الموجز
ماكس ڤيبر (1864–1920) من أبرز المفكرين المؤسسين لعلم الاجتماع الحديث، يتميّز مشروعه الفكري باتساعه وعمقه في مقاربة قضايا الحداثة الغربية، ولا سيما ما يتصل بالعقلانية، والفعل الاجتماعي، والدين، والاقتصاد، والسلطة، والبيروقراطية.
وُلد ڤيبر في مدينة إرفورت الألمانية في سياق تاريخي حافل بالتحولات الكبرى التي أحدثتها الثورة الصناعية، ونشأ في أسرة بورجوازية مثقفة وفاعلة سياسيًا. تلقّى ڤيبر تكوينًا علميًا متعدد التخصصات شمل القانون والاقتصاد والتاريخ والفلسفة واللاهوت، وتنقّل بين جامعات ألمانية مختلفة، ما أتاح له تكوين رؤية تركيبية نقدية، لا تختزل الظواهر الاجتماعية في بعد اقتصادي أو ثقافي واحد.
أما من الناحية الفكرية فقد تأثر ماكس ڤيبر بالمدرسة التاريخية الألمانية، وبالفلسفة الكانطية، وبأعمال دلتاي في الفهم التأويلي، وأقام حوارًا نقديًا مع الماركسية والدوركهايمية، معترفًا بإسهاماتهما من دون أن يتبنّى منطلقاتهما الحتمية أو الوضعية.
يعتبر ڤيبر من الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع، وقد بلور تعريفًا مميّزًا لعلم الاجتماع بوصفه علمًا يهدف إلى الفهم التفسيري للفعل الاجتماعي، أي الكشف عن المعاني الذاتية التي يضفيها الأفراد على أفعالهم في سياق تفاعلهم مع الآخرين، مؤكدًا أن السلوك الإنساني لا يمكن فهمه أو تفسيره بالقوانين نفسها التي تحكم الظواهر الطبيعية. لذلك جعل الفعل الاجتماعي وحدة التحليل الرئيسة، وميّز بين أنماط مختلفة له، منها الفعل التقليدي القائم على العادة، والفعل العاطفي المرتبط بالانفعالات، والفعل العقلاني الأداتي الذي يُوجَّه بحساب الوسائل لتحقيق الغايات، والفعل العقلاني القيمي الذي يستند إلى الالتزام بقيم يُنظر إليها بوصفها ملزمة بذاتها بصرف النظر عن نتائجها. وقد مكّنه هذا التصنيف من تحليل البنى الاجتماعية والتاريخية بوصفها ناتجة من تفاعلات إنسانية مشحونة بالمعنى، لا عن قوى مجردة تعمل خلف ظهور الأفراد.
ويُعد كتابه الشهير الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية من أهم تطبيقات هذا المنهج، سعى فيه إلى إبراز الدور الذي أدته بعض أنماط التدين البروتستانتي، خصوصًا الكالڤينية، في نشوء العقلانية الاقتصادية الحديثة، من خلال ربط العمل الدنيوي بفكرة الدعوة، وترسيخ أخلاقيات الانضباط والزهد الدنيوي، والنظر إلى النجاح الاقتصادي بوصفه مؤشرًا محتملًا للاختيار الإلهي. ولم يقصد ڤيبر من هذا التحليل إقامة تعارض بين العوامل الروحية والمادية، بل حاول توضيح الكيفية التي يمكن أن تسهم بها الأفكار الدينية في تشكيل أنماط السلوك الاقتصادي وتوجيهها، مؤكدًا في الوقت نفسه الطابع التاريخي والنسبي لهذه العلاقة، وأنها لا تمثل تفسيرًا شاملًا أو وحيدًا لنشأة الرأسمالية.
وفي كتابه الاقتصاد والمجتمع، الذي نشر بعد وفاته، قدّم ڤيبر إسهامات في تحليل أنماط السلطة والهيمنة، مميّزًا بين السلطة التقليدية القائمة على قدسية العادات الموروثة، والسلطة الكاريزمية المؤسسة على الصفات الاستثنائية للقائد، والسلطة العقلانية القانونية التي تستمد شرعيتها من القواعد والقوانين المكتوبة، وتجد تجسيدها الأبرز في الدولة الحديثة والتنظيم البيروقراطي. ينظر ڤيبر إلى البيروقراطية بوصفها أكثر الأشكال عقلانية وكفاءة في إدارة الشؤون العامة والخاصة في المجتمعات الصناعية، نظرًا لاعتمادها على تقسيم العمل، والتسلسل الهرمي، والتخصص، والضبط القائم على المعرفة والقواعد غير الشخصية، لكنه في الوقت نفسه حذّر من أخطارها، معتبرًا أن توسعها المفرط قد يؤدي إلى ما سماه "القفص الحديدي" للعقلنة، إذ تتحوّل الأدوات العقلانية إلى غايات بذاتها، فتُقيد الحرية الفردية والإبداع، وتُفرغ الحياة الاجتماعية من بعدها القيمي.
ولڤيبر إسهامات منهجية في علم الاجتماع، أهمها صياغته مفهوم "النموذج المثالي" بوصفه بناءً ذهنيًا انتقائيًا يُستخدم لتبسيط الواقع الاجتماعي المعقّد، بهدف الفهم والمقارنة والتفسير، مؤكدًا أن هذا النموذج لا يطابق الواقع ولا يحمل مضمونًا معياريًا، بل يعمل بوصفه أداة تحليلية تساعد الباحث على تحديد العلاقات السببية والاختلافات البنيوية بين الظواهر. واهتم بإشكالية القيم والموضوعية في العلوم الاجتماعية، فدافع عن مبدأ الحياد القيمي بمعنى الفصل بين التحليل العلمي وإصدار الأحكام الأخلاقية، مع إقراره بدور القيم في توجيه اختيار موضوعات البحث، مميزًا بين المجال النظري والمجال العملي، وبين الحكم العلمي والحكم القيمي.
لم تقتصر إسهامات ڤيبر على مجال علم الاجتماع، بل امتدت إلى السياسة والقانون والفن والموسيقا والاقتصاد والتاريخ وغيرها. ففي محاضرتيه الشهيرتين "العلم بوصفه حرفة والسياسة بوصفها حرفة"، قدّم ڤيبر تأملات في شروط العمل العلمي والسياسي في العصر الحديث، مبينًا أن العلم لا يقدّم معنى للحياة ولا يحدد الغايات القصوى، بل يوفّر أدوات للفهم والتحليل والسيطرة التقنية، على حين تقتضي السياسة الجمع بين الشغف، والواقعية، وأخلاق المسؤولية، والقدرة على تحمّل نتائج الفعل السياسي.
وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة التي وُجّهت إلى أعماله، سواء لانتقائيته في تحليل الدين، أو لنزعته الفردانية في نظرية الفعل الاجتماعي، أو لتصوره المثالي للبيروقراطية، أو لموقفه الإشكالي من العقلانية والقيم، فإن فكر ماكس ڤيبر ما يزال يحتفظ بقيمته التأسيسية بوصفه محاولة نظرية كبرى لفهم الحداثة باعتبارها مسارًا تاريخيًا قائمًا على الترشيد، وتعدد القيم، وتحول أنماط الهيمنة، وما يرافق ذلك من توترات عميقة بين العقل والمعنى، والفرد والتنظيم، والحرية والسلطة، وهي توترات ما تزال تشكّل قلب الإشكاليات السوسيولوجية المعاصرة.
نشأته وحياته الأسرية
ولد ماكس ڤيبر واسمه الكامل ماكسيميليان كارل إميل ڤيبر (Maximilian Karl Emil Weber)، في 21 أبريل/ نيسان من عام 1864، في مدينة إرفورت (Erfurt) في وسط ألمانيا، في أوج الثورة الصناعية في أوروبا عامة، وفي ألمانيا خاصة. وكان ڤيبر أكبر إخوته الثمانية أبناء ماكس ڤيبر الأب (Max weber Sr، 1836-1897) ووالدته هيلانه فاللانستاين ڤيبر (Helene Fallenstein Weber، 1844-1919)، غير أن ستة منهم فقط بلغوا سن الرشد، وكان ماكس الابن طفلًا عليلًا، أُصيب في الرابعة من عمره بمرض التهاب السحايا؛ ورغم شفائه، فإنَّه عانى طوال حياته آثارًا جسدية ونفسية للمرض، وأبرزها القلق والتوتر العصبي، إذ انعكس ذلك على مراحل حياته المختلفة، فلم يعش حياة صحية. وعايش ماكس ڤيبر أحداث بارزة على غرار الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، والسنوات الأولى لـجمهورية ڤايمار (Weimar Republic) وتأثَّر بالعديد من الكتّاب والمفكرين في عصره، وانصبّت اهتماماته على كيفية نشأة المجتمع الصناعي الجديد[1].
نشأ ڤيبر في أسرة متعلّمة وذات شأن في الوسط السياسي والثقافي، إذ كان والده أحد أبرز رجالات السياسة والقانون، ونائبًا في مجلس النواب الألماني "الرايخستاغ" (Reichstag)، أما والدته فكانت امرأة مثقفة اعتنقت التيار الطهراني الكالڤيني[2]. وكلاهما كان ينتمي إلى عائلات تجارية بورجوازية نشطة[3]، كانت عائلة والده تحديدًا تنحدر من الصناعيين وتجَّار الجملة وأصحاب مصانع النسيج الإنكليزية الألمانية. وظلت ثرية لأجيال عديدة، سمحت لڤيبر بأن يعيش حياة الرفاهية، وأن يكرس منزله للسياسة والأنشطة الفكرية[4]. بذلك، كان ڤيبر شاهدًا على كل التحوَّلات الكبيرة الاجتماعية والاقتصادية التي نجمت عن الثورة الصناعية[5].
ورغم ثراء العائلة ماديًا، فإن ڤيبر كان يعيش صراعات حادة بسبب اختلاف شخصيتي والديه. وبحسب ما نُقل عنه، فقد عانى طوال حياته، صراعاتٍ شخصية بين والديه، إذ كان مُعجبًا بتديَّن والدته الاستثنائي وتفانيها لعائلتها، لكنه يكره سلبيتها. بالإضافة إلى أنه كان مُعجبًا بذكاء والده وإنجازاته الفكرية، لكنه يكره قسوته في المعاملة[6]، وما كان له أن يُظهر مُجاراته لوالديه كليهما، لذلك كان عليه أن يختار بينهما منذ طفولته، وبدا وكأنَّما هو يميل لوالده ثم عاد أخيرًا ليُظهر ميله لوالدته، وكان للتوتر الذي انتابه نتيجة المفاضلة بينهما، تأثير كبير في نفسيته[7].
كان والد ڤيبر محبًّا لمباهج الحياة، على حين كانت والدته الكالڤينية، تميل إلى الزهد وتبتعد عن ترف الحياة، وقد كانت مثل هذه التناقضات سببًا في حدوث اضطراباتٍ عائلية، الأمر الذي أثَّر في ڤيبر الابن[8]. تأثَّر ڤيبر بما تتمتَّع به والدته من صرامةٍ عملية كالڤينية وتديَّن ورع رغم أنَّه هو القائل "لا تدع الدين يُدغدغ مسامعك"، وقد كان لوثري النشأة، لكنه اعترض على بعض وجوهها (الصفح والغفران)، إذ فضّل النسكية الكالڤينية {{النسكية الكالڤينية: (Calvinist Asceticism) مفهوم في سوسيولوجيا الدين يشير إلى نمط من التقشف الأخلاقي المرتبط بتعاليم جون كالڤن (John Calvin) في القرن السادس عشر. تقوم على الانضباط الذاتي، والعمل الدؤوب، وتجنب الترف بوصفها علامات على الخلاص. ظهر هذا المفهوم في تحليل ماكس ڤيبر ضمن دراسته العلاقة بين البروتستانتية ونشأة الرأسمالية}} عليها[9]. كان ملمًا بجميع تفاصيل عائلته وتاريخها منذ صغره، بما في ذلك أصولها الإنكليزية والهولندية البلجيكية[10].
ماكس ڤيبر وزوجته ماريان شنيتجر.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في عام 1893 تزوج ماريان شنيتجر (Marianne Schnitger، 1870-1954)، وعُرفت ماريان بوصفها شخصية نسوية ومفكَّرة وعالمة اجتماع بارزة، وعلى الرغم من إنجازاتها الفكرية الخاصة، فإن كتابها الموسوم بـ"ماكس ڤيبر: صورة حياة"، التي نُشرت للمرّة الأولى عام 1926، حظيت بأكبر قدر من الاهتمام، حيث كانت بمنزلة المصدر الرئيس للمعلومات الشخصية عن زوجها[11]، وقد أسهمت في نشر كثير من أعماله بعد وفاته. ووفقًا لرواية ماريان ڤيبر، ارتبط الانهيار العصبي الحاد الذي أصاب ماكس ڤيبر بعد وفاة والده بشعور شديد بالذنب. فقبل وفاة والده المفاجئة بسبعة أسابيع، وبّخ ماكس والده بسبب معاملته المتسلطة لزوجته هيلينه، التي كان قد منعها من زيارة ماكس وزوجته ماريان في منزلهما في هايدلبرغ من دون أن يرافقها. وعندما حضر الوالدان معًا لزيارة ابنهما، طلب ماكس من والده مغادرة المنزل، وكانت تلك آخر مرة تحدث فيها الأب والابن[12].
توفي ڤيبر في 14 حزيران/ يونيو 1920، عن عمرٍ ناهز 56 عامًا إثر إصابته بالتهابٍ رئوي، وأكملت زوجته بعده مخطوطات عدة مهمَّة له لم تكتمل في حياته[13].
تعليمه ومساره الدراسي
لا تتوفر معلومات كثيرة عن التعليم الابتدائي لماكس ڤيبر، لكن الكتابات عنه تقول إنه "كان تلميذًا وطالبًا في المرحلة الثانوية غاية في الجد والاجتهاد؛ ففي سن الثالثة عشرة، وضع في إحدى رسائله قائمة بقراءاته التي شملت: شوبنهاور، وسبينوزا، وكانط، وغوته. بل إنه في العام الذي سبق ذلك، أخبر والدته بنيّته قراءة ماكيافيلي ولوثر[14].
مع ذلك، لم يكن يولّي اهتمامًا يُذكر في الصف، ولم يُنجز أي واجبات مدرسية تقريبًا، وبحسب أرملته ماريان، وعلى الرغم من أنَّه لم يكن فظًا مع معلَّميه، فإنّه لم يكن يحترمهم، وإذا كانت ثمة ثغرة في معرفته، فأنَّه كان يتعمَّق في جوهر الموضوع ثم يُشارك ما يعرفه بكلَّ سرور[15].
