تسجيل الدخول

مصطفى كمال أتاتورك

​​​​​​

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم

مصطفى كمال

اللقب

أتاتورك

تاريخ الميلاد

1881

مكان الميلاد

سالونيك، الدولة العثمانية

تاريخ الوفاة

1938

مكان الوفاة

إسطنبول، الجمهورية التركية

المهنة

سياسي، وعسكري

المنصب الرسمي

​رئيس الجمهورية

تاريخ تولي المنصب

1923-​1938

الدولة

الجمهورية التركية

الإنجازات السياسية والعسكرية

· قائد الحركة الوطنية التركية

· رئيس الجمعية الوطنية الكبرى (1920-1923)

· أول رئيس للجمهورية التركية (1923-1938)



المو​جز

مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938)، قائد عسكري وسياسي تركي، وهو مؤسس الجمهورية التركية وأول رئيس لها، إذ تولى الرئاسة منذ إعلان الجمهورية عام 1923 حتى وفاته عام 1938. تلقى تعليمه في المدارس العسكرية العثمانية، وبدأ مسيرته ضابطًا في الجيش العثماني، وشارك لاحقًا في عدد من المعارك الحاسمة، مثل معركة غاليبولي (1915) خلال الحرب العالمية الأولى

عقب هزيمة الدولة العثمانية وفرض ترتيبات ما بعد الحرب، تولى مصطفى كمال قيادة حركة المقاومة التركية، ونجح في تأسيس مجلس الأمة الترك​ي الكبير في أنقرة عام 1920، وقاد حرب الاستقلال التركية ضد القوات اليونانية والقوى الحليفة التي شاركت في احتلال أجزاء من الأناضول. تُوِّج هذا النضال بالتوقيع على معاهدة لوزان عام 1923، التي مهّدت لإعلان الجمهورية التركية.

عمل أتاتورك على إحداث إصلاحات جذرية لتحويل تركيا إلى دولة قومية علمانية حديثة، فألغى نظام الخلافة، ونفى أفراد العائلة العثمانية، وأسس نظامًا جمهوريًا. كما طوّر النظام القانوني والتعليمي للبلاد، واعتمد الحروف اللاتينية بدلًا من الحروف العربية، موليًا اهتمامًا كبيرًا بتحديث التعليم، وتوسيع حقوق المرأة في المجتمع.

على الصعيد الشخصي، تزوّج من لطيفة هانم فترةً وجيزة، وتبنَّى عددًا من الأبناء. وفي سنواته الأخيرة أصيب بمرض تشمُّع الكبد، وتُوفي في 10 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1938. ​

في عام 1953، نُقِل رفاته إلى ضريحه في أنقرة، حيث أقيم له نصب تذكاري يعرف باسم "آنِت قبر" (Anıtkabır، القبر التذكاري).

طفولته ومسيرته التعليمية (1881-1905)

وُلد مصطفى كمال على الأرجح في ربيع سنة 1881 في مدينة سالونيك، التي كانت آنذاك أهمّ مرفأ اقتصادي في مقاطعة مقدونيا العثمانية. انحدر من عائلة متواضعة؛ إذ كان والده علي رضا موظفًا بسيطًا في مصلحة الضرائب، بينما كانت والدته تُدعى زبيدة. كان مصطفى وأخته مقبولة أتدان (1885-1956) طفلَي والدَيهما الوحيدَين اللذَين قُدِّر لهما البقاء على قيد الحياة. وفي عام 1888 توفّي والده بعد فترة وجيزة من دخول مصطفى المدرسة الابتدائية، بينما عاشت والدته لتشهد صعودَه العسكري والسياسي، حتى أصبح قائد تركيا الحديثة، إذ توفيت عام 1923 عن عمر ناهز 72 عامًا. التحق مصطفى كمال بالمدرسة الابتدائية في سالونيك في السنة الدراسية 1886-1887، ثمّ بالمدرسة الإعدادية العسكرية في سالونيك بين عامَي 1894-1895. وحسب روايته الشخصية، فقد سُمّي عند ولادته "مصطفى"، ثم أضيف اسم "كمال" له لاحقًا في المدرسة الإعدادية العسكرية، لتمييزه عن اسم أستاذه الذي يحمل الاسم نفسه، وإشادة بنتائجه الباهرة في الرياضيات (أما لقب "أتاتورك" فقد اتخذه لقبًا رسميًا ابتداء من عام 1934). وقد ذكر مصطفى كمال في مقابلات صحافية أُجريت معه، أنه شارك في امتحان القبول للإعدادية سرًّا، بسبب معارضة والدته للمسار العسكري، ثم التحق بالكلية الحربية بمناستر (حاليًا تولا)، حيث استمر برنامجه التدريبي ثلاثة أعوام (1896-1899)، ومنها انتقل إلى الأكاديمية الحربية في إسطنبول (1899-1905)، التي تخرّج فيها عام 1905 برتبة ملازم ثانٍ، وكان من المتميّزين في دفعته[1].

