الموجز
محمد سعيد باشا (17 آذار/ مارس 1822- 18 كانون الثاني/ يناير 1863) أحد ولاة مصر من الأسرة العلوية، وابن محمد علي باشا مؤسس الدولة المصرية الحديثة.
تولّى حكم مصر في تموز/ يوليو عام 1854 بعد وفاة عباس حلمي الأول، واستمر حكمه قرابة تسعة أعوام مثّلت مرحلة انتقالية دقيقة في مسار الدولة. نشأ سعيد في كنف أبيه محمد علي، وتلقى تكوينًا إداريًا وعسكريًا وبحريًا مبكرًا داخل مؤسسات الدولة، قبل أن يبرز دوره السياسي في صراع التركة داخل الأسرة العلوية عقب وفاة المؤسس. وجاء حكمه في إطار نظام سياسي اتسم بمركزية السلطة الفردية، مع محاولات محدودة لتنظيم الجهاز الإداري وتحويل الدواوين إلى وزارات، من دون أن يفضي ذلك إلى تحول مؤسسي كامل. وعلى صعيد السياسة الخارجية، انتهج انفتاحًا واضحًا على فرنسا، وتبنّى مشروع قناة السويس بوصفه ركيزة استراتيجية كبرى، رغم ما أثاره من معارضة بريطانية وضغوط عثمانية، وما فرضه من التزامات سياسية واقتصادية عميقة. وشهد عهده بداية التحول الحاسم في تاريخ المالية المصرية الحديثة بدخول طور الاستدانة الخارجية، وارتباط موارد الدولة بديون طويلة الأجل. وفي الريف، سعى إلى تنظيم الحيازة الزراعية عبر لوائح الأطيان، غير أن اتساع نظام السخرة، ولا سيما في أعمال القناة، ألقى بأعباء ثقيلة على الفلاحين وأضعف الإنتاج الزراعي. شهد الجيش في عهده إصلاحات وطنية واجتماعية مهمة، لكنها ترافقت مع تقلبات حادة أضعفت بنيته في أعوامه الأخيرة، كما تراجعت البحرية الحربية لصالح الملاحة التجارية. وفي مجال التعليم، اتسم عهده بتفكيك منظومة التعليم الحكومي مقابل تشجيع واسع للتعليم الأجنبي. وقد انتهى حكمه بمرضه وتراجعه عن إدارة الدولة، ممهّدًا لانتقال السلطة إلى إسماعيل باشا، ليغدو عهده حلقة فاصلة بين دولة محمد علي المركزية والتحولات الكبرى التي ستشهدها مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
نشأته وتكوينه
وُلد محمد سعيد باشا في 17 آذار/ مارس عام 1822 في مدينة الإسكندرية، وهو ابن محمد علي باشا الكبير، والابن الرابع له (والثالث ممن وُلدوا في مصر). وتلقى سعيد تعليمًا شمل اللغة العربية وبعض اللغات الأجنبية، كذلك برع في العلوم الرياضية وفن الرسم، وهو تكوين مبكر يفسر وعيه اللاحق بتوازنات السلطة داخل الأسرة العلوية والدولة[1].
نشأ سعيد في كنف أبيه الذي أولاه عناية خاصة بالتربية، فأُلحق بالتدريب على فنون البحرية مع زملائه من التلاميذ، وقُصد من ذلك أن يعيش في ظروف مماثلة لهم في المعيشة والنظام، وهو ما يرسخ مبادئ الانضباط والمساواة. وانتظم لاحقًا في خدمة الأسطول المصري، فتدرّج في المناصب البحرية، فقاد إحدى البوارج، ثم عُين معاونًا لمطَوش باشا ناظر البحرية وقائد الأسطول، واستمر في الترقي حتى بلغ منصب سر عسكر الدوندرمة، أي القائد العام للأسطول المصري، وهو ما أكسبه تقدير رؤسائه واحترام مرؤوسيه[2].
وفي عام 1835، صدر أمر بتعيين الأمير سعيد، وكان عمره أحد عشر عامًا، معاونًا لمفتش "الدوائر" وناظر البحرية المصرية، ليبدأ تعلم أصول الإدارة والانضباط العسكري. وخلال عامي 1835–1836، وجّه محمد علي باشا رسالة إلى ابنه بسبب ميله إلى الراحة ومجالسة "القبودانات{{جمع "قبودان" (Kapudan)، وهي كلمة عثمانية الأصل، كانت تُطلق على قادة الأسطول البحري أو كبار الضباط البحريين في الدولة العثمانية}} القدماء"، وأمره بالانضباط في المشي والحركة والاهتمام بالدروس، وحذّره "السمنة" المفرطة، وألزمه باتباع أسلوب حياة المعلم الفرنسي سير فارس أفندي، حتى في طريقة الأكل واستخدام الشوكة والسكين. وفي عام 1837، عيّن محمد علي باشا لابنه أستاذًا يُدعى عبودة الرسام لتدريسه الحساب والهندسة وفنون الرسم، ليكون مؤهلًا ضمن ذوي المعارف[3].
وفي عام 1839، شُكل مجلس لتقوية استحكامات مدينة الإسكندرية، وكان الأمير سعيد من بين أعضائه. وفي عام 1848، عُين الأمير سعيد رئيسًا لمجلس "الدوائر السنية" (المصالح الحكومية العليا) لإدارة شؤون البلاد في ظل مرض محمد علي باشا[4].
وفي 2 آب/ أغسطس عام 1849، تُوفي محمد علي باشا، لتدخل الأسرة العلوية عقب ذلك مباشرة في صراع داخلي حول تركته، وهو ما شكّل الإطار الأول لظهور الدور السياسي لمحمد سعيد باشا.
صراع التركة داخل الأسرة العلوية
عباس باشا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بعد وفاة محمد علي باشا مباشرة، برز محمد سعيد باشا بوصفه أحد الأقطاب الرئيسة داخل الأسرة العلوية، في سياق صراع محتدم حول تركة الجد ومخصصات الأسرة، فقد رأى أن مساعي عباس باشا (1812-1854) للاستيلاء على القسم الأكبر من التركة تُهدد بإقصاء بقية أفراد الأسرة وابتلاع نصيبهم من الثروة، وهو ما دفعه إلى اتخاذ موقف صريح في مواجهته. وفي هذا الإطار، انحاز إلى محمد سعيد باشا عدد من الأمراء، من بينهم إسماعيل باشا، واتفقوا على الوقوف جماعيًا في وجه محاولات عباس، مستخدمين ما توافر لهم من وسائل قانونية وسياسية داخل إطار الدولة العثمانية لمنع استئثاره بالتركة[5].
ومع تصاعد التوتر بين الطرفين، ازدادت حرجية الموقف داخل الأسرة، ولا سيما في ظل ما شاع من مخاوف بشأن استعداد عباس باشا لاستخدام العنف ضد بعض أفرادها لتحقيق أهدافه السياسية والمالية. وتجلّى ذلك في محاولة عباس باشا قتل عمته الأميرة زهرة هانم (نازلي هانم)، أرملة محمد بك الدفتردار، وهو ما مثّل ذروة الصراع الأسري، وكشف عن انتقاله من نطاق الخلاف المالي إلى مستوى التهديد الجسدي المباشر. وأمام هذه التطورات، دفعت المخاوف الأسرة -وفي مقدمتها محمد سعيد باشا- إلى مراسلة السلطان العثماني عبد المجيد الأول، بهدف الضغط على عباس باشا وكبح تهديده، وهو ما مثّل أول تدخل سياسي خارجي مباشر لمحمد سعيد باشا ضمن سياق صراع داخلي عائلي[6].
وفي إطار تسوية بعض الشؤون المالية المرتبطة بالأسرة قبل توليه الحكم رسميًا، أصدر محمد سعيد باشا في عام 1852 أوامره إلى ديوان المالية بإعادة قيد مرتب والدة عباس باشا، وحدد ماهيته بمبلغ 30,380 قرشًا. وقد عكست هذه الخطوة محاولة لاحتواء بعض جوانب النزاع المالي داخل الأسرة العلوية، وتنظيم المخصصات المرتبطة بها في مرحلة سبقت تولي سعيد السلطة الفعلية، وأسهمت في بلورة موقعه السياسي داخل البيت العلوي قبل انتقال الحكم إليه[7].