زاول ڤيبر تعليمه الثانوي في ثانوية برلين، حيث أظهر اهتمامًا كبيرًا بالعلوم الإنسانية، وفي عام 1882 نال شهادة الثانوية العامة؛ وقد أقرّت شهادته وشهادة أساتذته بامتلاكه مستوىً استثنائيًا من المعارف، لكنها –على نحوٍ غريب– أبدت شكوكًا حول مدى حماسه للعمل ونضجه الأخلاقي[16].
دراسته الجامعية
بدأ ماكس ڤيبر دراساته الجامعية في جامعة هايدلبرغ (Heidelberg)، حيث سجّل في تخصص القانون. بالإضافة إلى أنه تابع دروسًا في الاقتصاد والتاريخ والفلسفة واللاهوت[17]. خلال هذه الفترة، انضم إلى إحدى الجمعيات الطلابية، ما أتاح له تطوير علاقات اجتماعية مهمة.
وفي عام 1883، انقطع عن الدراسة ليؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية في مدينة ستراسبورغ (Strasbourg)، ثم عاد بعد انقضاء الخدمة العسكرية ليسجل في جامعة برلين (Berlin) بداية عام 1884 إلى غاية 1886 لدراسة القانون والاقتصاد والتاريخ الاقتصادي[18]، لكنه أخذ فصلًا دراسيًا خلال عام 1885، في جامعة غوتنغن (Göttingen) لدراسة القانون والاقتصاد.
حصل ڤيبر على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة برلين. تناولت أطروحته تاريخ التنظيمات التجارية في العصور الوسطى. وفي عام 1891، نال ڤيبر التأهيل للتدريس الجامعي، وكانت أطروحته حول التاريخ الزراعي الروماني وآثاره الاقتصادية[19]. وأظهر ڤيبر نبوغه الأكاديمي ومعرفته الواسعة بالعديد من المحاضرات والخطابات، ولعل أشهرها محاضرته العامّة عام 1895 حول الدولة القومية والسياسة الاقتصادية والمعروفة باسم "خطاب فرايبورغ" (Freiburg)[20].
مساره المهني
سار ڤيبر على خُطى والده فأصبح مُحاميًا وانضم إلى المنظمات نفسها التي انضم إليها والده في جامعة هايدلبرغ وهي جمعيات طلابية سياسية واجتماعية وثقافية عرفت باسم (Corps Burschenschaften)، وكان نشطًا في الشؤون الحكومية أيضًا، وبصفته عضوًا في الحزب الليبرالي الوطني، أُنتخب ماكس الأب لعضوية الرايخستاغ (الهيئة التشريعية الوطنية) عام 1871، ومن ثم لاحقًا في مجلس النواب البروسي عام 1879. وبعد اجتياز ماكس الابن أول امتحان له في القانون عام 1886، بدأ العمل بوصفه متدربًا قانونيًا بدوامٍ كامل، وفي أثناء عمله بوصفه محاميًا مُبتدئًا حصل على درجة الدكتوراه في التاريخين الاقتصادي والقانوني عام 1889، ثم شغل منصب مُحاضر في جامعة برلين[21].
وبعد حصوله على التأهيل الجامعي عام 1891، تولَّى على الفور مهمات أستاذه الذي كان عاجزًا عن أداء مهماته، ونظرًا لعدم وجود منشورات ذات صلة، فقد كان تأهيله في القانون التجاري مُثيرًا للجدل داخل الكلّية التي لم ترشَّحه أيضًا لمنصب الأستاذية في القانون التجاري والقانون الألماني، الذي عيَّنته فيه الوزارة في تشرين الثاني/ نوڤمبر عام 1893[22]. وعمل مدرّسًا في جامعة برلين، وبرزت اهتماماته التي ظلّت معه طوال حياته وهي الاقتصاد والتاريخ وعلم الاجتماع، واعتمد اعتمادًا كبيرًا على دعم والده طوال الأعوام الثمانية التي بقي فيها في برلين[23]، إذ تدرّج في هذه المحطّات المهنية باعتماده على وضعه الاقتصادي العائلي المتمثَّل برعاية والده الذي وفّر له الدعم الاقتصادي ليواصل مسيرته في التدريس ودخول عالم العمل. ويُفهم من انتقال ڤيبر إلى كرسي الاقتصاد في فرايبورغ عام 1894 غالبًا على أنه تحوّل عن دراسة القانون، واستمر في إلقاء المحاضرات في كلّية الحقوق حول "النقود والبنوك والصرف" وتاريخ القانون الألماني[24].
وفي عام 1896 قَبل منصب رئيس قسم الاقتصاد في جامعة هايدلبرغ[25]، وبعد ذلك بعام، أي في عام 1897، واجه ڤيبر أزمة نفسية بعد وفاة والده، أجبرته على الانقطاع عن العمل مدة سبعة أعوام[26]، إذ إنه لم يستطع إلّا في عام 1904 من إلقاء أولى محاضراته في الولايات المتحدة[27].
وفي عام 1908، انتُخب ضمن اللجنة الفرعية لـ "جمعية السياسة الاجتماعية" التي كان يتعيَّن عليها "إعادة تنظيم الإدارة البروسية بما في ذلك إرشاد الموظفين وتعليمهم"[28].
وفي عام 1914، عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، تطوَّع ڤيبر، بصفته ملازمًا أولًا احتياطيًا، للالتحاق بقيادة حامية مدينة هايدلبرغ، حيث عُيّن عضوًا في لجنة مُستشفاها العسكري الاحتياطي، التي كانت تابعة لنيابة القيادة العامة لمجموعة الجيش البروسي الرابع عشر في مدينة كارلسروه (Karlsruhe) المُكلَّفة بمهمات الإدارة المدنية في الوقت نفسه[29].
كتاب ماكس ڤيبر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وفي عام 1918، قَبل منصب أُستاذ كرسي الاقتصاد السياسي في جامعة ڤيينّا {{جامعة ڤيينّا: (University of Vienna) هي أقدم الجامعات وأكبرها في النمسا، تأسست عام 1365 بأمر من دوق النمسا رودولف الرابع. تقع في العاصمة ڤيينّا، وتعد مركزًا مهمًا للبحث العلمي والتعليم في أوروبا، وقد أسهمت في تشكيل عدة شخصيات فكرية بارزة في العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية.}}، ومن ثم عاد في العام التالي إلى جامعة ميونخ {{جامعة ميونخ: إحدى أقدم الجامعات الألمانية وأهمها، تأسست عام 1472، تشتهر بتقديم تعليم عالي المستوى في مختلف التخصصات، ولا سيما العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية. وللجامعة دورٌ بارز في تطوير الفكر الأكاديمي الألماني، وكانت محطة مهمة في حياة العديد من العلماء والفلاسفة البارزين.}} بصفة عالم اجتماع، وكان أقرب إلى أن يكون مؤسَّسًا في علم الاجتماع الاقتصادي أو مؤرَّخ اقتصاد[30]. وكان ڤيبر قوميًا، شارك في الحياة العامة واضطلع بمهام استشارية، منها مندوبًا في لجنة الهدنة الألمانية في ڤرساي (Versailles) عقب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى[31].
ماكس ڤيبر عام 1907
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مصادره الفكرية
عالم الاجتماع الألماني ڤيلهلم دلتاي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بحسب السيرة الذاتية التي كتبتها زوجته ماريان، فإن المصادر الفكرية التي غذت ماكس ڤيبر وأثرت فيه متنوعة وعديدة ويمكن حصر أهمها فيما يأتي:
- المدرسة التاريخية الألمانية: تأثر ڤيبر بهذه المدرسة من خلال أستاذه غوستاف شمولر (Gustave Shmollar، 1838-1917) الذي درس عنده في جامعة برلين، وكان أبرز الشخصيات الأساسية في هذه المدرسة[32].
- الفلسفة الكلاسيكية الألمانية: من أبرز الفلاسفة الذين تأثر بهم ماكس ڤيبر إيمانويل كانط (Emanuel Kant، 1724-1804)، ويتجلى ذلك من خلال أفكار كانط حول الاستقلال الأخلاقي والعقلانية في أعمال ڤيبر حول الأخلاق والعقلانية. وكتبت زوجته أن "المبدأ الكانطي الشهير ’أنت تستطيع، لأن عليك أن تفعل‘ (Du kannst, denn du sollst) ترك أثرًا عميقًا في فكر ماكس ڤيبر الأخلاقي". بالإضافة إلى أن ڤيبر درس أفكار فيخته (Johann Gottlieb Fichte، 1762-1814) حول الواجب والأخلاق، كما يظهر في عمله الأول حول اشتراكية فيخته[33].
- علمي الاجتماع والاقتصاد: رغم نقد ماكس ڤيبر للمادية التاريخية عند كارل ماركس (Karl Marx، 1818-1883) فإنه اعترف بأهمية تحليلات ماركس للرأسمالية. كذلك، دخل ڤيبر في حوار مع أفكار إيميل دوركهايم (Emille Durkheim، 1858-1917) حول سوسيولوجيا الدين، رغم اختلاف مقاربة كل واحد منهما[34]. بالإضافة إلى أن أعمال ليون ڤالراس (Léon Walras، 1834-1910) وكارل منغر (Carl Menger، 1840-1921) أسهمت في تشكيل فهم ڤيبر لآليات السوق والعقلانية الاقتصادية[35].
- الفلسفة والمنهجية: أثرت أعمال ڤيلهلم دلتاي (Wilhelm Dilthey، 1833-1911) حول العلوم الإنسانية وفهم الظواهر الاجتماعية في منهجية ڤيبر وأدت دورًا أساسيًا في تشكيل منهجية ڤيبر، من خلال تأكيده على أهمية فهم الظواهر الاجتماعية. وأثرت أعمال فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche، 1844-1900) وتأملاته حول العقلانية والحداثة والقيم في ڤيبر، خصوصًا في فكرة نزع السحر عن العالم.
إسهاماته الأساسية في علم الاجتماع
ڤيبر بوصفه مؤسسًا لعلم الاجتماع
يقدم ماكس ڤيبر بوصفه أحد مؤسسي علم الاجتماع، عرّف علم الاجتماع بأنَّه علم يسعى إلى فهم الفعل الاجتماعي فهمًا تفسيريًا ويكون بذلك قد قدَّم رؤية مُميَّزة لعلم الاجتماع، تُعارض أصحاب التيار الوضعي الذين سعوا إلى تأسيس هذا العلم على أساس الكشف عن قوانين عالمية تنطبق على المجتمعات جميعها. فخلافًا لدوركهايم، وجَّه ماكس ڤيبر اهتمامه إلى البعد الذاتي للحياة الاجتماعية، ساعيًا إلى فهم الحالات الذهنية أو الدوافع التي توجَّه سلوك الأفراد[36]، وبذلك فقد اختلف عن العديد من مُعاصريه أمثال إيميل دوركهايم وهربرت سبنسر (Herbert Spencer، 1820-1903)، وأوغست كونت (Auguste Comte، 1798- 1857) وآخرين، في تحديد فهم علم الاجتماع ورؤاه حول الفعل الاجتماعي وتنظيم المجتمع. وبينما تشكَّلت رؤيته لعلم الاجتماع بوصفه حقلًا معرفيًا عن طريق ارتباطه بالمثالية الألمانية والجدل الدائر حول الدراسات التاريخية، فإنَّ اهتماماته الجوهرية ترتبط بأعمال فريدريك نيتشه وكارل ماركس. كما استلهم ڤيبر من علماء آخرين وليس نيتشه وماركس فقط، الذين أثَّرت دراساتهم في أنشطته البحثية الغزيرة[37].
رفض ڤيبر فكرة الوضعية القائلة بأنَّ الأهداف المعرفية للعلوم الطبيعية والاجتماعية مُتطابقة أساسًا، فضلًا عن أنه تحدَّى الرؤية التاريخية الألمانية التي تنص على استحالة التنبَّؤ بدقّةٍ بطبيعة النشاط البشري أو التعميم بشأنها، لأنَّ السلوك البشري لا يخضع للقوانين نفسها التي تحكم العالم الطبيعي، وجادل بأنَّ المنهج العلمي يلجأ دائمًا إلى التجريد والتعميم، وأسهم إسهامًا كبيرًا في اقتراح منهجية تمكّن الباحث الاجتماعي من فهم الطبيعة المبنية للواقع الاجتماعي من منظور الفاعل الاجتماعي أو الأفراد الذين يعيشون في المجتمع، وكانت أفكاره حول دور الأحكام القيمية في إجراء البحوث الاجتماعية بمنزلة مُساهمة منهجية وفلسفية مهمة[38]، فشكَّلت تلك الأطروحات إضافة مُهمَّة بالتعريف بالفاعل الاجتماعي والسلوك البشري والبحوث الاجتماعية ومسألة التعامل مع الأحكام القيمية وانعكاس ذلك على نتائج تلك البحوث والدراسات، في محاولةٍ تقويمية لأدوار تلك العلوم ونتائج دراساتها على المجتمعات البشرية. وفي معرض دفاعه عن مبدأ الحياد القيمي باعتباره جوهريًا للعلم، قدم ثلاثة تمييزات مُهمّة، أولًا ميّز بين التوجَّه النظري والعملي، وثانيًا، ضمن المجال النظري فرَّق بين الأشكال المنطقية والتجريبية، وثالثًا، ضمن المجال العملي ميَّز بين القيم الأساسية التي تُشكَّل مُقدَّمات والأحكام القيمية الملموسة المُستمدَّة منها حول مواقف وأفعال ونتائج مُحدَّدة وما إلى ذلك[39]، وتابع ذلك بتفصيلاتٍ ومقالات وأطروحات عدة حول الجوانب القيمية والحياد القيمي، وضرورات تحديدها في سياقات الاشتغالات في العلوم الاجتماعية والإنسانية.
