نفيسة حمّود (1924-2002) أستاذة في الطبّ، ومناضلة في الحركة الوطنية الجزائرية، وضابطة في جيش التحرير الوطني. تُعَدّ من أبرز الوجوه النسوية خلال ثورة التحرير.
بعد الاستقلال، ترأّسَت حمّود الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات، وأسهمت في تطوير طبّ التوليد والإخصاب الاصطناعي في الجزائر. كانت كذلك أوّل امرأة تتولّى منصب وزيرة الصحة عام 1990.
النشأة والتكوين
وُلدت نفيسة حمّود في 17 آذار/ مارس 1924 في
الجزائر العاصمة، لعائلة برجوازية تعود أصولها إلى الأندلس، وتنحدر من سلالة
الحموديّين {{الحموديّون: أسَّسوا دولتهم في الأندلس عام 407هـ/ 1016م، واتّخذوا من مالقة ثم سبتة مركزًا لحُكمِهم. تَمكّنوا من انتزاع الخلافة في قرطبة، ومن أبرز أُمرائهم: علي بن حمود الناصر، والقاسم بن حمود، ويحيى بن علي المعتلي.}} الذين تفرَّقوا بعد سقوطها بين مصر وبلاد الشام وتركيا[1]، وقد انتقل الفرع الذي تنتمي إليه من تركيا إلى
الجزائر مدة قصيرة قبل الاحتلال الفرنسي عام 1830[2].
جدُّها الأعلى هو يوسف حمود الذي أسَّس صناعة مشروبات رويال وفكتوريا الغازية عام 1878. أمّا والُدها، حمدان حمود، فكان مُفتي الجزائر العاصمة، وأستاذًا في
المدرسة الثعالبية {{المدرسة الثعالبية: مؤسّسةٌ تعليميةٌ دينيةٌ عريقةٌ في الجزائر العاصمة، تأسَّست في العهد العثماني، وارتبطت بجامع سيدي عبد الرحمن الثعالبي. اضطلعت بدَوْرٍ مُهمٍّ في تدريس العلوم الشرعية واللغة العربية، وأسهمت في تكوين النُّخب الدينية والفكرية، خصوصًا خلال الفترة العثمانية والاحتلال الفرنسي.}}، في حين أنَّ عمَّها بوعلام حمّود يُعَدّ من أبرز رُوّاد الصناعة في الجزائر، إذ ارتبط اسمه بتطوير
شركة حمّود بوعلام {{شركة حمّود بوعلام: مؤسّسة صناعية جزائرية تأسّست عام 1878. تُعَدّ من أقدم شركات المشروبات في الجزائر، واشتُهرت بإنتاج المشروبات الغازية، على رأسها "حمّود الأبيض" و"سيليكتو". واصلت نشاطها خلال الفترة الاستعمارية وما بعدها، وأصبحت رمزًا للصناعة الوطنية واستمراريّةِ المبادرة الاقتصادية الجزائرية عبر الأجيال.}} للمشروبات الغازية[3].
تلقَّت نفيسة تعليمها العالي في الطب بجامعة الجزائر، وفقَدَت خلال تلك المرحلة والدَيْها. فقدَت كذلك إخوتها وأخواتها في قصفٍ للجيش الألماني لمنزل العائلة في أثناء الحرب العالمية الثانية، ولم يبقَ سوى أختها الكُبرى التي تُوفّيت لاحقًا في أثناء وضعِ مولودِها. عقب ذلك، انتقلت للإقامة لدى عائلة عمّها بوعلام[4].