مثّلت سنوات التكوين العسكري لمصطفى كمال حقبةً زمنية صعبة في تاريخ الدولة العثمانية؛ إذ كانت تعاني آنذاك من تداعيات أزمة البلقان {{أزمة البلقان: سلسلة من النزاعات الحاصلة في مطلع القرن العشرين بين دول البلقان والدولة العثمانية، أدت إلى تقاسم الأراضي وانهيار النفوذ العثماني في أوروبا. ساهمت في تصاعد التوترات الإقليمية، ومهدت الطريق لاندلاع الحرب العالمية الأولى بعد اغتيال الأرشيدوق النمساوي عام 1914.}} (1875-1878) والحرب مع روسيا (1877-1878)، في ظل تصاعد موجة المعارضة لحكم السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918)، الذي امتدَّ بين عامَي 1876-1909. وقد كانت كلية الطب والأكاديمية العسكرية من أبرز مراكز المعارضة، وشارك مصطفى كمال في بعض أنشطتها، وإن لم يكن له دور رئيس فيها. كما ارتبط مصطفى كمال خلال تلك الفترة بأصدقاء أدّوا أدوارًا محورية في تاريخ تركيا لاحقًا، منهم علي فتحي أوكيار (1880-1943)، وكاظم فكري أوزآلب (1882-1968) وكاظم قره بكر (1882-1948)[2].

مسيرته العسكرية (1905-1918)

عُيّن مصطفى كمال عقب تخرجه في الأكاديمية الحربية نقيبًا في سورية وفلسطين حتى عام 1907، حيث تلقى تكوينًا عسكريًا إضافيًا في فرقتَي الفرسان والمدفعية. كما واصل نشاطه السياسي في صفوف جمعية الاتحاد والترقي {{جمعية الاتحاد والترقي: جمعية سياسية تأسست عام 1889 في الدولة العثمانية، وسَعت إلى إصلاح الحكم وإعادة الدستور. سيطرت على السلطة بين عامَي 1908-1918. كان لها دور مركزي في إنهاء الحكم المطلق، ثم توقف نشاطها بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى.}}، فأنشأ مع عدد من رفاقه جمعيةً سرية في دمشق، عُرِفت باسم "وطن وحرية". في ذلك الحين، كانت الدولة العثمانية تمرّ بمرحلة شديدة الخطورة؛ إذ توالت هجمات البلغار والصرب واليونان والألبان، وسط تنافس إقليمي على مقاطعة مقدونيا العثمانية وموطن رأس مصطفى كمال. نُقِلت وحدات من الجيش إلى سالونيك، حيث أُوكِلت إلى مصطفى كمال مهمة حماية الخط الحديدي بين سالونيك وسكوبيا في عام 1907، ولكنّ الجيش العثماني لم يحرز انتصارات تُذكر، وشارفت مقاطعة مقدونيا على السقوط؛ ما أدى إلى اندلاع ثورة "تركيا الفتاة" في 24 تموز/ يوليو 1908، التي مكَّنت الاتحاديين بعدها من تشكيل الحكومة والسيطرة على المشهد السياسي حتى عام 1918. عقب نجاح ثورة "تركيا الفتاة" بفترة قصيرة، توجّه مصطفى كمال إلى ولاية طرابلس الغرب العثمانية، بهدف ضمان ولاء شيوخ القبائل والأعيان للحكومة الاتحادية الجديدة، وترسيخًا لمبدأ "العثْمَنَة"، كما تمكَّن من حَمل الحامية العسكرية على أداء القسم على الدستور الجديد في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 1908[3].


حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​غير أن سياسة الحكومة الاتحادية التعسّفية أدّت إلى اندلاع ثورة مضادّة في 13 نيسان/ أبريل 1909 كادت تطيح بها، لولا تدخّل وحدات عسكرية من سالونيك، استطاعت السيطرة على مدينة إسطنبول، والحفاظ على حكم الاتحاديّين. وقد انتهت هذه الحادثة بإقالة السلطان عبد الحميد الثاني في 27 نيسان/ أبريل 1909. وفي تلك الأثناء، عاد مصطفى كمال من طرابلس الغرب، وشارك في إخماد الثورة المضادّة، من دون أن يكون له دور سياسي[4].

في عام 1911 عاد إلى طرابلس الغرب، حيث تطوّع للدفاع عن الولاية أمام العمليات العسكرية الإيطالية المكثفة، وقد امتدّت إقامته هناك عامًا كاملًا، فظلّ فيها حتى خريف 1912. لكنّ إيطاليا استطاعت ضمّ طرابلس الغرب نهائيًا في 5 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1912، واضطر مصطفى كمال ورفاقه إلى مغادرتها والعودة إلى سالونيك. وفي طريق عودته، سقطت المدينة بيد القوات المعادية في 10 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1912، وضمّت صربيا معظم مقاطعة مقدونيا إليها[5]. وفي تشرين الثاني/ نوڤمبر 1913، عُيّن مصطفى كمال ملحقًا عسكريّا في العاصمة البلغارية صوفيا، وبقي فيها حتى كانون الثاني/ يناير 1915. وقد أراد ناظر الحربية أنور باشا (1881-1922) من هذا التعيين إبعادَ منافسٍ له عن إسطنبول[6].

بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى في أيار/ مايو 1914، وسلسلة الهزائم التي لحقت بالدولة العثمانية خلالها، كُلّف مصطفى كمال، بناءً على رغبته، بقيادة كتيبة في شرق تراقيا، فانتقل إلى شبه جزيرة غاليبولي، حيث حقق انتصارات مصيرية أدّت إلى انسحاب بريطانيا وحلفائها أواخر كانون الأول/ ديسمبر 1915، ما جعل غاليبولي حاضرة في ذاكرة الشعب التركي حتى اليوم بوصفها رمزًا للانتصارات المصيرية[7]. عقب ذلك، انتقل مصطفى كمال إلى ديار بكر، حيث تمكّن في منتصف عام 1917 من استرجاع مدينة موش وبدليس من الروس والأرمن، وانتقل منها إلى الجبهة الآسيوية، غير أن العثمانيين وحلفاءهم الألمان اضطروا إلى التراجع أمام الجيش البريطاني الذي وصل في فلسطين واستولى في 8 كانون الأول/ ديسمبر 1917 على القدس[8].

عاد مصطفى كمال في 15 كانون الأول/ ديسمبر 1917 إلى إسطنبول، حيث كُلّف بمرافقة ولي العهد محمد وحيد الدين (1861-1926، عُرِف لاحقًا بالسلطان محمد السادس وحكم بين عامَي 1918-1922) في بعثة رسمية إلى ألمانيا، وقد تمكّنت البعثة من معاينة الوضع على جبهة الحرب الألمانية الفرنسية. في 25 أيار/ مايو 1918، انتقل مصطفى كمال إلى ڤيينا، ومنها إلى منتجعات كارلس باد للعلاج من التهاب أصابه في الكلية. وفي إثر عودته في آب/ أغسطس، كُلّف مجدّدًا بقيادة كتيبة على الجبهة السورية، ولكن لم يلبث العثمانيون أن تراجعوا مع حلفائهم الألمان عن دمشق، ثم عن حلب التي دخلها البريطانيون في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1918[9].

أدت هذه الهزائم إلى قبول العثمانيين بمعاهدة مودروس (30 تشرين الأول/ أكتوبر 1918) التي فرضتها قوات التحالف بشروط مجحفة؛ إذ نصّ البند الأول على سيطرة الحلفاء على المضائق والقلاع في الدردنيل والبوسفور، ونصّ البند الخامس على تسريح الجيش، ما عدا ما يتوجّب لحماية الحدود والحفاظ على النظام، بينما نصَّ البند السادس على تسليم الأسطول للحلفاء. وقد حُلّت بعدها جميع الوحدات العسكرية، ومن بينها وحدة مصطفى كمال، الذي عاد إلى إسطنبول في 13 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1918، وشارك مع صديقه علي فتحي أوكيار في نشر صحيفة منبر (1918)[10].

