عملية ميونخ، أو "عملية إقرت وكفر برعم"، هي عملية احتجاز رهائن إسرائيليين، نفذتها منظمة أيلول الأسود خلال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 1972، التي أُقيمت في مدينة ميونخ الألمانية في الفترة بين 26 آب/ أغسطس و10 أيلول/ سبتمبر، اقتحم فيها ثمانية فدائيين مقر البعثة الرياضية الإسرائيلية في الخامس من أيلول/ سبتمبر، واحتجزوا 11 رياضيًا إسرائيليًا، قُتل منهم اثنان خلال الاقتحام، وطالبوا بالإفراج عن عدد من الأسرى الفلسطينيين والأجانب في السجون الإسرائيلية. انتهت العملية بمقتل جميع المحتجزين وشرطي ألماني، واستشهاد خمسة من المنفذين، واعتقال بقيتهم، بعد إصابتهم بجروح.
خلفية العملية
مع خروج قوات الثورة الفلسطينية من الأردن، في نهاية عام 1971، التفت الاحتلال الصهيوني إلى جدوى الضغط على المحيط العربي للتحريض ضد المقاومة ومحاصرتها وإضعافها، فحاول تكرار تجربة
الأردن في لبنان، من خلال اعتداءاته المتكررة على الجنوب اللبناني التي بلغت ذروتها بالعدوان الذي شنّه على عشر قرى في القطاعين الأوسط والشرقي في جنوب
لبنان، بتاريخ 25 شباط/ فبراير 1972، احتلت خلاله قوات العدو منطقة
العرقوب، ودامت المعارك بينها وبين الفدائيين مدة أربعة أيام متواصلة، فقدت فيها المقاومة من 50 إلى 60 فدائيًا، وجُرح منهم مئة آخرون، إضافة إلى من فقدتهم في الاعتداءات السابقة[1]. نتيجة لذلك، بدأ ضباط من حركة فتح يبحثون عن سبيل لتنفيذ عمليات نوعية ضد الاحتلال، فتوجهوا إلى
صلاح خلف (أبو إياد) يعرضون عليه إنشاء فِرق خاصة من الفدائيين تعمل تحت قيادته المباشرة، فطلب منهم أن يتجهّزوا إلى حين الاتصال بهم. في هذا الوقت، كان صلاح خلف ومحمود عباس (أبو مازن) وأبو داود قد توصلوا، بعد نقاشات بينهم، إلى ضرورة توسيع النطاق الجغرافي لضربات الفدائيين، فقرروا تأسيس مجموعة لمحاربة الموساد الإسرائيلي في أوروبا. وبالفعل، بدأت تحركاتهم لتجنيد عملاء مزدوجين، وشراء الأسلحة اللازمة، وإنشاء معسكرَي تدريب، أحدهما في مدينة
صيدا في لبنان، والآخر في
ليبيا[2].
استمرت الاعتداءات الإسرائيلية، فشُنّت غارات عنيفة على قواعد الفدائيين في لبنان، ونُفذت عمليات اغتيال، أبرزها عملية اغتيال
غسان كنفاني مع ابنة شقيقته لميس نجم في الثامن من تموز/ يوليو[3]، فاقترح أبو داود توسيع دائرة الاستهداف في العمليات المزمع تنفيذها، فلا تقتصر على عملاء الموساد، نظرًا إلى طبيعة الاعتداءات والاغتيالات التي ينفذها الاحتلال ضد الفلسطينيين، بلا تفريق بين عسكري أو مدني، وصادف في ذلك الوقت أن رفضت اللجنة الدولية للألعاب الأولمبية طلبين لمنظمة التحرير الفلسطينية إشراك الرياضيين الفلسطينيين في الدورة الأولمبية العشرين التي ستُقام في مدينة ميونخ في أواخر آب/ أغسطس من العام نفسه، فأوحى ذلك لفخري العمري بفكرة اقتحام الحرم الأولمبي، واحتجاز أعضاء البعثة الرياضية الإسرائيلية الذين هم بطبيعة الحال عسكريون. أيّد أبو داود الفكرة، ووافق عليها أبو إياد، مع إضافة مقترح تحرير عدد ملائم من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال مقابل المحتجزين، مستحضرين أيضًا فكرة الاستفادة من الحضور الكبير لوسائل الإعلام الدولية لتسليط الضوء على القضية الفلسطينية. وفي حين كُلف أبو داود باستطلاع القرية الأولمبية في مدينة ميونخ، الواقعة في طريقه إلى مدينة صوفيا التي سيزورها لإتمام صفقة الأسلحة مع شركة كنتيكس، تكفل صلاح خلف بمسألة إعلام أبو مازن باتفاقهم، لترتيب الأمور المالية اللازمة لتغطية العملية. واتفق الاثنان، أبو داود وصلاح خلف، أن يلتقيا بعد أسبوع في أثينا لمناقشة التفاصيل[4].
صلاح خلف (أبو إياد)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
واجه أبو داود بعض العقبات في جولته، ولم يتمكن من استطلاع القرية الأولمبية كما يجب، بسبب كثرة الأشغال فيها، فقرر متابعة طريقه إلى بلغاريا، ثم توجه إلى اليونان للقاء صلاح خلف بحسب الاتفاق، وأعلمه بالمشكلات المتعلقة بصفقة الأسلحة، فتولى أبو إياد مسألة الصفقة إلى أن تمت، وطلب من أبو داود أن يعود إلى ميونخ لاستكشاف القرية الأولمبية مرة أخرى، وأعلمه أنه سيرسل إليه فخري العمري وأحد ضباط العاصفة الذين سيتولون الإشراف على تنفيذ العملية لملاقاته هناك[5].
في ميونخ، التقى أبو داود فخري العمري والضابط
محمود نزال (يوسف نزال)، الملقب بـ "تشي". وعلى الرغم من أن الأعمال كانت لا تزال جارية في موقع القرية، تمكّن ثلاثتهم من دخولها ومعاينتها، ودرسوا الطرق المؤدية إليها، والفنادق القريبة منها، والمطاعم والمقاهي المحيطة بها. وكان أهم ما اكتشفوه في هذه الزيارة أن القرية مسيّجة بسياج معدني يتعيّن على الفدائيين اجتيازه للوصول إلى أي موقع داخلها. ووضع أبو داود ومحمود نزال تصورًا مبدئيًا لخطة العملية، تمثّل في تسلل الفدائيين إلى القرية الأولمبية بملابس رياضية، كما لو كانوا أعضاء في إحدى البعثات المشاركة، عائدين إلى مسكنهم بعد قضاء سهرة في المدينة. وقدّروا أن عشرة فدائيين مسلحين ببنادق هجومية أ. ك. 47، وقنابل يدوية، يكفون لاحتجاز الرياضيين الإسرائيليين الذين يُقدّر عددهم بخمسة عشر لاعبًا، مع عدد مماثل من المدرّبين والحُكّام والمسعفين. واقترح نزال أن العملية قد تتطلب عددًا إضافيًا من الفدائيين، تحسبًا لأي طارئ قد يطرأ خلال فترة الإعداد والتدريب. بذلك انتهت مهمة الثلاثة، فسافر فخري العمري ومحمود نزال إلى ليبيا، ليلتقوا الفدائيين المختارين في معسكر التدريب هناك، بينما توجه أبو داود إلى بيروت[6].