نظامه السياسي
في 14 تموز/ يوليو عام 1854م، تُوفي عباس حلمي الأول في سرايته بمدينة بنها، ونُقل جثمانه ليدفن في مدفن الأسرة العلوية بالقاهرة. وبعد يومين، وفي 16 تموز/ يوليو عام 1854م، تولى محمد سعيد باشا حكم مصر رسميًا. وجاء توليه السلطة في إطار نظام سياسي اتسم بالحكم المطلق، إذ كان وليّ الأمر يجمع في يده السلطتين: التنفيذية والتشريعية، ويحتفظ بتأثير مباشر في المجال القضائي، بوصفه المرجع الأعلى في كليات الأمور وجزئياتها، بلا قيام مؤسسات مستقلة تحدّ من سلطته أو تراقب ممارستها.
وبادر محمد سعيد باشا فور توليه الحكم إلى تثبيت أركان السلطة، فأصدر سلسلة من الأوامر والتعيينات الإدارية والعسكرية هدفت إلى إحكام السيطرة على جهاز الدولة وإعادة تنظيمه. شملت هذه الإجراءات تعيين سليمان باشا رئيسًا لرجال الجهادية، وإعادة إلهامي باشا من لندن، وتعيين أحمد عصمت باشا ناظرًا للجهادية، إلى جانب إجراء تنقلات واسعة في مناصب مديري الأقاليم، وتعديل رواتب الضباط والمهندسين، وهو ما يعكس أولوية تثبيت الحكم وضمان ولاء الجهاز الإداري والعسكري في مرحلة انتقال السلطة[8].
وفي هذا السياق، استمر تراجع الأطر الشورية التي كانت قد ظهرت في عهد محمد علي باشا، فقد أُهمل "مجلس المشورة" الذي كان يمثل نواة أولى لمحاولة إدخال مبدأ الشورى في الحكم، ولم يظهر له أثر يُذكر في عهدي عباس الأول وسعيد باشا. وفي المقابل، ظل "المجلس الخصوصي {{أنشأه محمد علي عام 1847 للنظر في شؤون الحكومة الكبرى وسن اللوائح والقوانين}}"، قائمًا بعد إعادة تأليفه في عهد عباس الأول بموجب لائحة صدرت عام 1849. وقد تولى رئاسته الكتخدا باشا، وضمت عضويته كبار الموظفين والعلماء، واختص بنظر المسائل العامة للحكومة، وترتيب النظم العمومية، وتنصيب رؤساء المصالح الكبرى، وهو ما جعله أقرب إلى مجلس نظّار يتولى جانبًا من السلطة التشريعية[9].
وشاركه في هذا الدور "مجلس الأحكام"، إذ استُحدث في عهد محمد سعيد باشا بوصفه أعلى هيئة قضائية في البلاد، وأُسندت رئاسته إلى إسماعيل باشا. وقد عكس هذا التنظيم سعيًا إلى ضبط العمل القضائي وتنظيم الفصل في المنازعات[10]، غير أن ذلك لم يحدّ من الطابع الشخصي للحكم، إذ ظل الوالي يحتفظ بالكلمة النهائية في القضايا الكبرى، سواء مباشرة أو عبر نفوذه على تشكيل هذه المجالس واختصاصاتها.
ومع تقدم عهد محمد سعيد باشا، اتجه إلى إعادة تنظيم الجهاز الإداري على نحو أكثر وضوحًا، فصدر في عام 1857 قرار بإعادة ترتيب الدواوين وتحويلها إلى أربع وزارات رئيسة هي: الداخلية، وأُسندت إلى الأمير أحمد رفعت، والمالية، وتولاها الأمير مصطفى فاضل، والحربية، وعُهد بها إلى الأمير محمد عبد الحليم، والخارجية، وتولاها إسطفان بك، أحد خريجي البعثات في عهد محمد علي[11]. وقد مثّل هذا التنظيم خطوة نحو تحديث الإدارة المركزية وضبط اختصاصاتها، مع الإبقاء على الطابع الفردي للحكم، حيث ظلت القرارات الكبرى مرهونة بإرادة الوالي وتقديره الشخصي.
وعلى هذا النحو، جمع النظام السياسي في عهد محمد سعيد باشا بين مركزية السلطة الفردية من جهة، ومحاولات تنظيم إداري حديث من جهة أخرى، من دون أن يفضي ذلك إلى تحول مؤسسي كامل، وهو ما منح هذه المرحلة طابعًا انتقاليًا، توسط بين نموذج الحكم المطلق الذي استقر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، والتنظيم الوزاري الأكثر وضوحًا واستقرارًا الذي سيأخذ شكله الأوسع في عهد إسماعيل باشا.
سياسته الخارجية وقضية قناة السويس
فرديناند دي لسبس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
شهد عهد محمد سعيد باشا تحولًا واضحًا في توجهات السياسة الخارجية، تمثل في الانفتاح على الأجانب، ولا سيما الفرنسيين[12]، على خلاف سياسة سلفه عباس باشا الذي مال إلى الإنجليز. وقد جاء هذا التحول في سياق إقليمي ودولي اتسم بتصاعد التنافس الأوروبي في الشرق الأوسط، وبحساسية موقع مصر بوصفها ولاية عثمانية ذات أهمية استراتيجية، وهو ما انعكس في شبكة العلاقات الدبلوماسية والمشروعات الكبرى التي ارتبطت مباشرة بتوازنات الدولية.
في هذا السياق، وفد فرديناند دي لسبس (Ferdinand de Lesseps، 1805-1894) إلى القاهرة، عارضًا مشروعه لربط البحرين: الأحمر والمتوسط. وقد نال المشروع القوي اهتمام محمد سعيد باشا، وبدأت دراسة المسارات الممكنة لتنفيذه. واستنادًا إلى الصداقة القديمة التي جمعت بين الطرفين قبل تولي سعيد الحكم [13]، منح محمد سعيد باشا فرديناند دي لسبس في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1854 الامتياز الأول لحفر قناة السويس، بعد أن تمكن الأخير خلال سبعة أيام فقط من المفاوضات من إقناع والي مصر بالأهمية التجارية والاستراتيجية للمشروع[14].
وأثار المنشور الرسمي القاضي بفتح الترعة وشق القناة معارضة بريطانية فورية، بدعوى الحرص على سلامة كيان الدولة العثمانية والحفاظ على توازن القوى في المشرق[15]، وهو ما أدخل مشروع القناة منذ بدايته في إطار الصراع الدولي بين فرنسا وبريطانيا. وفي 5 كانون الثاني/ يناير عام 1856، صدر فرمان الامتياز الثاني لقناة السويس، متضمنًا امتيازات جديدة وإعفاءات جمركية للشركة. وفي السياق نفسه، وافق محمد سعيد باشا على تأسيس البنك الأهلي، كذلك منح بريطانيا حق مرور الجنود عبر البر المصري لقمع الفتنة الهندية[16]، في محاولة واضحة للموازنة بين القوى الأوروبية المتنافسة.
وفي العام نفسه، أُسست مدينة بورسعيد على الطرف الشمالي للقناة، إيذانًا ببدء المرحلة التنفيذية للمشروع. وفي 25 نيسان/ أبريل عام 1859، أُقيم احتفال رسمي في بورسعيد وُضع خلاله حجر الأساس، وبدأ العمل الفعلي في حفر القناة قبل الحصول على الموافقة النهائية من الباب العالي وقبل انحسار المعارضة البريطانية، حين ضرب دي لسبس أول معول في الأرض[17]. وتحت ضغط سياسي بريطاني يهدف إلى وقف أعمال الحفر، أرسل محمد سعيد باشا في 9 حزيران/ يونيو عام 1859 خطابًا رسميًا إلى دي لسبس يبلغه فيه بضرورة وقف الحفر حتى صدور موافقة الباب العالي، غير أن دي لسبس استمر في العمل مدعومًا بالتأييد الفرنسي[18]. كذلك سعت إنجلترا إلى دفع الدولة العثمانية لإصدار أمر بوقف المشروع، فأوفدت مندوبًا تركيًا هو مختار بك إلى مصر، إلا أن التدخل الفرنسي والظروف الدولية حالت دون توقف العمل[19].