المسار النضالي
خلال أربعينيات القرن العشرين، كانت حمّود من بين الطالبات القليلات المُنخرطات في
جمعية طلبة شمال أفريقيا المسلمين {{جمعية طلبة شمال أفريقيا المسلمين: مُنظّمة طُلّابية تأسَّست في فرنسا في كانون الأول/ ديسمبر 1927. ضمَّت طلبةً من الجزائر وتونس والمغرب، وهدفت إلى الدفاع عن حقوق الطلبة المسلمين، ونشر الوعي الوطني والثقافي، وربط النضال الطُّلّابي بقضايا التحرُّر ومقاومة الاستعمار، وأسهمت في تكوين نُخبة سياسية وفكرية لاحقًا.}}، وشاركت في الحراك الطُّلّابي والنسوي، وقادت مظاهرة نسوية خلال مسيرات 8 أيار/ مايو 1945. وفي عام 1947، انتُخبت نائبةَ رئيس جمعية طلبة شمال أفريقيا المسلمين[5]. ثم في 24 حزيران/ يونيو من السنة نفسها، أسَّست رفقة
مامية شنتوف {{مامية شنتوف (1912-2022): مناضلة نسوية جزائرية بارزة خلال ثورة التحرير، انخرطت مبكّرًا في الحركة الوطنية، ثم في جبهة التحرير الوطني. نشطت في تعبِئة النساء، والتمريض، ونقل الرسائل والسلاح. بعد الاستقلال، واصلت الدفاع عن حقوق المرأة، وأسهمت في بناء الحركة النسوية الجزائرية.}}
جمعية النساء المسلمات الجزائريات، وانتُخبت في تمّوز/ يوليو 1947 أمينةً عامّةً لها[6].
نشطت حمّود أيضًا خلال هذه المرحلة في الخلايا السرّية الأولى لحزب الشعب الجزائري في الجزائر العاصمة. وفي عام 1950، تواصلت مع الاتحاد النسائي الديمقراطي الدولي من أجل الاحتفال، لأوّل مرة في الجزائر، باليوم العالَمي للمرأة في 8 آذار/ مارس[7].
بعد تخرّجها في الجامعة طبيبةً عامّة، افتتَحت عيادة خاصة وسط العاصمة، ثم أغلقتها عام 1953 للتفرّغ للعمل النضالي. وفي عام 1954، التحقت بجبهة التحرير الوطني، وتقلَّدت رتبة رائد في
جيش التحرير الوطني في المنطقة الثالثة، حيث اضطلعت بمهمّاتٍ طبية، علاوة على الإشراف على التكوين والتدريب في المجال الصحي.
اعتُقلت عام 1957، ثم أُفرِج عنها بعد مدة قصيرة، لتعود مُجدّدًا إلى جبال
الولاية الثالثة. وبناءً على تعليمات قائد الولاية،
العقيد عميروش، كُلّفت بالالتحاق بالتراب التونسي رفقة مجموعة من المجاهدين يقودها
مصطفى لاليام {{مصطفى لاليام (1928-2009): طبيبٌ اختصاصيٌّ في العيون، شارك في ثورة التحرير في الولاية الثالثة تحت قيادة العقيد عميروش، وقدَّمَ الرعاية للجرحى في الميدان. تزوَّج نفيسة حمّود في تشرين الأول/ أكتوبر 1961 في تونس.}}. وقد اعتُقل أفراد المجموعة في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1957، بعد اشتباكٍ مع القوّات الفرنسية خلال الطريق[8].
أُطلق سراحها عام 1959، في إطار عملية تبادُلٍ للأسرى بين الطرفَيْن الجزائري والفرنسي، ووُضعت تحت الإقامة الجبرية في دير بمدينة نانت (Nantes) الفرنسية. تَمكَّنت من الفرار بمساعدة
شبكة جينسون {{شبكة جينسون (بالفرنسية: Réseau Jeanson): هي إحدى شبكات جبهة التحرير الوطني في أوروبا، تتكوّن من مُناضلين فرنسيّين يقودهم فرانسيس جينسون (Francis Jeanson، 1922-2009)، وقد اختصَّت في تقديم الدعم اللوجستي للثّوّار.}}، ثم استقرّت لاحقًا في سويسرا، حيث واصلت دراستها الجامعية في تخصّص أمراض النساء والتوليد. تَولَّت كذلك تمثيل
الهلال الأحمر الجزائري في عددٍ من المحافل الدولية.
بعد الاستقلال
عقب الاستقلال، عادت نفيسة حمّود إلى الاهتمام بقضايا المرأة، فتولَّت رئاسة
الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات خلال المدة الممتدة بين 1966-1969، ثم قَدَّمت استقالتها احتجاجًا على ما عَدَّته هيمنة حزب جبهة التحرير الوطني بقيادة
قايد أحمد على المنظّمات الجماهيرية[9].