غلاف كتاب الاقتصاد والمجتمع مترجمًا إلى العربية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وأراد أن يؤسّس لسوسيولوجيا شاملة في عمله الأساسي الاقتصاد والمجتمع، وذلك في شتى مظاهر النشاط الاجتماعي في سيرورته نحو العقلانية وفي البحث عن المعنى[40]، وفي الصفحات الأولى من كتاب الاقتصاد والمجتمع تناول مسألة كيفية تعامل علم الاجتماع الذي يهدف إلى تفسير الظواهر الاجتماعية من خلال الفهم، مع الجماعات الاجتماعية مثل الدول والجمعيات والشركات والمؤسسات أو الأمة، فعنده لا وجود لشخصية جماعية "تفعل"، لذا فهو يتعامل مع هذه الجماعات باعتبارها نتائج وأنماط تنظيم لأفعال الأفراد فحسب، إذ يمكن اعتبار هؤلاء وحدهم فاعلين في مسار عمل قابل للفهم الذاتي[41]، وقد طبَّق ذلك في العديد من الدراسات التي أجراها ميدانيًا، وطرح فكرة أنّ الحياة الاجتماعية عبر التاريخ، انقسمت إلى مجالاتٍ مُتعدَّدة اقتصادية وسياسية وجمالية وعاطفية وفكرية، وتُعرف هذه المجالات الحياتية أيضًا باسم مجالات "القيم" و"أنظمة الحياة"[42]. ويُحسب له أنَّه تعمّق في التاريخ الخاص بالمجتمعات ليتعرَّف إلى التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية والحياتية فيها، وعلى أساس ذلك جاءت أطروحاته حولها.
نظرية الفعل الاجتماعي
يعرف ماكس ڤيبر الفعل الاجتماعي بأنه ذلك الفعل الموجّه إلى الآخرين، بالإضافة إلى أنه يمكن أن يكون فعلًا داخليًا أو ذاتيًا بطبيعته، وقد يحدث بسبب التأثير الإيجابي لمواقف مُعينة، أو أنَّه فعل مُتعمَّد من التكرار نتيجة لتأثير موقف مُماثل، أو في شكل موافقة سلبية في مواقف مُعينة، وانطلاقًا من المفهوم الأساسي للفعل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية كما نقله ويليام وارنر (Warner William Lloyd ، 1898-1970) فإن: "الفعل بالنسبة لـڤيبر، كان سلوكًا ذا معنى، وكان الفعل الاجتماعي فعلًا، أي سلوكًا ذا معنى موجَّهًا نحو الآخرين"[43].
اهتمّ ڤيبر اهتمامًا بالغًا بنظرية الفعل الاجتماعي، إذ شكّلت محورًا أساسًا في أطروحاته وتنظيراته، ومكّنته من تشخيص الواقع الاجتماعي وفهم الوجود الإنساني من خلال أفعال الأفراد ومعانيها[44]. وقد تبلورت هذه النظرية في سياق معالجته لإشكالية المنهج في علم الاجتماع، وبلورها بصورة منهجية في مؤلَّفه الاقتصاد والمجتمع الذي كُتب بين عامَي 1911 و1920. وانصبّ اهتمامه على بناء نظرية للمجتمع تتسق مع تحليل الأحكام والقرارات التي يتخذها الأفراد في تفاعلاتهم داخل بيئتهم الاجتماعية. ويرى ڤيبر أن علم الاجتماع هو علم يقوم على الفهم التأويلي للفعل الاجتماعي، أي تفسير معانيه ودوافعه وآثاره في تشكيل التفاعلات الاجتماعية وما ينجم عنها من تحوّلات تمس مختلف مجالات الحياة[45]. وقد حدّد موضوع علم الاجتماع في الفعل الاجتماعي، باعتباره فعلًا يُضفي عليه الفاعل معنى ذاتيًا، ويراعي فيه سلوك الآخرين، ومن ثم يتجه وفقًا لهذا المعنى؛ ويكمن دور عالم الاجتماع في فهم هذه المعاني ضمن سياقاتها، وتحليل نتائجها المترتبة على سلوك الأفراد[46].
اقترح ماكس ڤيبر خمس خصائص رئيسة بوصفها هدفًا لأبحاث علم الاجتماع[47]:
- الأفعال الإنسانية التي تحوي، حسب الفاعل، معنًى ذاتيًا. ويتضمن ذلك مجموعة منوّعة من الإجراءات الحقيقية.
- الأفعال الحقيقية وتلك التي تكون داخلية وذاتية بالكامل.
- الأفعال التي تتضمَّن التأثير الإيجابي لموقفٍ ما، والأفعال المتكرَّرة عمدًا، والأفعال في شكل موافقة ضمنية.
- إجراء موجّه إلى فرد أو إلى أفراد عديدين.
- ينتبه الفعل إلى تصرفات الآخرين ويوجَّه نحو الآخرين. الفعل الاجتماعي هو فعل فردي له معنى أو معنى ذاتي بالنسبة إليه، وهو موجَّه نحو تصرفات الآخرين. وعلى العكس من ذلك، فإن الأفعال الفردية الموجَّهة إلى الأشياء غير الحية أو الأشياء المادَّية وحدها من دون أن تكون مُرتبطة بأفعال الآخرين، ليست أفعالًا اجتماعية. ووفقًا له، فإن دراسة تطوَّر المؤسَّسات يجب أن تنظر أيضًا إلى العمل البشري، لأن الفعل الإنساني هو الجزء الرئيس من الحياة الاجتماعية.
ورأى أنَّ موضوع علم الاجتماع هو عمل اجتماعي ذو معنى، وإنّ دراسة تطوّر مؤسَّسة ما من الخارج تحديدًا من دون الاهتمام بالعمل الإنساني نفسه، يعني، بحسبه، تجاهل الجوانب الأساسية للحياة الاجتماعية. ويمكن تفسير تطوَّر العلاقات الاجتماعية أيضًا من خلال أهداف الإنسان الذي يمارس العلاقات الاجتماعية عندما يستغل الفعل نفسه في أفعاله؛ فيعطي معانيَ مختلفة للفعل نفسه مع مرور الوقت. باختصار، يحوي هذا النموذج المُقدَّمات الثلاثة الآتية[48]:
- البشر هم مُمثَّلون مبدعون.
- الحقائق الاجتماعية لها معنى شخصي (الدافع والغرض).
- إنَّ الطريقة التي يحدَّد بها الفاعلون الحقائق الاجتماعية هي الطريقة التي يُحدَّدون بها الوضع.
تصوَّر ڤيبر علم الاجتماع علمًا شاملًا للفعل الاجتماعي، وانصب عمله السوسيولوجي على فهم المعاني الذاتية التي يضفيها الفاعلون على أفعالهم في توجَّهاتهم المتبادلة ضمن سياقات اجتماعية تاريخية محددة، وأكّد دور القيم والثقافة في توجيه السلوك البشري، وتركيز الأفراد على أفعالهم، وجادلَ بأنّ الأفكار هي العوامل المحفزة التي تشكل أفعال الأفراد[49]، بالإشارة إلى مُتضمنات يكون أساسها هو الفعل الاجتماعي الذي تتشكَّل وفقًا له فعاليات الحياة ومتبنَّياتها وأُطرها.
ويستند الفعل الاجتماعي الهادف إلى فرضيةٍ أساسية مفادها أن البشر هم فاعلون مبدعون والحقائق الاجتماعية لها معنى ذاتي (الدافع والغرض) والطريقة التي يُحدَّد بها الفاعلون الحقائق الاجتماعية، هي الطريقة التي يُحدَّدون بها المواقف. ولهذا السبب فإنَّ نظريته في الفعل الاجتماعي تتَّجه نحو دوافع الفاعلين وأهدافهم. وفي الواقع، تتحدّث آراؤه عن الدافع والنية والمعنى في نظريته عن الفعل الاجتماعي. الدافع هو شيء منفصل عن الفعل ولا يمكن فهمه إلَّا في سياقٍ ظرفي أوسع، على حين أن المعنى هو شيء متأصّل في الفعل نفسه، وهو خاصية للفعل وليس سببًا أو غرضًا فحسب، لذلك، يمكن للمرء أن يفهم (يقبل) ما يفعله شخص آخر (من حيث نواياه) من دون أن يعرف سبب قيامه بذلك[50].
ويمكن فهم نظرية الفعل الاجتماعي في سياق الدوافع والمعاني. إنّ الفعل الاجتماعي الذي يقوم به الفرد بصرف النظر عن شكله له دائمًا دافع ومعنى. وفي قسمٍ آخر، يشرح ڤيبر أيضًا ما هي الدوافع وراء حجج مثل هذه: "مجموعة من المعاني تبدو للممثَّل نفسه أو للمراقب أساسًا مُناسبًا (أو ذا معنى) للفعل المعني [...] المعنى هو خاصية الفعل، ومن ثم يمكن القول إنَّه يمكن للمرء أن يلاحظ أو يرى فعلًا يقوم به شخص ما، لكنه قد لا يعرف المعنى الوارد في الفعل، لأن مؤدَّي الفعل وحده هو الذي يعرف معنى الفعل الذي يقوم به بشكلٍ أفضل، وخاصةً إذا كان الفعل يُنظر إليه فقط باعتباره جزءًا من حدثٍ داخل الكل، لذلك يتساءل المرء عما إذا كان الأمر نفسه صحيحًا إذا تمَّت الملاحظة بشكلٍ مُكثَّف أو داخل الحدث "الكامل". ولكن من المحتمل جدًا أن يكون صحيحًا أنَّ المعنى الذي يصبح مُلكًا للفعل يصعب على الآخرين فهمه، خاصةً إذا كانت الأفعال المعنية مُتفرَّقة، وليس لها أي صلة ببعضها البعض"[51].
وقد ميَّز بين أربعة أنواع من الفعل الاجتماعي، أولها الفعل الأداتي العقلاني، والفعل العقلاني القيمي، والفعل العاطفي، والفعل التقليدي، كما يلي[52]:
- الفعل التقليدي، وهو الفعل الذي تُحدَّده العادات المُتجذّرة منذ أجيال.
- الفعل العاطفي، هو فعل تُحدّده ظروف الفاعل وتوجّهاته العاطفية.
- العقلانية الذرائعية، هي إجراء يهدف إلى تحقيق الأهداف التي يحسبها الفاعل المعني ويتابعها بعقلانيةٍ.
- الأفعال العقلانية القيمية، وهي الفعل العقلاني المبني على القيم، الذي يُنفّذ لأسبابٍ وأهداف مُرتبطة بالقيم التي يؤمن بها الشخص من دون الأخذ في الحسبان الآفاق المُرتبطة بنجاح الفعل أو فشله[53].
الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية
سافر ڤيبر في عام 1904 إلى الولايات المتحدة وبدأ بكتابة أشهر أعماله كتاب الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية[54]، ويتناول فيه: النزعات العقلانية السائدة في المجتمع الغربي، ودور الأفكار في تشكيلها.
وفي معرض تناوله لهاتين المسألتين، جادل بأنّ نظام المعتقدات الدينية الذي كان يهدف إلى تفسير الطريق إلى الخلاص الأبدي المتعالي، قد أسهم على نحوٍ مفارق، في نشأة عالم علماني اكتسبت فيه السلع المادية سلطة متزايدة وحاسمة على حياة البشر لم يسبق لها مثيل في التاريخ[55]، بل تقدَّمت وتطوَّرت هذه السلطة للسلع المادية لتصل إلى أوجها في العالم المُعاصر وما رافقه من تغييراتٍ وتناقضات اجتماعية وعالمية كبُرى.
وفي دراسته للأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، لم يقصد وضع العوامل الروحية بمواجهة المادية التاريخية، وإنّما توضيح كيف تؤدي عملية تقويم العمل إلى عقلنة السلوك الاقتصادي لدى الشرائح الاجتماعية العليا والوسطى من صغار رجال الأعمال[56]، وقد بحث في هذه الأطروحة عن الترابط الداخلي الذي يربط بين الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، حيث إن الانجذاب بين الاثنين نبع من أيديولوجيا إيمان ديني ومن فعل اقتصادي بالاستناد إلى روح جماعة أو أخلاقيات حملتها البرجوازية الغربية اجتماعيًا على وجه الخصوص[57]، أي طبيعة ذلك الترابط وكيفية الاندماج والتوافق فيما بينهما. وأشار ڤيبر إلى وجود علاقة بين الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، فالرأسمالية الغربية، وفقًا له، اتخذت شكلها الحالي لأنَّها كانت مدعومة بنظام معتقدات هو الأخلاق البروتستانتية، وجادل بأنَّ الأخلاق البروتستانتية مرتبطة بروح الرأسمالية، ولإبراز هذه العلاقة المُتبادلة بنى ڤيبر نماذج مثالية لكلٍ من الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية[58]، بالإشارة إلى هذه العلاقة المشروطة بوجود كليهما، فلم تتكوَّن تلك الرأسمالية الغربية إلَّا بشرط وجود ما تستند إليه بدعمها من معتقداتٍ تمثّلت بالأخلاق البروتستانتية.
حاول ڤيبر إقامة صلة بين الأخلاق الدينية من جهة والسلوك الاقتصادي من جهةٍ أُخرى، فبعد أن بيَّن دور الأخلاق البروتستانتية في تطوَّر الرأسمالية الغربية، حاول البحث عما إذا كان الزهد الدنيوي {{الزهد الدنيوي: (Worldly Asceticism) مفهوم سوسيولوجي صاغه ماكس ڤيبر في كتاب الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية في سياق تحليله لأخلاقيات العمل، ويشير إلى نمط من السلوك يقوم على الانضباط الذاتي والتقشف داخل الحياة اليومية، لا بالانسحاب منها، حيث يسعى الفرد إلى النجاح المهني والاقتصادي بوصفه تعبيرًا عن التزام أخلاقي وديني.}} الذي تُعد الأخلاق البروتستانتية مثالًا نموذجيًا عليه، موجودًا خارج الحضارة الغربية[59]، أي شمول الحضارات المُختلفة الأخرى وكيفية تحقيق العلاقة الترابطية بين الدين والاقتصاد فيها. ووفقًا له فقد ربطت البروتستانتية بين الإيمان بوصفه عقيدة الخلاص ونجاة الروح وتطهَّرها وبين ما هو موجود من نشاطٍ اقتصادي، حيث، وفقًا لهذه العلاقة والاعتقاد، رسَّخت أساسًا صلبًا للنظام الرأسمالي وما فعله بتغيير العالم الواسع[60]. وعلى عكس كارل ماركس الذي اعتبر الدين أفيون الشعوب أو إيميل دوركايم الذي رأى في الدين عبادة الإنسان لذاته، رأى ڤيبر في المعتقدات الدينية نظامًا من المعاني يهدف إلى تفسير وجود المعاناة والشر في العالم، ولهذه التفسيرات تأثير عميق في سلوك الأفراد ومن ثم على النظام الاجتماعي الأوسع[61]، بكل ما يشتمل عليه هذا النظام الاجتماعي من مجالاتٍ وميادين مُختلفة، فالدين ومعتقداته لهما التأثير الأوسع في مجريات الحياة وتفصيلاتها، ومن ثم صياغتهما لسلوكياتٍ جديدة تتناغم والواقع المفروض.