حرب التحرير (1918-1922)

الإعداد للحرب

سَمحَ البند الخامس من معاهدة مودروس على السماح بحراسة الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي، فأتاح بذلك مجالًا محدودًا للتحرّك، استغله مصطفى كمال على نحو فعّال؛ فقد كلّفته الحكومة في ربيع 1919 بمهمة رسمية، تمثّلت في مراقبة عمليات تسريح الفرق العسكرية، ومنع اندلاع صراعات عرقية في منطقة البحر الأسود. لذلك وصل مصطفى كمال ومرافقوه إلى ميناء سامسون في 19 أيار/ مايو 1919 (وهو حدث مهمّ في التاريخ التركي، يُحتفَل به عيدًا وطنيًا)، ومنه انتقل إلى قرية صغيرة تسمّى حافظة، حيث استطاع التحرر من الرقابة البريطانية، وبدأ بالتنسيق لعملية المقاومة في الأناضول. حين علم البريطانيون بنشاطاته، مارسوا ضغوطًا على وزير الحربية العثماني، شوكت تورغوت باشا (1857-1924)، لاستدعاء مصطفى كمال إلى إسطنبول، لكنّ الوزير لم يستجب لتلك الضغوط، ونقل مركز نشاط مصطفى كمال إلى أماسيا في 13 حزيران/ يونيو 1919، وهناك التقى عددًا من القادة العسكريين في اجتماع أماسيا التاريخي (Amasya Görüşmeleri)، وفي 21 حزيران/ يونيو 1919 صدر ما يُعرف في التاريخ التركي بمذكرة أماسيا. عقب ذلك، أرسلت الحكومة في إسطنبول إلى مصطفى كمال استدعاءً ثانيًا، فرفض الاستجابة مجددًا؛ فصدر في 8 تموز/ يوليو 1919 قرار بإعفائه من مهماته الرسمية وإقالته من الجيش. ورغم ذلك، واصل نشاطاته؛ فأشرف على مؤتمر الولايات الشرقية الذي انعقد في مدينة أرضروم في تموز/ يوليو 1919، ثم أشرف على مؤتمر سيواس في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، وبعدها عاد إلى أماسيا في تشرين الأول/ أكتوبر 1919 للتفاوض مع ممثّلي حكومة إسطنبول، حين اتّفق الطرفان على تعديل بعض مقترحات مؤتمر سيواس، والإبقاء على مقر البرلمان في إسطنبول، ما دامت الظروف تسمح بذلك. وفي كانون الأول/ ديسمبر 1919، انتقل مصطفى كمال إلى أنقرة التي أصبحت لاحقًا مركزًا لنشاطه[11].


حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​مجلس الأمّة

احتلّ البريطانيون في 16 آذار/ مارس 1920 مدينة إسطنبول، وفي 11 نيسان/ أبريل حُلّ البرلمان، ما دفع معظم النوّاب إلى الهروب والانضمام إلى مصطفى كمال الذي أعلن تأسيس برلمان جديد في أنقرة. وقد افتتح في 23 نيسان/ أبريل 1920 "مجلس الأمة التركي الكبير" الذي انتُخب رئيسًا له. قرّر المجلس أن جميع القرارات الصادرة عن حكومة إسطنبول منذ بدء الاحتلال تعدُّ لاغية، كما وضعَ من ضمن أهدافه تحريرَ العاصمة إسطنبول من الاحتلال البريطاني. في تلك الأثناء، سخّرت حكومة إسطنبول كلّ ما تملكه لمنع قيام حكومة في أنقرة، فأصدر شيخ الإسلام {{شيخ الإسلام: أعلى منصب ديني في الدولة العثمانية، والمسؤول عن إصدار الفتاوى الرسمية.}} درّي زاده عبد الله بك أفندي​ {{درّي زاده عبد الله بك أفندي: (​1869-1923) تولّى منصب شيخ الإسلام في الدولة العثمانية بين عامَي 1919-1920، وقد عُرف بموقفه المناهض لحركة المقاومة الوطنية بزعامة مصطفى كمال.}} في 10 نيسان/ أبريل 1920 فتوى تُكفّر جميع المشاركين في المقاومة وتبيح قتلهم. وقد ردّت أنقرة بفتوى معارضة أصدرها المفتي محمد رفعت أفندي بوركتشي (1860-1941)[12].

