مسلم بن عبد الرحمن الجَرْمي الطرسوسي (ت. 240هـ/ 855م)، مُحدّث ثقة، نزل ببغداد وسمع بها. انضم إلى إحدى صوائف الخليفة هارون الرشيد (149هـ-193هـ/ 766م-809م)، فأسره الروم قبل عام 188هـ/ 804م، وبقي في الأسر أكثر من أربعين عامًا، تعلم فيها الرومية والتقى ملك الروم، وطاف في مختلف الأقاليم، حتى أصبح خبيرًا بأحوالها.
عاش الجرمي بعد افتكاكه من الأسر في مدينة طرسوس، في تركيا الحالية، ووضع جملة من المصنفات، بعضها في الجغرافيا الوصفية. وبذلك أصبح المصدر العربي الأول لرواد علم المسالك والممالك في كل ما يتعلق بالروم وحكمهم وجيوشهم، ووصف بلادهم، والشعوب المجاورة لهم.
حياته
لا يَذكُر مَن ترجموا لمسلم بن عبد الرحمن الجرمي شيئًا عن تاريخ ميلاده، غير أن نسبته إلى بني جرم وإلى مدينة طرسوس تشير إلى أنه ربما كان سليل جند الشام الذين أقطعهم عبد الملك بن مروان (26ه/ 646م - 86هـ/ 705م) هذه الثغور[1]. ويذكره الخطيب البغدادي (392-463هـ/1002 - 1071) في كتابه تاريخ بغداد كونه نزل فيها وسمع من علمائها[2]. وثمة إشارة إلى أنه كان من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل (164ه/ 780م - 241هـ/ 855م)[3]، ويضعه ابن حبان البستي (270-354هـ/ 884 -965م) في الثقات[4].
انضم الجرمي إلى إحدى صوائف الخليفة هارون الرشيد عام 188ه/ 804م - على الأرجح - فوقع في الأسر، وبعدها اتفق الرشيد والامبراطور البيزنطي نقفور الأول (Nikephoros I، 760- 811م)، على البدء في عمليات تبادل الأسرى - التي كانت تسمى آنذاك "الأفدية" - التي عددها المؤرخ أبو الحسن المسعودي (283ه/ 896م - 346ه/ 956م) في كتابه التنبيه والإشراف، وأتى إلى ذكر خروج الجرمي في الفداء الثالث عام 231هـ/ 845م بوساطة خاقان الخزر، الذي كانت تربطه بالروم علاقة مصاهرة، عند نهر اللامس قرب مدينة مرسين التركية. ويروي أن رجلًا يُكنّى أبا رملة حضر الفداء من قبل أحمد بن أبي دؤاد (160-240هـ/ 776- 854م)، قاضي القضاة، وعدو أحمد بن حنبل، كان يمتحن الأسارى وقت المفاداة، فمن قال منهم بخلق القرآن ونفى الرؤية فودي به وأحسن إليه، ومن أبى تُرك بأرض الروم، فأبى مسلم أن ينقاد إلى ذلك، فنالته محن ومهانة إلى أن تخلَّص[5].
ڤاسيلي بارتولد
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مصدر عن بلاد الروم
يقول المسعودي إن للجرمي مصنفات في أخبار الروم وملوكهم، وذوي المراتب منهم، وبلادهم وطرقها ومسالكها، وأوقات الغزو إليها، والغارات عليها، ومن جاورهم من الممالك[6]، ولكن هذه المصنفات مفقودة اليوم، غير أن الاقتباسات التي حفظها ابن خرداذبة (205- 300هـ/ 820- 902م)، وقدامة بن جعفر (259-336هـ/ 873- 948م)، ومن نقل عنهما حفظت بعضها. يميل نفر من المستشرقين إلى أن كل ما ذكر في كتب الجغرافيين العرب الأوائل حول الدولة البيزنطية مصدره الجرمي، حتى إن المستشرق الروسي الشهير، ڤاسيلي بارتولد {{ڤاسيلي بارتولد: (Vasily Bartold، 1869- 1930) مستشرق ومؤرخ روسي، متخصص في تاريخ الإسلام وآسيا الوسطى. ألّف كتبًا مهمة مثل تركستان في عهد المغول، وأسهم في موسوعة الإسلام، ويُعدّ من أبرز الباحثين في التراث الإسلامي.}}، كان على قناعة بأن مادته تناقلها الجغرافيون المتأخرون جميعهم حتى القرن الثالث عشر في العالم الإسلامي بكامله دون أن يشيروا إلى مصدرها.