واجه مشروع القناة صعوبات كبيرة في توفير المياه والعمالة، وهو ما أدى إلى الاعتماد على أعداد ضخمة من الفلاحين بنظام السخرة[20]. ومع تصاعد أعمال الحفر، تفاقمت أزمة الأيدي العاملة الزراعية، وبرز التناقض بين متطلبات المشروع واحتياجات الزراعة المصرية، وهو تناقض سيترك آثارًا اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى.
وفي الإطار الأوسع الذي تحركت فيه سياسة محمد سعيد باشا الخارجية، جاءت مشاركة مصر في الصراعات العسكرية خارج حدودها المباشرة بوصفها جزءًا من التزاماتها العثمانية ومن شبكة التحالفات الأوروبية، ففي حرب القرم (1853–1856)، شاركت مصر باعتبارها ولاية تابعة للدولة العثمانية، وفي سياق الصراع الدولي بين روسيا من جهة، والدولة العثمانية وحلفائها، ولا سيما فرنسا وبريطانيا، من جهة أخرى. واستمرت المشاركة المصرية بعد تولي محمد سعيد باشا الحكم، إذ أُرسلت نجدات جديدة دعمت الوجود العسكري المصري في ميادين القتال[21]، وانتهت الحرب بعقد الصلح في مؤتمر باريس عام 1856، وهو ما أعاد رسم التوازنات الإقليمية التي تحركت ضمنها السياسة الخارجية المصرية في تلك المرحلة.
وعلى نحو يوازي هذا الانخراط في الإطار العثماني- الأوروبي، شهد عهد محمد سعيد باشا مشاركة مصر في حرب المكسيك مطلع ستينيات القرن التاسع عشر، وهي مشاركة ارتبطت أساسًا بتوجهه المؤيد لفرنسا وبعلاقته الوثيقة بالإمبراطور نابليون الثالث، فقد استجاب سعيد باشا لطلب الدعم الفرنسي بإرسال قوة عسكرية مصرية للمشاركة في الحملة[22]، في خطوة عكست امتداد السياسة الخارجية المصرية إلى مسارح بعيدة عن نطاقها التقليدي، وسعي الوالي إلى تعزيز موقعه الدولي عبر التقارب مع فرنسا، وهو النهج نفسه الذي تجلّى بوضوح في دعمه المتواصل لمشروع قناة السويس رغم المعارضة البريطانية والضغوط العثمانية.
وإلى جانب هذا الانخراط في التوازنات الأوروبية، لم تقتصر سياسة محمد سعيد باشا الخارجية على الساحة الدولية، بل امتدت إلى إدارة الأطراف الجنوبية للدولة، ولا سيما السودان، الذي مثّل مجالًا حيويًا لتوازنات الأمن والضرائب والشرعية السياسية، ففي كانون الثاني/ يناير عام 1857، توجّه محمد سعيد باشا إلى الخرطوم، حيث التقى بأعيان البلاد ووقف على شكاواهم من ثقل الضرائب ومظالم الحكام. وانتهت مشاوراته إلى العدول عن فكرة إخلاء السودان، واتخاذ جملة من الإجراءات شملت تخفيض الضرائب، ووضع قاعدة ثابتة لتقديرها بحسب جودة الأرض وطرق ريّها، وإنشاء مجالس محلية يتولى فيها الأعيان إدارة شؤونهم، إلى جانب إلغاء السخرة وتسهيل نظام البريد بإنشاء محطات له في صحراء كروسكو. كذلك وافق في هذا السياق على إنشاء أول شركة ملاحة تجارية داخلية برؤوس أموال أوروبية، وأُسست الشركة البحرية المعروفة بـ"الشركة المجيدية" لتسيير البواخر في البحر الأحمر والمتوسط.[23]
"حفر قناة السويس"، لوحة للفنان المصري عبد الهادي الجزار عام 1965. المصدر: "الجزار وحفر قناة السويس"، الأهرام، 27/7/2015، شوهد في 20/5/2026
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وتزامن الانشغال بحفر قناة السويس مع تحدٍّ أمني على الحدود الجنوبية، تمثّل في تحركات ملك الحبشة ونهب بعض القرى، وهو ما أثار قلق الوالي. وقد عالج محمد سعيد باشا هذه الأزمة بسياسة جمعت بين الحزم والاحتواء، فتوجّه بنفسه إلى السودان لمتابعة الموقف ميدانيًا، معتمدًا إلى جانب الاستعداد العسكري على الدبلوماسية الدينية، فأوفد البطريرك القبطي كيرولس وسيطًا للسلام استنادًا إلى الروابط التاريخية بين الكنيسة القبطية والحبشة. وأسفرت هذه الجهود، رغم ما واجهته من عقبات وتدخلات خارجية، عن تهدئة التوتر وإبرام صلح جنّب المنطقة مواجهة عسكرية محتملة، وأفضى إلى استقرار نسبي على الحدود الجنوبية، وترسيخ النظام الإداري والضريبي في الإقليم[24].
وعلى هذا النحو، تكشفت السياسة الخارجية في عهد محمد سعيد باشا عن مزيج من الطموح والانفتاح، والموازنة الحذرة بين القوى الأوروبية، وإدارة الأطراف الإقليمية الحساسة، في ظل قيود فرضتها التبعية الاسمية للسلطنة العثمانية وتشابك المصالح الدولية. وقد شكّل مشروع قناة السويس محور هذه السياسة وأثقلها في آن واحد، بوصفه مشروعًا استراتيجيًا حمل وعودًا كبرى، لكنه فرض كذلك التزامات سياسية واقتصادية عميقة ستتضح آثارها الكاملة في العهود اللاحقة.
الدَّين والتحول المالي
لم يمضِ وقت طويل على تولّي محمد سعيد باشا الحكم عام 1854 حتى بدأت تظهر اختلالات مالية متزايدة، كشفت حدود الموارد التقليدية للدولة في مواجهة التزاماتها المتنامية، فبعد أقل من ثلاثة أعوام من بداية ولايته، واجهت الخزانة صعوبات في الوفاء بمرتبات الموظفين وبالجزية المستحقة للدولة العثمانية، في ظل تراجع الإيرادات واضطراب آليات الجباية، واتساع نطاق الإنفاق العام.
في هذه المرحلة المبكرة، لجأ الوالي إلى الاقتراض المحلي من بعض البنوك الأوروبية التي كانت قد أُنشئت حديثًا في الإسكندرية، ثم استجاب لنصيحة فرديناند دي لسبس بإصدار أذونات على الخزانة، تراوحت آجالها بين ستة أشهر وثلاثة أعوام، وبفوائد مرتفعة بلغت ما بين 15% و18%، في حين لم يكن السعر السائد للقروض التجارية يتجاوز 7%. وقد استُخدمت هذه الأذونات أحيانًا في دفع مرتبات الموظفين، فتداولها الدائنون من التجار والحرفيين، ثم تجمّعت للمطالبة بقيمتها لدى وزارة المالية، وهو ما زاد الضغط على الخزانة بدل أن يخفّفه[25].
ومع عجز هذه الوسائل عن سد الفجوة المالية، دخلت مصر في عهد محمد سعيد باشا مرحلة جديدة تمثّلت في اللجوء إلى القروض الخارجية، ففي عام 1860 عُقد أول قرض خارجي مع أحد المصارف الفرنسية، وكان القرض باسم محمد سعيد باشا شخصيًا لا باسم الحكومة المصرية، وبلغت قيمته الاسمية 1.2 مليون جنيه إسترليني بفائدة قدرها 6%، غير أن ما دخل فعليًا إلى الخزانة بعد خصم العمولات والأتعاب والمصروفات لم يتجاوز أقل من ثلاثة أرباع القيمة الاسمية، كذلك رُهنت حصيلة جمارك ميناء الإسكندرية ضمانًا لسداده. وعلى الرغم من ذلك، لم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى عادت الخزانة إلى حالة العجز.[26]
وفي عام 1862م، أقدم محمد سعيد باشا على عقد قرض خارجي جديد، عُدّ أول قرض تعقده الدولة المصرية باسمها في تاريخها الحديث، وقدمه مصرف أوبنهايم (Sal. Oppenheim) الألماني. وبلغت قيمته نحو 2.5 مليون جنيه إسترليني، وبفائدة مرتفعة بلغت 11%، وكان مضمونًا بحصيلة ضريبة الأطيان على أراضي الدلتا. ولم تحصل الحكومة، بعد خصم العمولات والمصاريف، إلا على نحو 84% من قيمته الاسمية، على أن يُسدد على مدى ثلاثين عامًا، بحيث يصل إجمالي ما يُدفع، بعد إضافة الفوائد والرسوم، إلى نحو أربعة أمثال المبلغ المتحصل فعليًا[27].
