تسجيل الدخول

الميلاتونين

(Melatonin)



حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


الاسمميلاتونين
الصيغة الجزيئيةC13H16N2O2
مرادفاتN-Acetyl-5-methoxytryptamine

5-Methoxy-N-acetyltryptamine

Circadin

NSC-113928
الاسم الكيميائي النظامي (IUPAC)N-[2-(5-Methoxy-1H-indol-3-yl)ethyl]acetamide
الكتلة المولية232.28 غرام/ مول
درجة الانصهار 
117 درجة مئوية 

243 فهرنهايت 

390 كلڤن
اللونكريم أبيض إلى مسحوق بلوري مصفر
رقم CAS73-31-4
معرّف DrugbankDB01065
معرّف PubChem896
معرّف CHEBICHEBI:17365
معرّف MESHD008991
رقم EC200-797-7200-797-7
معرّف KEGGC01598
UNIIJL5DK93RCL
الأشكال الدوائيةأقراص، كبسولات، محلول، نقاط في الفم، مكمل غذائي
التوافر حيوي30% - 50%
الأيضعن طريق إنزيم CYP1A2 في الكبد 
الإخراج بولي 

الموجز

الميلاتونين (Melatonin) هو هرمون رئيس تُفرزُه الغدة الصنوبرية (Pineal Gland) بشكل طبيعي، ويؤدي دورًا أساسيًا في تنظيم الإيقاع اليومي للجسم، ولا سيما دورة النوم واليقظة​. 

اكتُشف الميلاتونين وعُزل من الغدة الصنوبرية للأبقار عام 1958 على يد العالم الأميركي آرون ليرنر {{آرون ليرنر (Aaron Lerner، 1920-2007): عالم أميركي في الأمراض الجلدية والكيمياء الحيوية، اشتُهر باكتشاف هرمون الميلاتونين عام 1958 في جامعة ييل الأميركية، في أثناء دراسته للغدة الصنوبرية. يُنظّم هذا الهرمون دورة النوم والاستيقاظ والإيقاع الحيوي اليومي عند الإنسان.}}، وهو هرمون يرتبط بعدد من الوظائف الفيزيولوجية الأخرى، مثل تنظيم المناعة، وضغط الدم، ومقاومة الأورام السرطانية. كذلك أظهرت الدراسات علاقته بعدّة اضطرابات نفسية وجسدية، ما يجعله محورًا مهمًّا في الأبحاث الطبية الحديثة.

اكتشافه

اكتُشف هرمون الميلاتونين لأول مرة عام 1958، على يد العالم الأميركي آرون ليرنر (Aaron B. Lerner) وفريقه في جامعة ييل {{جامعة ييل (Yale University): جامعة خاصة أميركية عريقة، تأسَّست عام 1701 في نيوهافن، في ولاية كونيتيكت. تُعَدّ من جامعات Ivy League المرموقة عالميًا، وتشتهر ببرامجها القوية في القانون والطب والعلوم السياسية والآداب.}}، في أثناء دراستهم لمستخلصات من الغدة الصنوبرية لدى الأبقار[1]، فلحظوا أن هذا المستخلص يؤدي إلى تفتيح لون الجلد عند الضفادع، من خلال تأثيره في خلايا الميلانين (melanocytes)، أي إنه يُقلّل من إنتاج صبغة الميلانين. هذا التأثير لم يكن الهدف الأصلي للدراسة، لكنه أعطى الباحثين مؤشرًا واضحًا على وجود مادة هرمونية نشطة بيولوجيًا، أطلقوا عليها اسم ميلاتونين (Melatonin)، أي المادة التي تؤثر في صبغة الميلانين[2].

تلَتْ ذلك الاكتشافَ سلسلةٌ من الأبحاث والتجارب لدراسة تأثير الميلاتونين في الحيوانات، ولا سيما الثدييات مثل الفئران والجرذان، وذلك بحقن الحيوانات بمادة الميلاتونين، ومن خلال تتبُّع سلوكها اليومي. وقد لُوحظ أن الميلاتونين سَبَّب تغيّرات في نشاطها حسب الوقت من اليوم، أي إنه مرتبطٌ بالإيقاع اليومي، بل يتعدّى تأثيره فيها إلى تنظيم سلوكها، لا من خلال دورة النوم والاستيقاظ فقط، بل في العدوانية، والقدرة على التعلّم، والشهيّة، والنشاط الحركي[3].

