الموجز
محمد الدغباجي (1885-1924)، مقاوم تونسي للاحتلال الفرنسي من قبيلة بني يزيد. فر من الجيش الفرنسي عام 1915، وقاد بين عامي 1918 و1920 سلسلة من العمليات العسكرية في الجنوب التونسي، قبل أن يلجاً إلى الأراضي الطرابلسية. وفي عام 1924، اعتقله الإيطاليون، ليسلّموه بدورهم إلى السلطات الفرنسية بتونس، وصدر عليه حكم بالإعدام، نُفّذ بحقه في سوق موطنه بلدة الحامة، في آذار/ مارس من العام نفسه. وقد احتل مكانة بارزة في الذاكرة الشعبية، إذ تناولته القصائد والملاحم الشعبية التونسية.
نشأته وبداياته
ولد محمد بن صالح بن محمد زمزم الدغباجي الخريجي المُكنى بـالدغباجي نحو عام 1885، في دوار عرشه، بمنطقة وادي الزيتون، الواقعة على مسافة 30 كيلومترًا شمال مدينة الحامة. تعلم في طفولته، على يدي مؤدب، بعض سور القرآن الكريم، مع ما يتبع ذلك من المبادئ الأولية للقراءة والكتابة. وبعد أن شبّ، اهتم-مثل سائر أبناء جيله-بأعمال الزراعة. ثم جُنّد في الجيش الفرنسي عام 1907، إلى أن أتمَّ مدة الجندية، بعد ثلاثة أعوام، في عام 1910[1]. وبعد ثلاثة أعوام أخرى، عاد إلى الجيش متطوعًا، بسبب ضيق الأحوال المعيشية.
في عام 1914، اندلعت الحرب العالمية الأولى، وكانت لها انعكاساتها على مكانة فرنسا ووضعيتها في البلاد التونسية، وبخاصة في أقصى الجنوب، إذ اندلعت الثورة في عام 1915، بالتفاعل مع حركة المقاومة التي انطلقت ضد الاحتلال الإيطالي في الأراضي الطرابلسية، بقيادة خليفة بن عسكر (1878-1922). وقد أُرسل محمد الدغباجي ضمن التعزيزات العسكرية لمواجهة ثورة الجنوب، لكن المقاومين ألحقوا الهزيمة بالقوات الفرنسية قرب الذهيبة، على الحدود التونسية-الليبية. في تلك الظروف، قرر محمد الدغباجي الفرار من الجيش الفرنسي والالتحاق بصفوف المقاومين، قبل أن يبرز اسمه في القتال، ويسمع به الثائر الليبي خليفة بن عسكر، وتتوثق صلته به. وقد ذاع صيته بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، إذ عاد ليستقر في المجال الجبلي بين الحامة وقفصة، وقاد، مع عدد من رفاقه، حركة مقاومة ضد القوات الفرنسية.
العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال:
خاض محمد الدغباجي، بين عامي 1918 و1920، عددًا من الوقائع ضد الاحتلال الفرنسي، أهمها، وفق التسلسل الزمني:
- واقعة خنقة عيشة: وقعت غرب بلدة وذرف، على الطريق من قابس إلى قفصة. وقد كانت، بحسب محمد المرزوقي، في أوائل عام 1919، واشتركت فيها مجموعة الدغباجي، إلى جانب مجموعة البشير بن سديرة الذي فرَّ هو أيضًا من الجندية. وأسفرت المعركة ضد قوات العساكر والقومية عن مقتل بعض أعوان السلطة، واستحوذ المقاومون على "كمية من الأسلحة، وأربعة من الخيول".
- واقعة المحفورة: وقعت بتراب قفصة، وقد شارك فيها الدغباجي مع البشير بن سديرة. ودارت في عام 1919، إذ قدِمت إلى المنطقة فرقة من الفرسان أو الخيالة (الصبايحية)، غير أن الثوّار انسحبوا من دون أن يلحق بهم أذى.
- واقعة الزلوزة: وقعت قرب جبل حديفة، على طريق منطقة السقي. وقد دارت في غرة كانون الثاني/ يناير 1920، وقتل فيها الدغباجي عريف خيّالة عسكريًا فرنسيًا (Brigadier)، ثم انسحب مع مجموعته، فحاصرت القوات الفرنسية بلدة الحامة للتنكيل بسكانها والضغط عليهم.
