تسجيل الدخول

ماكس شيلر

(Max Scheler)

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم 

ماكس شيلر

تاريخ الميلاد

22 آب/ أغسطس 1874

مكان الميلاد

ميونخ، باڤاريا، ألمانيا

تاريخ الوفاة

19 أيار/ مايو 1928 (54 عامًا)

مكان الوفاة

فرانكفورت أم ماين، هِسِن، ألمانيا

سبب الوفاة

نوبة قلبية مفاجئة

الجنسية

ألماني

المجال

الفلسفة

الدور العام

فيلسوف، أستاذ جامعي

أهم الأعمال

· مساهمات في تحديد العلاقات بين المبادئ المنطقية والأخلاقية

· المنهج الترنسندنتالي والمنهج السيكولوجي

· الصورية في الأخلاق والأخلاق المادية للقيم

الموجز

ماكس شيلر (Max Scheler، 1874-1928) فيلسوف قيم وفينومينولوجي ألماني معاصر، يُعتبر من أبرز ممثلي تيار الأنثروبولوجيا الفلسفية، تأثر في مسيرته الفلسفية بخلفية دينية متعددة المشارب، اجتمعت فيها النزعة البروتستانتية والكاثوليكية واليهودية، قبل أن يسلك طريقه الخاص نحو تصور وحدوي لمفهوم الإله. بدأ رحلته البحثية والعلمية بدراسة الطب في جامعة ميونخ، ثم انتقل بعدها إلى مجال الفلسفة والسوسيولوجيا بتحفيز من أستاذه ثيودور ليبس {{ثيودور ليبس: (Theodor Lipps، 1851–1914) سيكولوجي وفيلسوف ألماني، اشتهر بنظريته في التعاطف، وساهم في تشييد علم نفس الجماليات.}}، ليتابع بعدها أبحاثه ودراساته مع فيلهلم دلتاي {{فيلهلم دلتاي: (Wilhelm Dilthey، 1833-1911) مؤرخ وفيلسوف ألماني، اشتهر بأعماله المهمة في مجال التأويلية الحديثة وفلسفة الحياة.}} وجورج زيمل وكارل شتومف{{كارل شتومف: (Carl Stumpf، 1848- 1936) سيكولوجي وفيلسوف ألماني، اشتهر بدراساته في علم النفس الإمبريقي وإسهاماته في مجال الفينومينولوجيا.}}، ثم أنجز بعد ذلك أطروحته للدكتوراه التي أشرف عليها الفيلسوف رودولف أويكن (Rudolf Eucken، 1846-1926) في عام 1897، ونال بعدها درجة التأهيل الجامعي في عام 1899. 

انضم الفيلسوف شيلر إلى الدائرة الفينومينولوجية في ميونخ، وبدأ تأثره العميق بأعمال إدموند هوسرل (Edmund Husserl، 1859-1938). وليتسنى له تطوير مشروعه الفلسفي الذي جمع فيه بين ثنائية الدافع الحيوي والروح، ووحدة النفس والجسد، ساهم في تأسيس الأخلاق القائمة على مبادئ القيم الموضوعية التي تُدرك بطريقة وجدانية، ووفقًا لتراتبية تنتهي إلى قيمة الشخص، وهو ما أبرز نقدًا عميقًا ومباشرًا لأخلاق الواجب التي ذهب إليها كانط. أما في عمله المهم في فلسفة الدين فقدم رؤية أنثروبولوجية ذات منحى ميتافيزيقي بشأن الإنسان جعلت من الخبرة الدينية معطى أصلانيًا، ناظرًا إلى المحبة على أنها فعل كاشف للقيم. وساهم شيلر في معالجة قضايا التعاطف وبنية الشخص العاطفية، وبيان منزلة الإنسان، وتشييد سوسيولوجيا للمعرفة. وكان لفلسفته تأثير قوي على الشخصانية الكاثوليكية {{الشخصانية الكاثوليكية:(Catholic personalism) مذهب فلسفي مسيحي، يعتقد بكرامة الفرد والمنافحة عن حريته ومسؤوليته في إطار الجماعة المتضامنة.}}. 

توفي شيلر عام 1928 إثر أزمة قلبية حادة.