شكل مركّبه الكيميائي

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الصيغة الكيميائية لمركّب الميلاتونين هي C₁₃H₁₆N₂O₂، ويبلغ وزنه الجزيئي 232.28 غرامًا/ مول. ويُعرَف وفق تسمية الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية (IUPAC) باسم N-[2-(5-methoxy-1H-indol-3-yl)ethyl]acetamide. ويُعَدّ أحد مشتقّات الأسيتاميدات (Acetamides)، وهي فئة من المركّبات العضوية التي تحتوي على مجموعة الأسيتاميد (-CONH₂). في هذا المركّب، استُبدلت إحدى ذرّات الهيدروجين المرتبطة بذرة النيتروجين في الأسيتاميد بمجموعة 2-(5-ميثوكسي-1H-إندول-3-يل) إيثيل. ويُعَدّ الحمض الأميني التريبتوفان (Tryptophan) المادة الأولية المسؤولة عن تكوين الميلاتونين داخل الجسم[4].

خصائصه الفيزيائية

يتميّز الميلاتونين بكونه صلبًا في درجة الحرارة العادية، ويتراوح لونه بين الأبيض الكريمي والمسحوق البلوري الأصفر الفاتح، وتبلغ درجة انصهاره نحو 117 درجة مئوية[5].

تحدث هذه التفاعلات داخل الخلايا الصنوبرية (Pinealocytes) في الغدة الصنوبرية (Pineal gland). بعد ذلك، يُحوَّل السيروتونين إلى ميلاتونين بوساطة إنزيمَيْن رئيسَيْن، هما: سيروتونين ن-أسيتيل ترانسفيراز (Serotonin N-acetyl transferase, AA-NAT)، وأسيتيل سيروتونين أو-ميثيل ترارنسفيراز (Acetylserotonin O-methyltransferase, ASMT)، ويُعرَف الأخير أيضًا باسم هيدروكسي إندول أو-ميثيل ترانسفيراز (Hydroxyindole O-methyltransferase, HIOMT). يُضيف الإنزيم سيروتونين ن-أسيتيل ترانسفيراز مجموعةَ أسيتيل (acetyl) إلى النيتروجين في مركّب السيروتونين، مُنتِجًا ن-أسيتيل سيروتونين (N-acetylserotonin)، وتُعَدّ هذه الخطوة الأهمّ، لأنها تُحدّد سرعة تصنيع الميلاتونين. ثم يضيف الإنزيم أسيتيل سيروتونين أو-ميثيل ترارنسفيراز مجموعةَ ميثيل (methyl) إلى الهيدروكسيل في المركّب السابق لينتج الميلاتونين. بعد اكتمال التصنيع، يُفرَز الميلاتونين في الدورة الدموية، فيصل إلى الأنسجة المركزية والطرفية، ويؤدّي وظائفه المختلفة في الجسم[6].

توزيع الميلاتونين في الجسم

بالرغم من أن هرمون الميلاتونين يُصَنَّع في الغدة الصنوبرية، فإنه يوجد في الجسم في مواضع مختلفة، كشبكية العين (Retina)، وخلايا نخاع العظم (Bone marrow cells)، والصفائح الدموية (Platelets)، والمُخيخ (Cerebellum)، والجلد (Skin)، والخلايا اللمفاوية (Lymphocytes)، والغدة الهارديرية {{الغدة الهارديرية (Harderian Gland): غدة موجودة عند معظم الفقاريات، تقع خلف العين، وتُفرِز عادةً موادَّ دهنية ودمعية لترطيب العين، ولها دَوْرٌ في تنظيم هرمون الميلاتونين. تُعَدّ كذلك من المصادر التي تقع خارج الغدة الصنوبرية لإنتاج الميلاتونين (Extrapineal source)، حيث كُشِف عن وجود إنزيم AANAT المسؤول عن تصنيع الميلاتونين داخلها. تؤدّي هذه الغدة دَوْرًا في المسار الضوئي-العصبي الذي ينقل المعلومات عن الضوء والظلام، فهي تُظهر حساسية ضوئية غير مباشرة، وتُشارك في تنظيم الإيقاع اليومي لإفراز الميلاتونين.}}[7].

