الموجز
تجربة ميسلسون وستال (Meselson–Stahl experiment) تجربة بيوكيميائية بسيطة، أجراها
ماثيو ميسلسون (Matthew Meselson، 1930-) وفرانكلين ستال (Franklin Stahl، 1929-2025) عام 1958، ونشراها في مجلة
وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأميركية (Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America)[1]. تُعَدّ تجربة ميسلسون-ستال واحدة من أكثر التجارب البسيطة تأثيرًا في
علم الأحياء الجزيئي (Molecular biology)، إذ قدَّمت دلائلَ تجريبيةً رصينةً داعمةً للنموذج شبه المحافظ لتضاعف الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (الدنا، DNA)، الذي افترضه
جيمس واطسون (James Watson، 1928-2025) وفرنسيس كريك (Francis Crick، 1916-2004) عام 1953[2].
الفرضيات السابقة لطريقة تضاعف الحمض النووي
بعد اقتراح واطسون وكريك للبنية الحلزونية المزدوجة لجزيء
الدنا، وقبل عمل ميسلسون وستال، كانت ثمة ثلاثة نماذج متنافسة تشرح آلية
تضاعف اللولب المزدوج للدنا: النموذج المحافظ (Conservative DNA replication)، وفيه يظل جزيء
الدنا الأصلي سليمًا، ويعمل فقط بوصفه قالبًا لتخليق جزيء جديد تمامًا؛ والنموذج شبه المحافظ، إذ تعمل كلٌّ من السلسلتَيْن الأبويتَيْن لجزيء الدنا الأصلي بوصفه قالبًا، وتصبحان مقترنتَيْن بسلسلة متمّمة تُصنَّع حديثًا، على النحو الذي يحتوي فيه كل لولب مستحدَث على سلسلة قديمة أو أصلية وأخرى جديدة؛ والنموذج المبعثر (Dispersive DNA replication)، إذ يتخلّل الدنا الأبوي أجزاء من الدنا المُصنّع حديثًا في كلتا سلسلتَي الجزيئات البنوية بطريقة عشوائية[3].
استدعت الحاجة إلى الاختيار من بين هذه الاحتمالات، تصميمَ تجربة قادرة على التمييز بين
الدنا الأبوي (القديم) وذلك المُصنّع حديثًا، بناءً على بعض العلامات القابلة للقياس. تمثّلت الرؤية الحاسمة لميسلسون وستال في استغلال
الكثافات الطافية التفاضلية (Differential buoyant density) لجزيئات الدنا، الموسومة بنظائر النيتروجين الثقيلة مقابل الخفيفة، بإثبات أن التضاعف يكون عن طريق النموذج شبه المحافظ[4].
تصميم التجربة ونتائجها
زرع ميسلسون وستال البكتيرياالإشريكية القولونية (Escherichia coli) في وسطٍ كان مصدر النيتروجين الوحيد فيه هو
النظير {{النظائر: (Isotopes) أشكال مختلفة للعنصر الكيميائي نفسه، تمتلك عدد البروتونات نفسه في النواة، مع اختلاف عدد النيوترونات، مما يُنتِج عناصرَ ذات العدد الذري نفسه، ولكنها كتل ذرية مختلفة، مع احتفاظها بخصائص كيميائية متشابهة.}} المستقرّ الثقيل
15N (كلوريد الأمونيوم المحتوي على النيتروجين الثقيل ذي
الكتلة الذرية النسبية {{الكتلةالذريةالنسبية: هي معدّل الكتلة الموزونة لذرّات العنصر، بحسب وفرة نظائره الطبيعية، مقارنةً بواحد على اثني عشر من كتلة ذرة الكربون-12.}} 15،
15NH4Cl). استعملَت البكتيريا هذا النظير من النيتروجين في جزيئاتها الخلوية، وبعد أجيال كافية، وُسِمت الغالبية العظمى من جزيئات الدنا فيها بالنيتروجين الثقيل
15N، وقد أظهر كثافةً أعلى من الدنا الطبيعي الذي يحتوي على النظير الأشيع، وهو النيتروجين الخفيف
14N ذو
الكتلة الذرية النسبية 14.
