (2018), pp. 144-146. doi:10.17323/1728-192x-2018-4-144-157
Woodward, Ashley.
Nihilism in Postmodernity: Lyotard, Baudrillard, Vattimo. Aurora, Colorado: The Davies Group, 2009.
Crosby, Donald A. “Nihilism.”
Routledge Encyclopedia. at:
https://acr.ps/hBxRYmm
Jacobi, Friedrich Heinrich.
Über das Unternehmen des Kritizismus, die Vernunft zu Verstande zu bringen und der Philosophie überhaupt eine neue Absicht zu geben. Hamburg: Felix Meiner Verlag, 1998.
Friedrich Heinrich Jacobi.”
The Stanford Encyclopedia of Philosophy. 6/12/2001. at:
https://acr.ps/hBxRYhZ
Goetzius, Friedrich Lebrecht.
De Nonismo et Nihilismo in Theologia. Chemnitz: Ex officina Joh. Erid. Hoefferi, 1733.
Nietzsche, Friedrich.
Thus Spake Zarathustra Bilingual English & German Edition. London: Minerva Heritage Press, 2024.
Moussaron, Jean-Pierre.
Le «marteau» de Nietzsche contre le nihilisme. Paris: Éditions Rue d’Ulm, 2017.
East, John. “What Shaped Eric Voegelin’s Thought?” Voegelin View. 5/6/2018, at:
https://acr.ps/hBxRXOG
Leier, Mark.
Bakunin:The Creative Passion. New York: Seven Stories Press, 2009.
Stirner, Max. “Egoism and Nihilism.” Scribd. at:
https://acr.ps/hBxRYCy
Gillespie, Michael Allen.
Nihilism Before Nietzsche. Chicago: University of Chicago Press, 1995.
Wilson, Peter Lamborn. “The New Nihilism.” The Anarchist Library. at:
https://acr.ps/hBxRY9f
Synecdoche, New York,
Sony classics, 23/05/2008, at:
https://acr.ps/hBxRYpr
Wartenberg, Thomas. “Nihilism.”
Internet Encyclopedia of Philosophy. at:
https://acr.ps/hBxRYdC
Thorstensson, Victoria. “The Dialog with Nihilism in Russian Polemical Novels of the 1860s–1870s.” PhD Dissertation, University of Wisconsin–Madison, Madison, 2013.
[1] يقترح خليل أحمد خليل في ترجمته لمادة (Nihilisme) الواردة في موسوعة لالاند الفلسفية مرادفًا آخر هو "لَيْسِيَّة". إلا أن هذا المُرادف لم يلق رواجًا في التداول عربيًّا واستقر الأمر على مصطلح: "العدمية". يُنظر: أندريه لالاند،
موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة خليل أحمد خليل، مج 2، ط 2 (بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 2001 ]1983[)، ص 871.
[2] Donald A. Crosby, “Nihilism,”
Routledge Encyclopedia, accessed on 29/05/2025, at:
https://acr.ps/hBxRYmm
[3] “nihilism,” etymonline, accessed on 29/05/2025, at:
https://acr.ps/hBxRYGV
[4] نولن جيرتز،
العدمية، ترجمة دينا عادل غراب، مراجعة شيماء طه الريدي (ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2024)، ص 12.
[5] Alan Pratt, “Nihilism,” in: Edward N. Zalta (ed.),
The Stanford Encyclopedia of Philosophy, accessed on 29/05/2025, at:
https://acr.ps/hBxRXXq
[6] عبد الرحمن بدوي،
الزمان الوجودي (بيروت: دار القلم، 1972)، ص 108.
[7] المرجع نفسه، ص 178.
[8] Michael Allen Gillespie,
Nihilism Before Nietzsche )Chicago: University of Chicago Press, 1995(, pp. 10-12.
[9] Victoria Thorstensson, “The Dialog with Nihilism in Russian Polemical Novels of the 1860s–1870s,” PhD Dissertation, University of Wisconsin–Madison, Madison, 2013, p. 05.
[10] يُنظر الفصل الخامس في: إيفان تورغينيف،
الآباء والبنون في العشية، ترجمة غائب طعمة فرمان وخيري الضامن (بيروت: دار المدى 2014). كما يُمكن أيضًا الاطلاع على أول ترجمة عن اللغة الروسية وبلغة عربية جزلة لعبد العزيز الدسوقي؛ يُنظر: إيفان تورغينيف،
الآباء والبنون، ترجمة عبد العزيز الدسوقي (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1947).
[11] يُنظر:
Mark Leier,
Bakunin:The Creative Passion (New York: Seven Stories Press, 2009), p. 63.