النشأة والتكوين

ماكس شيلر أخلاقيٌّ وفيلسوف قيم وفينومينولوجي (ظاهراتي) (Phenomenology)[1] وأحد أبرز رواد الأنثروبولوجيا الفلسفية {{الأنثروبولوجيا الفلسفية: (Philosophical Anthropology) فرع فكري يُعنى بدراسة ماهية الإنسان وشرائط وجوده وحدوده وعلاقة هذا الكائن بالثقافة واللغة، ويُسائل هذا التخصص هوية الإنسان وقيمه في سياق المعارف العلمية.}}[2]، ولد في مدينة ميونخ بألمانيا. والده جوتليب شيلر {{جوتليب شيلر: (Gottlieb Scheler، 1831-1900) فيلسوف بريطاني حديث، يُعتبر من أهم المنافحين عن البراغماتية الأوروبية}} الذي نشأ على المذهب البروتستانتي[3]، إلا أنه ارتدّ إلى الدين اليهودي بُغية الزواج من الأم صوفيا شيلر{{صوفيا شيلر: (Sofie Scheler، 1844-1928) والدة الفيلسوف ماكس شيلر.}} التي ترعرعت في قرية تقع على مقربة من مدينة بايرويت (Bayreuth)، قبل أن تنتقل للحياة مع زوجها في مدينة كوبرج (Coburg) الواقعة في ولاية فرانكن العليا (Upper Franconia)، ولتستقر مع عائلتها في مدينة ميونخ[4].

بعد أن أكمل شيلر المرحلة الدراسيّة الابتدائية، واصل دراسته في المدرسة الثانوية لودفيغس جيمنازيوم (Ludwigsgymnasium) في مدينة ميونخ، وتعتبر هذه المدرسة من المدارس الكلاسيكية العتيقة والمرموقة، وفيها أتم الفيلسوف دراسته بعد أن اجتاز امتحان الثانوية العامة عام 1894[5]. لينتقل بعد ذلك لدراسة الطب بجامعة ميونخ، إلا أنه لم يمكث كثيرًا في هذه الجامعة، وقرر التخلي عن دراسة الطب. وبتأثير من أستاذه عالم النفس والفيلسوف المعروف بنظرية التعاطف (Einfühlung) الألماني ثيودور ليبس، قرر الانتقال إلى مجال علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة في جامعة برلين، حيث تتلمذ على يد فلاسفة وعلماء أفذاذ آنذاك، مثل فيلهلم دلتاي، وكارل شتومف، وجورج زيمل[6].

وفي عام 1896، انتقل شيلر للدراسة في جامعة يِنا (Universität Jena). وخلال وجوده هناك، وتحديدًا عام 1898، زار مدينة هايدلبرغ (Heidelberg)، حيث التقى بالفيلسوف والسوسيولوجي ماكس فيبر {{ماكس فيبر: (Max Weber، 1864-1920) سوسيولوجي واقتصادي وفيلسوف ألماني، اشتهر بتحليلاته المعمقة عن البيروقراطية والسلطة في علاقتهما بالأخلاق البروتستناتية.}}، وقد ترك هذا اللقاء تأثيرًا عميقًا ساهم بقوة في تطوير فلسفة شيلر فيما بعد. وفي عام 1899، أتم ملف أطروحة التأهيل الجامعي في جامعة ينا، التي حملت عنوان المنهج الترنسندنتالي والمنهج السيكولوجي (Die transzendentale und die psychologische Methode)، الذي ناقش فيه قضية التمايز بين المقاربة الفلسفية الفينومينولوجية - الترنسندنتالية{{الترنسندنتالية: (Transzendental) مفهوم فلسفي ذو أصل ألماني-لاتيني، يدلّ على ما يتجاوز حدود التجربة الحسية والإدراك التجريبي، ويحيل إلى مجال ما وراء الطبيعة وما يتعالى على الخبرة الإنسانية المباشرة، مثل البحث في وجود الإله أو خلود الروح.}} والمقاربة النفسية في بحث الوعي والمعرفة. وقد مثَّل عمله هذا امتدادًا لانشغالاته المبكرة بالمبادئ المعيارية للأخلاق والعقل، ممهدًا بذلك الطريق نحو الانخراط في المنحى الأكاديمي، حيث إنه في عام 1901 مُنح لقب محاضر خاص (Privatdozent) في جامعة ينا، وبذلك بدأت مسيرة الفيلسوف في التدريس والبحث المستقل[7].