بعد ذلك، نَقَلَ العالِمان البكتيريا ذات الدنا الثقيلة إلى وسط يحتوي فقط على نيتروجين خفيف
14N، وترَكَا المجال للبكتيريا للخضوع لعدد من جولات
تضاعف الدنا في الوسط الخفيف، على فترات زمنية محددة (جيل واحد، جيلَيْن، إلخ). بعد كل تضاعف، استخلصا الدنا من الخلايا، وأخضعاه لعملية الطرد المركزي ذات الكثافة المتباينة
عملية الطرد المركزي بالتدرج الكثافي {{عملية الطرد المركزي بالتدرج الكثافي: (Buoyant density centrifugation) تقنية فصل تُستخدم فيها جزيئات مثل الحمض النووي (DNA)، معلّقة في تدرّج كثافي، وتُعرَّض للطرد المركزي حتى تصل إلى موضع تتساوى فيه كثافتها مع كثافة المحلول المِلْحي المُحيط بها.}} في تدرّج كلوريد السيزيوم (CsCl density gradient). في هذه التقنية، تذهب جزيئات الدنا إلى موضعٍ في التدرّج، حيث تتساوى كثافتها بكثافة محلول كلوريد السيزيوم، مما يسمح بفصل الدنا الثقيل/ الكثيف (الذي يحتوي على
15N)، والدنا الخفيف (المحتوي حصريًا على
14N)، والدنا ذي الكثافات المتوسطة (الذي يحتوي على نِسَب متباينة من النظيرَيْن الثقيل والخفيف).
بعد جولة واحدة من التضاعف في وسط النيتروجين الخفيف
14N، لَحِظا أن الدنا المستخرَج كلّه قد وُجد عند كثافة واحدة كانت وسيطة بين الكثافتَيْن الثقيلة والخفيفة. استبعدت هذه الملاحظة النموذج المحافظ (الذي لو كان صحيحًا، فمن شأنه أن يتنبّأ بوجود شريط واحد عند الكثافة الثقيلة وآخر عند الكثافة الخفيفة)، في حين أنها توافقت مع كلٍّ من النموذجَيْن شبه المحافظ والمبعثر (الشكل 1). بعد جولة أخرى من التضاعف في وسط النيتروجين الخفيف
14N، لَحظا وجود شريطَيْن متميزَيْن بالكثافة نفسها، أحدهما عند الكثافة المتوسطة والآخر عند الكثافة الخفيفة، مما يتعارض مع النموذج المبعثر الذي من شأنه أن يتنبأ بشريط واحد فقط أخفّ تدريجيًا. اتّفقت هذه النتيجة مع النموذج شبه المحافظ، إذ تتكوّن نصف جزيئات الدنا بعد تضاعفَيْن من سلسلة قديمة واحدة (تحتوي على النيتروجين الثقيل
15N)، وسلسلة جديدة (تحتوي على النيتروجين الخفيف
14N)، مُكوّنةً شريطًا متوسّطَ الكثافة، في حين أن النصف الآخر يتكوّن من سلسلتَيْن جديدتَيْن (تحتويان على النيتروجين الخفيف
14N)، مكوّنًا شريطًا خفيف الكثافة (الشكل 1)[5].
فرانكلين ستال
ماثيو ميسلسون
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
[الشكل 1] تجربة ميسلسون وستال لإثبات آلية تضاعف الدنا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بتحليل أجيال أخرى، تطابقت النّسب النسبية للأشرطة مع توقّعات التضاعف شبه المحافظ، ما قدّم دليلًا قاطعًا على أن اللولب المزدوج للدنا في
البكتيريا يتضاعف بطريقة شبه محافظة، إذ يظلّ كل خيط أصلي سليمًا، ويعمل بوصفه قالبًا لشريط مُركّب حديثًا.