التخطيط للعملية
مرة أخرى، اجتمع أبو داود وصلاح خلف وفخري العمري، وناقشوا تفاصيل العملية؛ عدد المنفذين الذي قُدّر بـ 12 إلى 14 فدائيًا، يتولى اثنان منهم الإشراف على التنفيذ، والسلاح الذي قُدّر بـ 12 إلى 14 رشاش كلاشنكوف، و20 قنبلة، ومتفجرات احتياطية، وجهاز إرسال واستقبال. كما ناقشوا صيغة بيانَي العملية، ومطالبها، وأسماء الأسرى الذين سيُفرج عنهم مقابل المحتجزين الإسرائيليين، وجُهّزت جوازات السفر الأردنية المزوّرة التي سيستخدمها المنفذون للدخول إلى ألمانيا. أما التنفيذ فوُضعت له سيناريوهات عدة، تفصلّها الوثائق كما يلي:
محمد داوود عودة (أبو داوود) (في الوسط)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
السيناريو الأول: يقتحم الفدائيون المبنى، ويسيطرون عليه كاملًا، ويجمعون المحتجزين في المطعم أو إحدى القاعات، ثم يخرج أحد المشرفين على التنفيذ ويعلن مطالبهم، وفي الوقت نفسه تكون هذه المطالب قد طُبعت ووُزّعت في جميع أنحاء العالم، وتتمثل في الإفراج عن عدد من الأسرى الفلسطينيين والأجانب، يُضاف إليهم قائمة المئة أسير الذين طالب منفذو عملية اللد بالإفراج عنهم، وكذلك الإفراج عن
تيريز هلسة وريما طنوس اللتين شاركتا في تنفيذ عملية اختطاف طائرة الرحلة 571 التابعة لشركة سابينا، بتاريخ 8 أيار/ مايو 1972، والفدائي الياباني كوزو أوكاموتو الذي شارك في عملية
مطار اللد، بتاريخ 30 أيار/ مايو 1972، وستة ضباط سوريين ولبنانيين اعتقلتهم سلطات الاحتلال في حزيران/ يونيو من العام نفسه. وأن يُنقلوا جميعًا، خلال 10 ساعات، إلى أي عاصمة عربية، باستثناء عمّان وبيروت، ثم يأتي سفير تلك الدولة التي وصل إليها الأسرى المحررون، ومعه سفيران عربيان، ليقدّموا الضمانات اللازمة بوصول الأسرى سالمين، وخروج المنفذين بأسلحتهم إلى العاصمة نفسها التي نُقل إليها الأسرى.
السيناريو الثاني: يقتحم الفدائيون ميدان العرض، ويهاجمون أعضاء البعثة الإسرائيلية، فيقتلون أكبر عدد ممكن منهم، ويحتجزون أفرادًا للحماية، ثم يستغلون أي فرصة هيجان للجماهير ويختفون بينهم.
السيناريو الثالث: يقتحم الفدائيون مسكن البعثة الإسرائيلية، ويحتجزون ما يمكنهم احتجازه منهم، أو يُجْهِزون على من فيه.
السيناريو الرابع: يُنسف المبنى بأكبر قدر ممكن من المتفجرات.
كما وُضعت خطة بديلة، في حال القبض على المنفذين ومحاكمتهم، تتمثل في اختطاف مسؤول ألماني أو عدد من الشخصيات الألمانية المهمة، والمساومة عليهم بعد انتهاء المحاكمة[7].
ومن بين هذه السيناريوهات اعتُمدت الخطة التي نقلها أبو داود، واستقر عدد منفذيها على عشرة فدائيين، تقلص لاحقًا إلى ثمانية، بسبب مشكلة طرأت خلال التدريب، واتُفق على المطالبة بنقل الأسرى الفلسطينيين المراد تحريرهم على ثلاث طائرات إلى دول يحددونها، وإذا لم تستجب الحكومة الإسرائيلية لمطالب المنفذين، يطالبوا بالسفر مع المحتجزين إلى مصر، أو أي بلد آخر يختارونه، ويحتجزوهم هناك إلى أن يقبل الاحتلال بمبادلتهم بالأسرى الفلسطينيين والأجانب الذين دُوّنت أسماؤهم في القائمة التي أضاف إليها أبو داود اسمَي ألمانيتين مناصرتين للقضية الفلسطينية هما أولريكه ماينهوف وأندرياس بادر، المعتقلتين في السجون الألمانية، بغرض إحراج الحكومة، فكان مجموع الأسماء المدونة فيها، بحسب ما يذكر أبو داود، 236 اسمًا[8]، أما قائمة الأسماء المرفقة مع بيان المنظمة المنشور باللغة الإنكليزية المحفوظة في أرشيف صلاح خلف فتضم 327 اسمًا، من بينها الأسماء المشار إليها من منفذي عمليتَي مطار اللد الأولى والثانية، والضباط السوريين واللبنانيين[9].
الإعداد والتحضيرات
سافر أبو داود إلى ميونخ بتاريخ 24 آب/ أغسطس، ثم توجه إلى فرانكفورت ليلتقي أبو إياد الذي تقرر أن يتولى بنفسه مهمة نقل الأسلحة إلى ألمانيا. وصل أبو إياد ومعه التاجر علي أبو لبن وسيدة تُدعى جولييت، وتسلموا حقائبهم التي كانت اثنتان منها تحتوى على ست بنادق من نوع كلاشنكوف، واثنتين من نوع كارل - غوستاف، وتمكّنوا من اجتياز الجمارك. حصل أبو داود على حقيبتَي الأسلحة، وأودعهما في خزانتَي ودائع استأجرهما في محطة قطار ميونخ، ثم حين وصلت حقيبة القنابل اليدوية بعد يومين أودعها في خزانة ثالثة[10].