المسار العسكري وتحرير الأناضول

في 22 حزيران/ يونيو 1920 تقدّم الجيش اليوناني في شرق تراقيا وغرب الأناضول، وكانت مدينة إزمير قد سقطت بيد اليونانيين منذ 15 أيار/ مايو 1919، كما سقطت في تموز/ يوليو 1920 مدينة بورصة، أقدم عاصمة للدولة العثمانية. وفي إثر ذلك، أُجبرت حكومة إسطنبول على توقيع معاهدة سيڤر في 10 آب/ أغسطس 1920، التي قلّصت السيادة التركية إلى حدٍّ كبير. لكن لم يُصادَق على تلك المعاهدة، إذ كان البرلمان في إسطنبول قد حُلَّ، ورفض البرلمان الجديد في أنقرة المصادقة عليها. وفي إثر هذه المعاهدة، أعلن مصطفى كمال حرب التحرير، وتمكّن الأتراك -رغم الإمكانيات العسكرية والمادية المحدودة- من تحقيق انتصارات مصيرية. بدايةً، أبرم مصطفى كمال والمناضلون حوله اتفاقية تعاون مع الروس في آذار/ مارس 1921 لتأمين حدودهم، ثمّ وجّهوا جهودهم ضد اليونانيين، فتمكّن عصمت باشا (1884-1973)، بعد مواجهتين عسكريّتين في منطقة إينونو في كانون الثاني/ يناير وآذار/ مارس 1921، من وقف زحف اليونانيّين نحو مواقع عسكرية استراتيجية. وقد اتّخذ عصمت لاحقًا في عام 1934 من اسم "إينونو" لقبًا له. ورغم ذلك، تمكّن اليونانيّون في تموز/ يوليو 1921 من السيطرة على عدّة مدن (كوتاهية وإسكي شهِر وغيرها)، ثم تقدّموا نحو أنقرة التي بدا سقوطها شبه مؤكد، فاضطرت الحكومة إلى نقل كلّ أرشيفات المجلس الوطني إلى مدينة قيصري، التي اختيرت مركزًا جديدًا للنضال في حال سقوط أنقرة. أمام هذا الخطر المحدق، ولّى المجلس الوطني مصطفى كمال قيادة جيش التحرير، ما منحه صلاحيات استثنائية، فاستطاع أن يحرز انتصارًا مهمًا في معركة صقاريا في أيلول/ سبتمبر 1921، وتبعه انتصار في منطقة دوملوبينار في 30 آب/ أغسطس 1922، وهو التاريخ الذي تحتفل به الجمهورية التركية عيدًا للنصر. وقد أنهى مصطفى كمال سلسلة الانتصارات باسترجاع إزمير، آخر معقل لليونانيين، في 9 أيلول/ سبتمبر 1922[13].

بعد هزيمة الجيش اليوناني وانسحابه من أراضي آسيا الصغرى، انسحب الإيطاليون والفرنسيون كذلك، واستطاعت حكومة أنقرة أن تتفاوض مع الحلفاء من موقع قوي، ووقّعت في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1922 على هدنة عسكرية، عُرفت بهدنة مودانيا، أُلغِي بمقتضاها محتوى اتفاقية مودروس. وقد أدّت هذه التطورات إلى استقالة رئيس الوزراء البريطاني جورج كورزون (George Curzon، 1859-1925)، الذي حُمّل مسؤولية كارثة آسيا الصغرى. وقد توَّجت هذه الهدنة نضال الأتراك بالنصر، وأنهت أكثر من عشرة أعوام قضاها مصطفى كمال (باستثناء فترة عمله ملحقًا عسكريًا في صوفيا) على جبهات حروب متعدّدة[14].

عمل مصطفى كمال لاحقًا على كتابة تأريخ رسمي لأحداث حرب التحرير، وفي صيف 1927 ألقى خطابه الشهير "نُطق" على أسماع مجلس الأمة، حرص من خلاله على توثيق تلك المرحلة التاريخية. وقد ترجم هذا الخطاب إلى عدة لغات، منها: الألمانية والفرنسية والإنكليزية[15].

