الموجز
فريق جبهة التحرير الوطني، هو فريق رياضي جزائري لكرة القدم تأسَّس في 13 نيسان/ أبريل 1958، بمبادرة من محمد بومزراق (1911-1969)، بهدف توظيف الرياضة في خدمة القضية الجزائرية وتدويلها خلال حرب التحرير.
جرى استقطاب أبرز اللاعبين الجزائريّين المُحترفين في فرنسا -مثل مصطفى زيتوني ورشيد مخلوفي- الذين غادروا سِرًّا إلى تونس، في عمليّة لاقت صدًى إعلاميًا واسعًا، وأربكت السلطات الاستعمارية عشية كأس العالم للعام 1958.
ورغم الحصار الذي فرضه الاتحاد الدولي لكرة القدم على نشاطه، خاضَ الفريق 91 مباراة دولية ضد منتخبات في أفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية، فرفع العلم الجزائري في المحافل الدولية، وأسهم بالتعريف بنضال الجزائريّين ضد الاستعمار.
بعد الاستقلال، توقَّف نشاطُ الفريق، وتوزَّع لاعبوه بين الاحتراف في فرنسا أو اللعب في أندية محلية والإشراف عليها في الجزائر، وقد ظلَّ الفريق رمزًا وطنيًا للنضال والتضحية.
السياق التاريخي
مع مطلع عشرينيات القرن العشرين، وفي ظلِّ تنامي الوعي التحرُّري لدى النُّخب السياسية الجزائرية بقيادة حزب الشعب الجزائري، برزت أندية كُرة القدم ذات الغالبية المُسلِمة، وفي مقدمتها مولودية الجزائر {{مولودية الجزائر: نادٍ كرويٌّ جزائريٌّ تأسَّس سنة 1921 في الجزائر العاصمة، ويُعَدّ أول فريق للمسلمين في فترة الاستعمار الفرنسي. اتَّخذ النادي اللونَيْن الأحمر والأخضر في زيّه الرسمي. لهُ تاريخٌ حافل بالألقاب المحلية والقارّية، ويتمتّع بجماهيرية واسعة جعلته من أبرز أندية الجزائر.}}، والاتحاد الرياضي الإسلامي لمدينة البليدة، والاتحاد الرياضي الإسلامي لمدينة الجزائر، والاتحاد الرياضي الإسلامي لمدينة وهران، في فضاءات يتجسَّد فيها البُعد الوطني الجزائري في مواجهة الأندية الأوروبية، التي كانت تحظى بالتفضيل لدى الإدارة الاستعمارية الفرنسية[1].
ومن خلال تبنّي أسماء وألوان ورموز تستحضر الإسلام والهُوية الوطنية الجزائرية، جسَّدت هذه الأندية روح الانتماء الوطني، وأكَّدت تمايُزها عن الهُوية الفرنسية داخل الملاعب. ولم تعد هذه الملاعب مجرد فضاءات للترفيه والتواصُل الاجتماعي، بل تحوَّلت إلى ساحاتٍ لإذكاء الوعي التحرُّري. وهكذا، أصبح كل انتصار يُحرِزُه فريق جزائري على نظيره الفرنسي يُنظَر إليه بوصفه إنجازًا سياسيًا ورمزًا يتجاوز حدود الرياضة[2].
أدرك قادة الحركة الوطنية الجزائرية مبكّرًا الدور الحيويّ لكرة القدم في تعبئة الشعب الجزائري لصالح النضال ضد الاستعمار. وبعد اندلاع ثورة التحرير في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، عملت قيادة جبهة التحرير الوطني على تدويل القضية الجزائرية وحشد الدعم لها. وفي هذا السياق، مَثَّل اللجوء إلى الدبلوماسية الثقافية والرياضية، بالتوازي مع المقاومة المُسلّحة، خيارًا استراتيجيًا لقادة الجبهة. وعلى هذا الأساس، تشكَّلت في شباط/ فبراير 1958، وبسرّية تامّة، فرقة فنية تابعة لجبهة التحرير الوطني، ضمَّت مُمثّلين ومُغَنّين وراقصين، وقد هدفت إلى التعريف بالقضية الجزائرية في الخارج عبر العروض الفنية[3]. واستكمالًا لهذه الجهود، أنشأت جبهة التحرير الوطني، في 13 نيسان/ أبريل 1958، فريق جبهة التحرير الوطني لكرة القدم.