خلال هذه الفترة، تمكّن أبو داود وسيدة فلسطينية تُدعى سهام من التسلل إلى القرية الأولمبية، لكنهما لم يتمكّنا من الدخول من البوابة الرئيسة، فتوجها إلى مدخل خلفيّ يستخدمه الرياضيون للذهاب إلى جلسات التمرين في القاعات والملاعب المقامة خارج حدود القرية، وسارا بمحاذاة الطريق المقابل للمبنى رقم 31 الذي يضم البعثة الإسرائيلية وبعثتَي الأورغواي وهونغ كونغ. ولمّا كان المبنى الذي تقيم فيه البعثتين السعودية والسودانية مشابه لذاك المبنى، قررا تفحّصه من الداخل، فاستأذنا ساكني المبنى لاستطلاعه، وتجولا في غُرَفه وشرفاته، وبعد خروجهما منه مرّا أمام سكن أعضاء البعثة الإسرائيلية، فاتضح أنهم يقيمون في ست شقق، كُتب على اللوحة الخاصة بكل واحدة منها أسماء المقيمين فيها، أحصى منها أبو داود 21 اسمًا[11].
في اليوم الثاني، كرر أبو داود زيارته للقرية، رفقة المشرفَيْن على العملية،
محمد مصالحة (المسؤول السياسي) ومحمود نزال (المسؤول العسكري)، لمعاينة سكن البعثة الإسرائيلية، وفي أثناء ذلك صادفوا سيدة إسرائيلية تخرج من مقر البعثة، فأخبروها أنهم برازيليون يحلمون بزيارة إسرائيل، وطلبوا إليها أن تزودهم بكرّاسات دعائية عن بلادها، وأعلام صغيرة يهدونها لأطفالهم. استجابت السيدة، وطلبت إليهم أن يلحقوا بها، فدخلت وتبعوها إلى قاعة الطعام، ثم دعتهم إلى دخول إحدى شقق الطابق الأرضي، فتبيّن أن الشقق الأرضية مفتوحة على الطبقة العليا بدرج داخلي ومصعد، وموصولة بالقبو بسلم آخر، وإحدى غرفها تُفضي إلى الحديقة الخلفية للمبنى، ولا يوجد ممرات تصل بين الشقق الأخرى، أي إن جميع الشقق في الطبقتين لا بد من دخولها من الخارج. كما تبيّن لهم أن كل غرفة يقيم فيها اثنان من أعضاء البعثة، وفي الشقة الكاملة يقيم ستة أو سبعة منهم. وتقرر نتيجة لهذه الجولة أن تكون الشقة التي زاروها أول ما سيسيطر عليه الفدائيون، لأنها معزولة، ثم ينتقلون منها إلى بقية الشقق من الخارج.
مع نهاية عملية الاستطلاع، اتصل أبو داود بعاطف بسيسو في بيروت، بتاريخ 31 آب/ أغسطس، وطلب إليه إبلاغ فخري العمري بجهوزيتهم واستعدادهم لاستقبال الفدائيين الستة، وتقرر تنفيذ العملية بعد أربعة أيام من هذا التاريخ. في هذا الوقت، وبعد تسلم أبو داود نصوص البلاغات وقائمة الأسرى الفلسطينيين الذين سيطالبون الحكومة الإسرائيلية بالإفراج عنهم، أعلم المشرفَيْن على العملية بتفاصيل المفاوضات التي ستتبع احتجاز اللاعبين، ونبّههم إلى ضرورة الالتزام بمعاملة المحتجزين معاملة جيدة، وعدم إراقة دمائهم، ما لم يضطروا إلى استخدام القوة دفاعًا عن أنفسهم، وفي حال انتهاء المهلتين الأولى والثانية اللتين سيمنحونهما للحكومتين الإسرائيلية والألمانية لتنفيذ مطالبهم، يستطيع المنفذون تأجيل تهديداتهم بقتل المحتجزين إلى أبعد حد ممكن[12]. ثم أرسل أبو داود رسالة مشفرة إلى صلاح خلف، يعلمه فيها بتفاصيل زيارتَيه الأولى والثانية للقرية الأولمبية، مشيرًا إلى إمكانية الوصول إلى سكن البعثة الإسرائيلية، على الرغم من السياج المحيط بالقرية، ويصف موقع المسكن وإطلالته وعدد ساكنيه، بل يحدد أيضًا المدة المتوقعة لتنفيذ العملية بنحو عشر ساعات، ويطمئنه على سير الأمور وأن لا حاجة لحضوره[13].
المنفذون؛ وصيتهم ودوافعهم
نفّذ عملية ميونخ ثمانية فدائيين من منتسبي
منظمة أيلول الأسود، جميعهم من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، باستثناء المشرفَيْن عليها، محمد مصالحة ومحمود نزال (يوسف نزال). أما بقية المنفذين، فهم:
خالد محمد جواد، وعدنان عبد الغني الجشي، وجمال خليل الجشي، ومحمد الصفدي، وعفيف أحمد حميد، ويوسف فرج مناع.
خضع الفدائيون الثمانية لتدريب عسكري مكثّف في معسكر تدريبي في ليبيا، استمر مدة شهر تقريبًا، شمل التدرب على أنواع مختلفة من الأسلحة، وتسلّق الحواجز المرتفعة، ثم سافروا إلى ألمانيا، بتاريخ 4 أيلول/سبتمبر 1972، كل اثنين منهم على حدة، ووُزّعوا على فنادق متفرقة[14]. وبعد وصولهم، وُزّعت عليهم حقائب رياضية، تحتوي كل واحدة منها بندقية، ومخازن رصاص، وقنبلة أو اثنتين، وبعض المؤن، ورُتب لهم لقاء مع أبو داود، بوصفه برازيليًا يدعم الثورة الفلسطينية، في الساعة التاسعة مساء، في مطعم محطة القطار، أُعلموا خلاله بتفاصيل العملية[15]. ثم قرروا في الساعة العاشرة، كتابة وصية جماعية يوضحون فيها دوافعهم لتنفيذ العملية، ويوجهون كلمة إلى الرأي العام العالمي، وإلى أهلهم ورفاقهم من بعدهم. بدأت الوصية بسؤال طرحوه على أنفسهم حول ردود الفعل المتوقعة على العملية، أجاب عنه محمد مصالحة بقوله إن ذلك يتوقف على ثباتهم ونجاحهم في إبراز الهدف الإنساني للعملية، موضحًا: "نحن لسنا قتلة ولا قُطّاع طرق، نحن مضطهدون، لا نملك أرضًا ولا نملك وطنًا، ليس لنا هُوية ولا جواز سفر، ليس لنا ما نخاف عليه، وليس لدينا ما نخاف منه، لقد صمتنا أكثر من ثمانية عشر عامًا ونحن نتسول الرحمة والشفقة والعطف، كل ما أعطونا إياه إغاثة المستضعفين، وإعانة الشتاء والصيف. أما الوطن والأرض، فهي لعدونا يمرح ويسرح [فيها]، إلى أن حملنا البندقية، وشعرنا بإنسانيتنا، فتآمروا علينا". وطُرح سؤال آخر حول احتمالية استجابة حكومة الاحتلال لمطالبهم، وكان جواب مصالحة: "لا أعتقد، لكننا سنجبرها هذه المرة على أن تعرف أننا جادون، وأننا سننفذ خطتنا كاملة، وأن أكبر ضمان لنجاح خطتنا أننا بعنا حياتنا منذ اللحظة [التي] دخلنا بها صفوف الثورة، ومن باع حياته من أجل هدفه لا بد أن ينجح، ولا بد أن ينتصر".