عَيَّنَها لاحقًا الرئيس
هواري بومدين (1932-1978) عام 1969 عضوًا في
المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي[10]. ومع انتهاء عُهدتها فيه، عادت إلى ممارسة مهنتها الأصلية في المجال الأكاديمي والطبّي، فعملت أستاذةً للطب في جامعة الجزائر، وتولَّت رئاسة مصلحة طبّ النساء والتوليد في مستشفى بارني (Hôpital Parnet) بحسين داي في العاصمة، وقد استمرَّت في هذه المهمّات حتى تقاعُدها عامة1997
[11].
خلال ثمانينيات القرن العشرين، أشرفت على أولى تجارب الإخصاب في المختبر والإنجاب الاصطناعي في الجزائر، وقادت عددًا من مبادرات حماية الطفولة والأمومة. وكانت في عام 1991 أوّل امرأة تُعيَّن على رأس وزارة الصحة، إذ شغلت هذا المنصب مدّة قصيرة امتدَّت منذ 18 حزيران/ يونيو وحتى 16 تشرين الأول/ أكتوبر[12]، قبل أن تطلب إعفاءها منه[13].
خلال تسعينيات القرن العشرين، دخلت في مواجهات حادّة مع التيار الإسلامي في سياقٍ سياسيٍ أمنيٍ متوتّر، ووُجِّهت إليها اتّهامات تتعلّق بمنع ارتداء الحجاب داخل المستشفى. كذلك تعرّضت لحملة تحريضية في بعض مساجد العاصمة، رافقتها تهديدات بالقتل تلقَّتها عبر الهاتف والرسائل المجهولة[14].
تكريمها ووفاتها
نالت حمّود وسام الاستحقاق الوطني برتبة جدير عام 1997[15]. وأُطلِق اسمها على مستشفى بارني (Parnet) في آذار/ مارس 2003، ليصبح مستشفى نفيسة حمّود. كذلك نُصب لها تمثال تذكاري في ساحة "بطلات الجزائر" ببلدية الجزائر الوسطى، تخليدًا للذكرى الثمانين لمجازر 8 أيار/مايو 1945.[16]
تُوفّيت نفيسة حمّود في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2002 في مستشفى بارني بالعاصمة عن 78 uhl
المراجع
العربية
جابي، ناصر.
الوزير الجزائري: أصول ومسارات. الجزائر: منشورات الشهاب، 2011.
"مرسوم رئاسي 97-114 مؤرّخ في 5 أبريل 1997 يتضمّن منح وسام من درجة جدير من مصف الاستحقاق الوطني".
الجريدة الرسمية. العدد 24. 23/4/1997.
"في اليوم الوطني للذاكرة.. ماذا تعرف عن ساحة بطلات الجزائر؟"،
إلترا الجزائر، 8/5/2025، شوهد في 3/1/2026، في:
https://acr.ps/hBy6EpK
الأجنبية
Cheurfi, Achour.
La classe politique algérienne de 1900 à nos jours, Dictionnaire biographique. Alger: Editions Casbah, 2006.
[1] ناصر جابي،
الوزير الجزائري: أصول ومسارات (الجزائر: منشورات الشهاب، 2011)، ص 544.
[2] المرجع نفسه.
[3] المرجع نفسه.
[4] المرجع نفسه، ص 545.
[5]Achour Cheurfi,
La classe politique algérienne de 1900 à nos jours, Dictionnaire biographique (Alger: Editions Casbah, 2006), p. 237.
[6] Ibid.
[7] Ibid.
[8]جابي.
[9] المرجع نفسه، ص547.
[10] المرجع نفسه.
[11] المرجع نفسه.
[12] Cheurfi, p. 238.
[13] جابي، ص 547-548.
[14] المرجع نفسه، ص 548.
[15] "مرسوم رئاسي 97-114 مؤرّخ في 5 أبريل 1997 يتضمّن منح وسام من درجة جدير من مصف الاستحقاق الوطني"،
الجريدة الرسمية، العدد 24، 23/4/1997، ص 5.
[16] "في اليوم الوطني للذاكرة.. ماذا تعرف عن ساحة بطلات الجزائر؟"،
إلترا الجزائر، 8/5/2025، شوهد في 3/1/2026، في:
https://acr.ps/hBy6EpK