الموجز
محمد سعيد القَدَّال (1935-2008) مؤرخ ومفكر سوداني، وضع مؤلفات عدة في تاريخ السودان الحديث والمعاصر. تناول في كتاباته الدولة المهدية والاحتلال البريطاني وبروز الحركة الوطنية في السودان، إضافة إلى الانقلابات العسكرية وتطور الحياة السياسية بعد الاستقلال عام 1956. أسس دار المعارف السودانية للنشر وأدارها، وأولى اهتمامًا خاصًّا بالعلاقة بين الدين والسياسة والبنى الاجتماعية والاقتصادية في السودان. وعُرف بمنهجه الماركسي في كتابة التاريخ واعتماده على التحليل التاريخي الاجتماعي، وكان عضوًا بارزًا في الحزب الشيوعي السوداني، ما أدى إلى اعتقاله بين عامي 1971 و1973، وفصله عن التدريس مجددًا عام 1992. عمل لسنوات طويلة أستاذًا في جامعة الخرطوم، وفي جامعة عدن ما بين 1993 و2000.
النشأة والتكوين
وُلِدَ محمد سعيد القَدَّال في مدينة
سِنْكات شرق
السودان، حيث كان يعمل والده ناظرًا لمدرسة سنكات الأولية. وعندما انتُدب والده للعمل في
حضرموت سافر معه ودرس فيها المرحلة الأولية، وقسمًا من المرحلة الوسطى. عاد إلى السودان ونال الشهادة الثانوية، ثم درس التاريخ في كلية الخرطوم الجامعية (جامعة الخرطوم لاحقًا) وتخرج فيها عام 1958[1]. التحق بوزارة المعارف، معلمًا لمادة التاريخ في عدد من المدارس الثانوية، وفي عام 1962 ابتعثته الوزارة إلى جامعة ولاية كاليفورنيا لدراسة الماجستير في التاريخ، وكان موضوع رسالته عن عالم الاجتماع الأميركي والمناضل من أجل الحقوق المدنية للأميركيين الأفارقة وليام إدوارد بورغاردت دي بوا {{وليام إدوارد بورغاردت دي بوا: (William Edward Burghardt Du Bois) عالم اجتماع أميركي ذو أصول أفريقية، ناضل من أجل الحقوق المدنية للأميركيين الأفارقة في مطلع القرن العشرين، واشترك في تأسيس "الرابطة الوطنية لتحسين أوضاع المواطنين الملونين" (National Association for the Advancement of Colored People).}}. وقد مكنته هذه الأطروحة من الاطلاع على أدبيات الفكر الماركسي، فتأثر بها كثيرًا واعتنقها، ثم انضم رسميًّا إلى
الحزب الشيوعي السوداني[2]. وفي عام 1971 أكمل في جامعة الخرطوم أطروحته الثانية في التاريخ، وعنوانها "منطقة القضارف والقلابات في عهد المهدية، 1881-1898"، وأصدرها عام 1973 في كتاب
المهدية والحبشة: دراسة في السياسة الداخلية والخارجية لدولة المهدية (1881-1898)، ونال درجة ماجستير ثالثة من الجامعة نفسها حول أطروحة "السياسة الاقتصادية للدولة المهدية (1881-1898)" التي نُشرت في كتاب حمل العنوان نفسه[3].
المسار الأكاديمي
بعد حصوله على درجة الماجستير الأولى عام 1964، عاد القَدَّال إلى العمل في المدارس الثانوية ورُقي إلى وظيفة مساعد مفتش لمادة التاريخ في وزارة التربية (1966-1969). التحق بمعهد المعلمين العالي عام 1970 وأصبح رئيسًا لقسم التاريخ فيه، غير أنه اعتُقل بسبب مواقفه السياسية وعقيدته
الماركسية إبّان فشل محاولة الانقلاب ضد الرئيس
جعفر النميري المدعومة من الشيوعيين بين 19 و22 تموز/ يوليو 1971. استمر اعتقاله من 22 تموز/ يوليو 1971 إلى أيار/ مايو 1973، وأُقيل من عمله الحكومي، فأسس
دار المعارف السودانية للنشر وتولى إدارتها. وفي عام 1982، عاد إلى التدريس في جامعة الخرطوم وأصبح أستاذًا مشاركًا ما بين عامي 1987 و1992. وأُقيل مجددًا بسبب انتمائه الشيوعي، فسافر إلى
اليمن ودرّس في
جامعة عدن من عام 1993 حتى عام 2000. ثم عاد إلى جامعة الخرطوم وحصل على درجة الأستاذية في التاريخ عام 2004[4].