وفي عام 1921، خاض الفيلسوف شيلر نزاعًا روحيًا ونفسيًا بمنحى الدين، حيث أعلن انفصاله عن تعاليم المذهب الكاثوليكي، وانسلخ عن الإيمان بإله الديانات الإبراهيمية، معتنقًا في ذلك مذهب وحدة الوجود {{مذهب وحدة الوجود: (Pantheismus) منظور فلسفي ميتافيزيقي يعتقد في الوجود برمته على أنه حقيقة واحدة، وأن العالم والإله ليسا متمايزين من ناحية الجوهر، وإنما هما تمظهر لحقيقة وجودية واحدة.}} والأنثروبولوجيا الفلسفية[8]. وفي أخريات حياته، عُرف عن شيلر التدخين بشراهة كبيرة، وهو ما أهلك صحته كثيرًا وعرضه لكثير من الجلطات والنوبات القلبية، ووافته المنية في أحد مستشفيات مدينة فرانكفورت (Frankfurt am Main) بسبب مضاعفات وخيمة نتيجة إصابته بنوبة قلبية حادة (Acute heart attack)[9].

مفهوم الفينومينولوجيا عند شيلر

يؤكد شيلر أن جوهر فلسفته برمتها كان متبلورًا حول إشكالية "معنى الإنسان"، و"موضعه من الوجود"، إذ يقول في مقدمة كتابه: مكانة الإنسان في الكون (Die Stellung des Menschen im Kosmos): "إنّ سؤال: ما الإنسان؟ وما موضعه في هذا الوجود؟ شغل فلسفتي على نحو مركزي، من دون أي سؤال فلسفي آخر"[10]. ومن منطلق ذلك سارت فلسفته وتطورت وفق هذه المقاربة، وشكّلت فهمه الخاص للفلسفة، سائرًا في ذلك على نهج العديد من فلاسفة عالم الحياة {{فلاسفة عالم الحياة: (Lebensphilosophen) هم الفلاسفة الذين يجعلون من التجربة المعيشة مبدأً لقيام المعنى، معتقدين بأولوية العالم المعيش على التمثلات المجردة.}} الذين تركوا فيه تأثيرًا واضحًا، وكان على رأسهم فريدريك نيتشه {{فريدريك نيتشه: (Friedrich Nietzsche، 1844-1900) أحد أشهر الفلاسفة الألمان، عرف بانتقاداته الجريئة للأخلاق والدين وطرحه لمفاهيم القوة، وموت الإله، والإنسان الأعلى.}}، وهنري برغسون {{هنري برغسون: (Henri Bergson، 1859-1941) فيلسوف فرنسي معاصر، اشتهر بأعماله الفلسفية عن الحدس والديمومة، ويُعتبر من أهم ممثلي تيار الفلسفة الروحانية الفرنسية المعاصرة.}}، وفيلهلم دلتاي[11].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


عمل ماكس على إنقاذ العقل الفلسفي من النزعة الاختزالية التي اتّسمت بها العلوم الوضعانية {{العلومالوضعانية: (Die Positivistischen Wissenschaften) زمرة العلوم والمعارف التي تتأسس على التجربة، والملاحظة العيانية، وصياغة القانون الذي يحمل القابلية للتحقق والاختبار، وتنأى بنفسها عن أي تفسيرات ميتافيزيقية.}}، التي عمدت إلى تقديم تعريف للإنسان باعتباره مجرد وسيلة لصنع الأدوات (Homo Faber)[12]، متناسية أنه بالإضافة إلى كونه كائنًا عمليًا، فإنه يقتحم العالم بُغية الهيمنة على البيئة التي يعيش فيها، ويُحاول أن يُخضعها لمآربه ساعيًا إلى حصد النتائج التي يرتجيها، إلا أن ذلك غير كافٍ، فهو بحاجة إلى وعي عملي، بحكم أنه كائن له مُكنة إدراك العالم وتأمله من حيث ماهيته، لأن الفلسفة وفق منظور شيلر عمل محبة يتشارك فيه جوهر الكائن البشري مع ماهية كل الأشياء التي تحيط به، كما أن المعرفة في حد ذاتها لا يقوم لها مقام إلا من خلال المشاركة عن طريق تجاوز حدود الذات، وهو ما يُطلق عليه "الحب" (Die Liebe)، ومن غير هذه النزعة لن يكون للمعرفة وجود أصلًا[13].