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كما ذكروا في الوصية أنهم لا يستهدفون ممثلي الشعوب المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية، ولا الشعب الألماني "الذي نتطلع إلى وحدته وتطلعه إلى التخلص من الاستعمار والإمبريالية المتحكمة في بلاده. ونحن لسنا ضد أي شعب في العالم، ولكننا في نفس الوقت نتساءل، وذلك من حقنا، لماذا يحتل الوفد الإسرائيلي مكاننا في هذه الدورة؟ لماذا يُرفع علم الاحتلال القائم على الإرهاب والتعسف جنبًا إلى جنب مع كل أعلام دول العالم، وعَلَمُنا غائب عن الدورة، والعالم كله يلهو ويتفرج ونحن نعاني؟". وكذلك وضّحوا أنهم لا يبتغون من هذا العمل الثوري تدمير العالم وتعكير السلام، وإنما إظهار حقيقة "الدور البشع الذي يمثّله الاحتلال الصهيوني على بلادنا، وحقيقة المأساة التي يعيشها شعبنا"، و"ضرب كل المصالح الاستعمارية والإمبريالية في العالم، والذي يرمي إلى فضح العلاقات الإمبريالية الصهيونية علنًا، وحتى يعرف شعبنا، وتعرف أمتنا العربية والجماهير الثورية في العالم، من هي إسرائيل ومن هم مناصروها". وكذلك "إجبار المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حتى تتنبه إلى مغبّة تماديها في إهمال حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، سواء من هم في حالة الشتات والتشرد الإجباري والقهري"، أو من هم تحت نير الاستعمار الصهيوني، و"استنهاض الفلسطينيين والأمة العربية لتتحرك وتوجه بنادقها باتجاه العدو المحتل لتحرير الأرض".
وناشد المنفذون في وصيتهم أحرار العالم أن يتفهموا أسلوبهم الثوري، مؤكدين أنهم جزء من الثورة الفلسطينية التي هي بدورها جزء من حركة التحرر العربي، وأوصوا "ألا تُلقى البناق الفلسطينية، مهما كان التآمر، ومهما كان التعسف، ومهما كانت صعوبة الطريق. كما نوصي الأمة العربية أن تتحرك بنادقها، ويتحرك رجالها، فليس بغير القتال، والقتال وحده، وليس بغير الموت، والموت وحده، وليس بغير الدماء، والدماء وحدها، يتحرر الوطن وتتحرر الأرض". وختموا وصيتهم بالإشارة إلى أنهم تركوا معها خمسمئة دولار وسبعة وثلاثين ماركًا كانوا قد وفروها للثورة[16].
اقتحام ومطالب ومفاوضات
انتهى لقاء الفدائيين مع أبو داود في الساعة الثانية والنصف فجرًا، فسلّموا وثائقهم الثبوتية، وتوجهوا مباشرة إلى القرية الأولمبية، حيث مرّوا على الحارس، والقوا عليه التحية، ثم صادفوا السياج، وفي هذا الوقت ظهر رياضيون أميركيون يبدو أنهم كانوا عائدين إلى مساكنهم داخل القرية، وشاهدوهم يتسلقون السياج، فقرروا أن يختلطوا بهم ويفعلوا مثلهم، فتعاونوا على اجتيازه[17]، وتوجهوا بعدها مباشرة إلى المبنى رقم 31، قرعوا جرس الشقة الأولى، ففُتح الباب، وحين حاول أول من التقوه منعهم من الدخول، أُطلقت عليه رصاصة فأصابته برقبته، ثم اقتحموا الشقة، واحتجزوا ستة أفراد من البعثة كانوا فيها، ثم أخذوا المصاب ليدلّهم على موقع الشقة الثانية التي يقيم فيها أعضاء آخرون من البعثة، فدلّهم على المكان، واحتجزوا المجموعة الثانية، فصار مجموع المحتجزين 11 شخصًا[18]، منهم ثلاثة مدربين، هم: مدرب الرماية أندريه سبيتزر، ومدرب المصارعة يوسف جوفروند، ومدرب الألعاب الرياضية اميتزور شابيرو. ومنهم أيضًا المصاب الذي مات قبل وصوله إلى المستشفى، ويُدعى موشيه مومينو واينبرج[19]، وقتيل آخر يُدعى جوزيف رومانو، عُثر على جثته في الصباح خارج شقته[20].
سيطر الفدائيون على طبقتين من المبنى، وأذاعت منظمة أيلول الأسود البيان الأول للعملية الذي تضمن مطالبهم بالإفراج عن قائمة الأسرى الفلسطينيين والعرب والأجانب في سجون الاحتلال، وحدد البيان هذه المطالب بخمسة بنود، نصها:
- "أن تفرج دولة الاحتلال الصهيوني (إسرائيل) عن القائمة المرفقة بهذا البيان من الأسرى الفلسطينيين وغيرهم، والذين يعامَلون أسوأ معاملة داخل سجونها.
- أن يُنقل الأسرى على أية طائرة غير إسرائيلية إلى أي عاصمة عربية، باستثناء
عمّان [...] وبيروت لأسباب أمنية.
- في حالة وصول الأسرى المطلوبين إلى أي عاصمة عربية، وتأكد المنظمة من ذلك، يجري التفاوض مع الحكومة الألمانية، بواسطة أي جهة مباشرة أو غير مباشرة، لتسليمها الأسرى، وخروج أعضاء المنظمة من الأراضي الألمانية، بما يحفظ سلامتهم.
- أي محاولة من قبل الحكومة الألمانية لاقتحام المبنى أو استخدام أي أسلوب لإفشال الهدف الإنساني لعمليتنا يعني الإجهاز على الأسرى الإسرائيليين، وتتحمل الحكومة الألمانية المسؤولية التامة حينئذٍ، كما أن مصالحها ستكون هدفًا رئيسيًا لنا في المستقبل.