مسيرته السياسية (1922-1938)

مؤتمر لوزان والتأسيس لكيان قومي

اتّفق الحلفاء عقب هدنة مودانيا على عقد مؤتمر لحلّ القضايا العالقة بالشرق الأوسط، وقرروا عقده في مدينة لوزان السويسرية، حيث بدأت في 13 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1922 مفاوضات شائكة استمرّت حتى تموز/ يوليو 1923. فقد أصرّت أنقرة أن تكون حكومتها هي الممثّل الشرعي الوحيد في هذا المؤتمر، فتوجَّه مصطفى كمال إلى مجلس الأمة بطلب إصدار قرار لإلغاء السلطنة، والإبقاء على منصب الخلافة، مُجَرَّدةً من أي سلطة سياسية؛ فصدرَ القرار في 1 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1922. وفي 17 من الشهر نفسه، فرّ السلطان محمد السادس من إسطنبول، فاختار المجلس الأمير عبد المجيد خليفةً له، بلقب السلطان عبد المجيد الثاني (1868-1944)، فحكم بين عامَي 1922-1924. وقّعت حكومة أنقرة على معاهدة لوزان في 24 تموز/ يوليو 1923، التي أسّس الأتراك من خلالها كيانًا قوميًا تركيًا. ومع ذلك ظلّت بعض المسائل عالقة، أبرزها قضية المضائق، ومسألة الحدود مع العراق وسورية، إذ ظلّ سنجق إسكندرونة (حاليًا مقاطعة هاتاي في تركيا) خارج حدود الدولة التركية الناشئة. غير أنّ اتفاقية مونترو (1936) حلّت قضية المضائق، وقد شهد توقيعها مصطفى كمال[16].

الإصلاحات في الجمهورية الجديدة

عمل مصطفى كمال على حماية "نظامه الجديد" من النظام العثماني، فأعلن في نيسان/ أبريل 1923 تأسيس حزب الشعب الجمهوري، وأعلنت حكومة أنقرة في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1923 إقامة الجمهورية التركية، وانتُخِب مصطفى كمال رئيسًا لها. وفي 3 آذار/ مارس 1924، صدر قانون يقضي بإلغاء الخلافة ونفي آخر خلفاء الدولة العثمانية، عبد المجيد الثاني، مع باقي أفراد العائلة العثمانية الحاكمة إلى خارج البلاد[17].

كرّس مصطفى كمال جهوده في ترسيخ الهدوء والاستقرار في الصفوف الداخلية، وقد نجا من محاولة اغتيال بمدينة إزمير في 15 حزيران/ يونيو 1925، وكانت سببًا في اعتقال عدد من معارضيه ومنافسيه من الاتحاديّين السابقين، وأعضاء من الجناح المعارض في مجلس الأمة، وأعضاء في الحزب الجمهوري التقدّمي (Terakkiperver Cumhuriyet Fırkası - TCF)؛ إذ اتُّهم عدد منهم بالتخطيط لمحاولة الاغتيال، فصدر في حقهم بعضهم حكم بالإعدام. وفي سياق الحفاظ على الأمن والاستقرار، عملت حكومة أنقرة على إخماد عدّة ثورات، منها: ثورة الشيخ سعيد النورسي عام 1925، وثورة في منطقة أري (حاليًا آرارات) عام 1930، وثورة في درسيم (حاليًا تونجلي) اشتعلت بين عامَي 1937-1938. وقد أدّت هذه التمرّدات إلى إصدار قانون منع التكايا والطرق الصوفية في البلاد بأكملها، كما أعقبَت تمرّدَي أري ودرسيم عمليةُ قمعٍ وترحيل واسعة للأكراد إلى المناطق الداخلية للبلاد[18].

أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد انضمت تركيا في عهده إلى عصبة الأمم عام 1932، وعمل مصطفى كمال على تطبيع العلاقات مع بريطانيا وفرنسا، وشارك في تشكيل تحالف مع دول البلقان واليونان (1934). ومنحت اتفاقية مونترو الجمهورية التركية السيطرة الكاملة على مضيقَي البوسفور والدردنيل. وبعد توتّرات حادة بين فرنسا وتركيا، وافقت فرنسا بصفتها قوة الانتداب في سورية على ضم سنجق إسكندرون/ هاتاي إلى تركيا (1939). كما وقعت تركيا عددًا من الاتفاقيات المتعددة الأطراف مع الدول المجاورة في الجنوب والشرق، من أبرزها: ميثاق سعد آباد في 8 تموز/ يوليو 1937، بمشاركة كلٍّ من تركيا وأفغانستان وإيران والعراق، سعيًا لإنشاء نظام أمني إقليمي[19].