ويبسط شيلر ثلاثة ضروب من المعرفة: الأولى عملية، والثانية تكوينية، والثالثة متعلقة بـ "الوحي" وهي معرفة للخلاص (Das Erlösungs-/Heilswissen). ولهذه الضروب الثلاثة تكاملها الخاص، وهي لا تقبل الاختزال إلى بعضها البعض، فلكل ضرب أصل مختلف ويصدر من شعور مختلف، حيث المعرفة العملية مرهونة بالمعاناة والآلام الجسدية، أما المعرفة التكوينية فترتهن بالدهشة، في حين تتعالق معرفة الوحي بالرهبة (Ehrfurcht)، وترتبط المعرفة الفلسفية عند شيلر بالمعرفة التكوينية[14].

ويسمو شيلر بالدهشة إلى مقام رفيع، إذ بوسعنا من خلالها العبور من ميدان المعرفة العملية إلى أفق الفلسفة، إلا أن الحب الذي يقوم بإسناد هذه العبورية ليس هو "إيروس" (Der Eros) لأنه يُعتبر نقصانًا، وإنما هو "المحبّة الإيثاريّة" (Agape) كونها عطاءً غير مجذوذ ينبجس من خلاله المعنى، وما دام أن السِّمْت الأخلاقيّ للحداثة أو بعبارة أخرى "إيثوس الحداثة" (Das Ethos Der Moderne) عمد إلى تحويل العالم إلى مجرد موضوع للنفعية والسيطرة، فإن عملية استرداد فعل "الدهشة" يلزم عنه ترميم الميدان القيمي عبر خُلُقَيْ التَّواضُع والإجلال/ الوَقَارُ المَهِيبْ[15]، إذ ينظر الفيلسوف إلى العالم نظرة دهشة وإعجاب، إذ يتبصرهُ مُفعمًا بالأسرار اللامتناهية. ومن خلال ذلك تتجلى الفلسفة بصفتها وسيلة لفهم علاقة الإنسان بالوجود، إذ لا ترتهن بتحصيل أفكار مجردة حول الأشياء فحسب، وإنما تسعى إلى تكوين فهمٍ عميق للإنسان من خلال علاقته بالآخرين، وبذلك يرفض شيلر النزعة الإنشائية (Der Konstruktivismus) التي ذهب إليها بعض ممثلي تيار الكانطية الجديدة، التي تنطلق من الأشياء، ثم تعمل على تفكيكها بُغية الكشف عن أصلها السيكولوجي والمنابع الذاتية في الوعي التي تقوم باشتراطها[16]. وعمل شيلر على إرجاع المعرفة إلى تجلٍّ متواضعٍ للذات وانفتاحية على الآخر، حيث تكون المعرفة حجاجًا ينبني على القيمة وليس مجرد تقنية تُختزل في منطق الاستعمال الأداتي[17].

يجد المتأمل لفلسفة شيلر أنه ينهج مسلكه على طريقة القديس أوغسطينوس {{القديس أوغسطينوس: (Aurelius Augustinus، 354-430) عالم لاهوت ومفكر مسيحي، يُعتبر من آباء الكنيسة اللاتينية، من أهم كُتبه الاعترافات ومدينة الله.}}، إذ اعتبر الحياة الوجدانية هي المركز الأساسي لأي ضرب من ضروب المعرفة، وأن الحب هو ما يفسح المجال للإنسان نحو الانفتاح على العالم وعلى الآخرين، وأن هذا الانفتاح لا يتم إلا من خلال شرط أخلاقي مفاده: أن المعرفة تكون ممكنة للكائن المحب فقط، وهذه المحبة تتجاوز الذات وتنفتح على معان كثيرة، وأن الحب وحده هو من يحمل القُدرة على التوجه نحو القيم والكينونة المطلقة واللامُتناهي، وبناء عليه تكون المعرفة في جذورها ونهاياتها من الإله ولأجل الإله وحده[18]. إلا أن توجّه شيلر بخصوص طريقة تعامله ورؤيته للحب لم يجد راعيها وفلسفتها الملائمة إلّا لمَّا قرأ كتاب التحقيقات المنطقية (Logische Untersuchungen) (1900-1901) للفيلسوف الألماني الفينومينولوجي إدموند هوسرل، غير أنّ شيلر خالف هذا الأخير في الجوهر، فالفينومينولوجيا وفق منظور شيلر ليست منهجًا كما ذهب إلى ذلك هوسرل، وإنما هي "موقف" (Einstellung)؛ ينطوي على تعليق المواقف العلمية والطبيعية من دون أن ينفيها، كي يستطيع النظر إلى الشيء كما هو في حد ذاته[19].