- لسنا على استعداد للدخول في أي مفاوضات حول طلبنا، وعند انتهاء مدة الإنذار، ورفض إسرائيل له، أو المراوغة ومحاولة الخديعة، فإننا سننفذ خطتنا بشأن الأسرى كاملة، لتتحمل إسرائيل ثمن غرورها".
وطلبت المنظمة في بيانها تنفيذ هذه المطالب خلال 12 ساعة، وإلا فإن الحكومة الإسرائيلية تتحمل مسؤولية ما سيحدث بعدها في حال عدم استجابتها[21]. وسلّم منفذو العملية قائمة أسماء الأسرى المطلوب الإفراج عنهم لأحد أعضاء لجنة الألعاب الأولمبية.
حاصرت الشرطة الألمانية المبنى، وكمنت قوات الأمن في محيط القرية، فحذّرهم الفدائيون من تنفيذ أي هجوم مباغت، وطلبوا منهم الانسحاب، وهددوا بإطلاق النار، فاستجابت الشرطة وانسحبت، لكنها تركت عددًا من عناصرها على مسافة قريبة من شقق البعثة الإسرائيلية. وتوجه إلى موقع العملية وزير الداخلية الألماني والسفير الإسرائيلي في ألمانيا، لوي بون، وممثل
جامعة الدول العربية، للتفاوض مع المنفذين الذين ما لبثوا أن ألقوا من نافذة مقر البعثة الإسرائيلية بيانًا موجهًا إلى الحكومة الألمانية، تضمّن إجراءات خروج المنفذين وتسليم الرهائن، بعد تنفيذ الحكومة الإسرائيلية مطالبهم[22]، جاءت في ثلاثة بنود، نصها:
- "يخرج ثوارنا بأسلحتهم إلى مطار ميونخ، ومعهم عدد من الأسرى الإسرائيليين، بحيث تكون هناك طائرة جاهزة تتوجه إلى الجهة التي يحددها ثوارنا، ثم بعدها تسلم منظمتنا الأسرى إلى السلطات الألمانية في المطار، على ألا يغادر طاقم الطائرة الألمانية أمكنتهم.
- بعدها تُقلع الطائرة إلى المكان الذي يطلب منها الثوار، وتضمن المنظمة عودتها سالمة.
- أي محاولة لإفشال العملية من قبل الحكومة الألمانية، أو من غيرها، تعني القضاء على الأسرى الموجودين في الطائرة، وعلى طاقم الطائرة، ويعني أيضًا أن منظمتنا سوف تنتقم من الحكومة الألمانية وتحاربها بمختلف السُبل"[23].
ويُشار إلى أن المنظمة قد نشرت أيضًا بيانًا توضيحيًا، بيّنت فيه دوافع العملية، تضمن جزء منه ما ورد في وصية المنفذين، إضافة إلى أن الاحتلال الصهيوني لا يملك الحق في المشاركة بالدورة الأولمبية، فهو الاحتلال الذي "طبّق، ولا زال يطبّق، أفظع أشكال القهر لشعبنا، بكل الوسائل اللاإنسانية المتسمة بالعسف والتعذيب والاستغلال. إنه نفس الاحتلال الذي محا عن وجه الأرض قرى ومدن فلسطينية بكاملها وبمن فيها، وهو نفس الاحتلال الذي زجَّ في السجون بآلاف من شعبنا، وهو نفسه الذي نسف منازل المدنيين دون أي وجه حق، وهو نفس الاحتلال الذي أخضع مناضلينا المعتقلين لعمليات استجواب وتحقيق همجية، تخللتها عمليات التعذيب الوحشية"[24].
انتهت المهلة التي حددها المنفذون، ولم تستجب الحكومة الصهيونية، بل تركت الأمر إلى السلطات الألمانية التي وسّطت بدورها السفير التونسي محمود المستيري، لتمديد المهلة، ووعدت السلطات، ممثَّلة بوزير الداخلية الألماني، هانز ديتريش غينشر (Hans-Dietrich Genscher)، ووزير الداخلية البافاري برونو ميرك (BrunoMerck)، ورئيس الشرطة في ميونخ مانفريد شرايبر (Manfred Schreiber)، بتنفيذ طلبات المنفذين، بعد منحهم مزيدًا من الوقت، فوافقوا[25].
انتهت المهلة الثانية، فعرضت السلطات الألمانية على المنفذين مبلغًا مفتوحًا من المال مقابل تسليم الرهائن، لكنهم رفضوا وأصرّوا على مطالبهم بالإفراج عن المعتقلين. ولمّا لم تستجب الحكومة الإسرائيلية لمطالب المنظمة، قدّم المنفذون عرضًا للسلطات الألمانية، تمثّل في أن تهيئ لهم ثلاث طائرات مدنية تنقل كل واحدة منها مجموعة من الرهائن والفدائيين إلى أماكن يختارونها، على دفعات، في أي بلد آخر غير ألمانيا تستجيب لمطالبهم، مع تعهد المنفذين بعودة الطائرات سالمة والمحافظة على الرهائن. وحددوا لتنفيذ هذا العرض مدة محددة غير قابلة للتمديد[26]. وكان في نية الفدائيين أخذ الطائرات إلى تل أبيب، والمفاوضة على الأسرى الفلسطينيين هناك[27].
وقد ضم البيان الذي أصدرته المنظمة في هذا الاقتراح خمسة شروط، نصها:
- "أن تعلن الحكومة الألمانية استعدادها لنقل الأسرى مع ثوارنا إلى منطقة يختارها الثوار.
- أن تجهز ثلاث طائرات ينتقل على الأولى دفعة من الأسرى والثوار، حتى يصلوا إلى المكان المعيّن، وعندما يصلون تخرج الدفعة الثانية، ثم الدفعة الثالثة والأخيرة.
- أي محاولة لإحباط أو مهاجمة العملية يعني الإجهاز على كل الأسرى أينما وُجدوا، وتتحمل الحكومة الألمانية أو غيرها مسؤولية ما يحدث.
- مدة هذا الإنذار بالموافقة على الخطة أو عدمها ثلاث ساعات، بعدها تتحمل الحكومة الألمانية مسؤولية ما يحدث.
- عند انقضاء مدة الإنذار الثاني، فإن المنظمة سوف تضطر إلى استخدام أقسى وأعنف الأساليب لتحطيم الصلف والغرور الذي يتحكم في عقلية حكّام إسرائيل والحكومة الألمانية"[28].