[12] تتوفر نسخة لهذا الكتاب في لغته الأصلية اللاتينية على Google Books، يُنظر:
Friedrich Lebrecht Goetzius,
De Nonismo et Nihilismo in Theologia (Chemnitz: Ex officina Joh. Erid. Hoefferi, 1733).
[13] فتحي المسكيني،
الهجرة إلى الإنسانية (ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2024)، ص 244.
[14] “Friedrich Heinrich Jacobi,”
The Stanford Encyclopedia of Philosophy, 06/12/2001, accessed on 13/10/2025, at:
https://acr.ps/hBxRYhZ
[15] Friedrich Heinrich Jacobi,
Über das Unternehmen des Kritizismus, die Vernunft zu Verstande zu bringen und der Philosophie überhaupt eine neue Absicht zu geben (Hamburg: Felix Meiner Verlag, 1998), pp. 112-113.
[16] Max Stirner, “Egoism and Nihilism,” Scribd, accessed on 13/10/2025, at:
https://acr.ps/hBxRYCy
[17] بن منصور نصر الدين، "العدمية كانحطاط والعدمية كأفق في فلسفة نيتشه"،
مجلـة التدوين، مج 14، العدد 1 (2022)، ص 197
[18] سايمون كريتشلي،
الفلسفة القارية: مقدمة قصيرة جدًّا، ترجمة أحمد شكل، مراجعة مصطفى محمد فؤاد (ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2016)، ص 81.
[19] يصفها نيتشه بقوله: "ذهبت المسيحية من حيث هي عقيدة إلى العدم، بسبب أخلاقها الخاصة، وعلى هذا النحو أيضًا أن تذهب المسيحية من حيث هي أخلاق إلى العدم". يُنظر: فريدريش نيتشه،
في جنيالوجيا الأخلاق، ترجمة فتحي المسكيني، مراجعة محمد محجوب (تونس: دار سيناترا، 2010)، ص 112.
[20] يُنظر: فريدريك نيتشه،
إرادة القوة: محاولة لقلب كل القيم، ترجمة وتقديم محمد الناجي (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011)، ص 11-32.
[21] Jean-Pierre Moussaron,
Le «marteau» de Nietzsche contre le nihilisme )Paris: Éditions Rue d’Ulm, 2017(, p. 145.
[22] عبد الكريم عنيات،
الصّيرورة في فلسفة نيتشه (القاهرة: مركز الكتاب الأكاديمي، 2025)، ص 461.
[23] ينبغي التنويه أن الفيلسوف الألماني نيتشه لم يقل بأن الإله "قد مات"، بل قال: لم يعد حيّا (dass der alte Gott nicht mehr lebt)، لأن الأمر ههنا لا يتعلق بالإله في حد ذاته، وإنما مرتبط بوعي المؤمنين به، يُنظر: فتحي المسكيني، "الخليفة الأخير: (الحلقة الأولى)"،
مؤمنون بلا حدود، 27/6/2017، شوهد في 12/10/2025، في:
https://acr.ps/hBxRXT3 ويُنظر أيضًا:
Friedrich Nietzsche,
Thus Spake Zarathustra Bilingual English & German Edition (London: Minerva Heritage Press, 2024), p. 299.
[24] ألبير كامو،
الإنسان المتمرد، ترجمة نهاد رضا، ط 3 (بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 1983)، ص 89.
[25] مارتن هيدغر،
الكينونة والزمان، ترجمة وتقديم وتعليق فتحي المسكيني، مراجعة إسماعيل مصدق (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012)، ص 49.
[26] مارتن هايدغر،
ماذا يعني التفكير؟، ترجمة نادية بونفقة، تقديم عبد الرحمن بوقاف (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2008)، ص 110.
[27] صدرت ترجمة عربية لهذا الكتاب سنة 2023، يُنظر: مارتن هايدغر،
دروب لا تفضي إلى أي مكان، ترجمة عباس حمزة جبر (دمشق: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، 2023).
[28] Martin Heidegger,
Chemins qui ne mènent nulle part, Wolfgang Brokmeier (trans.) (Paris: Gallimard, 1962), p. 190.
[29] يُنظر: ألبير كامو،
السقوطـ، ترجمة ماهر البطوطي، تقديم ماهر شفيق فريد (القاهرة: دار الكُتب خان، 2023)، ص 10.
[30] جان بول سارتر،
الوجودية مذهب إنساني، مع مناقشة بين سارتر والكاتب الماركسي م. نافيل، ترجمة عبد المنعم الحفني (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1964)، ص 14.
[31] Thomas Wartenberg, “Nihilism,”
Internet Encyclopedia of Philosophy, accessed on 13/12/2025, at:
https://acr.ps/hBxRYdC
[32] Ashley Woodward,
Nihilism in Postmodernity: Lyotard, Baudrillard, Vattimo (Aurora, Colorado: The Davies Group, 2009), pp. 20-22.