وفي السياق نفسه، لجأ سعيد باشا إلى إصدار دين مُقسّط جديد بلغت قيمته الاسمية 3,292,800 جنيه إسترليني، خُصص لتسديد القرضين السابقين والوفاء بنفقات حفر قناة السويس. وصدر هذا الدين بسعر منخفض تراوح بين 82% و84% من قيمته الاسمية، فلم يدخل خزانة الدولة سوى نحو 2.64 مليون جنيه إسترليني. وقد عُدّ هذا الدين أول صفقة دين خاسرة في تاريخ مصر الحديث، وأول دين مُقسّط تتحمّل الرعية أعباءه المباشرة، إذ بلغت فائدته الاسمية 7% سنويًا، لكنها ارتفعت فعليًا إلى نحو 9% قياسًا بالمتحصل الحقيقي، فضلًا عن رهن أطيان مديريتَي الغربية والمنوفية ضمانًا له، إلى جانب ديون متفرقة أُبرمت في العام نفسه[28].
ارتبط هذا التحوّل المالي ارتباطًا وثيقًا بمشروع قناة السويس، الذي فرض على الدولة التزامات مالية مباشرة وغير مباشرة، فبعد موافقة الباب العالي على المشروع عام 1858م، جرى الشروع في تأسيس الإطار المؤسسي والمالي لشركة القناة، غير أن ضعف الإقبال على الاكتتاب في أسهمها، ولا سيما خارج فرنسا، هدد بتعثر المشروع في مرحلته التأسيسية، وهو ما دفع الحكومة المصرية إلى التدخل لضمان قيام الشركة واستمرارها[29]. وقد تمثّل هذا التدخل في اكتتاب الحكومة بعدد كبير من الأسهم لسد العجز، وهو ما ربط مالية الدولة بصورة مباشرة بمصير المشروع، وأدخلها في تعاقدات طويلة الأجل لم تكن السيطرة عليها كاملة في جميع مراحلها.
ومع تقدم أعمال الحفر، تزايدت الأعباء المالية المرتبطة بالمشروع، سواء من حيث الإنفاق العام أو من حيث الآثار الاقتصادية غير المباشرة، ولا سيما تلك الناجمة عن الاعتماد الواسع على نظام السخرة، الذي أسهم في نقص الأيدي العاملة الزراعية واضطراب الدورة الإنتاجية، وانعكس بالتالي على الموارد الضريبية للدولة. وهكذا، لم يكن التحوّل نحو الاستدانة الخارجية معزولًا عن السياق الاقتصادي العام، بل جاء نتيجة تفاعل معقّد بين مشروع استراتيجي ضخم، وبنية مالية محدودة، وقرارات سياسية افتقرت إلى أدوات الضبط المؤسسي.
وعند وفاة محمد سعيد باشا في كانون الثاني/ يناير عام 1863م، كانت مصر قد انتقلت انتقالًا حاسمًا من وضع الخلوّ من الديون الخارجية إلى وضع الالتزام المالي طويل الأجل، فقد بلغ الدين طويل الأجل المستحق على مدى ثلاثين عامًا نحو ثمانية ملايين جنيه إسترليني، إضافة إلى نحو مليون جنيه واجبة السداد خلال ثلاثة أعوام، فضلًا عن ديون قصيرة الأجل قُدرت بنحو تسعة ملايين جنيه. وبذلك وصل إجمالي الدين المصري، الثابت والعائم، إلى ما يقارب ثمانية عشر مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو خمسة أمثال إيرادات الحكومة المصرية في العام السابق على وفاته.[30]
وعلى هذا النحو، مثّل عهد محمد سعيد باشا نقطة التحوّل الأساسية في تاريخ المالية المصرية الحديثة، إذ دخلت الدولة خلاله طور الاستدانة الخارجية، وارتبطت مواردها السيادية بالتزامات مالية طويلة الأجل، وهو مسار ستتفاقم آثاره في العهود اللاحقة، ولا سيما عصر إسماعيل باشا، حين ستتخذ الأزمة المالية أبعادًا أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
الأرض والزراعة وسياسة الملكية
شكّلت سياسة الأرض والزراعة أحد المحاور الأساسية في عهد محمد سعيد باشا، إذ ارتبطت بتنظيم العلاقة بين الدولة وحائزي الأراضي، وإعادة ضبط بنية الملكية الزراعية، في سياق استهدف تحقيق قدر من الاستقرار في الحيازة، وتعزيز موارد الخزانة، وضبط الريف إداريًا، في مرحلة اتسمت بتوسع الالتزامات المالية والمشروعات الكبرى.
شهد هذا المجال تطورًا تشريعيًا مهمًا بصدور لائحة الأطيان الثانية في 8 جمادى الأولى 1271هـ/ 28 كانون ثاني/ يناير 1855م، التي هدفت إلى تثبيت أوضاع الحيازة وتنظيم انتقال حق الانتفاع بالأرض الخراجية، فقد أقرت اللائحة حق الذكور من أبناء حائز الأرض المتوفى في وراثة أرض أبيهم، وأجازت في بعض الحالات وراثة الإناث، بشرط القدرة على زراعة الأرض وأداء خراجها، وهو ما ربط حق الانتفاع بالقدرة الفعلية على الإنتاج. كذلك اشترطت اللائحة لإسقاط حق الانتفاع موافقة المديرية، وتحرير حجة رسمية بين المُتنازِل والمتنازَل له أمام المحكمة الشرعية، وتسجيلها في سجلاتها، مع تكليف الأطيان باسم المنتفع الجديد في دفاتر الصرافة، وحددت مدة خمسة عشر عامًا يسقط بعدها حق صاحب الأثر في استرداد أرضه إذا تركها بلا زراعة. ولم يمض وقت طويل على صدور هذه اللائحة حتى مُنح حائزو أراضي الأوسية{{أراضي الأوسية: نوعٌ من الأراضي الزراعية يمنحها السلطان للملتزمين من المماليك، أو شيوخ البدو، وبعض العلماء، وكانت معفاة من الضرائب.}} حق توريثها بموجب أمر صدر في 13 رمضان 1271هـ/ 30 أيار/ مايو 1850م، مع النص على أن تؤول هذه الأراضي إلى الدولة بعد انقراض ذرية أصحابها من الذكور والإناث[31].
وفي سياق استكمال هذا المسار، صدرت اللائحة السعيدية في 24 ذي الحجة 1274هـ/ آب/ أغسطس عام 1858م، فجاءت أكثر شمولًا وتفصيلًا، ورسخت إطارًا قانونيًا أوسع لتنظيم الأرض الخراجية، فقد اعترفت بحق وراثة أبناء الفلاح المتوفى من الذكور والإناث وفق قسمة الشريعة الإسلامية، بشرط القدرة على زراعة الأرض وأداء ضرائبها، سواء مباشرة أو بواسطة وكلاء أو أوصياء، على أن تؤول الأرض إلى الحكومة وبيت المال عند انعدام الورثة. ونظمت أوضاع أطيان العائلات المقيدة باسم أرشد الأسرة، فأوجبت إعداد قوائم تقسيم تُحدد نصيب كل فرد بحضور شيخ البلد، وتُسجل في المحكمة الشرعية والمديرية، وأجازت فرز الاستحقاق لمن يرغب في الانفصال عن العائلة بعذر مقبول. كذلك سرت أحكامها على النساء الحائزات للأطيان المكلفة بأسمائهن، وحددت مدة خمسة أعوام يكتسب بعدها واضع اليد حق الحيازة إذا لم تكن الأرض مؤجرة أو مرهونة. ونظمت كذلك أوضاع الأراضي المرهونة بحسب مدة الرهن وحالات وفاة الراهن أو المرتهن. وأكدت اللائحة بصورة قاطعة أن ملكية الأراضي الخراجية الميرية تعود إلى بيت المال، وأنه ما للفلاح سوى حق الانتفاع، مع التمييز بين هذه الأراضي والأراضي العشرية التي استوجبت تعويض أصحابها عند نزعها للمنفعة العامة[32]. وبذلك مثّلت اللائحة الثانية ثم اللائحة السعيدية معًا مرحلة متقدمة في مسار تنظيم الحيازة الزراعية، جمعت بين توسيع نطاق الوراثة وتثبيت الانتفاع من جهة، وتأكيد سيادة الدولة على الأرض من جهة أخرى.