يُعَدّ الجهاز الهضمي للكائنات الفقارية أحد أهمّ المواقع خارج الغدة الصنوبرية لتصنيع الميلاتونين، إذ تُعَدّ الأمعاء أكبر مصدر للميلاتونين خارج الغدة الصنوبرية، وتحتوي على 400 ضعف كمية الميلاتونين الموجودة في الغدة الصنوبرية. يُصنَّع الميلاتونين المعوي في الخلايا المعوية الكرومفينية {{الخلايا المعوية الكرومفينية (Enterochromaffin cells): خلايا متخصّصة توجد في بطانة الأمعاء ضمن الجهاز الهضمي، وظيفتها الأساسية إنتاج السيروتونين (5-HT) وتخزينه، وتؤدي دَوْرًا في التواصل بين الأمعاء والجهاز العصبي، فيما يُعرف بمحور الأمعاء الى الدماغ.}}، ويُفرَز في الدورة الدموية بعد تناول الطعام، ولا سيما الوجبات التي تحتوي على الحمض الأميني تريبتوفان. يُذكَر أن إفراز الميلاتونين المعوي لا يتأثر بالضوء مثل نظيره من الغدة الصنوبرية، بل يتأثر بشكل رئيس بعوامل غذائية ووظيفية مرتبطة بعملية الهضم.

في الغدة الصنوبرية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تُعَدّ الغدة الصنوبرية (Pineal Gland) غدّة صمّاء صغيرة الحجم، يبلغ طولها نحو 0.8 سنتيمتر، ووزنها قرابة 0.1 غرام لدى البالغين. تقع في الجزء الخلفي من الحفرة القحفية (posterior cranial fossa) بين نصفَي الكرة المُخّية، تحديدًا خلف الوصلة الهابينية (habenular commissure) وأمام جذع الدماغ (brainstem)، أي في منطقة فوق المهاد (epithalamus) من الدماغ.

تستقرّ الغدة الصنوبرية في تجويفٍ خاصٍّ أسفل الدماغ عند قاعدة الجمجمة، داخل التجويف الثالث (third ventricle)، في كهفٍ صغيرٍ يقع خلف الغدة النخامية (pituitary gland) وخلف العينَيْن مباشرة. وسُمّيت بهذا الاسم لأنها تشبه مخروط الصنوبر (pine cone) في شكلها عند الإنسان. أما من الناحية النسيجية، فإن 95 في المئة من الغدة هي خلايا صنوبرية (Pinealocytes) مسؤولة عن إفراز الميلاتونين، إلى جانب خلايا دبقية داعمة (Glial cells) تُشكّل نسبة 5 في المئة. وتُشتَقّ هذه الخلايا من البطانة العصبية (neuroepithelium) لمنطقة فوق المهاد في أثناء التطوّر الجنيني، إذ يبدأ تكوّن الغدة في الشهر الخامس تقريبًا من حياة الجنين[8].

في الميتوكندريا

كان يُعتقَد سابقًا أن الميلاتونين يُنتَج حصريًا في الغدة الصنوبرية، لكن الأبحاث الحديثة كشفت عن وجوده داخل الميتوكوندريا (Mitochondria)، وهي مصانع الطاقة في الخلية. لقد تبيَّن وجود الإنزيم المسؤول عن تصنيع الميلاتونين (AANAT) داخل ميتوكوندريا خلايا البويضات، وأظهرت التجارب كذلك أن الميتوكوندريا المعزولة قادرة على إنتاج الميلاتونين ذاتيًا[9].

يختلف دَوْر الميلاتونين في الميتوكوندريا عن دَوْره الهرموني في الجسم، إذ يعمل فيها بوصفه مضادَّ أكسدة مُوجَّهًا إلى الميتوكوندريا (mitochondria-targeted antioxidant). ويحمي الميلاتونين الميتوكوندريا من خلال عدّة آليات[10]:

  1. إزالة الجذور الحرّة (ROS) الناتجة من عملية التنفس الخلوي {{عمليةالتنفّس الخلوي(Cellular Respiration) : عملية بيوكيميائية حيوية تؤدّيها الكائنات الحية جميعها، لتحويل الطاقة الكيميائية المخزنة في جزيئات الطعام مثل الغلوكوز، إلى شكلٍ من الطاقة يمكن للخلية استخدامه في التفاعلات الحيوية والكيميائية في الخلايا. وجزيء الطاقة هو جزيء الأدينوسين ثلاثي الفوسفات(ATP) ، تُعَدّ هذه العملية عملية معاكسة لعملية البناء الضوئي التي يؤديها النبات لإنتاج المواد الغذائية وتوفير الطاقة.}} التي قد تُسبّب تلف المكوّنات الخلوية.
  2. منع فتح القنوات المُميتة (Mitochondrial Permeability Transition Pore – MPTP) المسؤولة عن تسرّب محتويات الخلية وتحفيز الموت المبرمج ((apoptosis.
  3. تنشيط بروتينات فكّ الارتباط (Uncoupling Proteins, UCPs) التي تُنظّم فرق الجهد الكهربائي داخل الميتوكوندريا، وتُقلّل من إنتاج الجذور الحرّة.

من خلال هذه الآليات، يحافظ الميلاتونين على الجهد الغشائي الميتوكوندري (Mitochondrial Membrane Potential) ويمنع فشل الميتوكوندريا. علاوةً على ذلك، يسهم في تحفيز عملية الميتوفاجي (Mitophagy)، وهي آلية تُزيل الميتوكوندريا القديمة أو المتضررة أو التالفة، ما يساعد الخلية على الاحتفاظ بميتوكوندريا سليمة، مع الحفاظ على توازن ميتوكوندري صحي[11].

دور الغدة الصنوبرية والميلاتونين في عملية النوم واليقظة

تُعَدّ الغدة الصنوبرية محورًا أساسيًا في تنظيم دورة النوم واليقظة (Sleep–wake cycle)، من خلال إفراز هرمون الميلاتونين بشكل دَوْري، استجابةً للتغيُّرات في الإضاءة.

آلية تنظيم إفراز الميلاتونين في الجسم خلال الضوء والظلام

في الكائنات ذوات الدم البارد مثل الأسماك والزواحف، تُعَدّ الغدة الصنوبرية نفسها حسّاسة للضوء. أما في الثدييات، فتعتمد الغدّة على العين لنقل المعلومة، فعند انخفاض شدة الضوء مع حلول الظلام، تستقبل خلايا العقدية الشبكية (retinal ganglion cells) في العين إشارات ضوئية، حيث تحتوي على صبغة حسّاسة للضوء اسمها الميلانوبسين(melanopsin) ، التي ترسل بدَوْرها إشارات عصبية إلى الدماغ عند تعرّضها للضوء والظلام، تحديدًا إلى النواة فوق التصالبية {{النواة فوق التصالبية (Suprachiasmatic nucleus – SCN): نواة صغيرة موجودة في منطقة تحت المهاد (Hypothalamus)، تقع مباشرة فوق التصالب البصري، وتُعَدّ المنظم الرئيس للإيقاعات اليومية (circadian rhythms) مثل النوم واليقظة وإفراز الهرمونات، وتتحكّم في إفراز الميلاتونين من الغدة الصنوبرية استجابةً للضوء. يؤدّي اضطرابها إلى مشكلات في النوم، واضطراب في الساعة البيولوجية، وتأثيرات في المزاج والأيض أيضًا.}} في منطقة تحت المهاد، وهي المركز المسؤول عن ضبط الساعة البيولوجية للجسم. تُرسِل هذه النواة الإشارات عبر مسار عصبي متسلسل، يمرّ بـالنواة المجاورة للبطين {{النواةالمجاورةللبطين (Paraventricular nucleus – PVN): نواة عصبية في منطقة تحت المهاد (Hypothalamus)، على جانبي البطن الثالث للبُطين الدماغي. تُفرِز هرمونات للغدة النخامية مثل CRH وTRH، لتنظيم عمل الغدة الكظرية والغدة الدرقية، وتحفيز إنتاج الأوكسيتوسين (Oxytocin) والفازوبرسين (ADH)، اللّذَيْن يُنقَلان مباشرةً إلى النخامية الخلفية. يرتبط اختلال وظائفها بالاضطرابات الهرمونية، ويؤدّي إلى التوتر المزمن، واضطرابات الأيض.}}، ثم العقدة العنقية العلوية {{العقدةالعنقيةالعلوية (Superior cervical ganglion): أكبر عقدة في الجهاز العصبي السمبثاوي العنقي، تقع عند مستوى الفقرة العنقية السابعة وقاعدة الجمجمة. تُوفِّر الأعصابَ السمبثاوية للعين، والغدة الدرقية، والأوعية الدموية، والغدد العرقية في الرأس والرقبة. وتتحكّم في توسيع الحدقة (pupil dilation)، ورفع الجفن العلوي، وتسريع ضربات القلب جزئيًا. ويمكن أن تُسبّب إصابتها متلازمة هورنر (Horner’s syndrome)، وهبوطًا في الجفن، وتضيُّقًا في الحدقة، وفقدان التعرّق في الوجه.}} التي تنقل الإشارة إلى الغدة الصنوبرية من خلال الجهاز العصبي الودي. يؤدي وصول الإشارة إلى إفراز النورأدرينالين (Norepinephrine)، وهو الناقل العصبي الذي يُحفِّز الخلايا الصنوبرية (Pinealocytes) على تنشيط إنزيم Arylalkylamine N-acetyltransferase (AA-NAT)، في أول خطوة رئيسة في تصنيع الميلاتونين[12].