جددت الحكومة الألمانية خلال المهلة الجديدة عرضها المال مقابل الرهائن، وأمام إصرار المنفذين عرضت انتقال المنفذين مع وزير الداخلية ومدير الشرطة وبعض المسؤولين الألمان في ثلاث طائرات هليوكوبتر تنقلهم إلى المطار المدني، ومن هناك يخرج جميع الرهائن مع المنفذين في طائرة واحدة تسهيلًا للمهمة، فاستجاب المنفذون، مع اشتراط عدم حمل المسؤولين أي نوع من الأسلحة[29].
أُحضرت سيارتان، إحداهما عسكرية مغلقة، فخرج فدائيان لفحصهما، ثم خرج المحتجزون بحراسة الفدائيين وركبوا السيارتين اللتين نقلتاهم إلى حيث هبطت طائرات الهليوكوبتر في موقع قريب من مقر البعثة، فتوزّع الفدائيون ومعهم المحتجزين على طائرتين؛ ركب في الأولى جميع المحتجزين وبعض الفدائيين، وفي الثانية ركب بقية الفدائيين والملّاحين الألمان، أما الثالثة فأقلّت وزير الداخلية الألماني ومدير الشرطة وبعض العسكريين، وكان معهم إسرائيليان يتنكران بهيئة شخصيتين ألمانيتين بلباس مدني، وكان من المفترض أن تتوجه الطائرات الثلاث إلى المطار المدني المتفق عليه[30].
حلَّقت الطائرات مدة نصف ساعة، على الرغم من أن المسافة بين القرية الأولمبية والمطار المدني تحتاج لقطعها باستخدام السيارة إلى ما لا يزيد على 15 دقيقة، فأدرك المنفذون أن كمينًا سيستقبلهم عند هبوط الطائرات، وقرروا خوض معركة انتحارية في حال تعرّضوا لمحاولة غدر. وما كاد يظهر أمامهم مطار فورستنفيلدبروك العسكري، التابع لحلف شمال الأطلسي، حتى تأكدوا من المكيدة. هبطت الطائرات، وخرج منها اثنان من المنفذين، وتوجها إلى الطائرة المدنية التي كانت بانتظارهم، للتحقق من خلوها من الأسلحة، وما كادا يصعدان إلى الطائرة حتى اكتشفا وجود قناصة ألمان مختبئين خلف المقاعد، فعادا أدراجهما ليفاجآ في أثناء ذلك بانطفاء أنوار المطار، ثم بدأت الكمائن الألمانية تطلق النار عليهم من كل اتجاه، وخرجت الدبابات الألمانية من كمائنها، ففجّر فدائيان كانا مع الرهائن طائرتَي الهليوكوبتر، وبدأ الاشتباك الذي شارك فيه جنود من قوات حلف شمال الأطلسي الذين كانوا يحرسون المطار. استمرت المعركة أكثر من ساعة، وانتهت بمقتل المحتجزين التسعة، وشرطي ألماني، واستشهاد خمسة من منفذي العملية، واعتقال الثلاثة المتبقين بعد إصابتهم[31]، وهم: محمد الصفدي، وعدنان الجشي، وجمال الجشي[32]. وبحسب تصريحات مسؤول في منظمة أيلول الأسود، فإن السلطات الألمانية باشرت التحقيق مع المعتقلين من منفذي العملية، قبل أن تقدّم لهم العلاج اللازم، وبدورها طالبت المنظمة بتسليم جثامين الشهداء الخمسة الذين قضوا في العملية، ونقلهم إلى أي عاصمة عربية باستثناء عمّان[33].
صورة متداولة لأحد منفذي عملية ميونخ لدى اقتحامه القرية الأولمبية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
التغطية الإعلامية
لاقت العملية صدى واسعًا في الصحافة العربية والعالمية التي تابعت تفاصيلها منذ ساعاتها الأولى، لكن التقارير حول ما آلت إليه الأمور تضاربت، إذ أذاعت وسائل الإعلام الألمانية في الساعة الثانية من صباح الأربعاء خبرًا مفاده أن العملية انتهت بمثل ما انتهت عليه عملية مطار اللد، وأن الرهائن قد نجوا بينما قُتل جميع المنفذين، فنام الإسرائيليون، وكثيرون غيرهم، وهم يظنون أن عملية إنقاذ المحتجزين قد نجحت، لكنهم استيقظوا في الساعة السادسة من صباح اليوم الذي تبعه على التفاصيل التي أذاعها الراديو الألماني حول المعركة التي قال إنها استمرت ساعتين ونصف الساعة، وخبر مقتل الرياضيين الإسرائيليين، بعد تفجير الطائرتين، وبدوره قطع راديو إسرائيل بثّه المعتاد ليذيع بيان الحكومة الإسرائيلية عن العملية الذي أُعلنت فيه مقتل جميع المحتجزين[34].
ردود الفعل الدولية
على خلفية العملية، شدّدت الحكومة الألمانية الاتحادية حراساتها على المنشآت اليهودية والإسرائيلية في ألمانيا[35]، ومن جهة أخرى طردت 15 عربيًا من أراضيها، وألّفت لجنة لمكافحة الإرهاب، شنّت من خلالها حملة كراهية ضد العرب، كما باشرت تدريب فرقة كوماندوز لملاحقة من أسمتهم بالإرهابيين. وكذلك شنّت حملة ضد العرب خارج أراضيها، باسم "مكافحة الإرهاب"، زوّدت فيها البلدان الأوروبية بما لديها من معلومات لملاحقة "الإرهابيين"، واقترحت تشكيل شرطة دولية للتعامل مع القضايا المشابهة ذات الخلفيات السياسية[36]. أما الحكومة الإسرائيلية، فحمّلت الدول العربية مسؤولية العملية، وهددت الدول الداعمة للمنظمات الفدائية، ووعدت بتصفية حساباتها معهم. ونشرت الصحافة الإسرائيلية مطالبات بالانتقام من تلك المنظمات[37].
على الصعيد الدولي، استنكر السكرتير العام للأمم المتحدة، كورت فالدهايم (Kurt Waldheim)، العملية[38]، كذلك استنكرتها الولايات المتحدة الأميركية بشدة، وأجرى الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون (Richard Nixon) مكالمة هاتفية مع رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير معزيًا، ووصف الفدائيين بـ "المجرمين الدوليين"، وأرسل برقية أعلن فيها "أن حمّام الدم في ميونخ كان كارثة لجميع شعوب وأمم العالم"[39]، وقبل نهاية أيلول/سبتمبر، قدّم وزير الخارجية الأميركي، وليام روجرز (William Rogers)، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مشروعًا لمعاهدة دولية لمكافحة الإرهاب، يُحاكم وفقه كل من يقتل أو يجرح أو يختطف مدنيًا أو سياسيًا، للحصول على تنازلات من دولة أو منظمة دولية. إضافة إلى حرمان الدول التي لا تلتزم بتسليم مختطفي الطائرات من الخدمات الجوية[40].