وللتدليل على أهمية الجرمي في الجغرافية العربية، يمكن الإشارة إلى أن الكثير من التسميات التي اعتمدها الجغرافيون والبلدانيون العرب والمسلمون ترجع إليه، ولا يُعلم مرجع قبله ذكر شعوب البرجان (هم بلغار الطونة)، والأبر (هم الأفار)، والبرغر (هم البلغار الغربيين)، والصقالبة (هم السلاڤ). ويرى المستشرق أغناطيوس يوليانوڤتش كراتشكوڤسكي (Ignaty Yulianovich Krachkovsky، 1883-1951) أن تسمية البحر الأسود بـ "بحر الخزر" هي من ابتكاراته، إذ درج الجغرافيون العرب بعده على هذه التسمية لقرون لاحقة[7].
ويمكن الجزم بأن الجرمي هو المصدر العربي الأقدم الذي تناول الجيش البيزنطي وتراتبيته العسكرية، وأعداد وحداته وأقسامها، وهو من ترجم المصطلحات البيزنطية العسكرية إلى العربية، فأخذها من أتى بعده كما هي.
ولم يحظَ الجرمي أيضًا من الأكاديميين والباحثين العرب بالعناية نفسها التي حظي بها من جانب المستشرقين الأوروبيين، كونه كتب عن المملكة البيزنطية – بصفته عدوًا - في واحدة من أدق مراحلها، حين كانت تهددها من الشمال شعوب وقبائل تشكل اليوم عماد سكان وسط وشرقي أوروبا. ويقدر المستشرقون الروس على وجه الخصوص عاليًا ما كتبه الجرمي وجغرافيو العرب في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، فمن من خلالها تتبعوا قصص نشأة شعوب لم يكتب عنهم سوى العرب، مثل الروس والأوكرانيين والبولنديين والبلغار والصرب، وغيرهم من الناطقين باللغات السلاڤية اليوم.
التقسيمات الإدارية
يعدد الجَرْمي بإسهاب ودقة بالغة التقسيمات الإدارية في الإمبراطورية البيزنطية وأسماءها في زمنه، وعدد الحصون فيها، ويذكر أربعة عشر عملاً يستطرد في تحديد حدودها من مختلف الجهات، منها ثلاثة أعمال شمالي بحر مرمرة ومضيق البوسفور (يسميهما الخليج)، أولها: عمل طافلا، وهو بلد القسطنطينية، وثانيها عمل تَراقيَة، وثالثها عمل مقدونية. ويقول إن عدد الأعمال جنوبي بحر مرمرة يبلغ أحد عشر عملًا: هي عمل أفلاجونِيَة، وعمل الأُفطيماطي، وفيه مدينة نُقموديّة، وعمل الأُبسيق، وفيه مدينة نيقية، وعمل ترْقسيس، وفيه من الحصون مدينة أفسيس، ويقول إنها مدينة أصحاب الكهف، وينقل ملخص حديثه مع محمد بن موسى الخوارزمي الذي وجهه الخليفة الواثق بالله لاستطلاع أمر أصحاب الكهف الوارد ذكرهم في القرآن الكريم[8].
ويتابع الجرمي تعداد أعمال بلاد الروم في زمنه، فيذكر عمل الناطُلُوس (الأناضول)، ويقول إنه أكبر أعمال الروم، وفيه مدينة عمّورية، وعمل خرسيون، وعمل البقلّار، وفيه مدينة أنقرة، ويليه عمل الأرمنياق، وفيه من الحصون قُلونِية، وعمل خَلديَة، وحدُّه أرمينية، وعمل سلوقية (الأصح لوقية) من ناحية بحر الشام إلى طرسوس واللاّمس، وعمل القبادق، وحدّه جبال طرسوس وأذَنَة والمصّيصة[9].
نقش خشبي يعود لعام 1493 لمدينة القسطنطينية، من كتاب تاريخ نورمبرغ
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
القسطنطينية وملكها
يقول الجرمي إن القسطنطينية مدينة الروم العظمى وحِرْزُهم، أي عاصمتهم، ويسمونها البذروم (Hippodrome)، أي ميدان الخيل، ويشير إلى أن نظام حكمهم ليس وراثيًا، بل هو غلبة للأقوى، وملكهم يدعى باليونانية "باسيلي (Basiliás)"، ولباسه الفرفير (Porfýrios) أي الأرجواني، ويقول إنه صنفٌ من الحرير فيه لمع إلى السواد قليلًا، ولا يلبس الفرفير والخف الأحمر إلَّا الملك. ويصف حاشية الملك باستفاضة، من حيث ألبستهم، وأسلحتهم، ومهماتهم، ويشير إلى أن حُجَّاب الملك يسلون سيوفهم على أبناء إسماعيل، أي العرب، ويقول: "ربما ضربوا الأسارى بالفؤوس والحجارة وألقوهم في الفرن وهو مستوقد نار"[10].