في وجود الضوء، تُفرِز الـSCN حمضَ غاما أمينو بيوتيريك (GABA)، الذي يُثبِّط هذا المسار ويُوقف إفراز الميلاتونين. أما في الظلام، فتنشَطُ الإشارة العصبية ويُفرَز الميلاتونين في الدم. يبلغ تركيز الميلاتونين في أثناء الليل نحو 80-120 بيكوغرامًا/ مل، وينخفض نهارًا إلى 10-20 بيكوغرامًا/ مل[13].


اختلاف تراكيز الميلاتونين في الدم خلال 24 ساعة

عند إفراز الميلاتونين من الغدة الصنوبرية، يرتبط بمستقبلاته الخاصة (MT₁ وMT₂) الموجودة في مناطق متعددة من الدماغ، أهمّها النواة فوق التصالبية (Suprachiasmatic Nucleus - SCN) المسؤولة عن ضبط الإيقاع اليومي، وكذلك في منطقة الوطاء (Hypothalamus)، والمناطق المرتبطة بتنظيم درجة الحرارة والنوم. يؤدّي هذا الارتباط إلى تثبيط النشاط العصبي في النواة فوق التصالبية، وهي مركز التحكُّم في دورة النوم واليقظة، ما يُقلّل الإشارات المُنبِّهة للانتباه واليقظة. في الوقت نفسه، يُحفِّز الميلاتونين المسارات العصبية المثبّطة التي تسهّل بدء النوم. ومن التأثيرات المرافقة لذلك، انخفاض درجة حرارة الجسم الأساسية قليلًا، وهي إشارة فيزيولوجية مهمّة تساعد على الاستغراق في النوم، علاوة على تباطؤ معدّل ضربات القلب، وانخفاض ضغط الدم، بصفتها جزءًا من التحضير لحالة الراحة الليلية. بذلك، يُحوِّل الميلاتونين الجسمَ تدريجيًا من حالة اليقظة العصبية المرتفعة إلى الهدوء العصبي والاسترخاء اللازمَيْن للدخول في مرحلة النوم الطبيعي.[14]

وظائفه الفيزيولوجية الأخرى

بالرغم من الدَّوْر المهمّ للميلاتونين في تنظيم النوم، فإنه عاملٌ مهمٌّ في كثيرٍ من العمليات الأخرى، مثل[15]:

  1. نموّ الجنين وتطوّر الدماغ: يوجد في المشيمة في الثلث الأول من الحمل، ويستطيع أن يعبر المشيمة ويصل إلى الجنين من دم الأمّ، ويطوّر الخلايا العصبية والخلايا الدبقية (Neuronal and Glial Development)، ويؤدي دَوْرًا أساسيًا في تأسيس الساعة البيولوجية للجنين.
  2. تنظيم ضغط الدم والجهاز العصبي اللاإرادي: يشارك الميلاتونين في ضبط ضغط الدم (blood pressure)، من خلال تعديل توازن نشاط الجهاز العصبي الودي (Sympathetic) والجهاز العصبي شبه الودي (parasympathetic) خلال الليل، فعند إفراز الميلاتونين، يقلّ النشاط الودي ويزيد النشاط اللاودي، ما يؤدّي إلى انخفاض ضغط الدم ومعدّل ضربات القلب، على عكس النهار، إذ ينخفض مستوى الميلاتونين في الدم، ما يؤدي إلى ارتفاع طفيف في ضغط الدم.
  3. تعزيز المناعة: يزيد من إفراز السيتوكينات (IL-2, IL-6, IL-12)، ويُحفّز الخلايا التائية المُساعِدة (T-Helper cells) -نوع من كريات الدم البيضاء التي تُنشِّط الجهاز المناعي وتُحفِّزه- ويُقلّل من إنتاج أكسيد النتريك NO المسؤول عن حدوث الالتهابات.
  4. مضادّ للسرطان: يتعدّى دَوْرَه إلى كونه مضادًّا للسرطان (Oncostatic effect)، ويشمل تأثيره أنواعًا متعدّدة من السرطانات، مثل سرطان الثدي، وسرطان المبيض وبطانة الرحم، وسرطان الجلد، وسرطان البروستات، وسرطان الكبد، والأورام المعوية. يُعزى هذا التأثير إلى قدرته بصفته مضادًّا قويًّا للأكسدة، إذ يمنع الإجهاد التأكسدي (Oxidative Stress) من تحفيز تكوّن السرطان وتعزيزه وتطوّره. كذلك يُحفّز الموت الخلوي المبرمج (Apoptosis) في الخلايا السرطانية، ويُثبّط تكاثرها، علاوة على منعه تكوين الأوعية الدموية الجديدة (Anti-angiogenic effect) التي تُغذّي الورم، ما يَحُدّ من نموِّه وانتشارِه.

علاقته بالاضطرابات النفسية

فيما يتعلّق بالاضطرابات النفسية، وجدت الأبحاث أن ثمة علاقة وثيقة بين اضطرابات إفراز الغدة الصنوبرية، وعدد من الاضطرابات النفسية لدى الأطفال والبالغين، فقد لُوحظ في معظم الدراسات انخفاض إفراز الميلاتونين اللّيلي لدى مرضى الاكتئاب الشديد (Major Depressive Disorder)، والاضطراب ثنائي القطب (Bipolar Disorder)، والفصام (Schizophrenia)، واضطرابات طيف التوحّد (Autism Spectrum Disorder)[16].

يُعَدّ الأغوميلاتين (Agomelatine) من الأدوية الحديثة التي تستفيد من هذا المبدأ، إذ يُصنّف بوصفه ناهضًا لمستقبلات الميلاتونين (MT₁ وMT₂)، فيرتبط بهذه المستقبلات ويُفعّلها بطريقة مشابهة لتأثير الهرمون الطبيعي، ما يُحسّن جودة النوم، ويُنظِّم الإيقاع اليوميّ لدى مرضى الاكتئاب والقلق. علاوة على ذلك، يعمل الأغوميلاتين بوصفه مثبّطًا انتقائيًا لمستقبلات السيروتونين من نوع 5-HT₂C، وهي مستقبلات موجودة في مناطق الدماغ المرتبطة بالمزاج والانفعال، مثل القشرة الجبهية، واللوزة الدماغية، والهيبوكامبوس الصدري (ventral hippocampus). إن تنشيط هذه المستقبلات يُقلّل إفراز الدوبامين والنورأدرينالين؛ أما تثبيطها فيؤدي إلى زيادة النشاط الدوباميني والنورأدريناليني، ما يرفع المزاج ويُحسّن الطاقة الذهنية، من دون التسبُّب باضطرابات النوم كما في مضادات الاكتئاب التقليدية، فيُحقّق بذلك توازنًا بين النوم والمزاج.

علاوة على ذلك، تشير الدراسات قبل السريرية إلى أن الأغوميلاتين يزيد من نمو الخلايا العصبية (neurogenesis) في منطقة الهيبوكامبوس الصدري المرتبط بالتحكّم في المزاج والقلق، ويُسرّع النضج التفرّعي للأعصاب (dendritic maturation) مقارنةً بمضادات الاكتئاب التقليدية مثل SSRIs، ويبدأ هذا التأثير منذ الأيام الأولى للعلاج. كذلك أظهرت الدراسات السريرية أن الأغوميلاتين يُحسّن جودة النوم وكفاءته، ويُعيد تزامن الإيقاع اليومي للراحة والنشاط، ويُقلّل أعراض الاكتئاب أكثر من أدوية مثل السيرترالين (Sertraline/ أحد أشهر أدوية الاكتئاب).