- واقعة المغذية: دارت في 6 نيسان/ أبريل 1920. كانت مجموعة محمد الدغباجي تتكون، في معظمها، من أبناء عمومته من بني يزيد، إلى جانب عناصر من مناطق أخرى. أما القوات الحكومية، فكانت تتكون، في غالبها هي الأخرى، من بني يزيد، وكانت تضم زهاء ثلاثمئة مقاتل، وعلى رأسها عمار بن عبد الله[2]. وقد دارت الواقعة في اليوم نفسه الذي نزل فيه الدغباجي ومجموعته في المغذية من دوّار الغرايرة (معتمدية الصخيرة حاليًا)، إذ هاجمتهم القوات الحكومية التي كانت تتابعهم عن بعد، ولم تترك لهم الفرصة للتمركز، وأطبقت عليهم، غير أن عناصر منها من بني يزيد سعوا إلى إيقاف القتال، بدعوى التفاوض مع الدغباجي لتسليم نفسه، فاستغل الفرصة للانسحاب ليلًا، بعد أن جُرح هو وعدد من رفاقه، مقابل قتل ثلاثة من القوات الحكومية[3].
- واقعة الجلبانية: وقعت غرب بلدة بني خدّاش في الجنوب التونسي بحوالي 25 كيلومترًا، إذ أرسلت السلطة فصيلًا من أعوانها، وعددًا من المسلحين المحليين الموالين لها، لمطاردة الدغباجي وجماعته. ودارت الواقعة بين الجانبين في 12 نيسان/ أبريل 1920، وأسفرت عن سقوط عدد من القتلى. اجتاز بعدها الدغباجي الحدود الطرابلسية، وانضم إلى القائد خليفة بن عسكر. وفي الأثناء، حوكم غيابيًا، في 21 نيسان/ أبريل 1921، وأصدرت عليه المحكمة العسكرية حكمًا بالإعدام.
محاكمته وإعدامه
بعد تراجع حركة المقاومة الطرابلسية للإيطاليين، قُبض على خليفة بن عسكر وأُعدم. كما اعتقلت السلطات الإيطالية محمد الدغباجي وسلّمته إلى القوات الفرنسية، فأحالته إلى محكمة عسكرية قضت بإعدامه. وفي 1 آذار/ مارس 1924، نُفّذ فيه الحكم في سوق الحامة، لترهيب الأهالي وردع حركة المقاومة. وقد وثّق هذا الحدث الشاعر الشعبي بلقاسم كانون في قصيدة مشهورة.[4]:
الدغباجي في التراث والشعر الشعبي
احتل الدغباجي مكانة بارزة في الذاكرة الجماعية في تونس؛ إذ تناولت القصائد الشعبية مواجهاته المسلحة ضد القوات الاستعمارية وأعوانها. ومن أشهر تلك القصائد "جوا خمسة يقصّوا في الجرة"[5]، للشاعر علي الورثة الحمروني، التي جاء في مطلعها:
جُوا خمسة يقصّوا في الجُرة | وملك الموت يراجي |
ولحقوا مولى العركة المرة
| المشهور الدغباجي |
وقد استمدت هذه القصيدة شهرتها من تلحينها وغنائها في المحافل، قبل أن يؤديها الفنان الشعبي إسماعيل الحطاب (1925-1994). ولم تكن القصيدة الوحيدة التي تناولت مواقف الدغباجي، إذ كتب عنه شعراء آخرون، منهم مبارك بن عمر الزيتوني (من بلدة الزركين)، والفيتوري تليش (ت 1944)، والحاج علي الوحيشي الحمروني (من بلدة عرام من ولاية قابس، ت. 1932).
المراجع
خريف، محيي الدين. "صورة الدغباجي في الشعر الشعبي". الحياة الثقافية. العدد 59 (تشرين الأول/ أكتوبر 1990).
كريم، عبد المجيد والهادي جلاب. الحركة الإصلاحية بالبلاد التونسية بين 1815 و1920: وثائق معرض. تونس: منشورات المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية، 1994.
المرزوقي، محمد. "من وقائع الدغباجي: واقعة المغذية 6 أفريل 1920". الفكر. مج 13. العدد 1 (تشرين الأول/ أكتوبر 1967).
[1] محيي الدين خريف، "صورة الدغباجي في الشعر الشعبي"، الحياة الثقافية، العدد 59 (تشرين الأول/ أكتوبر 1990)، ص 39-40.
[2] محمد المرزوقي، "من وقائع الدغباجي: واقعة المغذية 6 أفريل 1920"، الفكر، مج 13، ع 1 (تشرين الأول/ أكتوبر 1967)، ص 26.
[3] المرجع نفسه، ص 28-29.
[4] خريف، ص 47-48.
[5] عبد المجيد كريم، والهادي جلاب، الحركة الإصلاحية بالبلاد التونسية بين 1815 و1920: وثائق معرض (تونس: منشورات المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية، 1994)، ص 200.