وبعد ترسيخ أسس الدولة التركية، وجّه مصطفى كمال جهوده إلى النهوض بالجمهورية الناشئة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، فقاد عمليات إصلاح جذرية في مجالات عديدة أهمّها تحديث القانون، فأمر بتشكيل هيئة من المستشارين القانونيين برئاسة محمود أسعد بوزقورت (1892-1943)، لتتولى الإشراف على إصلاحات قانونية موسّعة. وفي 5 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1925 دشّن مصطفى كمال جامعة الحقوق في أنقرة[20].

إضافةً لهذا، أولى مصطفى كمال الإصلاحات الكتابية واللغوية اهتمامًا كبيرًا، فأصدر في 3 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1928 قرارًا يقضي باعتماد الحروف اللاتينية بدلًا من الحروف العربية. وقد أفاد الأتراك في هذا القرار من تجربة أذربيجان التي سبقتهم بأربعة أعوام إلى هذا التغيير، وذلك في 27 حزيران/ يونيو 1924. بدأت أنقرة في أعقاب هذا القرار حملةً لتعليم الحروف الجديدة بين الأطفال في المدارس، وبين الشباب وكبار السنّ، فشُرع في إرساء المدارس الشعبية في البنايات العامّة، مستهدفةً الفئة العمرية بين السادسة عشرة والثلاثين، لتعليم القراءة والكتابة بالحروف الجديدة، ولُقّب مصطفى كمال رسميًا بـ"المعلم الأكبر"[21].

حياته العائلية


حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​تعرّف مصطفى كمال على لطيفة أشاكي زاده (1899-1975) في مدينة إزمير، وهي ابنة أحد كبار التجار الذين لجأ ومرافقوه إلى إحدى ڤيلّاته، بعد أن هَدّد مقرَّ إقامتهم حريقٌ كبير اندلع في المدينة. تزوج مصطفى كمال لطيفة في 29 كانون الثاني/ يناير 1923، ولكن الزواج لم يدُم طويلًا، وانتهى بالطلاق في 5 آب/ أغسطس 1925، من دون أن ينجبا. تبنّى مصطفى كمال لاحقًا عددًا من الأبناء، منهم عبد الرحمن تونجاك (1908-1999) وسبع بنات، أشهرهن عفت عنان (1908-1985) وصبيحة غوكتشن (1913-2001)، التي كانت أول قائدة طائرة عسكرية في تركيا[22].

مرضه ووفاته

أصيب مصطفى كمال بعدّة أمراض أجبرته على المعاينات الطبية، والنزول في المستشفيات والمُنتجعات، ومنها مرض الملاريا الذي أُصيب به أثناء حرب التحرير في شمال أفريقيا، وكاد أن يفتك به. مع ذلك، فإنه تمتع بصحّة جيّدة عمومًا مكّنته من أن يعيش حياة لا تخضع لأي قيود طبية قاهرة، إلى أن حلّ عام 1937. ففي ذلك العام ساءت حالته الصحية، وشخصها الأطباء بتشمّع الكبد، ثم دخل في حالة فقدان للوعي يوم 9 تشرين الثاني/ نوڤمبر، وتوفي في 10 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1938[23].

حُفِظ جثمان مصطفى كمال أتاتورك مؤقتًا في المتحف الإثنوغرافي في أنقرة، إلى أن انتهت عمليات بناء ضريحه المعروف بـ "آنِت قبر" (Anıtkabır، القبر التذكاري​) في أنقرة، حيث نُقِل رفاته إليه عام 1953[24].​

المراجع

Akyol, Taha. Ama hangi Atatürk. Istanbul: Doǧan, 2008.

Dumont, Paul. Mustafa Kemal invente la Turquie moderne 1919-1924. Brussel: Editions Complexe, 1983.

Hanioǧlu, Şükrü M. Ataturk: An Intellectual Biography. Princeton: Princeton University Press, 2011.

Kreiser, Klaus. Atatürk-Eine Biographie. Munich: C. H. Beck, 2008.

________ & Neumann Christoph. Kleine Geschichte der Türkei. Stuttgart: Reclam, 2003.

Landau, Jacob M. (ed.), Atatürk and the Modernization of Turkey. New York: Routledge, 1984.

Mango, Andrew. Atatürk: The Biography of the Founder of Modern Turkey. London: Murray, 1999.