يمكن القول إن آثار الأغوميلاتين تتّسع فتشمل تحسين التوتر التأكسدي، ووظائف الميتوكوندريا، والالتهاب العصبي، وصحّة خلايا الدوبامين، وتنظيم الجينات المسؤولة عن الساعة البيولوجية. ويُسهم تفعيل مستقبلات MT₁ وMT₂ أيضًا في حماية الخلايا العصبية من الاستماتة (apoptosis).

تصنيعه

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تجري عملية تصنيع الميلاتونين من خلال سلسلة من التفاعلات الحيوية، التي تبدأ بالحمض الأميني التربتوفان، الموجود طبيعيًا في الجسم . في الخطوة الأولى، يتحوّل التربتوفان بوساطة إنزيم Tryptophan hydroxylase (TPH)، إذ تُضاف مجموعة هيدروكسيل (-OH) إلى الحلقة الإندولية للتربتوفان، فينتج 5-هيدروكسي تريبتوفان (5-Hydroxytryptophan, 5-HTP). في الخطوة التالية، يرتبط جزيء 5-HTP مع إنزيم الأحماض الأمينية العطرية ديكاربوكسيلاز (Aromatic L-amino acid decarboxylase, AADC)، الذي ينزع مجموعة الكربوكسيل (-COOH)، فيَنتُج 5-Hydroxytryptamine المعروف باسم السيروتونين {{السيروتونين (Serotonin): ناقلٌ عصبيٌّ حيويٌّ يُصنَّع من الحمض الأميني تريبتوفان. يُنظّم المزاج والنوم والشهية والألم والذاكرة، ويتحكّم في حركة الأمعاء والتقلّصات المعوية.}}، وهو الهرمون المسؤول عن تنظيم المزاج[17].

طرحه في السوق

يُطرَح الميلاتونين في السوق بعدة أشكال دوائية، مثل: الأقراص، والكبسولات، والكبسولات بطيئة التحرّر (Extended release capsules)، والأقراص القابلة للمضغ (chewable tablets)، والأقراص تحت اللسان، والمحاليل الفموية، والبخّاخات الأنفية ولا سيما للأطفال. وتتراوح جرعاته في السوق بين 0.3 ملّيغرام و10 ملّيغرام حسب الحاجة. تُستخدَم عادةً الجرعات المنخفضة 1-3 ملّيغرامات لتنظيم النوم، وتُباع في بعض الدول بوصفها مُكمّلًا غذائيًا من دون وصفة طبية، في حين أنها تحتاج إلى وصفة في دول أخرى[18].

المراجع

Claustrat, B. & J. Leston. "Melatonin: Physiological Effects in Humans." Neurochirurgie. vol. 61, no. 2-3 (2015). pp. 77-84.

Ekmekcioglu, C. "Melatonin Receptors in Humans: Biological Role and Clinical Relevance." Biomedicine & Pharmacotherapy. vol. 60, no. 3 (2006). pp. 97-108.

Ilahi, Sadia, Nitya Beriwal & Tahir B. Ilahi. "Physiology, Pineal Gland." NCBI. at: https://acr.ps/hBy6Fgc

Pechanova, Olga, Ludovit Paulis & Fedor Simko. "Peripheral and Central Effects of Melatonin on Blood Pressure Regulation." International Journal of Molecular Sciences. vol. 15, no. 10 (2014). pp. 17920-17937.

Reiter, Russel J. et al. "Melatonin, a Full Service Anti-Cancer Agent: Inhibition of Initiation, Progression and Metastasis." International Journal of Molecular Sciences. vol. 18, no. 4 (2017). p. 843.

Srinivasan, Venkataramanujan et al. "Agomelatine in Depressive Disorders: Its Novel Mechanisms of Action." The Journal of Neuropsychiatry and Clinical Neurosciences. vol. 24, no. 3 (2012). pp. 290-308.

Talib, Wamidh H. et al. "Melatonin in Cancer Treatment: Current Knowledge and Future Opportunities." Molecules. vol. 26, no. 9 (2021). p. 2506.

Tan, Dun-Xian. "Melatonin: A Mitochondrial Targeting Molecule Involving Mitochondrial Protection and Dynamics." International Journal of Molecular Sciences. vol. 17, no. 12 (2016). p. 2124.