بنجامين فرانكلين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
اعتقد ڤيبر أنَّ الرأسمالية نظام اقتصادي أفضل بقدر ما تسمح تنافسيتها بمزيدٍ من الفرص للتعبير عن الفردية والنزعات الإبداعية، ولم يتبنَ دعوات ماركس وأتباعه إلى ثورةٍ شيوعية، لأنَّ مثل هذه الحركة بتوسيع نطاق البيروقراطيات تُسرَّع من إفراغ الحياة الإنسانية[62]، بالوقوف إلى جانب تحرير الطاقات الفردية وبيان مديات تحركاتها للإفصاح عما تمتلكه من إبداعاتٍ قد تُحجب عند اتباع أنظمة أُخرى. ولم تكن الرأسمالية عنده هي ما يُهدَّد بتدمير الإبداع والفردية، بل عملية الترشيد وهيمنة البيروقراطيات المتزايدة[63]، ربما باتَّساع شبكاتها وتقنين صياغة القوالب التي تتَّبع الأنظمة الرأسمالية التي قد تُعبّر عن الفردية وما تملكه من إبداعاتٍ بحسب رأي ڤيبر.
أخذ ڤيبر من الواقع الديني والاقتصادي الأميركي جزءًا كبيرًا من حججه وقراءته لدعم نظريته، حيث جعل من سيرة الأميركي بنجامين فرانكلين (Benjamin Franklin، 1706-1790) الذاتية، محطَّة انطلاق في تحليله وبرهنته ومثالًا نموذجيًا على فكرٍ مالي، أو عقلية رأسمالية، حسب فهمه، مُتأثَّرة بـ "أخلاقيات بروتستانتية"[64]، لكن يبدو "أنَّ المُنطلق الذي ركّز عليه ورأى فيه جوهر اختلاف البروتستانتية عن كاثوليكية الكنيسة الرومانية تمثَّل من منظوره في تحوَّل ما عبر عنه بالتقشَّف، كممارسة دينية وسلوك عيش أخلاقي ورع في سبيل الحظوة بالنعمة الإلهية ونيل أو ضمان الخلاص الأزلي، من منحى ديني رهباني لدى الكنيسة الكاثوليكية وفي أديرتها، إلى منهج عيش دنيوي على أيدي البروتستانتية وتكريسه فضيلة ضمن أخلاقياتها وبالتالي في سلوك اتباعها وعيشهم اليومي"[65]. ومن أهم ما أقام عليه نظريته من عقائد اللاهوت البروتستانتي الكالڤيني الجوهرية، هي تلك القائلة بأنَّ نعمة الخلاص لا تؤتى وتُكسب بأعمال البر والصلاح ولا بفضل وساطة أو شفاعة أيَّما كانت (عدا شفاعة المسيح طبعًا)، بل هي حكر منذ الأزل على نُخبةٍ مُختارة اصطفاها الإله مُسبقًا بحكم مشيئته وحرم منها البقية[66]. وتوقّيًا من احتمالات سوء الفهم، فقد أكَّد ڤيبر نسبية مقوّمات فرضيته ودعائمها التاريخية حول العلاقة بين الأخلاقيات البروتستانتية وتطوّر الرأسمالية، مُضيفًا تأكيده على محدودية بعدها وغايتها، غير أنّ نظريته لم تسلم من النقد والتقويض وبرهن نقّاد عديدون على هشاشتها ونقائصها (ولا سيما من وجهة نظر ماركسية)[67]، ورأى أيضًا أنَّ رجال الأعمال وأصحاب الحيازات الرأسمالية هم بأغلبيةٍ كبيرة من الطائفة البروتستانتية وكذلك مُمثَّلي الشرائح العليا المصنَّفة من اليد العاملة في ألمانيا وفوق ذلك الملاك التقني والتجاري ذا الثقافة الرفيعة في المؤسَّسات الحديثة[68]، وأشار إلى أنّ امتلاك البروتستانتيين النصيب الأكبر من رأس المال في إطار الحياة الاقتصادية وبالحصة الأكبر من مراكز الإدارة، قد يكون بسبب حصولهم على ثرواتٍ كبيرة انتقلت إليهم أو حصلوا عليها بالوراثة[69].
غلاف كتاب الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية مترجمًا إلى العربية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وقد أبدى البروتستانت سواء أكانوا يُشكَّلون شريحة مُسيطرة أم مُسيطَر عليها وسواء أكانوا من الأغلبية أم الأقلية، استعدادًا خاصًا للعقلانية الاقتصادية، ولم يكن ذلك مُلاحظًا عند الكاثوليك[70]، واعتقد ڤيبر أنّ الرأسمالية وإن كانت قد وُجدت في الصين والهند وبابل وفي الزمن الغابر وفي القرون الوسطى، فإنّ هذه الأخلاق بالتحديد هي التي كانت تنقصها، حيث إن روح الرأسمالية الحديثة هي أمر مفهوم[71]، ولمَّا أصبحت الرأسمالية هي المُسيطرة على كل الحياة الاقتصادية بحسب رأيه، فإنَّها تُربَّي عناصرها وتختار من العمال والمشرفين أكثرهم قدرة ولا يُستغنى عنهم، وذلك وفقًا لعملية انتقائية اقتصادية[72]، وذكر في كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية "إنَّ الدقة والعمل الجاد في الأعمال التجارية كانا مدفوعين بتطوَّر الأخلاق البروتستانتية التي ظهرت في القرن السادس عشر، وبعقيدة الكالڤينية، وهي عقيدة القضاء والقدر التي قرَّرها الله . وبالإضافة إلى ذلك تؤكَّد هذه العقيدة بأنَّه لا يمكن لأحد أن يعرف ما إذا كان من المُختارين، وفي ظل هذه الظروف يرى ڤيبر أنّ الكالڤينيين يعانون ذعرًا بشأن الخلاص، ويكمن الحل في تهدئة هذا الذعر هو أن يعتقد المرء بأنَّه لا سبيل للنجاح من دون توفيق الله، لذلك يُعد النجاح علامة على الاختيار الإلهي، ولتحقيق النجاح ينبغي للمرء الانخراط في أنشطة الحياة بما فيها الأنشطة الاقتصادية والسياسية على أساس الانضباط والتواضع، وتجنب حياة المُتعة التي تحرَّكها التعاليم الدينية"[73].
السلطة
في كتابه الشهير الاقتصاد والمجتمع قدم ڤيبر ثلاثة أنواع للسلطة{{السلطة: جاءت بالألمانية (Herrschaft) وترجمت بدلالات مختلفة: (Authority) الإنكليزية، والسلطة بالعربية، أما لفظ "السلطة" في النسخة الفرنسية المعتمدة لهذه المقالة، فقد ورد بصيغة (domination)، التي تعني "الهيمنة".}}: السلطة التقليدية، والسلطة العقلانية، والسلطة الكاريزمية[74]. وتستند السلطة التقليدية إلى الإيمان بقدسية العادات والقواعد القديمة، أمّا السلطة العقلانية فتحافظ عليها القوانين والمراسيم واللوائح، على حين تتميَّز السلطة الكاريزمية بفضائل استثنائية يمتلكها القائد أو ينسُبها إليه أتباعه، ويثقون به ويُخلصون له[75]. ويمكن ملاحظة أنواع السلطة في تصور ڤيبر في مجتمعات تقليدية وحديثة عدة، من سلطةٍ تؤمن وتسير وفقًا للقواعد والمسارات التقليدية البسيطة إلى سلطةٍ تسير وفقًا للنظم والقواعد المفروضة وفقًا لصرامة ورقابة في تطبيقها، ومن ثم سلطة يمتلكها من تتوفر لديه الصفات الكاريزمية التي تجعله قائدًا بحسب ما يملكه من صفاتٍ تكون مختلفة عن غيره، الأمر الذي يجعل الأتباع يلتفَّون حوله لما يملكه من كاريزما خاصة التي قد يأملون تحقيق أهدافهم منها.
وتستند السلطة التقليدية إلى اعتقاد راسخ بأن للقادة حقًا تقليديًا ومشروعًا في ممارسة السلطة، حيث تمكّن الظروف التقليدية المختلفة من هم في مواقع السلطة وتُضفي عليهم الشرعية. وتُفضي السلطة التقليدية إلى نشوء أنظمة أبوية، مثل المجتمعات الأبوية والإقطاعية على سبيل المثال. غير أن هذه الأنظمة تعتمد على قبول الأتباع لهذه السلطة، وعلى اعتبارهم هذا النوع من السلطة شرعيًا[76]. وينبع نظام الشرعية هذا من المُمارسات التقليدية، وبعبارة أخرى، فهو قائم على القانون العرفي وقدسية التقاليد القديمة، وهو يقوم على الاعتقاد بوجوب احترام سلطة مُعيَّنة لأنّها موجودة منذ القدم[77]. وفي النظام التقليدي، يتمتَّع الحكّام بسلطةٍ شخصية بحكم مكانتهم الموروثة، وتتوافق أوامرهم مع العادات، ولهم الحق في إجبار المحكومين على الامتثال، وغالبًا ما يسيئون استخدام سلطتهم، أمَّا من يطيعونهم فهم "رعايا" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يطيعون سيدهم بدافع الولاء الشخصي أو احترام مكانته العريقة[78]، ولا تُمارَس السلطة التقليدية من خلال قواعد أو قوانين مكتوبة، بل تنتقل بالوراثة عبر الأجيال، وتُمارَس هذه السلطة بمساعدة الأقارب والمُقرَّبين. وفي العصر الحديث، تراجعت مُمارسة السلطة التقليدية، وما تزال الملكية، المثال الكلاسيكي للسلطة التقليدية، قائمة، لكنها على نحو مُخفَّف للغاية، وباختصار، تستمد السلطة التقليدية شرعيتها من تقاليد عريقة، تُمكَّن بعض الأفراد من إصدار الأوامر وإجبار الآخرين على الطاعة، فهي سلطة وراثية لا تتطلّب قواعد مكتوبة، ويُمارس "السادة" سلطتهم بمساعدة الأقارب والأصدقاء المُخلصين، ويعتبر ڤيبر هذا النوع من السلطة غير عقلاني، ولذلك نادرًا ما يُوجد في المجتمعات الحديثة المُتقدَّمة[79].
على حين تستند السلطة العقلانية إلى الإيمان بشرعية القواعد والتسلسلات الهرمية الرسمية، وبحق من هم أعلى منهم مرتبةً في هذا التسلسل في امتلاك السلطة وإصدار الأوامر. ووجد ڤيبر أنّ انتشار المؤسَّسات في المجتمع المُعاصر يدل على العقلنة المستمرة للحياة اليومية، إذ إن الفعل العقلاني يكون موجَّهًا نحو غايات معيَّنة ومحدَّدة بوضوح، الأمر الذي يجعله يختلف عن الفعل التقليدي الناتج من العرف والعادات، ويختلف عن الفعل الوجداني أيضًا حيث يُطلب من العاملين تركيز جهودهم جميعها لتحقيق الغايات باختيار الوسائل المناسبة لهذا الغرض[80]. ويُنظر إلى هذا النوع من السلطة غالبًا على أنه شرعي في الأنظمة البيروقراطية، ما يتيح هياكل رسمية ومحدَّدة وغير شخصية للشركات الحديثة. وعند ڤيبر، تعني هذه الإدارة البيروقراطية في جوهرها ممارسة الرقابة على أساس المعرفة. ومن ثم، سيجد الناس هذا النوع من السلطة شرعيًا، إذا وُزعت السلطة على القادة استنادًا إلى معايير مثل العقلانية والكفاءة[81]. ويشير هذا المصطلح إلى نظام سلطة يتسم بالعقلانية والقانونية، وهو نظام قائم على هيئةٍ إدارية نظامية تعمل وفقًا لقواعد وقوانين مكتوبة مُحدَّدة، ويُعَيّن من يُمارسون السلطة استنادًا إلى مؤهلاتهم المحددة والمدوّنة، ويعتبر أصحاب السلطة هذا العمل مهنة ويتقاضون عليها رواتب، لذا فهو نظام عقلاني، وهو نظام قانوني لأنّه يتوافق مع قوانين الدولة التي يعترف بها الناس ويلتزمون بها، ويقرّ الناس شرعية كل من اللوائح والقواعد ويحترمونها، وكذلك مناصب من ينفذونها أو ألقابهم[82]، وتُعدّ السلطة العقلانية القانونية سمةً مميزة للمجتمع الحديث، وهي انعكاسٌ لعملية الترشيد، ويعتبر ڤيبر الترشيد السمةَ الأساسية للحضارة الغربية، فهو بحسبه، نتاجٌ خاص للفكر البشري والتفكير، وبات واضحًا العلاقة بين السلطة العقلانية القانونية والعمل العقلاني لتحقيق الأهداف[83].
أما السلطة الكاريزمية فتستند إلى الإيمان بقداسة استثنائية أو بطولة أو شخصية مثالية لدى فرد ما، وإلى الأنماط أو الأوامر المعيارية التي يكشف عنها ويُصدَّرها. وغالبًا ما يُنظر إلى القادة الكاريزميين على أنَّهم شرعيون في أوقات الأزمات أو التغيير حين تدعو الحاجة إلى قيادةٍ استثنائية، وعندما يُدرك أتباعهم هذه القيادة الاستثنائية في الشخصية القيادية المُحدَّدة[84]. ووفقًا لڤيبر، فإنَّ نوعَي علاقات السلطة، التقليدية والقانونية-العقلانية، وحدهما يتمتعان بالقدر الكافي من الاستقرار لتوفير الأساس للهياكل الإدارية الدائمة، مثل منظمات الأعمال على سبيل المثال. ولذلك، من المُرجَّح أن تحتاج الهياكل القائمة على السلطة الكاريزمية إلى التطوّر إلى أشكال أكثر استقرارًا من السلطة[85]، والكاريزما هي صفة استثنائية يتمتّع بها بعض الأفراد، تمنحهم قدرة فريدة على جذب انتباه عامَّة الناس وكسب ولائهم، وتستند السلطة الكاريزمية إلى ولاءٍ استثنائي لشخص ما ولأسلوب الحياة الذي يدعو إليه، وتستمد شرعية هذه السلطة من الإيمان بقدرات خارقة أو سحرية لدى هذا الشخص، ويُثبَّت القائد الكاريزمي قوَّته من خلال المعجزات والانتصارات العسكرية وغيرها، أو من خلال الرخاء الملحوظ الذي يحققه أتباعه، وطالما استمر القادة الكاريزميون في إثبات قدراتهم الخارقة في نظر أتباعهم، تظل سلطتهم راسخة، وما لوحظ من أنّ نوع التأثير الاجتماعي المُرتبط بالسلطة الكاريزمية هو تأثير عاطفي، إذ يكون الأتباع في حالة انفعالية شديدة نتيجةً لتعاليم القادة الكاريزميين وجاذبيتهم، فهم يعبدون قدوتهم[86].