وهذا "التعليق" الذي يقول به شيلر لا ينبع من نظرة ازدرائية بمنحى العالم، وإنما تعليق عن محبة لهذا العالم، ولهذا شبّه شيلر هذا الطرح بالممارسات السيكولوجية والروحانية القريبة من النفحات البوذية (Buddhist Inspirations) والطريقة النُسكية عند غوتاما بوذا {{غوتاما بوذا: (Gautama Buddha، 563 ق.م- 483 ق.م) فيلسوف وحكيم هندي، يعتبر مؤسس البوذية، دعا في حياته إلى مسلك الاستنارة عن طريق تجاوز الآلام والمعاناة عبر التأمل الروحي والاتزان الخلقي.}}[20]، وهو ما جعله يقترب من رؤية أنصار الفينومينولوجيا الواقعية {{الفينومينولوجيا الواقعية: (Realistische Phänomenologie) اتجاه فلسفي يرى أن المعاني والقيم لا تُعد ابتداعًا ذاتيًا، وإنما يُمكن للوعي البشري أن يكتشفها كما هي عبر التجربة الحسية والانتباه المباشر إليها.}} أمثال أدولف رايناخ (Adolf Reinach، 1883-1917)، الذين يعتقدون في الإيمان بالحدوس الماهوية (Wesensanschauungen) التي يستطيعون من خلالها تحقيق إدراك مباشر للماهيات (die Wesenheiten)، حتى إن بقي الإدراك جزئيًا على الدوام. ويعتقد شيلر أن الراهن الحداثي تشتهر فيه نظرة من عدم الثقة بهذا العالم، تجعل من الشيء الذي يظهر لنا في التجربة الحسية بوصفه شيئًا يُمكن للذهن صياغته وبناؤه وتنظيمه، في حين تعمل الفينومينولوجيا على افتراض الثقة بهذا العالم وبالتجربة، فالعالم لا يُدرك من الخارج فقط، وإنما يتجلى لنا حينما نتفاعل معه ونعايشه، وحينها ينطلق معناه في الاتضاح بالنسبة لنا، ومن ثمة فإن غاية الفينومينولوجيا هي تقديم وصفٍ للشيء كما يتبدى لنا وكما​ يكشف هو عن نفسه في التجربة الحسية[21].

فلسفة القيم والأخلاق عند شيلر

قدّم كتاب ماكس شيلر الصورية في الأخلاق والأخلاق المادية للقيم (Der Formalismus in der Ethik und die materiale Wertethik) (1916) نقدًا للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط {{إيمانويل كانط: (Immanuel Kant، 1724-1804) فيلسوف ألماني، يُعتبر مؤسس الفلسفة النقدية، من أهم أعماله الفلسفية نقد العقل الخالص.}}، إذ تمحور هذا النقد حول فلسفته الأخلاقية، التي تأسست على مفهوم "القبلي" (a priori)، وهو ما يجري معرفته وتعريفه مستقلًا عن الخبرة؛ بمعنى تلك المبادئ والأحكام التي لا تُؤخذ من التجربة المحسوسة[22]. وباعتبارها أساسًا عقليًا محضًا، وجاعلةً من الأخلاق القبلية بمنزلة الأخلاق الصورية اللامادية، وبالتالي أقصت كل مضمون قيمي تجريبي وقيّدت المبدأ الأخلاقي في صورية أخلاق الواجب[23].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وبناء عليه، يرى شيلر أن الأخلاق تُرجَع إلى مضمون مادي قبلي (ein apriorischer materieller Gehalt) تمنحه "التجربة/ الخبرة القيمية" في حدّ ذاتها. ويُنافح على مسألة أن الأخلاق العملية المنضبطة بحاجة إلى مبدأ قوي من النفعية، ينبني على إدراك مباشر لقيم موضوعية تُستخلص من الخبرة التجريبية ولا تُستنبط من النتائج. وبهذا يعمد شيلر إلى محاولة تقديم مشروعه الفلسفي في محاولة رصينة لتأسيس فلسفة الأخلاق، على الضد من الطرح الكانطي الذي يُخرج المشاعر والعواطف من أساس القيمة. فكانت غاية شيلر تفنيد الريبة والنزعة النسبية عن طريق ربط وشائج قربى الإلزام الأخلاقي (das moralische Gesetz) مع البنية القيمية التي تُدرك بطريقة قبلية في التجربة وليس وفق صور شكلية غارقة في التجريد[24].