إرث التجربة
إن دقة تصميم التجربة، من النموّ في نظائر ثقيلة، وأخذ العيّنات في أجيال منفصلة، واستخراج الدنا في ظروف تحافظ على ارتباط السلسلتَيْن، واستخدام الطرد المركزي ذي الكثافة الطافية لتحليل فئات الكثافة المنفصلة، تعني أن البيانات كانت أقرب ما يكون إلى الوضوح في
علم الأحياء الجزيئي. في الواقع، لُقّبت التجربة بـ"أجمل تجربة في علم الأحياء"، لوضوحها المفاهيمي ونتيجتها الحاسمة[6]. وفي السياق العلمي الأوسع، لم تنجح تجربة ميسلسون-ستال في إثبات صحة التنبّؤ الميكانيكي الرئيس لنموذج اللولب المزدوج لواطسون وكريك فحسب (أي إن كل سلسلة تعمل بوصفها قالبًا)، بل إنها صاغت أيضًا نموذجًا منهجيًا في علم الأحياء الجزيئي، تمحور باستخدام الوسم النظيري، إلى جانب أساليب الفصل الفيزيائية الصارمة لتتبُّع مصير الجزيئات في الجسم الحَيّ. لقد أثبتت التجربة نجاحها منذ البداية، إذ اختار العالِمان البكتيريا الإشريكية القولونية، وهي تتميّز بسرعة النموّ، إذ تتضاعف خلال 20 دقيقة فقط في الظروف المثالية (جيل من البكتيريا مدته 20 دقيقة)، مما مَكّنهما من ملاحظة عدة أجيال في وقت قصير، وهو أمر مهمٌّ لدراسة انتقال أنماط الدنا بين الأجيال، هذا علاوة على سهولة تنميتها، ومتطلّباتها البسيطة. كانت آثار العمل عميقة، فقد أعطت الثقة لفكرة أن تضاعف المادة الوراثية عملية منظمة للغاية ومدفوعة بالقالب، ومن ثم دعمت الاكتشافات اللاحقة لشوكات التضاعف، وإنزيمات بوليميراز الدنا، وأصول التضاعف، والآلية الجزيئية الشاملة لتخليق الحمض النووي وإصلاحه وإعادة تركيبه[7].
علاوة على ذلك، كانت للتجربة قيمةٌ تعليميةٌ كبيرة، إذ كانت بمنزلة نموذج ناجح لاختبار الفرضيات، والتمييز بين النماذج البديلة وقوّة التصميم التجريبي الذكي. باختصار، ربطت تجربة ميسلسون-ستال بين النظرية والتجربة بأناقة، مُحوّلةً نموذجَ واطسون وكريك من رؤية تخمينية إلى آلية يمكن إثباتها. وقد قيل إن وضوحها وبساطتها ونتائجها الحاسمة جعلتها جميعًا تجربة فارقة في علوم الحياة[8].
المراجع
Alberts, Bruce et al.
Molecular Biology of the Cell. 7th ed. New York: W. W. Norton & Company, 2022.
Franklin, Allan & Ronald Laymon.
Once Can Be Enough. Cham: Springer, 2021.
Holmes, Frederic Lawrence.
Meselson, Stahl, and the Replication of DNA: A History of “The Most Beautiful Experiment in Biology”. New Haven, CT: Yale University Press, 2001.
Meselson, Matthew & Franklin W. Stahl. “The Replication of DNA in Escherichia coli.”
Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America. vol. 44, no. 7 (1958). p. 671-682.
Watson, James D. & Francis H. C. Crick. “Molecular Structure of Nucleic Acids: A Structure for Deoxyribose Nucleic Acid.”
Nature. vol. 171, no. 4356 (1953).
[1] Matthew Meselson & Franklin W. Stahl, “The Replication of DNA in Escherichia coli,”
Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America, vol. 44, no. 7 (1958), p. 671.
[2] James D. Watson & Francis H. C. Crick, “Molecular Structure of Nucleic Acids: A Structure for Deoxyribose Nucleic Acid,”
Nature, vol. 171, no. 4356 (1953), p. 737.
[3] Ibid.
[4] Meselson & Stahl, p. 672.
[5] Ibid.
[6] Allan Franklin & Ronald Laymon,
Once Can Be Enough, vol. 2 (Cham: Springer, 2021), pp. 9-29.
[7] See: Bruce Alberts et al.,
Molecular Biology of the Cell, 7th ed. (New York: W. W. Norton & Company, 2022).
[8] See: Frederic Lawrence Holmes,
Meselson, Stahl, and the Replication of DNA: A History of “The Most Beautiful Experiment in Biology” (New Haven, CT: Yale University Press, 2001).