ولا تعتمد السلطة الكاريزمية على المعتقدات العرفية أو القواعد المكتوبة، بل هي نتاجٌ خالص للصفات المميَّزة للقائد الذي يحكم بصفته الشخصية، ولا تتَّسم هذه السلطة بالتنظيم، فلا يوجد بها موظفون بأجر أو هيكل إداري، ولا يمتلك القائد ومساعدوه وظائف ثابتة، وغالبًا ما يتخلَّون عن مسؤولياتهم العائلية. وهذه الخصائص تجعل القادة الكاريزميين أحيانًا ثوريين، إذ يرفضون الالتزامات والأعراف الاجتماعية التقليدية جميعها[87]، وبما أنَّ الأمر يعتمد على الصفات الشخصية للفرد، فإن مشكل الخلافة تبرز مع وفاة القائد أو اختفائه، وقد لا يمتلك الشخص الذي يُخلف القائد قوىً كاريزمية، أو رسالة القائد الأصلية، وينشأ نوع من التنظيم، وتتحوَّل الكاريزما الأصلية أمّا إلى سلطة تقليدية أو سلطة عقلانية قانونية. ويُطلق ڤيبر على هذه العملية اسم "روتين الكاريزما"[88]، إذا خَلف الشخصية الكاريزمية ابن أو ابنة أو قريب، تنشأ سلطة تقليدية، أما إذا حدّدت الصفات الكاريزمية وتدوينها، فإنّها تتحول إلى سلطةٍ قانونية عقلانية، حيث يمكن لأي شخص يمتلك هذه الصفات أن يصبح قائدًا، لذا، يمكن وصف السلطة الكاريزمية بأنها غير مستقرة ومؤقتة.
البيروقراطية
يُعرَّف ڤيبر البيروقراطية في كتاب الاقتصاد والمجتمع، وفي نقاشه حول أشكال السلطة والهيمنة، بأنَّها "أكثر الأشكال عقلانية وفاعلية من التنظيم الإداري لتسيير الشؤون العامة والخاصة في المجتمعات الحديثة. وهي تمثل النموذج المثالي للهيمنة القانونية-العقلانية، أي تلك القائمة على قواعد غير شخصية وكفاءات موضوعية"[89]. ومن ثم، هي وسيلة لتحويل العمل المُجتمعي إلى عمل اجتماعي مُنظّم عقلانيًا، وهي أداة لإضفاء الطابع الاجتماعي على علاقات القوة، إذ كانت البيروقراطية وما تزال أداة قوَّة من الدرجة الأولى، ووفقًا لـه فإنّ البيروقراطية قادرة -من وجهة نظر فنَّية بحتة- على بلوغ أعلى درجات الكفاءة، وهي بهذا المعنى رسميًا، أكثر الوسائل المعروفة عقلانية لممارسة رقابة حتمية على البشر[90]، رقابة تطمح إلى تطبيق الأهداف المرسومة بممارسة التقييدات القانونية على العمل الإداري للوصول إلى المُبتغيات. وأشار إلى أن البيروقراطية هي أفضل شكل إداري لتحقيق أهداف المنظمة بكفاءة وعقلانية، والمعنى العام للبيروقراطية هو حكم المسؤولين الإداريين أو الإدارات وفقًا لإجراءات جامدة. وقد أكَّد ضرورة البيروقراطية لتحقيق أهداف أي منظّمة في المجتمع الصناعي تحقيقًا عقلانيًا[91].
وبحسب ڤيبر، "تنتمي البيروقراطية إلى الأشكال الاجتماعية التي يبدو من الصعب تحطيمها، إذا ما وقع تسييرها مرَّة واحدة بصفةٍ كاملة، فالتسيير البيروقراطي هو الوسيلة الخاصة التي يُمكن بها تحويل "الفعل الجماعي" إلى "فعلٍ اجتماعي" مُنظَّم بصفة مُعقلنة. وباعتباره أداة "جمعنة/ التحول الاجتماعي لعلاقات السيادة، كان وما زال التسيير البيروقراطي أداة سلطة عظيمة الشأن بالنسبة للذي يكون هذا الجهاز تحت تصرَّفهم، إذ إنَّ مثل هذا "الفعل الاجتماعي" المُنظَّم حسب تصميم دقيق وموجَّه، يفوق أي فعل مُكره "للجمهور" وحتى "للفعل الجماعي" إذا أُتيحت له نفس الحظوظ"[92].
فالبيروقراطية وفقًا له تُمثَّل التكيَّف الأعظم مع متطلّبات العمل العقلاني، التي تكون من أكثر الوسائل فاعلية لغرض تحقيق الغايات، وحتى تكون المؤسّسة أداة للعقلانية، فقد حدّد المبادئ الواجب الالتزام بها في أفعال الأعضاء وفي العلاقات بينهم[93].
ورأى أيضًا أنّ إدخال البيروقراطية بصفةٍ تامة في الإدارة، قد أوجد شكلًا من علاقات السيادة يصعب تحطيمه، حيث لا يمكن أن ينفصل الموظّف عن التنظيم الذي ينتمي إليه، إذ هو مرتبط بعمله ارتباطًا ماديًا ومعنويًا وينضم لجميع من ينتمي لهذا التنظيم، خلافًا للذين يقومون بالعمل الإداري بصفةٍ شرفية أو إضافية[94]. "إن الوجود المحض لنظام البيروقراطية لا يدلي لوحده بشيءٍ معين حول التوجَّه الفعلي لأثرها الاقتصادي المتوافر دائمًا بكيفية ما أو بالأحرى ليس بالقدر الكافي حول أثرها الاجتماعي، وحتى من هذه الوجهة، لا بد من الإشارة إلى أنّ البيروقراطية في حد ذاتها إنَّما هي بمنزلة أداة تدقيق على ذمَّة العديد من مصالح السيادة المختلفة سواء منها السياسية البحتة أم الاقتصادية البحتة أم غيرها من المصالح"[95].
ورأى ڤيبر أنّ البيروقراطية هي نظام حتمي، من بين أكثر المؤسّسات ثباتًا، ويعتقد أن المستقبل للبيروقراطية، وأنَّها ستكون خالدة، ووُجدت في الوقت الحاضر مجتمعات أكثر بيروقراطية ممَّا كان يتصوره ڤيبر[96]. وهي حتمية بعد شدّة تعقيدات الحياة في المجتمعات البشرية والحاجة الضرورية إلى التنظيم الكبير في شتى مجالاتها.
واعتقد ڤيبر أن البيروقراطية تنمو نتيجة لاحتياجات المجتمع في توفير التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وجمع الضرائب وغيرها، ولذا يجب تقسيم العمل وتخصيصه لتحقيق ما يصبو إليه المجتمع، ومن السمات الرئيسة للنموذج المثالي للبيروقراطية الذي يُقدَّمه ڤيبر: تقسيم العمل والتسلسل الهرمي والوثائق المكتوبة، والموظفون والخبراء المُدرَّبون تدريبًا جيدًا، والقدرة الكاملة للموظفين على العمل وتطبيق قواعد الموضوعية. ورأى أيضًا أنّ البيروقراطية هي أكثر الأشكال التنظيمية التي ابتكرها الإنسان عقلانية وكفاءة، فالبيروقراطية عنده عقلانية لأنّها تنطوي على رقابة قائمة على المعرفة، ولها مجالات اختصاص محدَّدة بوضوح، وتعمل وفقًا لقواعد قابلة للتحليل الفكري، وتتميَّز بإمكان حساب عملياتها، وبالمثل فإنها فاعلة نظرًا لدقّتها وسرعتها واتساقها وتوفر سجلّاتها واستمراريتها وإمكان الحفاظ على سريتها ووحدتها وتنسيقها الدقيق وتقليلها للاحتكاك بين الأفراد والتكاليف الشخصية والمادية. بمعنى أنّها حسب ڤيبر هي وسيلة لتنظيم حياة قائمة على أُسسٍ إدارية متسلسلة ومنظّمة يكون الغاية منها تحقيق النجاح في الوصول إلى الأهداف المنشودة[97].
"إنّ عدم الاستغناء الموضوعي عن الجهاز إذا ما أقيم مرّة في علاقة باللاشخصية الخاصة به، كفيل من ناحية أخرى بأن يجعل هذا الأخير مُستعدًا بسهولةٍ كاملة على عكس الأنظمة الاقطاعية القائمة على البر والإحسان لخدمة أيًّا كان له القدرة على السيطرة عليه. فأي نظام مُعقلن رشيد ومُرتَّب للموظفين يواصل عمله بانتظام حتى في أيدي العدو، إذا ما احتل هذا الأخير الإقليم، وذلك بتغيير قمَّة الهرم فقط لأنَّه من صالح الجميع، بما في ذلك العدو نفسه أولًا، أن يعمل"[98]. ومن ضمن خصائص البيروقراطية فقد أشار ڤيبر أيضًا إلى وجوب أن يسترشد المسؤولون بقواعد مجرَّدة في الأداء الفعلي، حتى لا يكون ثم أي اعتبارات للخصائص الشخصية، وضرورة اتّباع معيار الجدارة في تعيين المسؤولين وترقيتهم وتجريدهم من مناصبهم بحيث يتلاءم ذلك مع ما يملكونه من مهاراتٍ وصفات يتطلّبها المنصب، وتكون هذه العملية بعيدة عن الاعتبارات الخارجية مثل الأصل والنسب، أو المعتقدات الدينية، أو السياسية، أو التوجّهات والأيديولوجيات والعرق والطائفة وغيرها[99].
النموذج المثالي
صوَّر ڤيبر العلوم الاجتماعية بوصفها فرعًا معرفيًا مُكرَّسًا لتطوير فهم تفسيري للمعاني الذاتية، التي يضفيها الفاعلون على أفعالهم، وتبنَّى وجهة نظر وهي أنّ العلوم الاجتماعية مثل العلوم الطبيعية تجري باستعمال مفاهيم مجرّدة وعامّة، وهنا يكمن الدافع وراء تطويره للنماذج المثالية بوصفها منهجية لإنتاج نتائج قابلة للتعميم استنادًا إلى دراسة أحداث تاريخية محدّدة[100]، أي العمل على نحوٍ مكمَّل لمنهج العلوم لغرض السير بتحقيق غاياتها.
وطوَّر ڤيبر مفهوم النموذج المثالي للمرة الأولى في كتابه الموضوعية في العلوم الاجتماعية والسياسة الاجتماعية، الذي نُشر عام 1905، واستعمل النموذج المثالي بوصفه أداة منهجية لوصف السمات المقارنة للمجتمعات المختلفة، عن طريق تحديد الخصائص الاجتماعية المتميَّزة[101]، واستعماله له كان بمعنى مُحدَّد، فإنّ النموذج المثالي عنده، هو بناء ذهني أشبه بنموذج يستعمل لفحص توصيف وضع ملموس توصيفًا منهجيًا، وفي الواقع استعمله بوصفه أداة منهجية لفهم الواقع الاجتماعي وتحليله، وكان مهتمًَّا اهتمامًا خاصًا بمشكل الموضوعية في العلوم الاجتماعية، لذلك استعمل النموذج المثالي بوصفه أداة منهجية تنظر إلى الواقع بموضوعية، فهو يفحص الواقع الاجتماعي ويصنّفه وينظَّمه ويحدَّده من دون تحيّز ذاتي، ولا علاقة للنموذج المثالي بالقيم، فوظيفته بوصفه أداة بحثية هي التصنيف والمقارنة[102].
جادل عند بناء النماذج المثالية للفعل، بأنَّ تحليلات العالم الاجتماعي ليست بالضرورة أقل علمية أو قابلة للتعميم من دراسات العالم المادي، ومع ذلك فإنّ نهج ڤيبر في الفهم دفعه إلى القول إن البحث عن قوانين عالمية للفعل البشري سيُفقد الرؤية لما هو إنساني[103]. وافترض أنَّ العلوم الاجتماعية معنية باكتشاف العلاقات السببية في العالم، بما في ذلك تلك التي تربط بين الأفكار والأفعال، عن طريق تحديد "الاحتمالات الموضوعية" و"السببية الكافية"، لذا صمَّم مفهومه عن النموذج المثالي لتسهيل تحديد هذه العلاقات، سواء أتلك التي يفترضها نموذج مثالي مُعيَّن، أم تلك التي يمكن الكشف عنها حين ينحرف السلوك عمَّا يتوقَّعه هذا النموذج[104]. ولا ينبغي اعتبار النماذج المثالية غاية بحد ذاتها، بل وسيلة فقط لإنتاج رؤى علمية، ولكي تكون هذه النماذج مُثمرة بوصفها وسائل استدلالية لتحليل الظواهر التجريبية، يجب تعديل النماذج المثالية وفقًا للظروف التاريخية ووفقًا لاهتمامات البحث الخاصة بالباحث[105]، بمعنى قد قدَّم وجودها تطبيقات علمية منطقية ودقيقة، ولا بد من مراعاة طبيعة استعمالها بحسب الظروف التي تُستعمل فيها.
وقد انصبّ اهتمام ڤيبر على نحو خاص على مشكل الموضوعية في العلوم الاجتماعية، ولذلك، استعمل النموذج المثالي بوصفه أداة منهجية تنظر إلى الواقع بموضوعية، فهو يُدقّق في الواقع الاجتماعي ويُصنّفه ويُنظّمه ويُعرّفه من دون تحيَّز ذاتي، ولا علاقة للنموذج المثالي بالقيم، فوظيفته، بوصفه أداة بحثية، هي التصنيف والمُقارنة. وكما قال: "سيساهم المفهوم النموذجي المثالي في تطوير مهاراتنا في الإسناد في البحث. إنَّه ليس وصفًا للواقع، ولكنه يهدف إلى إعطاء وسائل تعبير لا لبس فيها لمثل هذا الوصف"[106]، بمعنى آخر، تُصاغ النماذج المثالية استنادًا إلى حقائق جُمعت بعناية وتحليلًا لأغراض البحث التجريبي. وبهذا المعنى، تُعدّ النماذج المثالية مفاهيم تُستعمل بوصفها أدوات منهجية في فهم الإنسان وتحليله لأي مشكلة اجتماعية[107]. لقد احتاج ڤيبر إلى النموذج المثالي، لأنّ الواقع الاجتماعي معقّد ومُتشابك ومليء بالتفاصيل المتغيّرة ولا يمكن فهمه مباشرة من دون تبسيط منهجي، وتمثّلت خصائص هذا النموذج بأنَّه انتقائي وغير معياري ويمثّل أداة مُقارنة ومُبالغ به تحليليًا.