__________. From the Sultan to Atatürk: Turkey, The Peace Conferences of 1919-23 and their Aftermath. Makers of the Modern World. London: Haus Pub., 2009.

Ortaylı, İlber. Gazi Mustafa Kemal Atatürk. Istanbul: Kronik, 2018.

Zürcher, Erik Jan. Turkey: A Modern History. London: I.B. Tauris, 1994.

[1] M. Şükrü Hanioǧlu, Ataturk: An Intellectual Biography (Princeton: Princeton University Press, 2011), pp. 8-30; Klaus Kreiser, Atatürk-Eine Biographie (Munich: C. H. Beck, 2008), pp. 11-30; Andrew Mango, Atatürk: The Biography of the Founder of Modern Turkey (London: Murray, 1999), pp. 25-34.

[2] Kreiser, pp. 38-47; Mango, The Biography, pp. 35-56.

[3] Hanioǧlu, pp. 31-47; Kreiser, pp. 48-51, 54-60; Mango, The Biography, pp. 101-111.

[4] Kreiser, pp. 58-59; Klaus Kreiser & Christoph Neumann, Kleine Geschichte der Türkei (Stuttgart: Reclam, 2003), pp. 354-355.

[5] Kreiser, pp. 66-70; Rachel Simon, “Prelude to Reforms: Mustafa Kemal in Libya, in Landau,” in: Jacob M. Landau (ed.), Atatürk and the Modernization of Turkey (New York: Routledge, 1984), pp. 17-24.

[6] Kreiser, pp. 73-80; Mango, The Biography, pp. 128-139

[7] Kreiser, pp. 84-88; Mango, The Biography, pp. 153-156; İlber Ortaylı, Gazi Mustafa Kemal Atatürk (Istanbul: Kronik, 2018), pp. 119-132.

[8] Kreiser, pp. 100-103; Ortaylı, pp.132-140.

[9] Kreiser, pp. 115-126; Mango, The Biography, p. 182.

[10] Kreiser, pp. 127-130; Kreiser & Neumann, pp. 377-379; Mango, The Biography, pp. 186-207.

[11] Hanioǧlu, pp. 68-85; Kreiser, pp. 131-149; Mango, The Biography, pp. 220-252; Ortaylı, pp. 168-178, 183-188.

[12] Kreiser, pp. 150-155; Mango, The Biography, pp. 274-286; Taha Akyol, Ama hangi Atatürk (Istanbul: Doǧan, 2008), pp. 13-38.

[13] Kreiser, pp. 156-172; Kreiser & Neumann, pp. 377-379; Mango, The Biography, pp. 306-324; Erik Jan Zürcher, Turkey: A Modern History (London: I.B. Tauris, 1994), pp. 133-166; Andrew Mango, From the Sultan to Atatürk:Turkey, The Peace Conferences of 1919-23 and their Aftermath, Makers of the Modern World (London: Haus Pub., 2009), pp.113-136; Ortaylı, pp. 207-215, 217-236.

[14] Kreiser, pp. 173-175; Mango, The Biography, pp. 326-347.

[15] Kreiser, pp. 214-217.

[16] Kreiser, pp. 175-182; Mango, The Biography, pp. 377-395; Mango, From the Sultan to Atatürk, pp. 181-192; Akyol, pp. 353-362.

[17] Kreiser, pp. 208-209; Kreiser & Neumann, pp. 411-413; Paul Dumont, Mustafa Kemal invente la Turquie moderne 1919-1924 (Brussel: Editions Complexe, 1983), pp. 136-167; Ortaylı, pp. 245-259; Akyol, pp. 348-352, 416-424.

[18] Kreiser, pp. 210-213, 231-234; Mango, The Biography, pp. 430-441.

[19] Kreiser, pp. 180, 288.

[20] Ibid., pp. 244-254; Kreiser & Neumann, pp. 413-415; Hanioǧlu, pp. 199-225; Mango, The Biography, pp. 415-429; Landau (ed.), pp. 57-76.

[21] Kreiser, pp. 264-274; Kreiser & Neumann, pp. 416-422; Landau, pp. 195-214.

[22] Kreiser, pp. 254-258, 289-290; Mango, The Biography, pp. 350-373, 380-410, 432.

[23] Kreiser, pp. 122-124, 137-139, 285-293.

[24] Ibid., pp. 294-295.


المحتويات

الهوامش