وإلى جانب هذا الإطار التشريعي، شهد الريف تدخلًا إداريًا مباشرًا، تمثّل في إضافة عهود جديدة إلى العهد القائم، إذ صدر أمر عالٍ لجميع المديريات الرئيسة بتقديم قرى هذه المديريات وإعطائها للمتعهدين من ذوي الاقتدار، مع إلزام بعض المتعهدين بسداد جميع البقايا المتراكمة على الأهالي حتى نهاية محصول صيف عام 1856م، في إطار السعي إلى تصفية المتأخرات وتنظيم الجباية[33]. كذلك استمرت أراضي المسموح {{أراضي المسموح: أراضٍ تُترك أو تُخصص لبعض شيوخ البدو أو القرى أو الجهات المنتفعة، ويُسمح لهم بالانتفاع بها دون فرض الضرائب المعتادة أو مع تخفيفها، مقابل القيام بخدمات للدولة، كحماية الطرق أو حفظ الأمن أو استصلاح الأراضي.}} قائمة حتى عام 1857م، حين فُرضت أعلى الضرائب الخراجية على النواحي التي وُجدت بها، وأُعطيَها واضعو اليد عليها، سواء أكانوا من المشايخ أم من الفلاحين، وهو ما يعكس تدخل الدولة المباشر في إعادة تنظيم الملكية الزراعية وزيادة إيراداتها[34].
وقد ارتبطت سياسة الأرض والزراعة في هذه المرحلة ارتباطًا وثيقًا بمشروع قناة السويس ونظام السخرة، إذ اتجهت الجهة المنفذة عمليًا إلى الاعتماد على السخرة بوصفها وسيلة تُخفف عنها الكلفة الباهظة للآلات، من حيث ثمنها وشحنها وتركيبها وتشغيلها وصيانتها، فضلًا عن أن صدور "لائحة العمال" في عهد محمد سعيد باشا جعل تفعيل هذا النظام متوقعًا ومتاحًا. ونتيجة لذلك، حُشدت أيدٍ بشرية على نطاق واسع للعمل في الحفر على نحو لم يراعِ انتظام المواسم الزراعية، فتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي بالغ، فقد استقر نمط يقوم على استدعاء نحو عشرين ألف عامل شهريًا على مدار العام، وهو ما كان يعني غياب ما يقارب ستين ألف فلاح في وقت واحد عن أعمالهم الزراعية، أي بمعدل يناهز 720 ألف رجل سنويًا. وتتضح فداحة هذا العبء إذا وُضع في سياقه السكاني والاجتماعي، إذ قُدر عدد سكان مصر في مطلع ستينيات القرن التاسع عشر بنحو 4.8 مليون نسمة، وكان عمال السخرة يُؤخذون أساسًا من المزارعين الذين شكّلوا عصب الحياة الاقتصادية القائمة آنذاك على الزراعة.[35]
وزاد من حدة هذا الضغط أن فئات واسعة تمتعت بالإعفاء من السخرة، مثل: سكان المدن، وأصحاب الحرف، والتجار، والبدو، ورجال الدين، فضلًا عن الشيوخ والنساء والأطفال، كذلك اتسعت الإعفاءات لتشمل القائمين بخدمة المساجد والزوايا والأضرحة، وأهالي البلاد التي تُزرع فيها الأرز لانشغالهم الكامل بزراعته، وهو ما جعل العبء الفعلي يقع على شريحة أضيق من سكان الريف. وإلى جانب السخرة المرتبطة بالقناة، ظل الفلاحون خاضعين لأشكال أخرى من العمل الإجباري لصالح الدولة، تمثلت في تطهير الترع، وتقوية الجسور، واستكمال خطوط السكك الحديدية، وغيرها من المشروعات العامة، وهو ما ضاعف من استنزاف طاقة الريف الإنتاجية.[36]
وأدى هذا الاستنزاف المتواصل لقوة العمل الريفية إلى تعميق أزمة الأيدي العاملة الزراعية، وهي أزمة كشفت حدود سياسة سعيد الزراعية في لحظة دولية فارقة، فقد تزامن تصاعد السخرة في حفر قناة السويس مع ظرف عالمي رفع الطلب على القطن المصري وفتح أمامه آفاقًا استثنائية للتوسع والإنتاج، غير أن سحب الفلاحين من الحقول حرم الزراعة استثمارَ هذه الفرصة على النطاق الممكن، فبينما كانت مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة تبقى بلا استغلال بسبب نقص العمالة، اتجه المزارعون الذين تمكنوا من الاحتفاظ بأيديهم العاملة إلى التوسع التلقائي في زراعة القطن استجابة لارتفاع أسعاره والإقبال الشديد عليه، وهو توسع لم يكن نتيجة توجيه حكومي منظم، بل كان تعبيرًا مباشرًا عن حوافز السوق. وقد ترتب على ذلك اختلال في التركيب المحصولي، إذ طغت زراعة القطن على حساب محاصيل الحبوب الأساسية، ولا سيما القمح والذرة، إلى حد لم تعد فيه كميات القمح المنتجة تكفي احتياجات الاستهلاك الداخلي، فاضطر الحكم خلال فترة وجيزة إلى استيراد القمح لسد النقص، ثم إلى التدخل بإصدار توجيهات تُلزم المزارعين بزراعة القمح وسائر الحبوب بنسبة معينة من أراضيهم[37].
كذلك أدى توجيه العمال إلى أعمال الحفر، بدل استبقائهم في الحقول أو توجيههم إلى الأراضي القابلة للزراعة التي ظلت مهملة، إلى خسائر اقتصادية غير مباشرة، سواء من حيث ضياع عائدات محتملة، أو من حيث اضطراب التوازن بين محاصيل التصدير ومحاصيل الغذاء. وبذلك غدت السخرة عنصرًا مركزيًا في فهم العلاقة بين مشروع قناة السويس والزراعة في عهد محمد سعيد باشا، بما حملته من آثار ممتدة على الإنتاج الزراعي، وعلى موقع القطن في الاقتصاد المصري، وعلى استقرار الريف خلال تلك الأعوام.
ترعة المحمودية عام 1892
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفيما يتصل بأعمال العمران المرتبطة بالزراعة، أولى محمد سعيد باشا عناية خاصة بتطهير ترعة المحمودية، التي كانت قد أصابها إهمال طويل منذ إنشائها في عهد محمد علي، وتفاقم حالها في عهد عباس الأول حتى كادت تفقد قدرتها على أداء وظائفها في الري والملاحة. وقد نُفذ مشروع التطهير في عملية واسعة النطاق، شارك فيها عدد كبير من الفلاحين، وأُنجزت في زمن قياسي مع تنظيم محكم للعمل وعناية بصحة العمال. وأسهم نجاح هذا المشروع في استعادة الترعة لدورها الحيوي في الزراعة والنقل، لكنه كان في الوقت نفسه عاملًا مباشرًا شجّع فرديناند دي لسبس على الدفع نحو الاعتماد المكثف على الفلاحين في أعمال حفر قناة السويس، اعتمادًا على ما بدا من قدرتهم على إنجاز الأعمال الشاقة بسرعة وانتظام[38]، وهو ما انعكس لاحقًا سلبًا على الزراعة والاقتصاد الريفي.
الجيش والبحرية
احتلّ الجيش والبحرية موقعًا مركزيًا في سياسة محمد سعيد باشا، سواء بوصفهما أداتين لضبط الداخل، أو باعتبارهما عنصرين فاعلين في علاقات مصر الخارجية، ولا سيما في ظل تداخل المصالح الدولية في المنطقة، وتوتر العلاقة مع الدولة العثمانية، وارتباط السياسة العسكرية بقضية قناة السويس وما أفرزته من تحديات أمنية واقتصادية.