إسهامات أخرى لماكس ڤيبر
العلم والسياسة بوصفهما حرفة
يشير رضوان السيد في تقديمه للترجمة العربية لكتاب ماكس ڤيبر العلم والسياسة بوصفهما حرفة إلى اختلاف تقديرات الدارسين لأعمال ماكس ڤيبر بشأن تاريخ كتابته لمحاضرتيه: "العلم بوصفه حرفة" (Wissenschaft als Beruf)، و"السياسة بوصفها حرفة" (Politik als Beruf)، فيما بين العامين 1917 و1919. والثابت، يقول، "أنه ألقاهما تباعًا في أواخر العام 1918 أو مطلع العام 1919. وهذا يعني أمرين اثنين: أنهما أولًا كانا من بين آخر ما كتبه، وأنه ألقاهما في شهور الاضطراب والثورات التي أعقبت هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وسقوط القيصرية، وشيوع الفوضى والصراع على مستقبل المجتمع والدولة بين التيارات السياسية المتنافسة والمتدافعة لتحديد الموقع والحصة في البلاد التي كانت تمر بتحولات عاصفة"[108].
غلاف كتاب العلم والسياسة بوصفهما حرفة لماكس ڤيبر مترجمًا إلى العربية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ألقى المحاضرة الأولى "العلم بوصفه حرفة" (Wissenschaft Als Beruf) في جامعة ميونيخ في 7 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1917، على حين ألقى محاضرته الثانية "السياسة بوصفها حرفة" ( Politik Als Beruf) في 28 كانون الثاني/ يناير 1919. وقد وقعت هزيمة الدولة الألمانية العسكرية وحصلت ثورة تشرين الثاني/ نوڤمبر بين هذين التاريخين، وعاد بينهما أيضًا إلى مخطوطاته التي كان قد أهملها مع بداية الحرب حول الأنظمة والسلطات الاقتصادية والاجتماعية، وإلى العمل على تصحيح الدراسات المُقارنة حول التقنيات الاقتصادية في الحضارات الدينية وإنهائها، التي تتابع إصدارها في أثناء ذلك وصولًا إلى اليهودية في العصور القديمة[109]، وعاد أيضًا إلى مزاولة عمله الصحافي عن السياسة الخارجية، لكن بوتيرة أقوى عن السياسة الداخلية، بين هذين التاريخين، ولا سيما المسائل المتعلّقة بالمشاركة الانتخابية في المجلس الوطني الألماني، والمسائل المتعلّقة بالسياسة الدستورية، حيث ترشّح عن الحزب الديمقراطي الألماني وخسر هذا الترشيح في ظروف مؤذية، وتولى قيادة الحزب لاحقًا[110].
المحاضرة الأولى: العلم بوصفه حرفة
ألقى ڤيبر المحاضرة في 7 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1917 في إطار سلسلة من المحاضرات، التي كانت من تنظيم "عصبة الطلاّب الأحرار، جمعية منطقة بافاريا"، قد حملت "العمل الذهني بوصفه حرفة" عنوانًا لها[111]، وتحدَّث في هذه المحاضرة عن الكيفية التي تشكَّل فيها العلم بوصفه حرفة بالمعنى الواسع لهذه الكلمة، ومن خلال هذا العرض قدَّم بعض الذكريات الخاصة المُتعلَّقة بعمل الجامعات الأميركية، ثم انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن العلاقة الداخلية بين المهنة والعلم، وقد أشار إلى أن العمل المتخصّص هو العمل المجدي، والشرط الأساس لكل عمل علمي يُفترض أن يكون الحماسة، وتميَّزت هذه المحاضرة وكأنَّها تتكلم عن فلسفة الحياة[112]، وأشار فيها أيضًا إلى الفنانين والعلماء بضرورة أن يتشاركوا بأمرٍ واحد وهو الومض الفكري والخيال، ومن الضروري أن يتجاوز العلم هذا المعنى لخدمة التقدّم، ولذلك تمَّت العودة إلى مفهوم "العلم الذي لا شرط عليه" من أجل تأسيس هذا التصوَّر[113]. وهذه المحاضرة من النصوص التي ناقشت معنى أن يكون الإنسان عالمًا ودور العلم في العالَم الحديث، حيث ناقش ماذا يعني أن يتّخذ الإنسان العلم مهنة أو حرفة، وما الذي يميز العمل العلمي في العصر الحديث، ولا سيما فيما يُسمَّيه "نزع السحر عن العالم"، إذ من ضمن أفكاره التي طرحها فيها أنَّ العمل العلمي يحتاج إلى شغفٍ داخلي، ويتطلَّب انضباطًا صارمًا وتخصَّصًا دقيقًا، والنجاح فيه غير مضمون ويعتمد على الظروف المؤسَّسية، ورأى أنّ الحداثة أدّت إلى عقلنة العالم، أي تفسير الظواهر تفسيرًا علميًا عقلانيًا بدل التفسيرات الغيبية، وأنَّ التقدّم العلمي لا يمنح الإنسان معنى للحياة بل يمنحه وسائل وتقنيات لفهم الواقع والسيطرة عليه، ووظيفة العلم هي توضيح الوقائع والعلاقات السببية من دون تحديد القيم، وأكَّد ضرورة الحياد القيمي في البحث والتدريس، لذلك فهو يعد العلم بوصفه حرفة التزامًا عقلانيًا صارمًا قائمًا على الموضوعية.
المحاضرة الثانية: السياسة بوصفها حرفة
ألقى ڤيبر محاضرة "السياسة بوصفها حرفة" في 28 كانون الثاني/ يناير 1919، وذلك في إطار سلسلة المحاضرات التي نظَّمتها عصبة الطلاب الأحرار في مدينة ميونخ في منطقة بافاريا، وقد أدّى موضوع السياسة بوصفها حرفة حتى في السنوات الأخيرة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، الدور الأهم في النقاشات النقدية الثقافية في الدولة القيصرية[114]، وركَّز في محاضرته هذه على أنّ السياسة مفهوم واسع جدًا وتندرج تحته كل أصناف المهمات التوجيهية المستقلّة الأخرى، وبأنّه سيتحدّث عن عددٍ من السياسات، منها سياسة المصرف المالية وسياسة نقابة ما التي تتّخذها في أثناء الإضراب، وسياسة القطع في البنك المركزي، وذكر أنَّ بإمكانه الحديث عن السياسة المدرسية في منطقةٍ ما، حيث قال "إنّ ما نُريد أن نفهمه اليوم من مفهوم السياسة هو: إدارة، أو التأثير الذي يُمارس في إدارة رابطة سياسية، والرابطة التي نقصدها اليوم هي الدولة"[115]، ورأى أنّ من يقوم بمُمارسة السياسة تكون لغاياتٍ مُعيَّنة منها السعي إلى السلطة باعتبارها تؤدي إلى تحقيق غايات أو أهداف أخرى، أو تحقيق السلطة من أجل السلطة بحد ذاتها، للشعور بما تمنحه السلطة من امتياز تسلّط ونفوذ[116]، ومن ضمن ما أشار إليه أيضًا "لا يشكّل الساسة الذين يعتبرون السياسة "دعوة" بالمعنى الخاص لهذه الكلمة، بأي حال الصورة الوحيدة الفاعلة في ميكانيكية الصراع على السلطة السياسية، أمَّا أشد العوامل حسمًا فهو نوع الأداة المُساعدة التي توضع في خدمتهم. كيف يتمسك المُسيطرون بالعنف وسيلة من أجل تعزيز سلطتهم؟ وينطبق هذا السؤال على كل أشكال السيطرة، وكذلك على السيطرة السياسية في كل أشكالها، سواء أكانت السيطرة التقليدية أم الشرعية أم الكاريزماتية"[117]، وذكر أيضًا أنَّ بإمكان المرء مُمارسة السياسة بطرق عدة، من خلال سعيه للتأثير بتوزيع السلطة داخل التشكيلات السياسية وفيما بينها، كما هو الحال عند مزاولة النشاط الاقتصادي سواء أتمَّت مُمارسة السياسة ممارسة أساسية أم ثانوية[118]، وفي كلامه عن إمكان جعل السياسة حرفة، رأى بأنَّ ثمّ طريقتين لذلك، وهما أمَّا أن يعيش المرء لأجل السياسة، أو أن يعيش منها، ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال إقصاء أحدهما للأخرى، فغالبًا ما يتعامل مع الأمرين معًا ماديًا وفكريًا[119].
واسترسل بهذه الفكرة وقال "من يحيا من "أجل" السياسة فهو يجعل منها بالمعنى الأعمق للكلمة "هدف حياته"، فهو إمَّا يلتذ بالسلطة التي يُمارسها بمجرَّد امتلاكه لها، أو لأنَّها تؤمَّن له توازنه الداخلي أو تُعبَّر عن قيمةٍ شخصية، حيث يعي أنَّه قد جعل نفسه في خدمة قضية تعطي حياته معنى"[120]، ورأى أيضًا أنَّ على السياسي أن يكون مستقلًا في ظل الشروط الطبيعية أو السوية عن الموارد التي من المُمكن أن توفَّرها له السياسة [121]، وأضاف أن المُحترفين في السياسة غير مُجبرين على البحث عن مكافآت لقاء أدائهم، ومن جانب آخر ثم من يُعير لهذا الأمر أهمية، ولا يعني ذلك أنّ الذين لا يملكون ثروة من الساسة يكون همهم الأوحد هو الجانب الاقتصادي ويجعلونه من أولوياتهم في أثناء مُمارسة النشاط السياسي[122]، فضلًا عن أنه ذكر أنّ محترف السياسة الذي يعيش منها، من المُمكن أن يكون مُنتفعًا بحسب وظيفته التي يتقاضى عليها أجرًا فحسب، فهو قد يحصل على مداخيله عن طريق الإكراميات أو بدل أتعاب لقاء تأدية خدمات مُعيَّنة، أو أجور مُحدَّدة ومرتّبات مالية أو الاثنين معًا[123]، "وتكتسب توجَّهات ڤيبر السياسية التي تتحكَّم بمواقفه السياسية الداخلية والخارجية إلى جانب بعدها السياسي، جانبًا مبدئيًا أيضًا. إذ إنَّ السياسة كانت بنظره شأن الاقتصاد والعلم والفن والجنسانية والدين تتبع دائرة لها قانونها الخاص، وهي دائرة يجب أن لا تتحدَّد بموجب مصالح الطبقات والفئات الاجتماعية المهنية، ولا من قبل مثال "الأخوية" حصرًا"[124]، ويبدو أنّه لا بد من التمييز وعدم الخلط بين السياسة والواقعية التي سمَّاها في محاضرته "السياسة بوصفها حرفة" بـ "سياسة المسؤولية"، مع ما يُعرف بـ "سياسة الأمر الواقع" [125].
وقد جعل السياسة حقلًا للبحث العلمي، إذ بحث فيه قضايا تتعلَّق بالسيطرة والهيمنة والكاريزما والطاعة والشرعية والسلطة والبيروقراطية والحق والقانون والدولة، وحاول فيه التمييز بين السياسي الذي يعيش من السياسة وبين ذلك الذي يعيش لها[126]. وفي ذلك فلسفة في التعامل مع هذا الحقل بدمجه وتوصيفه وتحليله علميًا، لما له من أهميةٍ في صياغة المجتمع البشري وإعادة صياغته. ويبدو أن ڤيبر كان فعلًا صاحب قضية سياسية ذات شأن، غير أنّه لم يكن في الواقع رجل سياسة مُحترف، ولم يكن من النماذج التي من المُمكن أن تعتاش كُلَّيًا على السياسة، لذلك ووفقًا لما رآه هو فقد ارتكب أخطاءً تكتيكية عدة[127].
أراء ڤيبر في الاقتصاد
غلاف كتاب مقالات في علم الاجتماع الاقتصادي مترجمًا للعربية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كانت آراء ڤيبر الاقتصادية متناسقة مع أصوله البورجوازية، إذ استمر في التمسَّك بمتطلبات اقتصاد السوق الرأسمالي في مواجهة اليمين واليسار، ورغم انتقاده للجيل الأكبر سنًا لتمسَّكه الجامد بمبادئ عدم التدخّل، فقد دافع حتى خلال الحرب العالمية الأولى عمّا يسمى بـ "فوضى الإنتاج"، أي تنافس روَّاد الأعمال فيما بينهم[128].
وحذّر من استمرار ممارسات اقتصاد الحرب إلى ما بعد نهايتها، وعلى العموم كان خطابه وجدله مناهضًا لمناهضة الرأسمالية، وهو موقف معارض تبنَّاه أيضًا تجاه نقَّاد الحداثة الرائجين الذين عارضوا بشدة مُعاداة السامية ومُعاداة أميركا وكراهية الإنكليز لديهم[129].
آراؤه حول النخب
رأى ڤيبر أنَّ أفضل طريقة لدراسة جوهر أي مجال ومنطقه هي دراسة النُخب، حيث ينظر إلى النُخب غالبًا على أنَّها ذات تأثير بالغ الأهمية في خلق مجالات الحياة وتشكيلها[130]، على ألّا تُحصر النُخب بمجالٍ دون آخر، وإنَّما بالمجالات جميعها التي يُمكن أن تظهر منها نُخب معيَّنة. وتناولت فكرة النخب عنده موقع الفئات القيادية في المجتمع وعلاقتها بالسلطة والشرعية البيروقراطية، وهو لم يضع نظرية فكرية مستقلة تسمى بنظرية النخب لكنَّه قدَّم تحليلات عميقة للقيادة والهيمنة ومثَّلت أساسًا لفهم النُخب الحديثة، وربط النُخب بمفهوم الهيمنة وهي مرتبطة دائمًا بمفهوم السلطة المشروعة، وتفرز الحداثة نُخبة بيروقراطية قائمة على العقلنة وتحتاج السياسة إلى نُخبة قيادية ذات كاريزما ومسؤولية، ولا تنهي الديمقراطية حكم النخب بل تنظّمه وتؤطّره مؤسّسيًا.