ويعدد الجرمي المراتب العسكرية البيزنطية بدقة بالغة، ويترجم رتب القادة من اليونانية، فيقول إن قادة الجيوش يسمون البطارقة، مفرد بطريق (Patricius)، ويذكر أن عددهم اثنا عشر بطريقًا لا يزيدون ولا ينقصون، وأن البطريق هو قائد عشرة آلاف رجل، وتحت إمرة كل بطريق طرماخان (Tourmarches)، والطرماخ رئيس خمسة آلاف، ومع كل طرماخ خمسة طرنجارين (Droungarios)، ودون كل طرنجار خمسة قمامسة (Komes)، ومع كل قومس خمسة قنطرخين (Kentarches)، ومع كل قنطرخ أربعة داقرخين (Dekarchos) والداقرخ هو قائد عشرة[11].
المراجع
ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي. لسان الميزان. تحقيق دائرة المعارف النظامية في الهند. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1971.
ابن خرداذبة، أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله. المسالك والممالك. بيروت: دار صادر، 1989.
البغدادي، أبو الفرج قدامة بن جعفر. الخراج وصناعة الكتابة. بغداد: دار الرشيد للنشر، 1981.
البَلَاذُري، أحمد بن يحيى. فتوح البلدان. بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1988.
الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي. تاريخ مدينة السلام وأخبار محدثيها وذكر قطّانها العلماء من غير أهلها ووارديها. حققه وضبط نصه وعلق عليه بشار عواد معروف. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2001.
كراتشكوڤسكي، أغناطيوس يوليانوڤتش. تاريخ الأدب الجغرافي العربي. ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم. مراجعة إيغور بليايف. القاهرة: الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، 1961.
المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين. التنبيه والإشراف. عني بتصحيحه ومراجعته عبد الله الصاوي. القاهرة: دار الصاوي، [د. ت.].
المقدسي، عبد الغني بن عبد الواحد. المحنة على إمام أهل السنة أحمد بن حنبل. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. الجيزة: هجر للطباعة والنشر، 1987.
[1] أحمد بن يحيى البَلَاذُري، فتوح البلدان (بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1988)، ص 195.
[2] أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، تاريخ مدينة السلام وأخبار محدثيها وذكر قطّانها العلماء من غير أهلها ووارديها، حققه وضبط نصه وعلق عليه بشار عواد معروف، مج 15 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2001)، ص 120-121.
[3] نقل عنه صاحب كتاب المحنة على إمام أهل السنة أحمد بن حنبل قوله: "كنت أسيرًا في بلاد الروم أيام المحنة، فبعث إلي ملك الروم ودعاني، فقال: ’أيش يقول صاحبكم (يقصد المأمون)؟‘، قلت: ’يزعم أن التوراة والإنجيل والقرآن مخلوق‘، فقال ملك الروم: ’كذب، هذا كله كلام الله عز وجل غير مخلوق‘". يُنظر: عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، المحنة على إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي (الجيزة: هجر للطباعة والنشر، 1987)، ص 59-60.
[4] أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، لسان الميزان، تحقيق دائرة المعارف النظامية في الهند، ج 6 (بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1971)، ص 32.
[5] أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي، التنبيه والإشراف، عني بتصحيحه ومراجعته عبد الله الصاوي (القاهرة: دار الصاوي، [د. ت.])، ص 162.
[6] المرجع نفسه.
[7] أغناطيوس يوليانوڤتش كراتشكوڤسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، مراجعة إيغور بليايف، القسم الأول (القاهرة: الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، 1961)، ص 137.
[8] أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة، المسالك والممالك (بيروت: دار صادر، 1989)، ص 105-108.
[9] أبو الفرج قدامة بن جعفر البغدادي، الخراج وصناعة الكتابة (بغداد: دار الرشيد للنشر، 1981)، ص 190-191.
[10] ابن خرداذبة، ص 109.
[11] المرجع نفسه، ص 111؛ البغدادي، ص 189.