ارتبط محمد سعيد باشا بالمؤسسة العسكرية ارتباطًا وثيقًا منذ نشأته الأولى، إذ تلقى تدريبه المبكر في الأسطول، وهو ما أسهم في تكوين ميل واضح إلى الحياة الحربية بريةً وبحرية. وقد انعكس ذلك بعد توليه الحكم في اهتمام مباشر بشؤون الجيش، فكان يقيم فترات طويلة في معسكراته، وتُعرض عليه شؤون الحكم وهو بين جنوده، ويحرص على التنقل بهم في أنحاء البلاد. وجاء هذا الاهتمام في سياق محاولته معالجة حالة الاضمحلال التي كان الجيش قد بلغها في عهد عباس الأول، بعد أن فقد كثيرًا من تنظيمه وروحه ومكانته التي اتسم بها في عهدي محمد علي وإبراهيم باشا. ومن ثمّ اتجه سعيد باشا إلى إعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية ماديًا ومعنويًا، وإلى إضفاء طابع وطني أوضح عليها، بوصفها أداة للدفاع وضبط الأمن، لا مجرد جهاز تابع للسلطة.
وفي هذا الإطار، أُدخلت إصلاحات مهمة على نظام التجنيد، تمثلت في تقصير مدة الخدمة العسكرية وجعلها إجبارية على جميع الشبان، بعد أن كانت الخدمة الطويلة السابقة مقصورة في الغالب على الطبقات الفقيرة، وهو ما رسّخ في الوعي الاجتماعي صورة التجنيد باعتباره نوعًا من السخرة. وقد أدى تقصير مدة الخدمة إلى طمأنة الأهالي على مصير أبنائهم، وإلى تخفيف النفور الاجتماعي من الجندية، ولا سيما مع تعميم مبدأ الاقتراع بحيث يشمل أبناء المشايخ والعمد وأقاربهم، إلى جانب سائر الفلاحين، وهو ما منح الخدمة العسكرية طابعًا عامًا وأسهم في رفع مكانتها الاجتماعية. وإلى جانب ذلك، عُني سعيد باشا بتحسين أوضاع الجنود من حيث الغذاء والمسكن والملبس وحسن المعاملة، حتى صار كثير منهم يشعر بأن أوضاعه داخل الجيش أفضل مما كانت عليه في قراهم، وهو ما ساعد على ترسيخ قيم النظام والانضباط والنظافة، وانتقال بعض هذه القيم إلى الريف مع عودة المجندين بعد انتهاء خدمتهم. كذلك أولى اهتمامًا بترقية الضباط المصريين وفتح سبل التقدم أمامهم، بعد أن كانت الرتب العليا حكرًا على عناصر غير مصرية، فارتقى في عهده عدد معتبر من الضباط المحليين إلى مراتب عسكرية متقدمة[39].
غير أن سياسة محمد سعيد باشا تجاه الجيش لم تتسم بالثبات، إذ طغى عليها قدر من التقلّب وعدم الاستقرار في القرار، تبعًا للظروف السياسية والمالية، ففي بعض المراحل، ولا سيما عند توتر علاقته بالدولة العثمانية على خلفية مسألة قناة السويس، اتجه إلى إعادة تنظيم الجيش وتوسيعه، فاستدعى الضباط، ونظم الفيالق، وقاد القوات بنفسه، وأقام معسكرًا في مريوط مدة ثلاثة أشهر أُجريت خلالها مناورات عسكرية متواصلة، وبلغ عدد الجيش آنذاك نحو أربعة وستين ألف مقاتل، غير أنه ما لبث، مع تحسن العلاقات السياسية أو تحت ضغط الأعباء المالية، أن عاد إلى تقليص القوة العسكرية بصورة حادة[40].
وقد بلغ هذا التراجع مداه في أواخر عهده، حين انخفضت القوة الحربية المصرية إلى مستوى بالغ الضعف، إذ لم تعد تتجاوز بضع وحدات محدودة قوامها أربع أورطات من المشاة، وثلاث من الفرسان، وبطاريتين من المدفعية، ليبلغ مجموع القوة العاملة نحو ثلاثة آلاف جندي تقريبًا. وجاء هذا الانكماش في إطار بنية عسكرية كانت تتألف نظريًا من ثلاثة أقسام: الجيش النظامي والاحتياطي، والقوات غير النظامية، ورجال الشرطة، غير أن الوزن الفعلي لهذه التشكيلات تقلص إلى حد جعلها عاجزة عن مواجهة أي تهديد خارجي جدي[41]. وأسهم في هذا الضعف توجيه أعداد كبيرة من المقترعين إلى أعمال حفر قناة السويس، فضلًا عن اعتبارات مالية وإدارية دفعت الوالي في فترات إلى التضحية بالجاهزية العسكرية. وبذلك ظل الجيش في عهد محمد سعيد باشا مجالًا لإصلاحات ذات طابع وطني واجتماعي من جهة، وميدانًا لتقلبات القرار السياسي والاقتصادي من جهة أخرى، وهو ما انعكس سلبًا على تماسكه وقدرته الدفاعية في الأعوام الأخيرة من الحكم.
أما البحرية، فقد كانت تمثل الامتداد الطبيعي لميول محمد سعيد باشا بحكم نشأته وتكوينه الأول، إذ انتظم في سلك الأسطول قبل توليه الحكم، وعرف قيمته العسكرية والاستراتيجية. وقد اتجه في بداية عهده إلى محاولة إحياء البحرية المصرية بعد ما أصابها من إهمال واضمحلال في عهد عباس الأول، فأمر بإصلاح السفن الحربية القائمة وإنشاء سفن جديدة، غير أن هذه المحاولة اصطدمت بمعارضة بريطانية واضحة، إذ خشيت إنجلترا عودة مصر إلى امتلاك قوة بحرية فاعلة على غرار ما كان عليه الحال في عهد محمد علي، فسعت إلى التأثير في السلطان العثماني لإلزام سعيد باشا بالكف عن تجديد الأسطول أو إنشاء سفن جديدة إلا بإذن صريح من الباب العالي. وقد أدى هذا التدخل إلى تقويض مشروع إحياء البحرية الحربية، وانتهى الأمر إلى اضمحلالها، إذ أُمر بتكسير معظم السفن الراسية في دار الصناعة بالإسكندرية وبيع أخشابها أو إتلافها، وتسريح عدد كبير من ضباطها وجنودها، مع إدخال بعضهم في وظائف مدنية. وأسهم في هذا التراجع أيضًا عجز مصر عن مواكبة التحول الأوروبي من السفن الشراعية إلى السفن الحربية البخارية، وهو ما زاد الفجوة التقنية بينها وبين الأساطيل الأوروبية. وفي المقابل، انصرف اهتمام محمد سعيد باشا إلى تنمية الملاحة غير الحربية، فأنشأ إدارة للملاحة النيلية، وابتاع لها عددًا من البواخر، كذلك أسس شركتين للملاحة: إحداهما بحرية، والأخرى نيلية، وهو ما يعكس انتقال التركيز من البحرية الحربية إلى الملاحة التجارية والنقلين: الداخلي والخارجي.[42]
التعليم والثقافة
لم يشهد عهد محمد سعيد باشا إحياءً فعليًا للنهضة التعليمية التي تبلورت في عصر محمد علي، بل استمر الجمود الذي أصاب التعليم في عهد سلفه عباس الأول، وظهر ضعف الاهتمام بالشأن التعليمي في جملة من القرارات والإجراءات التي انتهت إلى تفكيك البنية المؤسسية للتعليم الرسمي الموروث. ومع ذلك، اتسمت سياسة سعيد التعليمية بتداخل مسارين متعاقبين: تثبيت أولي عند مطلع العهد، أعقبه اتجاه قلَّص التعليم الحكومي المنظم، مقابل توسّع ملحوظ في دعم التعليم الأجنبي.
ففي اليوم التالي لتوليه الحكم في 14 تموز/ يوليو عام 1854م، وجّه محمد سعيد باشا كتابًا إلى مدير "ديوان المدارس" عبدي شكري باشا يأمره بالاستمرار في إدارة المدارس والاهتمام بشؤونها، وهو ما عكس في بدايته نزعة تثبيتية لا تغييرية، غير أن العام نفسه شهد تحولات متتابعة، إذ استُدعي رفاعة بك الطهطاوي من الخرطوم وأُعيد إلى القاهرة، وعُيّن أدهم باشا مفتشًا عامًا لـ"المهمات والمدارس"، ثم صدر أمر بوقف جميع العمائر في القاهرة والأقاليم بعد أن استنزفت ميزانية ديوان المدارس، وأعقب ذلك خطاب عبّر فيه الوالي عن عدم رضاه عن سير العمل التعليمي. وفي السياق ذاته، فُرق رجال العهد السابق، فأُبعد علي مبارك من نظارة المهندسخانة، وأُلحق بحملة أحمد باشا المنكلي المتجهة إلى حرب القرم، في مؤشر واضح على بدء التضييق المنهجي على المنظومة التعليمية القائمة[43].