[33] Alexey Zhavoronkov, “Nihilism and the Crisis of Tradition: Arendt and Contemporary Radical Conservatism,”
Russian Sociological Review, vol. 17, no. 4 (2018), p. 144-146, doi:10.17323/1728-192x-2018-4-144-157
[34] فرانز كافكا،
الآثار الكاملة مع تفسيراتها: 1 (الأسرة)، ترجمة وتحرير إبراهيم وطفي، ط 2 (طرطوس: دار إبراهيم وطفي للنشر، 2003)، ص 177.
[35] أحمد الزعبي،
متاهات الإنسان المعاصر في الخطاب الأدبي (عمّان: الآن ناشرون وموزعون، 2023)، ص 486.
[36] فيكتور إيميل فرانكل،
إرادة المعنى: أسس وتطبيقات العلاج بالمعنى، ترجمة إيمان فوزي (مصر: دار زهراء الشرق، 1998)، ص 5.
[37] يرجع أول استعمال للفظ "عَدَمِي" في اللسان العربي وفق ما يؤكد عليه "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" إلى إسحاق بن حُنين بن إسحاق العبادي، في كتابه
منطق أرسطو. الذي قام بتحقيقه عبد الرحمن بدوي. يُنظر: مادة "عَدَميّ"،
معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، شوهد في 12/10/2025، في:
https://acr.ps/hBxRYyb
[38] فتحي المسكيني، "جبران أمام نيتشه أو النسخة العربية من العدمية"، في: فتحي المسكيني،
فلسفة النوابت (ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2024)، ص 40.
[39] للاستزادة، يُنظر "حفار القبور" في: جبران خليل جبران، العواصف (ويندسور: مؤسسة هندواي، 2012)، ص 7-11.
[40] المسكيني، ص 43-44.
[41] عبد الرحمن بدوي،
خلاصة الفكر الأوروبي:نيتشه، خلاصة الفكر الأوربي. سلسلة الفلاسفة، ط 5 (الكويت: وكالة المطبوعات، 1975)، ص 196-197.
[42] أنس ناصيف، "في وجودية عبد الرحمن بدوي ونقد الجابري لها: ماهية العدم ومركزية الزمان"،
مجلة تبيُّن، مج 8، العدد 29 (صيف 2019)، ص 154.
[43] يُنظر: عبد الرحمن بدوي،
الإنسانية والوجودية في الفكر العربي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979).
[44] عبد الرحمن بدوي،
الزمان الوجودي، ط 2 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1955).
[45] عبد الرحمن بدوي،
دراسات في الفلسفة الوجودية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980).
[46] عبد الرحمن بدوي،
الموت والعبقرية (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1962).
[47] يُنظر: جان بول سارتر،
الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية، ترجمة عبد الرحمن بدوي (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1957).
[48] عبد الوهاب المسيري، "الهجوم على الإنسان: الداروينية الاجتماعية والعدمية"، في: عبد الوهاب المسيري و]آخرون[،
رحابة الإنسانية والإيمان: دراسات في أعمال مفكرين علمانيين وإسلاميين من الشرق والغرب (القاهرة: دار الشروق، 2012)، ص 92.
[49] للاطلاع والتوسع أكثر، يُنظر: فتحي المسكيني، "ما هو الإرهاب؟ نحو مساءلة فلسفية"،
مجلة دراسات عربية، العدد 23، السنة 23 (صيف 1997)، ص 71-84.
[50] John East, “ What Shaped Eric Voegelin’s Thought?” Voegelin View, 5/6/2018, accessed on 13/10/2025, at:
https://acr.ps/hBxRXOG
[51] إدموند هوسرل،
أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية، ترجمة وتقديم إسماعيل مصدق، مراجعة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص 43.
[52] Peter Lamborn Wilson, “The New Nihilism,” The Anarchist Library, accessed on 13/10/2025, at:
https://acr.ps/hBxRY9f
[53] رولو ماي وإرفين يالوم،
مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي، ترجمة عادل مصطفى، مراجعة غسان يعقوب (ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2017)، ص 41.
[54] “Fight Club,” 20thcenturystudios, accessed on 13/10/2025, at:
https://acr.ps/hBxRYtO
[55] “No Country For Old Men,” Miramax, accessed on 13/10/2025, at:
https://acr.ps/hBxRYOn
[56] “The Big Lebowski,” Focus Features, accessed on 13/10/2025, at:
https://acr.ps/hBxRY4S
[57] Synecdoche, New York, Sony classics, accessed on 13/10/2025, at:
https://acr.ps/hBxRYpr
[58] ”Joker: Folie à Deux,” Warner Bros, 13/10/2025, at:
https://acr.ps/hBxRYK0