تتجلى فينومينولوجيا الأخلاق {{فينومينولوجيا الأخلاق: (Phänomenologie der Ethik) منهجٍ وصفيٍّ لما يحصل داخل وعينا حينما نواجه موقفًا أخلاقيًا، نحكم عليه ونشعر بأنه ينبغي علينا أن نتصرف وفق طريقة معينة.}} عند شيلر من المحبة، كونها فعلًا انفعاليًا صميميًا (Ursprünglicher Gefühlsakt) يقوم على القصدية (Intentionalität) يعمد إلى كشف ستار القيم ويعمّقها، وليس مجرد عاطفة انفعالية عابرة. فكل معرفة مهما كان لونها تدين بصورة أو بأخرى إلى المحبة، لأن أي مكاشفة قيمية لهذا العالم تحصل من خلال شغف يُحرّكنا بمنحى موضوعه وتتمظهر معه القيم العليا الرفيعة، وبذلك تُعيد المحبة تنظيم تراتبية سلم المعنى، حيث تتحرك من الأسفل إلى الأعلى، وتتمكن من إظهار الدلالة العليا والعميقة للشيء أو الشخص، وتمنح عملية الإدراك قدرة على اكتناه ما هو جميل أو خيّر بطريقة مباشرة، قبل أن نضع حوله أي تفسيرات أو نظريات لاحقة[25].

يُمايز شيلر بين "ما هو كائن" (Sein) و"ما ينبغي أن يكون" (Sollen)، لأن القيم عنده ليست في حد ذاتها واجبًا، وإنما تُمنح بوصفها مُعطًى موضوعيًا في التجربة القبلية، ويتقوَّمُ على أساسها الإلزام الأخلاقي لاحقًا عن طريق الإرادة. وبذلك تتأسس لدى شيلر "أنظمة تفاضل" (Vorzugsordnungen) تنبني على تراتبية مؤسسة للقيم (Vorzugsordnung) تتمظهر في السَّجية الأخلاقية (Gesinnung)، ويُشيد صرح هذه التراتبية على سُلّم هرمي للقيم صغير تتهاوى فيه البُنيات الجزئية بمنحى هرمية مُطلقة يكون في أعلى قمتها: قيمة الشخص (Wert der Person)، وتنبجس داخل قيمة هذا الشخص طبقات من القيم هي: المقدس (das Heilige)، باعتباره الأساس السبّاق في أهميته، ثم القيم الروحانية (geistige Werte)، فـ الحيوية (vitale Werte)، فـ الحسية (sinnliche Werte)، وبناء عليه تُفهم موضوعية القيم وتراتبيتها باعتبارها منطقًا ذاتيًا يتجلى في التجربة، ولا يُحصّل من الخارج بوصفه فرضًا قسريًا معياريًا[26].

تنكشف الأخلاق القيمية الشخصانية (personale Wertethik) لدى شيلر، حين تُفهم القيم الأخلاقية باعتبارها معطيات يساهم ويُشارك فيها الشخص بطريقة فاعلة، فمسألة "وجود الأفعال" (Seinsweise der Akte) يفتح الفينومينولوجيا على الأنطولوجيا {{الأنطولوجيا: (Ontologie) فرع من فروع الفلسفية يُعنى بدراسة الوجود بما هو موجود، ويدرس علاقة الإنسان بماهيته وهويته.}}، بمعنى أن طريقة "وجود الأفعال" ضمن وعينا يجعل من الفينومينولوجيا أكثر قُربًا من الأنطولوجيا، لكونها تسأل كذلك عن نوع الوجود الذي تمتلكه هذه الأفعال، فيتجلى منها المعنى القيمي عبر المشاركة وليس من خلال السببية. فالشخص بذلك يكون هو مركز الأفعال، ويوجّه القصد إلى ما يُجاوز الفعل، وعن طريقه تتجلى الواقعية القيمية كتجربة تكشف لنا القيم وتُعطيها حضورها الأكثر وضوحًا، إذ تُعيننا على تهذيب اندفاعات الحياة العمياء وتقوم بتنظيمها. ومن خلال ذلك تُصبح المسؤولية الأخلاقية عبارة عن نداء فردي للإسهام والمشاركة في إحقاق القيم الرفيعة داخل العالم ومع الآخرين أيضًا. وبناء عليه، تكون مهمة الواقعية التشاركية توضيح الكيفية التي تُعطى من خلالها القيم في الخبرة، وتوضيح الكيفية التي يقتدر من خلالها الشخص كونه مُشاركًا على تحمل عبء تحبيذ الأعلى والسعي إلى تحصيله[27].