وبين عامي 1854–1855، دخلت السياسة التعليمية مرحلة التفكيك المؤسسي الصريح، إذ صدر الأمر الرسمي بإلغاء "ديوان المدارس" وتصفية حساباته، وأُلحقت مدرستا الطب البشري والمهندسخانة بديوان الجهادية بعد انتقاء "التلاميذ والعملة الصالحين" منهما، ثم نُقلت بقية المصالح التابعة للديوان، ومنها المطبعة والجباية والكتبخانة، إلى "ديوان العموم". وتواصلت الإجراءات بأمر "فرز التلاميذ"، حيث فُصل من لم يبلغ العاشرة وأُعيد إلى أهله، وأُلحق الصالح من الكبار بفرق الجيش. وفي العام نفسه، وُضع مشروع "لائحة المكاتب الأهلية" بتعاون بين أدهم باشا ورفاعة الطهطاوي، بوصفه بديلًا شعبيًا محدود النطاق للتعليم بعد إلغاء المدارس الأميرية. كذلك استُكمل هذا الاتجاه بإلغاء "مدرسة المفرزة"، ضمن سياسة عامة لإغلاق عدد من المدارس التي أُنشئت في عهد محمد علي[44].
وفي هذا السياق، لم يحظَ التعليم الديني النظامي بالدعم، إذ لم يلقَ "الجامع الأنور" بالإسكندرية عناية حقيقية من السلطة. وفي عام 1859، أُغلقت المدرسة الملحقة به قبل استكمال الفرقة الأخيرة من المرحلة التجهيزية، بعد أن كانت الدراسة فيها تمتد على مرحلتين: ابتدائية وتجهيزية، مدتهما معًا ستة أعوام، وهو ما أدى إلى انتقال عبء التعليم تقريبًا إلى الجامع نفسه وبعض المكاتب الأهلية الصغرى. ولم يُنشأ بديل حكومي ذو وزن إلا في أواخر العهد، حين أُسست مدرسة رأس التين الابتدائية عام 1863، فخفّفت جزئيًا العبء التعليمي الواقع على الجامع الأنور[45].
وفي مقابل هذا التراجع في التعليم الحكومي، حظيت المدارس التي أنشأتها الإرساليات الأجنبية بتشجيع مادي وأدبي واسع من محمد سعيد باشا حتى نهاية حكمه، فقد بلغ عدد هذه المدارس العشرات، وضمّت آلاف التلاميذ، وتلقّت دعمًا مباشرًا من السلطة، إذ مُنحت إعانات سنوية لراهبات "الراعي الصالح"، وكان لهن مدرستان في مصر والإسكندرية، كذلك قُدم الدعم لراهبات الصدقة في الإسكندرية، ووهبت الحكومة مبنى للبعثة الأمريكية اتخذته مدرسة لها. كذلك حصلت أول مدرسة إيطالية أنشأتها الحكومة الإيطالية في الإسكندرية على إعانة مالية قدرها 2400 جنيه، إضافة إلى قطعة أرض في إحدى أفضل جهات المدينة لإقامة المدرسة عليها. وبذلك غدت عناية الوالي بنشر التعليم الأجنبي أوضح وأكثر انتظامًا من اهتمامه بالتعليم الأهلي، وهو ما أبرز أحد أوجه التناقض في سياسته التعليمية[46].
وعلى الرغم من هذا التفكيك للمؤسسات التعليمية الحكومية، شهد العهد نشاطًا ثقافيًا وعلميًا محدودًا خارج الإطار التعليمي الرسمي. ويُنسب إلى محمد سعيد باشا دعم إنشاء "الجمعية الحديثة"، استجابة لمقترحات كونيغ بك وأوغست مارييت، لتتفرغ للبحث في "فنون الآداب المصرية والعلوم الوطنية". وقد أُنعم على أعضائها بامتيازات، وصدر عنهم كتاب جمع صور رؤساء الجمعية ملحقًا بصورة الوالي. ولم تأتِ هذه الجمعية بمعزل عن محاولات سابقة، إذ سبقتها "الجمعية الشرقية" ثم "جمعية مصر"، التي انصرفت إلى دراسة الفنون الشرقية واللغة والآثار، وأنشأت خزانة كتب واسعة عن مصر وأحوالها، انتقلت لاحقًا إلى الكتبخانة الخديوية[47] .
وعلى هذا النحو، اتسمت سياسة محمد سعيد باشا في مجال التعليم والثقافة بازدواجية واضحة، فمن جهة، تفكيك منظومة التعليم الحكومي التي أرساها محمد علي بلا بناء بديل مؤسسي مكافئ، ومن جهة أخرى، تشجيع واسع للتعليم الأجنبي والنشاط الثقافي غير الرسمي. وهو ما جعل عهده يمثل مرحلة انتقالية اتسمت بتراجع التعليم الأهلي المنظم، مقابل انفتاح ثقافي وتعليمي على المؤسسات الأجنبية، من دون أن يفضي ذلك إلى مشروع تعليمي وطني متكامل.
نهاية عهده وفاته
إسماعيل باشا (حكم مصر بين 1863-1879).
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مع مطلع ستينيات القرن التاسع عشر، بدأت ملامح التراجع الصحي والسياسي تظهر بوضوح في عهد محمد سعيد باشا، فقد عانى في أعوامه الأخيرة مرضًا عُضالًا أضعف قدرته على مباشرة شؤون الحكم بصورة منتظمة، وتزامن ذلك مع تصاعد أعباء مالية جسيمة نتجت عن الالتزامات المتزايدة لمشروع قناة السويس، واتساع دائرة الديون الخارجية، فضلًا عن اضطراب الجهاز الإداري نتيجة تقلب القرارات بين الإلغاء وإعادة التنظيم. وأمام هذا الوضع، أخذ محمد سعيد باشا ينسحب تدريجيًا من إدارة الدولة، مكتفيًا بالإقامة في الإسكندرية، مع اعتماده المتزايد على ولي عهده إسماعيل باشا في تسيير الشؤون اليومية للحكم.
وعلى الرغم من هذا الانكفاء النسبي، ظل محمد سعيد باشا حتى أواخر عهده داعمًا سياسيًا لمشروع قناة السويس، بوصفه أحد الركائز الأساسية لسياسته الاقتصادية والخارجية، ففي 18 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1862م احتُفل بفتح أول جزء من القناة، بوصول مياه البحر المتوسط إلى بحيرة التمساح، وكان الوالي لا يزال رسميًا على رأس السلطة في مصر، محافظًا على دعمه المباشر للمشروع [48]، رغم ما كان قد ترتب عليه من أعباء مالية وإدارية متزايدة على الدولة.
وفي هذه المرحلة، كثّف سعيد باشا من تفويضاته لولي عهده، فأنابه رسميًا في إدارة البلاد في أثناء أسفاره للعلاج، وأتاح له ممارسة فعلية لشؤون الإدارة والجيش والسياسة الخارجية، وهو ما مهّد عمليًا لانتقال السلطة. وبحلول أواخر عام 1862، كانت مقاليد الحكم قد انتقلت فعليًا إلى إسماعيل باشا، في ظل تدهور صحة الوالي وتراجعه عن المشاركة المباشرة في شؤون الحكم.
وفي صبيحة 27 رجب 1279 الموافق 18 كانون الثاني/ يناير عام 1863م، تُوفي محمد سعيد باشا في الإسكندرية عن عمر ناهز اثنين وأربعين عامًا، بعد حكم دام قرابة تسعة أعوام، ودُفن بمسجد النبي دانيال[49]، ليُعلن عقب ذلك تولي إسماعيل باشا حكم مصر بوصفه الأرشد من آل محمد علي.