الاعتقال والسجن
ظل القَدَّال يعمل في الحزب الشيوعي السوداني، سواء أفي مكاتبه أم في هيئته المركزية، كذلك كانت له علاقة فكرية وثيقة مع
عبد الخالق محجوب، السكرتير العام للحزب ما بين 1952 و1971. وإضافةً إلى فصله من عمله عامي 1971 و1992، واعتقاله ما بين 1971 و1973، تعرّض لفترات اعتقال متقطعة أخرى في أعوام 1976 و1979 و1981، تنقّل خلالها بين
سجن كوبر بالخرطوم وسجني سواكن وبورتسودان. وقد وثّق هذه التجربة في كتابه
كوبر: ذكريات معتقل سياسي في سجون السودان (1998)[5].
منهجه في كتابة التاريخ
انتقد المناهج التقليدية في كتابة التاريخ السوداني، لأنها اعتمدت على المصادر المكتوبة وأهملت الروايات الشفهية، وفصلت الأحداث عن جذورها الاجتماعية، ما جعلها "سكونية" وذات منظور "برجوازي"، بحسب تعبيره. وفضّل التركيز على البطولات الجماعية الجامعة، بدلًا من الفردية، وأسس منهجه على المادية التاريخية التي ترى أن البنية الاقتصادية هي المحرك الأساسي للحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية في السودان، مع توظيف تكاملي لمناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية[6].
ورأى أن الوثائق وحدها لا تكفي، ولا تكون محايدة، لذا يجب إخضاعها لتحليل نقدي قبل إدماجها في السرديات التاريخية. تأثر بمدرسة الحوليات الفرنسية (Annales school)، ولا سيما في ما يتعلق باعتماد المنهج المقارن ودراسة الظواهر التاريخية عبر مدد زمنية طويلة وفضاءات واسعة. ويتجلى هذا في كتابه
الإسلام والسياسة في السودان (621-1985)[7]، إذ قدّم معالجة تركيبية لعلاقة الدين بالدولة عبر حقب متعاقبة، متجاوزًا السرد الخطي إلى تحليل الشروط والسياقات.
مؤلفاته
# |
العنوان |
تاريخ النشر |
ملاحظات |
1 |
التعليم والثورة الوطنية الديمقراطية | 1971 | |
2 |
الطراز المنقوش ببشرى قتل يوحنا ملك الحبوش | 1972 | تحقيق، بالاشتراك مع محمد إبراهيم أبو سليم |
3 |
المهدية والحبشة: دراسة في السياسة الداخلية والخارجية لدولة المهدية، 1881-1898 | 1973 | |
4 |
الإمام المهدي محمد أحمد بن عبد الله، 1844-1885: لوحة لثائر سوداني | 1985 | |
5 |
الحزب الشيوعي السوداني وانقلاب 25 مايو | 1985 | |
6 |
الإسلام والسياسة في السودان (621-1985) | 1992 | |
7 |
الانتماء والاغتراب: دراسات ومقالات في تاريخ السودان الحديث | 1992 | |
8 |
السياسة الاقتصادية للدولة المهدية: مصادرها، مظاهرها، تطبيقها، 1881-1898 | 1992 | |
9 |
تاريخ السودان الحديث، 1820-1955 | 1993 | ط 2: 2002 |
10 |
الشيخ القدال باشا: معلم سوداني في حضرموت: ومضات من سيرته، 1903-1975 | 1997 | |
11 |
حضرموت: إزاحة النقاب عن بعض غموضها | 1998 | ترجمة |
12 |
كوبر: ذكريات معتقل سياسي في سجون السودان | 1998 | مذكرات |
13 |
معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني في نصف قرن، 1946-1996 | 1999 | |
14 |
رحلة من عدن إلى حضرموت: رحلة في جنوب شبه الجزيرة العربية | 1999 | ترجمة لكتاب فان در ميولين (van der Meulen) |
15 |
المرشد إلى تاريخ أوروبا الحديث | 2000 | |
16 |
الدليل إلى كتابة الأبحاث الجامعية | 2000 | بالاشتراك |
17 |
السلطان علي بن صلاح القعيطي: نصف قرن من الصراع السياسي في حضرموت، 1898-1948 | 2001 | بالاشتراك مع عبد العزيز بن علي بن صلاح القعيطي |
18 |
تاريخ الطريقة الختمية في السودان | 2003 | ترجمة لكتاب جون أوبرت فول (John O. Voll) |
19 |
الشيخ مصطفى الأمين، 1889-1988: رحلة قرن من الغبشة إلى هامبرج | 2004 | بالاشتراك مع عاطف عبد الرحمن صغيرون |
وفاته
تُوفّي محمد سعيد القدّال في 6 كانون الثاني/ يناير 2008 في مدينة الخرطوم بعد صراع قصير مع المرض، وشُيّع جثمانه في
مقابر الجريف بحضور واسع من المثقفين والأكاديميين وقيادات المجتمع السوداني[8].
المراجع
حسن، يوسف فضل.
حواشٍ على متون علماء ومؤرخين ومفكرين في تاريخ أفريقيا والسودان. ط 2. الخرطوم: سوداتك المحدودة، 2012.
صغيرون، عاطف عبد الرحمن (جمع وتوثيق وتحقيق).
بروفيسور محمد سعيد القدال (1935-2008) بعيون الصحافة. [د.م.]: [د.ن.]، [د.ت.].
عثمان، تاج السر. "في الذكرى الخامسة لرحيل أ. د. محمد سعيد القدال".
الراكوبة. 9/1/2013. في:
https://acr.ps/hByaR0R
القَدَّال، محمد سعيد.
الانتماء والاغتراب: دراسات ومقالات في تاريخ السُّودان الحديث. بيروت: دار الجيل، 1992.
________.
كوبر: ذكريات معتقل سياسي في سجون السودان. القاهرة/ الخرطوم: الشركة العربية العالمية للطباعة والنشر، 1998.
[1] كمال الجزولي، "القدال: كترت المراثي"، في: عاطف عبد الرحمن صغيرون (جمع وتوثيق وتحقيق)،
بروفيسور محمد سعيد القَدَّال (1935-2008) بعيون الصحافة ([د.م.]: [د.ن.]، [د.ت.])، ص 74-86.
[2] المرجع نفسه، ص 80.
[3] المرجع نفسه، ص 82.
[4] "سيرة ذاتية"، في: صغيرون،
بروفيسور محمد سعيد القَدَّال، ص 121.
[5] يُنظر: محمد سعيد القَدَّال،
كوبر: ذكريات معتقل سياسي في سجون السودان (القاهرة/ الخرطوم: الشركة العربية العالمية للطباعة والنشر، 1998).
[6] محمد سعيد القَدَّال، "المدرسة التأريخية السودانية: المنهجية والأيديولوجية"، في: محمد سعيد القَدَّال،
الانتماء والاغتراب: دراسات ومقالات في تاريخ السُّودان الحديث (بيروت: دار الجيل، 1992)، ص 11-55.
[7] يوسف فضل حسن، "محمد سعيد القَدَّال مؤرخ تاريخ السودان الحديث"، في: يوسف فضل حسن،
حواشٍ على متون علماء ومؤرخين ومفكرين في تاريخ أفريقيا والسودان، ط 2 (الخرطوم: سوداتك المحدودة، 2012)، ص 176.
[8] تاج السر عثمان، "في الذكرى الخامسة لرحيل أ. د. محمد سعيد القدال"،
الراكوبة، 9/1/2013، شوهد في 14/1/2025، في:
https://acr.ps/hByaR0R