التأسيس
جاءت المبادرة لإنشاء هذا الفريق من طرف فدرالية جبهة التحرير الوطني {{فدرالية جبهة التحرير الوطني: التنظيم السياسي الذي أسَّسته جبهة التحرير الوطني سنة 1954 لتأطير الجالية الجزائرية في فرنسا، وتعبِئتها لدعم الثورة التحريرية ماديًا وسياسيًا وإعلاميًا، فكانت قاعدة خلفية أساسية لمعركة التحرير الوطني.}} بفرنسا، وكان وراءها في الأساس محمد بومزراق، الذي كان يشغل منصب نائب مدير الفرع الإقليمي الجزائري للاتحاد الفرنسي لكرة القدم. وابتداءً من منتصف عام 1957، بدأ بومزراق ربط اتصالات سرّية مع عدد من اللاعبين الجزائريّين المُحترِفين الناشطين في الدوري الفرنسي، ساعيًا إلى استقطابهم لتشكيل فريق جبهة التحرير، مع التركيز بشكل خاص على النجوم البارزين. ومِن بين هؤلاء: مصطفى زيتوني (1928-2014)، وعبد العزيز بن تيفور (1927-1970)، لاعبا نادي موناكو (AS Monaco)؛ ورشيد مخلوفي (1936-2024)، لاعب نادي سانت إيتيان (AS Saint-Étienne)، وجميعهم كانوا دَوليّين في صفوف المنتخب الفرنسي[4].
لم يكن من السَّهْل إقناع اللاعبين المحترفين في فرنسا بالالتحاق بفريق جبهة التحرير الوطني، خصوصًا وأن بعضهم كان أيضًا ضمن الفريق العسكري الفرنسي لكرة القدم، مثل محمد معوش لاعب نادي ريمس (Stade de Reims)، ورشيد مخلوفي. وزادت الصعوبة مع تزامن فكرة تشكيل الفريق مع الاستعدادات لكأس العالم 1958 في السويد، وهو الحدث الذي كانت المشاركة فيه بمنزلة حلم لأي لاعب محترف. ومع ذلك، ورغم هذه العوائق كلها، وافق معظم اللاعبين الذين تم الاتصال بهم، وعددهم يفوق العشرين، على الانضمام إلى الفريق[5].
الهروب إلى تونس
شكّلت مغادرة اللاعبين الجزائريين المحترفين في فرنسا إلى تونس المرحلة الأكثر تعقيدًا في تأسيس فريق جبهة التحرير الوطني لكرة القدم. فبعد موافقتهم على الانضمام إلى المشروع، وفي 8 نيسان/ أبريل 1958، أصدر محمد بومزراق تعليماته لاثني عشر لاعبًا بالسفر سرًّا من فرنسا إلى روما، تمهيدًا لنقلهم إلى تونس، وكان بعضهم رفقة عائلاتهم. وعند وصولهم إلى روما، سلَّمتهم السلطات القنصلية التونسية جوازات سفر تونسية مُزوَّرة، لتسهيل عبورهم نحو تونس من دون إثارة انتباه شرطة الحدود الإيطالية. ورغم المخاطرة، نجح اللاعبون في مغادرة روما والوصول إلى تونس. غير أنّ اثنَيْن منهم لم يتمكَّنا من اللحاق بالمجموعة، هُما: محمد معوش (1936-) الذي حاول الانضمام إليها من لوزان في سويسرا، لكنه كان مُجنَّدًا في الجيش الفرنسي، فاحتُجز طويلًا على الحدود الفرنسية السويسرية، واضطُر إلى العودة خوفًا من الاعتقال؛ وحسان شبري (1931-) الذي أُوقِف عند الحدود الفرنسية الإيطالية، وسُجن لاحقًا بتهمة المَساس بأمن الدولة[6].