وقد مثّل عهد محمد سعيد باشا، بما انطوى عليه من إصلاحات مترددة واختيارات كبرى مثيرة للجدل، مرحلة انتقالية حاسمة بين دولة محمد علي المركزية وبين التحولات العميقة التي ستشهدها مصر في عصر إسماعيل، ولا سيما على صعيد المالية العامة، وبنية الإدارة، والعلاقة المتشابكة مع القوى الأوروبية، وفي مقدمتها مشروع قناة السويس وما ترتب عليه من آثار بعيدة المدى.
المراجع
أمين، جلال. قصة الاقتصاد المصري: من عهد محمد علي إلى عهد مبارك. القاهرة: دار الشروق، 2012.
بركات، علي. تطور الملكية الزراعية في مصر وأثره على الحركة السياسية (1813–1914). القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1977.
ثابت، ياسر. قصة الثروة في مصر. القاهرة: دار اكتب للنشر والتوزيع، 2023.
"ديون الدول والدين المصري". المقتطف. مج 45. العدد 6 (1 كانون الأول/ ديسمبر 1914).
الرافعي، عبد الرحمن. عصر إسماعيل. ج 1. ط 4. القاهرة: دار المعارف، 1987.
زينية، خليل. تقويم المرآة 1925: مجموعة سنوية مصوّرة. القاهرة: مطبعة المقتطف والمقطم، 1925.
سامي، أمين. تقويم النيل: وأسماء من تولوا أمر مصر ومدة حكمهم عليها وملاحظات تاريخية عن أحوال الخلافة العامة وشؤون مصر الخاصة عن المدة من غضون سنة 1264- 27 رجب سنة 1279 هجرية (1848-1863 ميلادية). مج 1. ج 3. القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1936.
السروجي، محمد محمود. الجيش المصري في القرن التاسع عشر. القاهرة: دار المعارف، 1967.
الشناوي، عبد العزيز محمد. السخرة في حفر قناة السويس. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002.
شاروبيم، ميخائيل. الكافي في تاريخ مصر القديم والحديث. ج 4. القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر المحمية، 1900.
شيخو، لويس. "كتاب الذهب أو القرن المئوي للجمعية العلمية المصرية". المشرق. السنة 3. العدد 5 (1 آذار/ مارس 1900).
صفوت، محمد مصطفى. إنجلترا وقناة السويس 1854-1951. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2019 [1952].
عبد الكريم، أحمد عزت. تاريخالتعليم في مصر من نهاية حكم محمد علي إلى أوائل حكم توفيق (1848–1882). ج 1. القاهرة: وزارة المعارف العمومية، 1945.
علي، محمد كرد. خطط الشام. مج 4–6. دمشق: المطبعة الحديثة، 1925.
العشماوي، محمد فؤاد. مخصصات الأسرة الحاكمة في مصر منذ محمد علي حتى ثورة يوليو 1952. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2023.
فؤاد، فرج سليمان. الكنز الثمين لعظماء المصريين. ج 1. القاهرة: مطبعة الاعتماد، 1917.
الفحام، إبراهيم محمد. "الجامع الأنور". مجلة الأزهر. مج 41. العدد 5 (رجب 1389ه - أيلول/ سبتمبر 1969م).
المعموري، هادي جبار حسون. الخديوي إسماعيل: حياته ودوره السياسي والعسكري. الحازمية: الدار العربية للموسوعات، 2014.
نجم، زين العابدين شمس الدين. مصر في عهدي عباس وسعيد. القاهرة: دار الشروق، 2007.
يانج، جورج. تاريخ مصر: من عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل. ترجمة علي أحمد شكري. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1990.
[1] هادي جبار حسون المعموري، الخديوي إسماعيل: حياته ودوره السياسي والعسكري (الحازمية: الدار العربية للموسوعات، 2014)، ص 33.
[2] عبد الرحمن الرافعي، عصر إسماعيل، ج 1، ط 4 (القاهرة: دار المعارف، 1987)، ص 23-24.
[3] أمين سامي، تقويم النيل: وأسماء من تولوا أمر مصر ومدة حكمهم عليها وملاحظات تاريخية عن أحوال الخلافة العامة وشؤون مصر الخاصة عن المدة من غضون سنة 1264- 27 رجب سنة 1279 هجرية (1848-1863 ميلادية)، مج 1، ج 3 (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1936)، ص 74-76.
[4] المرجع نفسه، ص 75-78.
[5] المعموري، ص 33.
[6] المرجع نفسه، ص 33.
[7] محمد فؤاد العشماوي، مخصصات الأسرة الحاكمة في مصر منذ محمد علي حتى ثورة يوليو 1952 (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2023)، ص 84-86.
[8] سامي، ص 77-78.
[9] الرافعي، ص 44-45.
[10] المعموري، ص 36.
[11] الرافعي، ص 45.
[12] جورج يانج، تاريخ مصر: من عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل، ترجمة علي أحمد شكري (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1990)، ص 190.
[13] خليل زينية، تقويم المرآة 1925: مجموعة سنوية مصوّرة (القاهرة: مطبعة المقتطف والمقطم، 1925)، ص 256.
[14] محمد مصطفى صفوت، إنجلترا وقناة السويس 1854-1951 (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2019 [1952])، ص 20-21.
[15] محمد كرد علي، خطط الشام، مج 4–6 (دمشق: المطبعة الحديثة، 1925)، ص 159–161.
[16] يانج، ص 214-224.
[17] ياسر ثابت، قصة الثروة في مصر (القاهرة: دار أكتب للنشر والتوزيع، 2023)؛ فرج سليمان فؤاد، الكنز الثمين لعظماء المصريين، ج 1 (القاهرة: مطبعة الاعتماد، 1917)، ص 50.
[18] ثابت، مرجع سابق.
[19] يانج، ص 219-220.
[20] فؤاد، ص 51؛ علي، ص 159–161.
[21] الرافعي، ص 35-37.
[22] المرجع نفسه، ص 37-39.
[23] يانج، ص 187-196؛ الرافعي، ص 39-41.
[24] ميخائيل شاروبيم، الكافي في تاريخ مصر القديم والحديث، ج 4 (القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر المحمية، 1900)، ص 120-125.
[25] جلال أمين، قصة الاقتصاد المصري: من عهد محمد علي إلى عهد مبارك (القاهرة: دار الشروق، 2012)، ص 19.
[26] المرجع نفسه.
[27] المرجع نفسه، ص 19-20.
[28] "ديون الدول والدين المصري"، المقتطف، مج 45، العدد 6 (1 كانون الأول/ ديسمبر 1914)، ص 523.
[29] يانج، ص 214-224.
[30] أمين، ص 20.
[31] علي بركات، تطور الملكية الزراعية في مصر وأثره على الحركة السياسية (1813–1914) (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1977)، ص 56-57.
[32] المرجع نفسه، ص 57-59.
[33] المرجع نفسه، ص 105.
[34] زين العابدين شمس الدين نجم، مصر في عهدي عباس وسعيد (القاهرة: دار الشروق، 2007).
[35] عبد العزيز محمد الشناوي، السخرة في حفر قناة السويس (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002)، ص 300-306.
[36] المرجع نفسه.
[37] المرجع نفسه، ص 307-316.
[38] الرافعي، ص 26-27.
[39] الرافعي، ص 28-30.
[40] المرجع نفسه، ص 31.
[41] محمد محمود السروجي، الجيش المصري في القرن التاسع عشر (القاهرة: دار المعارف، 1967)، ص 357.
[42] الرافعي، ص 32-33.
[43] أحمد عزت عبد الكريم، تاريخالتعليم في مصر من نهاية حكم محمد علي إلى أوائل حكم توفيق (1848–1882)، ج 1 (القاهرة: وزارة المعارف العمومية، 1945)، ص 172-173.
[44] المرجع نفسه، ص 174-178.
[45] إبراهيم محمد الفحام، "الجامع الأنور"، مجلة الأزهر، مج 41، العدد 5 (رجب 1389ه - أيلول/ سبتمبر 1969م)، ص 371-372.
[46] الرافعي، ص 44.
[47] لويس شيخو، "كتاب الذهب أو القرن المئوي للجمعية العلمية المصرية"، المشرق، السنة 3، العدد 5 (1 آذار/ مارس 1900)، ص 195-196.
[48] علي، ص 159–161.
[49] يانج، ص 224؛ الرافعي، ص 66.