Tordjman, Sylvie et al. "Melatonin: Pharmacology, Functions and Therapeutic Benefits." Current Neuropharmacology. vol. 15, no. 3 (2017). pp. 434-443.

Xie, Xiaotong et al. "Melatonin Biosynthesis Pathways in Nature and Its Production in Engineered Microorganisms." Synthetic and Systems Biotechnology. vol. 7, no. 1 (2022). pp. 544-553.

"Melatonin." PubChem. 13/7/2024. at: https://acr.ps/hBy6F35

Zhu, Tianqi et al. "Mitochondria of Porcine Oocytes Synthesize Melatonin, Which Improves Their In Vitro Maturation and Embryonic Development." Antioxidants. vol. 13, no. 7 (2024). p. 814.

Zisapel, Nava. "New Perspectives on the Role of Melatonin in Human Sleep, Circadian Rhythms and Their Regulation." British Journal of Pharmacology. vol. 175, no. 16 (2018). pp. 3190-3199.

[1]Sylvie Tordjman et al., "Melatonin: Pharmacology, Functions and Therapeutic Benefits," Current Neuropharmacology, vol. 15, no. 3 (2017), pp. 434-443.

[2]Nava Zisapel, "New Perspectives on the Role of Melatonin in Human Sleep, Circadian Rhythms and Their Regulation," British Journal of Pharmacology, vol. 175, no. 16 (2018), p. 3192.

[3] Ibid.

[4] "Melatonin," PubChem, 13/7/2024, accessed on 7/2/2026, at: https://acr.ps/hBy6F35

[5] Ibid.

[6] Ibid.

[7] Tordjman et al.; Xie et al.; Ekmekcioglu.

[8] Sadia Ilahi, Nitya Beriwal & Tahir B. Ilahi, "Physiology, Pineal Gland," NCBI, accessed on 20/3/2026, at: https://acr.ps/hBy6Fgc

[9] Tianqi Zhu et al., "Mitochondria of Porcine Oocytes Synthesize Melatonin, Which Improves Their In Vitro Maturation and Embryonic Development," Antioxidants, vol. 13, no. 7 (2024), p. 814.

[10] Dun-Xian Tan, "Melatonin: A Mitochondrial Targeting Molecule Involving Mitochondrial Protection and Dynamics," International Journal of Molecular Sciences, vol. 17, no. 12 (2016), p. 2124; Xie et al.

[11] Russel J. Reiter et al., "Melatonin, a Full Service Anti-Cancer Agent: Inhibition of Initiation, Progression and Metastasis," International Journal of Molecular Sciences, vol. 18, no. 4 (2017), p. 843.

[12] B. Claustrat & J. Leston, "Melatonin: Physiological Effects in Humans," Neurochirurgie, vol. 61, no. 2-3 (2015), pp. 77-84; Zisapel, pp. 3190-3199; Ilahi, Beriwal & Ilahi.

[13] Claustrat & Leston; Zisapel; Ilahi, Beriwal & Ilahi.

[14]C. Ekmekcioglu, "Melatonin Receptors in Humans: Biological Role and Clinical Relevance," Biomedicine & Pharmacotherapy, vol. 60, no. 3 (2006), pp. 97-108; Zisapel; Claustrat & Leston.

[15] Olga Pechanova, Ludovit Paulis & Fedor Simko, "Peripheral and Central Effects of Melatonin on Blood Pressure Regulation," International Journal of Molecular Sciences, vol. 15, no. 10 (2014), pp. 17920-17937; Reiter et al.; Wamidh H. Talib et al., "Melatonin in Cancer Treatment: Current Knowledge and Future Opportunities," Molecules, vol. 26, no. 9 (2021), p. 2506; Tordjman et al.

[16] Venkataramanujan Srinivasan et al., "Agomelatine in Depressive Disorders: Its Novel Mechanisms of Action," The Journal of Neuropsychiatry and Clinical Neurosciences, vol. 24, no. 3 (2012), pp. 290-308.

[17] Xiaotong Xie et al., "Melatonin Biosynthesis Pathways in Nature and Its Production in Engineered Microorganisms," Synthetic and Systems Biotechnology, vol. 7, no. 1 (2022), pp. 544-553.

[18] Zisapel, p. 3191.

المحتويات

الهوامش