على صعيد الدول العربية، كانت الحكومة الأردنية الحكومة العربية الوحيدة التي دانت العملية، إذ وصف رئيس الوزراء الأردني
أحمد اللوزي العملية بـ "الجريمة البشعة"، وأرسل
الملك حسين برقية إلى مستشار ألمانيا الاتحادية، فيلي برانت (Willy Brandt)، يستنكر فيها العملية، ويصفها بالجريمة النكراء. أما الحكومة اللبنانية، فعبّرت عن أسفها على الحادثة، بينما ألقت الحكومتين السورية والعراقية اللوم على الحكومة الألمانية[41].
نتائج العملية وتداعياتها
بعد تنفيذ الكمين، صدر بيان عن منظمة أيلول الأسود يحمّل الحكومتين الألمانية والإسرائيلية مسؤولية مقتل الإسرائيليين. ومن وجهة نظر المنظمة، فإن العملية نجحت في تأكيد الوجود الثوري للشعب الفلسطيني وجميع الثوار في العالم، وإظهار استعدادهم للتضحية من أجل قضية عادلة، وقدرة الشعب الفلسطيني والعربي على النضال المستمر، وتحمّله، بإرادته الكاملة، مسؤولياته النضالية[42]. كما لفتت العملية أنظار العالم إلى القضية الفلسطينية، "فالذين أدانوا بشدة عملية ميونخ، أكّدوا في الوقت نفسه على أن استمرار المأساة الفلسطينية، بحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه، هو جوهر الأزمة في الشرق الأوسط". وكذلك رفعت الروح المعنوية للشعبين الفلسطيني والعربي، وأكّدت إمكانية "مواجهة الإرهاب والعدوان الإسرائيلي، وردع الانهزاميين والرجعيين العرب عن العزف على نغمات الاستسلام". ومن جهة أخرى، فجّرت العملية التناقضات بين دولة الاحتلال والصهيونية العالمية من جهة وألمانيا ومعظم دول أوروبا الغربية من جهة أخرى، وأدّت إلى ارتفاع عدد المنادين، داخل إسرائيل، بضرورة الكف عن معاندة طلبات الفدائيين "بالإفراج عن عدد من المعتقلين، والاستجابة إلى طلباتهم، حفاظًا على أرواح ما يقع تحت أيديهم من رهائن"[43].
وتشير الوثائق إلى أن منظمة أيلول الأسود بدأت تضع مخططاتها لتنفيذ عمليات انتقامية لشهداء العملية، وللضغط على السلطات الألمانية للإفراج عمن اعتقلتهم من منفذيها، منها مخططات لعملية احتجاز مسؤول ألماني، أو مجموعة ألمان، ومطالبة الحكومة الألمانية بالإفراج عن الفدائيين المحتجزين لديها، أو عملية نسف مطارات في ألمانيا يوم محاكمة الفدائيين المحتجزين، أو خطف طائرة لشركة العال الإسرائيلية في مطار فرانكفورت[44]. وبالفعل، بتاريخ 29 تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، نفذت المنظمة عملية اختطفت فيها الرحلة 615 التابعة لشركة لوفتهانزا الألمانية، وأجبرت الحكومة الألمانية على تسليم المحتجزين الثلاثة، وعادت بهم إلى ليبيا. (الفيلم)
من جهتها، نفّذت إسرائيل تهديداتها باستهداف قيادات المقاومة الفلسطينية، باغتيالها
كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار في العملية التي نفذها الموساد الإسرائيلي في لبنان بتاريخ 10 نيسان/أبريل 1973، والتي عُرفت بعملية فردان.
المراجع
العربية
أبو داود،
من القدس إلى ميونخ (بيروت: دار النهار، 1999).
"في أولمبياد أيلول الأسود"،
فلسطين الثورة، العدد 12 (13 أيلول 1972).
اليوميات الفلسطينية، المجلد الخامس عشر من 1/1/1972 إلى 30/6/1972، عصام سخنيني (رئيس التحرير) (بيرون: مركز الأبحاث – منظمة التحرير الفلسطينية؛ أبو ظبي: مركز الدراسات والوثائق، 1974).
اليوميات الفلسطينية، المجلد السادس عشر من 1/7/1972 إلى 31/12/1972، عصام سخنيني (رئيس التحرير) (بيرون: مركز الأبحاث – منظمة التحرير الفلسطينية؛ أبو ظبي: مركز الدراسات والوثائق، 1974).
أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
"إعلان المتحدث باسم منظمة أيلول الأسود"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: PM005.128.028.0021794.
"بيان صادر عن منظمة أيلول الأسود 17/9/1972"، مجموعة صلاح خلف، وثيقة رقم: PM005.128.028.0002174.
"مسودة بيان حول عملية ميونخ"، مجموعة صلاح خلف، وثيقة رقم: PM005.128.028.0002236.
"بيان عن عملية ميونخ من منظمة ISBO"، مجموعة صلاح خلف، ملف 10: 4 Confidential. [غير مؤرشفة].
"بيان عن عملية ميونخ من منظمة ISBO"، مجموعة صلاح خلف، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020147.
"تصريح الناطق باسم منظمة أيلول الأسود: بيان توضيحي"، مجموعة صلاح خلف، وثيقة رقم: PM005.128.056.0005021.
"حوار بعنوان: الثورة الفلسطينية"، مجموعة صلاح خلف، ملف رقم: 10: Confidential 4. [غير مؤرشفة].
"دفتر ملاحظات حول عملية ميونخ"، مجموعة صلاح خلف، ملف رقم: 10، Confidential 4. [وثيقة غير مؤرشفة].
"رسالة أبو داود إلى صلاح خلف حول تجهيزات عملية ميونخ"، مجموعة صلاح خلف، وثيقة رقم: 19720902. [غير مؤرشفة].
"قائمة أسماء الأسرى المطلوب تحريرهم في عملية ميونخ"، مجموعة صلاح خلف، ملف رقم: 10: 4 Confidential. [غير مؤرشفة].
"مخطط عمليات عسكرية"، مجموعة صلاح خلف، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020150.
"مخطط عملية عسكرية ومتطلباتها اللوجستية"، مجموعة صلاح خلف، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020152.
"مسودة بيان تفصيلي حول عملية كفر برعم وإقرت في ميونخ من منظمة أيلول الأسود العالمية ISBO"، مجموعة صلاح خلف، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020133.
"مسودة بيان عن عملية ميونخ من منظمة ISBO"، مجموعة صلاح خلف، وثيقة رقم: PM005.128.056.0004573.