في نقد ماكس ڤيبر
على الرغم من كلّ ما قدَّمه ڤيبر من تراثٍ فكري وتنظيري مهم حول الدين والاقتصاد والمجتمع والبيروقراطية والعقلانية والسلطة والنماذج المثالية وغيرها من الأطروحات المهمَّة، فإنه لم يسلم من الانتقادات التي طالته وطالت أفكاره، وذلك على مرّ الفترات الزمنية وإلى يومنا هذا. كتب ڤيبر كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية بين عامي 1903 و1904، ونشره في مقالتين منفصلتين عام 1905، ومنذ نشره أصبح هذا الكتاب عملًا مُثيرًا للجدل، وتعرَّض لانتقادات كبيرة من كتَّاب عديدين، بسبب تأكيده المحوري على أنّ التنظيم الزهدي للحياة الاقتصادية إلى جانب ضبط النفس والادّخار الحكيم والموقف الصارم تجاه العمل، كان ذا دوافع دينية، وبدأت الاعتراضات النقدية تظهر من المؤرّخين واللاهوتيين الذين زعموا أنَّ حجَّة ڤيبر تعاني نقاط ضعف جوهرية، وحتى اليوم ما تزال الانتقادات الموجَّهة لدراسته تُثير جدلًا[131].
بالإضافة إلى ذلك، فقد خضعت أعمال ڤيبر في مجال الدين والاقتصاد للنقد، حيث رأى بعض الباحثين أنَّه ركّز تركيزًا انتقائيًا للغاية على جوانب معيّنة من الأخلاق الدينية وفسّرها تفسيرًا ضيقًا جدًا لتتوافق مع نظريته، فعلى سبيل المثال في دراساته حول الأخلاق الهندوسية، لم يرَ ڤيبر سوى جانبًا واحدًا منها، وأفرط في التركيز على الجانب القدري والسلبي منها[132]، وبحسب الانتقادات فأنّه ترك الجوانب الأخرى من دراسة الأخلاق الهندوسية.
وانتقد روبرت ميرتون (Robert K. Merton، 1910-2003) نموذج ڤيبر للبيروقراطية، مُشيرًا إلى أنَّ السمات البيروقراطية التي يُعتقد أنّها تعزَّز العقلانية والكفاءة، قد تكون في الواقع مُرتبطة باللاعقلانية وعدم الكفاءة، ويخلص ميرتون إلى أنّ البيروقراطية تحمل في طيّاتها بذور فنائها، وعلى وجه الخصوص، لا تأخذ بيروقراطية ڤيبر في الحسبان الدور المهم للعلاقات غير الرسمية الموجودة في أي منظَّمة بشرية[133]، وربما كان تركيزها على العلاقات الرسمية فقط من دون الأخذ في الحسبان ما يترافق معها من علاقاتٍ غير رسمية قد تؤثّر تأثرًا كبيرًا فيها بوصفها نموذجًا ونظامًا، إذ أغفل ڤيبر دور التنظيم غير الرسمي في التأثير في كفاءة أداء المُنظَّمة، وركَّز تركيزًا أساسيًا على العناصر الرسمية للبيروقراطية، مثل التخصَّص والقواعد والتسلسل الهرمي وغيرها، وفي المقابل لم تحظ العناصر غير الرسمية بما فيها العلاقات الإنسانية والقيادة وشبكات الاتصال والتحفيز وغيرها بالاهتمام الكافي في وظائف المنظمات العامة والخاصة[134].
وانتقد إي. بي. أف ميدجلي (E. B. F. Midgley) ڤيبر وآراءه من منظورٍ كاثوليكي توماوي {{المنظور الكاثوليكي التوماوي: (Thomistic Catholic Perspective) هو اتجاه لاهوتي-فلسفي مستند إلى فكر توماس الاكويني ظهر في القرن الثالث عشر الميلادي داخل الكنيسة الكاثوليكية، ويوفّق بين الإيمان والعقل باستخدام فلسفة أرسطو. ويركّز على مفاهيم القانون الطبيعي، والغاية، والأخلاق العقلانية، ويُعد أساسًا مهمًا للفكر الكاثوليكي المدرسي وتأثيره ممتد في اللاهوت والفلسفة الأخلاقية.}}، متّخذًا كتابات جاك ماريتان (Jacques Maritain، 1882-1973) الممثّل الرئيس لهذا المنظور في القرن العشرين، وجادل ميدجلي بأنّ ڤيبر يتبنّى موقفًا إيديولوجيًا، أي موقفًا لا يتوافق مع الفلسفة الحقيقية، وبأنَّه فشل في إدراك أنّ مشكل كيفية تبرير القيم النهائية قد حُلَّت بالفعل على يد توماس الأكويني (Thomas Aquinas، 1225-1274) ويعود هذا الفشل إلى أنّ فهمه للدين كان بروتستانتيًا لا كاثوليكيًا[135]، أي نظر إلى المشكل من جانب التديَّن البروتستانتي وليس من الجوانب الأخرى.
وتلقت آراء ڤيبر انتقادات من اتجاهات سياسية منوّعة، ولا سيما حول طبيعة العلم والعقلانية، فضلًا عن تلك المُتعلَّقة بما أشار إليه ليو شتراوس (Leo Strauss، 1899-1973) بالمشكلة اللاهوتية السياسية: الصراع بين العقل والوحي، وعلى نحو مُبسَّط كان ثمّ من يعتقد أنّ آراء ڤيبر تجسَّد مكامن الخلل في الحداثة، ويدعو إلى العودة إلى أفكار ما قبل الحداثة، حتى وإن كان يُنظر إليها على أنَّها بحاجة إلى تطوير لمواكبة الظروف الجديدة[136]، وكان ثمّ ما يُسمى بالنقَّاد التقدَّميين، أولئك معظمهم من الماركسيين الذين رأوا في فكره ذروة الفكر الليبرالي، لكنّهم جادلوا بضرورة استبدال هذه الإيديولوجية السياسية بفلسفةٍ تقر بإمكان وجود نوع جديد وأفضل من المجتمع، وكانت الشكوى عند هؤلاء التقدَّميين عمومًا، بأنّه تبنّى مفهومًا ضيّقًا ونفعيًا للعقلانية يعكس طبيعة الرأسمالية الغربية، وقد شاركوا النقّاد الذين ينظرون إلى الماضي في إصرارهم على أنّ العقل يجب أن يتناول مسألة الغايات المبرَّرة، وليس اختيار الوسائل حسب، إذ جادلوا في أن إهمال هذا الأمر يجعل العمل الاجتماعي غير عقلاني جوهريًا[137].
فضلًا عن ذلك، فقد ركز النقاد على اعتراف ڤيبر بأنَّ العلم لا يمكن أن يكون قائمًا على أُسسٍ عقلانية فضلًا عن إصراره على ضرورة اختيار قيم أساسية، وزعموا أنّ موقفه أدّى إلى رؤيةٍ مشوَّهة للعالم الاجتماعي لا تأخذ في الحسبان التمييز الأساس بين الخير والشر، وأنَّه سمح للعلوم الاجتماعية بخدمة أي قضية مهما كانت غير مرغوب فيها، وأنَّه ترك الناس تائهين في العالم ولم يخبرهم بأنّهم يجب عليهم الاختيار بأنفسهم بدلًا من تقديم إرشادات حول أفضل السبل للقيام بذلك[138]، وأبرز عيوب ڤيبر وفقًا للنقّاد المحافظين أنَّه حصر تركيز العلوم الاجتماعية على الحقائق، ما أنتج صورة مُشوّهة للعالم وشتّت الانتباه عن أهم القضايا[139]، وقد حظي كتاب العلم بوصفه حرفة بتأثيرٍ كبير لا في ألمانيا فحسب بل في خارجها أيضًا ولا سيما في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد لاقى الكتاب انتقادات واسعة، لم يتمكن ڤيبر من الرد عليها لوفاته[140]، فطبيعة هذه الانتقادات قد لا تكون بالضرورة صحيحة في مُجملها أو خاطئة كذلك، وإنَّما تعتمد على رؤى وأطروحات غيره من المفكّرين ورجال الدين والعاملين بالسياسة حول ما يرونه مُتعارضًا وغير مُتوافق مع ما رآه هو.
وفي نقد نظرية الفعل الاجتماعي لڤيبر، رأى النقّاد أن هذه النظرية تقيّد مجال دراسة علماء الاجتماع، حيث رأى ڤيبر أن الإنسان عقلاني وواعٍ في تفسيره للعالم، لذلك يستبعد كثيرًا من الأفعال باعتبارها غير عقلانية، وتقتصر نظرية الفعل الاجتماعي عنده على دراسة الفعل الفردي فقط ولا تُشكَّل الجماعات أو التجمَّعات محور تركيزه الأساس، وأشار إلى الصراع إشارة ضئيلة ولم يأخذ في الحسبان الخلافات وسوء الفهم، وركَّز تركيزًا أكبر على العمليات العقلية لكنه لم يُسهب في شرحها[141]، وهي ملاحظات قد تكون في بعضها صحيحة باستبعاده أفعالًا عدة باعتبارها غير عقلانية أو الإحاطة بالفعل الفردي من دون الجماعي في محور دراسته عن الفعل الاجتماعي، وإشاراته البسيطة عن العمليات العقلية من دون الغور أو التفصيل فيها.
وعلى الرغم من أنّ مفهوم ڤيبر عن النموذج المثالي قد حظي بتقديرٍ واسع لدى الباحثين، فإنّه لم يسلم من الانتقادات، ومن جملة هذه الانتقادات، وهي: على الرغم من أنَّ النموذج المثالي هو بناء ذهني فإنّه يخلط في كثيرٍ من الأحيان مع الواقع الفعلي، وثمّ أيضًا احتمال اعتبار النموذج المثالي بمنزلة إطار قسري تُفرض عليه البيانات قسرًا، وغالبًا ما يُتّخذ النموذج المثالي نظرية، وتُعد الأفكار أو الأشياء التي يمثّلها هي نفسها الموجودة في العالم الواقعي، ورأى بعض النقّاد ضرورة التخلي عن تحليل النماذج المثالية، لعدم ملائمتها للتحليل الاجتماعي، وجادل ڤيبر نفسه بأنَّ النماذج المثالية نماذج غير قابلة للاختبار[142].
ومن ضمن الانتقادات التي طالته أنَّه لم يكن مهتمًّا بتعريف الدين، إذ لم يكن هدفه تحليل الدين من حيث ماهيته، بل استكشاف شروط مختلف النظريات التبريرية للشر في ثقافاتٍ مُختلفة وآثارها، وكان هاجسه الرئيس في كتاباته عن الإسلام، هو مدى توافقه مع الرأسمالية، وجادل بريان تيرنر (Bryan S. Turner، 1945-) بأنّ ڤيبر توصل إلى استنتاج عام مفاده أن الرأسمالية لا تتوافق عمومًا مع الإسلام، بسبب طبيعتها الأبوية، ونتيجة لذلك تطوَّر المجتمع الإسلامي إلى نوعٍ من الإقطاع ولم يكن مُلائمًا للرأسمالية الحديثة[143]، ولم يُفرَّق ڤيبر بين الثقافة العربية والثقافة الإسلامية في كتاباته، بل سعى إلى تقديم تحليل عام لظاهرة الإسلام، وقد لوحظ أنه نظر إلى الإسلام بوصفه كيانًا مُتجانسًا ولم يُراعِ الاختلافات الحضارية مراعاة ذات مغزى[144]، واتهم بانحيازه إلى قضايا اجتماعية وسياسية غير شعبية أو غير سائدة، ولذلك نظرت إليه النُخب السياسية حينئذٍ بعين الريبة[145]، بمعنى أنَّ أطروحات عدة له قد أثارت جدلًا واسعًا وأثارت حفيظة العديدين بتنوَّعاتها وتناقضاتها وتوافقاتها أو عدم توافقاتها مع ما يرونه، ومع ذلك فقد ترك إرثًا فكريًا كبيرًا كان وما يزال محط التحليل والتنظير والتفكير وحتى النقد.
أعماله المترجمة
تُرجمت معظم أعمال ماكس ڤيبر إلى لغات مختلفة. فظهرت في الولايات المتحدة بعد الحرب بقلم تالكوت بارسونز (Talcott Parsons)، وفي فرنسا ظهر منها أيضًا (العالم والسياسي) (Le Savant et le Politique) عام 1959، و(الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية) (Die protestantische Ethik und der Geist des Kapitalismus) عام 1964، ومجموعة من الدراسات في مجلةٍ ألمانية عنوانها "بحوث في نظرية العلم" (Gesammelte Aufsätze zur Wissenschaftslehre) عام 1965، و"اليهودية القديمة" (Die Alte Jüdische Gemeinde) عام 1970، وبعض أعماله في علم الاجتماع منها (الاقتصاد والمجتمع) (Wirtschaft und Gesellschaft) عام 1971، وترجمة (علم اجتماع القانون) (Soziologie des Rechts) عام 1986، و(التاريخ الاقتصادي) (Wirtschaftsgeschichte) عام 1991، و(علم اجتماع الموسيقى) (Soziologie der Musik) عام 1998، و(البورصة) (Die Börse) عام 1999، وغيرها من الترجمات الأُخرى[146]، وبذلك أسهم ڤيبر بفكره هذا في تغذية التراث الفكري في مختلف تفرَّعاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والدينية، ونشره على مختلف مستويات العالم ولفتراتٍ زمنية طويلة وما يزال يتداول حتى هذا اليوم.
أعماله
غلاف كتاب مقالات في علم الاجتماع الاقتصادي مترجمًا للعربية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أهم الأعمال التي نُشرت له في حياته
- التاريخ الزراعي الروماني وأهميته للقانون العام والخاص (1891) (Die römische Agrargeschichte in ihrer Bedeutung für das Staats- und Privatrecht). مُحاضرة أكاديمية.
- أوضاع عُمَّال الزراعة في شرق ألمانيا (1892) (Die Verhältnisse der Landarbeiter im ostelbischen Deutschland). مُحاضرة أكاديمية.
- العلاقات الزراعية في العصور القديمة (1897) (Agrarverhältnisse im Altertum). بحث مُبكَّر لـماكس ڤيبر.
- الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية (1904-1905) (Die protestantische Ethik und der „Geist“ des Kapitalismus).
- ديانة الصين: حول الكونفوشيوسية والطاوية (1913-1915) (Die Wirtschaftsethik der Weltreligionen: Konfuzianismus und Taoismus).
- ديانة الهند: حول الهندوسية والبوذية (1915-1916) (Die Wirtschaftsethik der Weltreligionen: Hinduismus und Buddhismus).
- اليهودية القديمة: دراسة العوامل التي أدَّت للاختلاف بين التديَّن الشرقي والغربي (1917) (Die Wirtschaftsethik der Weltreligionen: Das antike Judentum).
- العلم بوصفه حرفة (1917) (Wissenschaft als Beruf).
- السياسة بوصفها حرفة (1919) (Politik als Beruf).