غير أنه عند وصول اللاعبين إلى تونس لم يجدوا أحدًا في استقبالهم في المطار، فتوجَّه أحدهم، وهو عبد العزيز بن تيفور، إلى مقرّ جبهة التحرير الوطني للاستفسار عن الوضع، لكنه لم يُؤخَذ على محمل الجد في البداية. واضطر اللاعبون إلى الانتظار حتى صباح اليوم التالي، حين جاء أحد مسؤولي الجبهة إلى الفندق رفقة عدد كبير من الصحفيين[7]. وهو ما دل على درجة السرّية الكبيرة التي أحاطت بعملية الهروب حينها.
بعد ذلك، حظي اللاعبون باستقبال رسمي من طرف رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية فرحات عباس (1899-1985)، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة (1903-2000). ووفَّرت السلطات التونسية للفريق التسهيلات اللازمة كافة، بما في ذلك تخصيص ملعب خاصّ للتدريبات. وفي وقت لاحق، انضمَّ إلى الفريق عشرون لاعبًا آخر، معظمهم من المحترفين في فرنسا، فوصل العدد الإجمالي إلى اثنَيْن وثلاثين لاعبًا[8].
ردود الفعل في فرنسا
تصدَّر خبر هروب اللاعبين الجزائريين، الذي أُعلن عنه في 15 نيسان/ أبريل 1958، عناوينَ أبرز الصحف الفرنسية، إذ شنَّ معظمُها هجومًا على هؤلاء اللاعبين، واصفةً إيّاهم بـ "الإرهابيّين". كما لقي الحدث تغطية واسعة من مختلف وسائل الاعلام الدولية، الأمر الذي كان بمنزلة عملية دعائية كُبرى لصالح جبهة التحرير الوطني والقضية الجزائرية. كذلك، أُصيب الوسط الكرويّ الفرنسي بصدمة كبيرة، لا سيما أن الهروب وَقَعَ عشية كأس العالم عام 1958 بالسويد. أما على الصعيد السياسي، فقد عُدَّت العملية ضربة قوية للسلطات الاستعمارية وأجهزتها الأمنية، التي فشلت في كشف خطة جبهة التحرير الوطني واعتقال اللاعبين الفارّين[9].
وردًّا على العملية، قرَّر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم فسخ عقود اللاعبين المَعنيّين، ومارست الحكومة الفرنسية ضغوطًا على الاتحاد الدولي لكرة القدم لمنع الفريق الجديد من المشاركة في أي بطولة رسمية، وفرض عقوبات على المنتخبات التي تقبل مواجهته، وهو ما نجحت في تحقيقه آنذاك[10].
نشاط الفريق ودوره السياسي والرمزي
على الرغم من الحصار الرياضي الذي فرضته فرنسا داخل الهيئات الكروية الدولية على فريق جبهة التحرير الوطني، فإنه تمكَّن من خوض 91 مباراة دولية في مناطق متفرّقة من العالم، شملت شمال أفريقيا وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط وشرق آسيا. وقد واجه الفريق منتخبات المغرب، وليبيا، والعراق، ويوغوسلافيا، ورومانيا، وتشيكوسلوفاكيا، وفيتنام، وبلغاريا، والصين. ورُفع خلال هذه اللقاءات العلم الجزائري، وعُزف النشيد الوطني أمام جماهير غفيرة. كذلك حظيت الدورات الكروية التي خاضها الفريق بتغطية صحفية واسعة[11].
وبعد الاستقلال في 5 تموز/ يوليو 1962، توقَّف نشاط فريق جبهة التحرير الوطني، وتَفرَّق مسار لاعبيه، بينَ مَن عاد إلى فرنسا لمواصلة مشواره الاحترافي، مثل رشيد مخلوفي الذي انضمَّ مُجدّدًا إلى نادي سانت إتيان، وبين من قَرَّر الاستقرار في الجزائر لتولي مهمات رياضية، سواء داخل المنتخب الوطني أم على رأس الأندية المحلية[12].