"ملحق رقم 1 للعملية الأولى: مطالب منظمة ISBO من الحكومة الألمانية"، مجموعة صلاح خلف، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020148.
"وصية شهداء عملية ميونخ"، مجموعة صلاح خلف، وثيقة رقم: PM005.128.017.0003370.
فيلم عملية ميونخ، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
الأجنبية
Film:
One Day in September, Publication date: 1999, directed by: Kevin Macdonald.
[1]اليوميات الفلسطينية، المجلد الخامس عشر من 1/1/1972 إلى 30/6/1972، عصام سخنيني (رئيس التحرير) (بيرون: مركز الأبحاث – منظمة التحرير الفلسطينية؛ أبو ظبي: مركز الدراسات والوثائق، 1974)، ص 198-199، 210. وعن اعتداءات الاحتلال الصهيوني خلال كانون الثاني/ يناير 1972، يُنظر: المصدر نفسه، ص 27-112.
[2] أبو داود،
من القدس إلى ميونخ (بيروت: دار النهار، 1999)، ص 434-438.
[3]اليوميات الفلسطينية، المجلد السادس عشر من 1/7/1972 إلى 31/12/1972، عصام سخنيني (رئيس التحرير) (بيرون: مركز الأبحاث – منظمة التحرير الفلسطينية؛ أبو ظبي: مركز الدراسات والوثائق، 1974)،
[4] أبو داود، ص 450-453.
[5] المرجع نفسه، ص 453-459.
[6] المرجع نفسه، ص 453-466.
[7] "مخطط عملية عسكرية ومتطلباتها اللوجستية"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020152.
[8] أبو داود، ص 466-467، 485.
[9] "قائمة أسماء الأسرى المطلوب تحريرهم في عملية ميونخ"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ملف رقم: 10: 4 Confidential. [غير مؤرشفة]
[10] أبو داود، ص 469-472.
[11] المرجع نفسه، ص 475-480.
[12] المرجع نفسه، ص 481-488.
[13] "رسالة أبو داود إلى صلاح خلف حول تجهيزات عملية ميونخ"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: 19720902. [غير مؤرشفة]
[14] فيلم عملية ميونخ، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
[15] أبو داود، ص 489-490.
[16] "وصية شهداء عملية ميونخ"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: PM005.128.017.0003370
[17] أبو داود، ص 491-492.
[18] فيلم عملية ميونخ، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
[19] "في أولمبياد أيلول الأسود ثمثّل الفلسطينيون على طريقتهم"،
فلسطين الثورة، العدد 12 (13 أيلول 1972)، ص 6.
[20] “Bonn will Probe Massacre at Olympics,”
Herald Tribune, 7/9/1972, p 1.
[21] "مسودة بيان عن عملية ميونخ من منظمة ISBO"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: PM005.128.056.0004573؛ "بيان عن عملية ميونخ من منظمة ISBO"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ملف 10: 4 Confidential. [غير مؤرشفة]
[22] "مسودة بيان تفصيلي حول عملية كفر برعم وإقرت في ميونخ من منظمة أيلول الأسود العالمية ISBO"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020133؛ "في أولمبياد أيلول الأسود"،
فلسطين الثورة، ص 6.
[23] "ملحق رقم 1 للعملية الأولى: مطالب منظمة ISBO من الحكومة الألمانية"، مجموعة صلاح خلف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020148.
[24] "تصريح الناطق باسم منظمة أيلول الأسود: بيان توضيحي"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: PM005.128.056.0005021. وللاطلاع على التصريح باللغة الإنكليزية، يُنظر: وثيقة رقم: PM005.128.028.0021794.
[25] "مسودة بيان تفصيلي حول عملية كفر برعم وإقرت في ميونخ من منظمة أيلول الأسود العالمية ISBO"، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020133؛ “Bonn will Probe Massacre at Olympics,”
Herald Tribune, 7/9/1972, p. 2
[26] المرجع نفسه.
[27] فيلم عملية ميونخ، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
[28] "بيان عن عملية ميونخ من منظمة ISBO"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020147.
[29] "مسودة بيان تفصيلي حول عملية كفر برعم وإقرت في ميونخ من منظمة أيلول الأسود العالمية ISBO"، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020133.
[30] "دفتر ملاحظات حول عملية ميونخ"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ملف رقم: 10، Confidential 4. [وثيقة غير مؤرشفة].
[31] "مسودة بيان تفصيلي حول عملية كفر برعم وإقرت في ميونخ من منظمة أيلول الأسود العالمية ISBO"، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020133؛ دفتر ملاحظات حول عملية ميونخ"، ملف رقم: 10، Confidential 4. [وثيقة غير مؤرشفة]. ويُنظر أيضًا: “Bonn will Probe Massacre at Olympics,”
Herald Tribune, 7/9/1972, p 1
[32] Film:
One Day in September, Publication date 1999, directed by Kevin Macdonald.
[33] "مسودة بيان حول عملية ميونخ"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: PM005.128.028.0002236
[34] فيلم عملية ميونخ، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ "في أولمبياد أيلول الأسود"،
فلسطين الثورة، ص 6-7.
[35] "حراسة مشددة على المنشآت اليهودية والصهيونية في ألمانيا"،
الأهرام، 7/9/1972، ص 5.
[36] "بون/ تل أبيب: لقاء جديد قديم على الطريق"،
إلى الأمام، 29/9/1972، ص 18-19؛ "بيان صادر عن منظمة أيلول الأسود 17/9/1972"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: PM005.128.028.0002174.
[37] فيلم عملية ميونخ، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ "في أولمبياد أيلول الأسود"،
فلسطين الثورة، ص 6-7.
[38] يُنظر: العدد 1185 من صحيفة
الأنباء، 6/9/1972، ص 1.
[39] "في أولمبياد أيلول الأسود"،
فلسطين الثورة، ص 8.
[40] "الإرهاب كلمة عبّأت الخائفين من الثورة"،
إلى الامام، 29/9/1972، ص 3.
[41] "الحسين يستنكر جريمة ميونخ"، صحيفة الرأي، العدد 403، 6/9/1972، ص 1؛
“Bonn will Probe Massacre at Olympics,”
Herald Tribune, 7/9/1972, p 2.
[42] مسودة بيان حول عملية ميونخ"، وثيقة رقم: PM005.128.028.0002236.
[43] "حوار بعنوان: الثورة الفلسطينية"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ملف رقم: 10: Confidential 4. [غير مؤرشفة].
[44] "مخطط عمليات عسكرية"، مجموعة صلاح خلف، أرشيف ذاكرة فلسطين – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثيقة رقم: PM005.128.056.0020150