غلاف كتاب الأسس العقلانية والسوسيولوجية للموسيقى مترجمًا إلى العربية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أهم الأعمال التي نُشرت بعد وفاته
- دراسات في علم اجتماع الدين (1920 – 1921) (Gesammelte Aufsätze zur Religionssoziologie).
- الأُسس العقلانية والسوسيولوجية للموسيقى (1921) (Die rationalen und soziologischen Grundlagen der Musik).
- المدينة: دراسة تاريخية واجتماعية لتطوَّر المدن وعلاقتها بالهوية الغربية (1921) (Die Stadt: Eine soziologische Untersuchung).
- الاقتصاد والمُجتمع: الاقتصاد والأنظمة الاجتماعية والقوى المُخلَّفات – السيادة (1922) (Wirtschaft und Gesellschaft).
- المنهجية في العلوم الاجتماعية (1922) (Gesammelte Aufsätze zur Wissenschaftslehre).
- التاريخ الاقتصادي العام (1923) (Wirtschaftsgeschichte: Abriß der universalen Sozial- und Wirtschaftsgeschichte).
المراجع
العربية
باومان، زيغمونت وتم ماي. التفكير سوسيولوجيًا. ترجمة حجّاج جبر. بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافية، 2023.
الشقيري، عبد المنعم. العقلنة عند ماكس فيبر. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021.
فلوري، لوران. ماكس فيبر. ترجمة محمد علي مقلد. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2008.
فيبر، ماكس. الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية. ترجمة محمد علي مقلّد. بيروت: مركز الانماء القومي، 1988.
________. العلم والسياسة بوصفهما حرفة. ترجمة جورج كتورة. لبنان: المنظمة العربية للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربية، 2011.
________. مفاهيم أساسية في علم الاجتماع. ترجمة صلاح هلال. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011.
________. الأسس العقلانية والسوسيولوجية للموسيقى. ترجمة حسن صقر. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013.
________. الاقتصاد والمجتمع: الاقتصاد والأنظمة الاجتماعية والقوى المخلفات: السيادة. ترجمة محمد التركي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015.
________. السياسة في الحرب العالمية: كتابات وخطب 1914–1918. ترجمة ميشال كيلو. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015.
________. مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية. ترجمة منير الفندري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015.
لويث، كارل. ماكس فيبر وكارل ماركس. ترجمة عبد الله حداد. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025.
الأجنبية
Abd. Fatah, Rahmat. “Recognize Max Weber's Social Action Theory in Individual Social Transformation.” International Journal of Multidisciplinary Approach Research and Science. vol. 2, no. 2 (2024), pp. 659-666.
Daneshfard, Karamollah. Fatemeh Sadat & Fatemeh Aboalmaali. “Max Weber’s Philosophy of Bureaucracy and Its Criticism.” International Journal of Scientific Management and Development. vol. 4, no. 6 (2016), pp. 214-220.
Guinchard, Jean-Jacques Weber Max : vie, œuvres, concepts. Paris: Éditions Ellipses, 2006.
Hammersley, Martyn. “Max Weber and his conservative critics: Social science and the problem of value relativism.” Journal of Classical Sociology. vol. 24, no. 1 (2024), pp. 75-94.
Allison L. Hurst. Classical Sociological Theory and Foundations of American Sociology. LibreTexts. 10\6\2025. at: https://acr.ps/hBy6FhS
Iwuh, Emmanuel. “MAX Weber on Power and Authority.” Department of Philosophy, Dominican Institute of Philosophy and Theology, Samonda Ibadan. (2012), at: https://acr.ps/hBy6EG2
Kim, Sung Ho. “Max Weber,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy, first published 24\8\2007. at: https://acr.ps/hBy6ER9
Marianne, Weber. Max Weber: A Biography. Harry Zohn (trans. & ed.) London\ New York: Routledge, 2017.
Rath, Atashi. “Unit 3: Max Weber,” in Classical Sociological Theory. Bhubaneswar: Utkal University, Vani Vihar. at: https://acr.ps/hBy6EE2
Roth, Guenther. “Max Weber: Family History, Economic Policy, Exchange Reform.” Sociedade e Estado. vol. 17, no. 1 (2002). pp. 64–78.
Terpe, Sylvia. “Working with Max Weber’s ‘spheres of life’: An actor- centred approach.” Journal of Classical Sociology. vol. 20, no. 1 (2020), p. 22-42.
Vaidya, Shubhangi. “Max weber.” School of Interdisciplinary and Transdisciplinary Studies, IGNOU. at: https://acr.ps/hBy6EsV
Weber, Max. “Die protestantische Ethik und der Geist des Kapitalismus.” Archiv für Sozialwissenschaft und Sozialpolitik. Bd. 20–21 (1904-1905).
________. Économie et société, tome 1 : Les catégories de la sociologie, Jacques Chavy et Éric de Dampierre (trans.) Paris: Pocket, 2003.
________. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology, ed. Guenther Roth and Claus Wittich. Berkeley: University of California Press, 1978.
________. The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism, trans. Talcott Parsons. London: Routledge, 2001.
Edles, Laura Desfor & Scott Appelrout. “Max Weber,” in Sociological Theory in the Classical Era: Text and Readings. Thousand Oaks, CA: Pine Forge Press, 2005. at: https://acr.ps/hBy6EqV
[1]Allison L. Hurst, Classical Sociological Theory and Foundations of American Sociology, LibreTexts, 10\6\2025, accessed on 8\12\2025, at: https://acr.ps/hBy6FhS
[2] لوران فلوري، ماكس فيبر، ترجمة محمد علي مقلد (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2008)، ص15.
[3] Guenther Roth, “Max Weber: Family History, Economic Policy, Exchange Reform,” Sociedade e Estado, vol. 17, no. 1 (2002), pp. 64–78.
[4] Allison Hurst, op.cit.
[5] فلوري، ص 43.
[6] Laura Desfor Edles & Scott Appelrouth, “Max Weber,” in Sociological Theory in the Classical Era: Text and Readings (Thousand Oaks, CA: Pine Forge Press, 2005), p. 137, at: https://acr.ps/hBy6EqV
[7] ماكس فيبر، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، ترجمة صلاح هلال (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011)، ص 8.
[8] المرجع نفسه.
[9] فلوري، ص 63.
[10] Roth, p. 65.
[11] Edles & Appelrouth, p. 155.
[12] Ibid.
[13] Ibid.
[14] Jean-Jacques Guinchard, Weber Max : vie, œuvres, concepts (Paris: Éditions Ellipses, 2006) p. 9.
[15] Ibid.
[16] Ibid., p. 9.
[17] Weber Marianne, Max Weber: A Biography, Harry Zohn (trans. & ed.) (London\ New York: Routledge, 2017), p. 64.
[18] Ibid., p. 64.
[19] Ibid., p. 64.
[20]Shubhangi Vaidya, “Max weber,” School of Interdisciplinary and Transdisciplinary Studies, IGNOU, accessed on 8 / 12 / 2025, at: https://acr.ps/hBy6EsV
[21] Ibid.
[22] Roth, p. 70.
[23] فيبر، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، ص 9.
[24] Roth, p. 72.
[25] Edles & Appelrouth, p. 136.
[26] Marianne, p. 64.
[27] فيبر، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، ص 9.
[28] ماكس فيبر، الاقتصاد والمجتمع: الاقتصاد والأنظمة الاجتماعية والقوى المخلفات: السيادة، ترجمة محمد التركي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015)، ص 105.
[29] ماكس فيبر، السياسة في الحرب العالمية: كتابات وخطب 1914–1918، ترجمة ميشال كيلو (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015)، ص 45.
[30] فلوري، ص 43-44.
[31] يُنظر:
Sung Ho Kim, “Max Weber,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy, first published 24\8\2007, accessed on 10\9\2026, at: https://acr.ps/hBy6ER9; “The President of the German Delegation (Brockdorff-Rantzau) to the President of the Peace Conference (Clemenceau),” May 28, 1919, Papers Relating to the Foreign Relations of the United States: The Paris Peace Conference, 1919, vol. 6, Office of the Historian, U.S. Department of State, at: https://acr.ps/hBy6F4g
[32] Marianne, p. 64.
[33] Ibid., p. 6.
[34] Ibid., p. 10.
[35] Ibid., p. 310.
[36] Max Weber, Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology, ed. Guenther Roth and Claus Wittich (Berkeley: University of California Press, 1978), p. 4.
[37] Ibid.
[38] Vaidya, op. cit.
[39] Martyn Hammersley, “Max Weber and his conservative critics: Social science and the problem of value relativism,” Journal of Classical Sociology, vol. 24, no. 1 (2024), p. 83.
[40] ماكس فيبر، الأسس العقلانية والسوسيولوجية للموسيقى، ترجمة حسن صقر (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013)، ص 18.
[41] Sylvia Terpe, “Working with Max Weber’s ‘spheres of life’: An actor- centred approach,” Journal of Classical Sociology, vol. 20, no. 1 (2020), p. 26.
[42] Ibid., p. 22.
[43] Rahmat Abd. Fatah, “Recognize Max Weber's Social Action Theory in Individual Social Transformation,” International Journal of Multidisciplinary Approach Research and Science, vol. 2, no. 2 (2024), pp. 661-662.
[44] عبد المنعم الشقيري، العقلنة عند ماكس فيبر (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص 20.
[45] Vaidya, op. cit.
[46] Edles & Appelrouth, p.138.
[47] Abd. Fatah, p. 662.
[48] Ibid., p. 661.
[49] Vaidya, op. cit.
[50] Abd. Fatah, p. 662.
[51] Ibid., pp. 662-663.
[52] Edles & Appelrouth, pp. 138-139.
[53] Abd. Fatah, p. 663.
[54] Edles & Appelrouth, p.139.
[55] Max Weber, The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism, trans. Talcott Parsons (London: Routledge, 2001).
[56] فلوري، ص 54.
[57] كارل لويث، ماكس فيبر وكارل ماركس، ترجمة عبد الله حداد، ط 1 (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025)، ص 65.
[58] Atashi Rath, “Unit 3: Max Weber,” in Classical Sociological Theory (Bhubaneswar: Utkal University, Vani Vihar), p. 3, accessed September 9, 2026, at: https://acr.ps/hBy6EE2
[59] Ibid.
[60] فيبر، الأسس العقلانية والسوسيولوجية للموسيقى، ص 19.
[61] “Max weber (1864 – 1920),” op. cit.
[62] Ibid.
[63] Ibid.
[64] ماكس فيبر، مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية، ترجمة منير الفندري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015)، ص 8.
[65] المرجع نفسه، ص 8–9.
[66] المرجع نفسه، ص 9.
[67] المرجع نفسه، ص 10.
[68] ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة محمد علي مقلّد (بيروت: مركز الانماء القومي، 1988)، ص 16.
[69] المرجع نفسه، ص 17.
[70] المرجع نفسه، ص 18.
[71] المرجع نفسه، ص 28.
[72] المصدر نفسه، ص 30.
[73] Abd. Fatah, p. 660.
[74] Max Weber, Économie et société, tome 1 : Les catégories de la sociologie, Jacques Chavy et Éric de Dampierre (trans.) (Paris: Pocket, 2003). p. 289.
[75] Ibid., p. 289.
[76] Emmanuel Iwuh, “MAX Weber on Power and Authority,” Department of Philosophy, Dominican Institute of Philosophy and Theology, Samonda Ibadan, (2012), accessed on 28\2\2026, at: https://acr.ps/hBy6EG2
[77] Rath, op. cit.
[78] Max Weber, Économie et société, tome 1, p. 308.
[79] Ibid., p. 303.
[80] زيغمونت باومان وتم ماي، التفكير سوسيولوجيًا، ترجمة حجّاج جبر (بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافية، 2023)، ص 92.
[81] Weber, Économie et société, tome 1, p. 380
[82] Ibid., p. 380.
[83] Ibid.
[84] Ibid., p. 289.
[85] Iwuh, op. cit.
[86] Weber, Économie et société, tome1, p. 289.
[87] Ibid.
[88] Ibid., p. 326.
[89] Ibid., p. 297
[90] Ibid.
[91] Vaidya, op. cit.
[92] فيبر، الاقتصاد والمجتمع، ص 261.
[93] باومان وماي، ص 92–93.
[94] المصدر نفسه، ص 261.
[95] فيبر، الاقتصاد والمجتمع، ص 265.
[96] Karamollah Daneshfard, Fatemeh Sadat & Fatemeh Aboalmaali, “Max Weber’s Philosophy of Bureaucracy and Its Criticism,” International Journal of Scientific Management and Development, vol. 4, no. 6 (2016), p. 214.
[97] Ibid., p. 294.
[98] فيبر، الاقتصاد والمجتمع، ص 262.
[99] باومان وماي، ص 93.
[100] Edles & Appelrouth, p. 140.
[101] Rath, pp. 16-19.
[102] Vaidya, op. cit.
[103] Edles & Appelrouth, p. 140.
[104] Hammersley, p. 84.
[105] Terpe, p. 24.
[106] Rath, pp. 16-19.
[107] Ibid, p. 20
[108] ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة (لبنان: المنظمة العربية للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص 11.
[109] المرجع نفسه، ص 45–46.
[110] المرجع نفسه، ص 46 –47.
[111] المرجع نفسه، ص 117.
[112] المرجع نفسه، ص 135.
[113] المرجع نفسه، ص 135.
[114] المرجع نفسه، ص 207.
[115] المرجع نفسه، ص261–262.
[116] المرجع نفسه، ص 264.
[117] المرجع نفسه، ص 267.
[118] المرجع نفسه، ص 273.
[119] المرجع نفسه، ص 275.
[120] المرجع نفسه.
[121] المرجع نفسه، ص 276.
[122] المرجع نفسه، ص 277–278.
[123] المرجع نفسه، ص 278–279.
[124] المرجع نفسه، ص 54.
[125] المرجع نفسه.
[126] فلوري، ص 12.
[127] فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ص 69.
[128] Roth, pp. 72-73.
[129] Ibid, p. 73.
[130] Ibid., p.69-70
[131] Ibid.
[132] Ibid.
[133] Ibid.
[134] Ibid.
[135] Hammersley, pp. 78-79.
[136] Ibid., p. 76.
[137] Ibid., pp. 76-77.
[138] Ibid., p. 77.
[139] Ibid., p. 78.
[140] Ibid., p. 76.
[141] Rath, op. cit.
[142] Ibid.
[143] Joseph Jon Kaminski, p. 38.
[144] Ibid., p. 39.
[145] Vaidya, op. cit.
[146] فلوري، ص 20–21.