وقد حقَّق كثير منهم نجاحات كبيرة لاحقًا؛ مثل حميد زوبا (1935-2022) الذي فاز بكأس أندية أفريقيا مع مولودية الجزائر؛ ورشيد مخلوفي الذي قاد، بوصفه مدرّبًا، المنتخبَ الوطنيَّ إلى إحراز الميدالية الذهبية في الألعاب المتوسطية {{الألعاب المتوسّطية: حَدَث رياضي يُقام كلَّ أربع سنوات، تشارك فيه الدول المُطلّة على البحر الأبيض المتوسط. تعود فكرة تنظيمها إلى محمد طاهر باشا (1879-1970)، رئيس اللجنة الأولمبية المصرية سنة 1948. وقد احتضنت مدينة الإسكندرية أولَ دورة لها عام 1951.}} سنة 1975؛ وعبد الحميد كرمالي (1931-2013)، الذي حَقَّق على رأس العارضة الفنية للمنتخب إنجازًا تاريخيًا، بتتويج الجزائر بأول كأس أمم أفريقيا في تاريخها عام 1990[13].
المراجع
العربية
"ضربة حرة: فريق جبهة التحرير". قناة الجزيرة الوثائقية. يوتيوب. 31/10/2022. في:
https://www.youtube.com/watch?v=uT0raIo_sJg
الرزقي، خيري. "إسهامات المطبوعات الثّقافية الفنّية في دعم الثّورة الجزائرية المسرح الثّوري الجزائري نموذجا 1958-1962". آفاق فكرية. مج 10، العدد 1 (2022). ص 404-415.
طرشي، جيلالي وحمدادو بن عمر. "فريق جبهة التحرير الوطني ومساهماته في الثورة الجزائرية 1958-1962". مجلة تفوّق في علوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية. مج 10، العدد 1 (2025). ص 65-87.
الأجنبية
“Algeria - Equipe ALN and Equipe FLN - History and Matches.” rsssf.org. at: https://www.rsssf.org/tablesa/alg-fln-intres.html
Fates, Youcef. Sport et politique en Algérie. Paris: Ed. L’Harmattan, 2009.
Rida, Hocine. Stratégies de conquête du pouvoir et mouvement sportif associatif dans un État d’Afrique du Nord en mutation: Les trajectoires des personnalités entre sport et politique du niveau local au niveau national en Algérie. Thèse de Doctorat en Sciences et techniques des activités physiques et sportives, Université de Bordeaux. 2020.
[1] Hocine Rida, Stratégies de conquête du pouvoir et mouvement sportif associatif dans un État d’Afrique du Nord en mutation: Les trajectoires des personnalités entre sport et politique du niveau local au niveau national en Algérie, Thèse de Doctorat en Sciences et techniques des activités physiques et sportives, Université de Bordeaux (2020), p 155-182.
[2] يُنظر:
Youcef Fates, Sport et politique en Algérie (Paris: Ed. L’Harmattan, 2009).
[3] الرزقي خيري، "إسهامات المطبوعات الثّقافية الفنّية في دعم الثّورة الجزائرية المسرح الثّوري الجزائري نموذجا 1958-1962"، آفاق فكرية، مج 10، العدد 1 (2022)، ص 404-415.
[4] “Algeria - Equipe ALN and Equipe FLN - History and Matches.” RSSSF, accessed on 28/1/2026, at: https://www.rsssf.org/tablesa/alg-fln-intres.html
[5] Ibid.
[6]"ضربة حرة: فريق جبهة التحرير"، قناة الجزيرة الوثائقية، يوتيوب، 31/10/2022، شوهد في 28/1/2026، في: https://www.youtube.com/watch?v=uT0raIo_sJg
[7] المرجع نفسه.
[8] جيلالي طرشي وحمدادو بن عمر، "فريق جبهة التحرير الوطني ومساهماته في الثورة الجزائرية 1958-1962"، مجلة تفوّق في علوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية، مج 10، العدد 1 (2025)، ص 65-87.
[9] المرجع نفسه.
[10] "ضربة حرة.. فريق جبهة التحرير".
[11] “Algeria - Equipe ALN and Equipe FLN.”
[12] جيلالي طرشي وحمدادو بن عمر، مرجع سابق.
[13] المرجع نفسه.
[14] المرجع نفسه.