فلسفة الغير والجماعة والتضامن

يعتقد شيلر أن معرفة "الغير" تشترط ضرورة أن تكون عن طريقة الإدراك الكامل الكلي لهذا الآخر، حيث يُدرك جانبه الجسماني والحسي، إضافة إلى الوجداني والنفسي والروحي. وينطلق الفيلسوف من فهمه للآخرين من منطق مفاده: أولوية الفعل الجواني القصدي على الإدراك المعرفي، بحكم أن العواطف البشرية ليست مجرد انفعالات وجدانية ساكنة، وإنما أفعال تكشف لنا العالم وتُغدق عليه دلالاته القيمية، ومن خلالها تتموضع كل إمكانيات التلاقي مع الآخرين، وبناء عليه يكون الغير مُعطى ماثلًا في تعبيرات الجسد الحي، وأيضًا في المحبة المتبادلة بين الناس وشعور الشفقة الذي يتوسط كل عملية معرفة أصيلة على الآخر، وتكون بذلك عملية التأسيس الوجدانية للآخرين تشدّ الفينيومينولوجيا بمنحى الاجتماع البشري، لأن معرفة الأغيار والتشارك العملي معهم من أجل تشكيل عالم مشترك يتمخضان عن أفعال اعتراف وجدانية سباقة عن كل تنظير[28].

يصيغ شيلر "مبدأ التضامن الإيتيقي والديني"، باعتباره هيكلًا بنيويًا يقوم على المشاركة الأصلية في المسؤولية قبل أي عملية تعاقد يمكن افتراضه، فالكائن البشري شخص موجود في حد ذاته وبالتوجه بمنحى الآخرين في الوقت نفسه، وبذلك فهو مساهم ومشارك على منحى أصيل في تقرير مصير الأغيار، وهو يتحمل مسؤوليتهم، وهذه المسؤولية التي يتحملها تُقابلها المسؤولية عن نفسه. ووفقًا لهذه الرؤية، فالعلاقات الأخلاقية تنبني على علاقة بشرية سابقة بين الأفراد، ومن خلال هذه العلاقة تتكون الأخلاق، فتنحو إما إلى طريق التعاون والخير أو نحو الصراع والسلب. وبناءً على ذلك، يتقدم فعل التضامن، ويرتقي من رتبة الشعار الاجتماعي إلى أن يُصبح أساسًا أنطولوجيًا وأخلاقيًا يُعرّف ماهية الشخص وبيان علاقته بالآخرين[29].

وطوّر شيلر فرضية مفادها: "الشعور بالذنب/ المسؤولية المشتركة" بُغية إيضاح تصور حاسم بخصوص "التضامن"، حيث إن الأفعال الأخلاقية مهما كان نوعها خيّرة أو شريرة لا تنغلق على فعاليتها، وإنما تُشكّل ما يُسميه "وسطًا بين شخصاني"؛ أي ميدانًا تشاركيًّا تنبني فيه العلاقات بين الأفراد، وتتبادل التأثيرات فيما بينها، كما هو الحال في تداخل أمواج البحر بعضها في بعضٍ، وكلما قام الفرد بإهمال المحبة بهتت قدرته على أن يُحب. كما أنه كلما قام بفعل نبيل أو خيّر فإنه سيُسهم في تعميق وتحسين العلاقة الأخلاقية والروحية بين الناس، ولا يُهم من هذا التجميع على أنه مجرد تجميع حسابي للذنب أو تذويب للفرد في بوتقة كلية غامضة، وإنما رفع لفكرة "المسؤولية الشخصانية" إلى منتهاها الاجتماعي، حيث يصبح الفرد مسؤولًا (فيهم وعنهم) مع الأغيار، بطريقة تُرجع تحديد وظيفة الجماعة البشرية باعتبارها وسيطًا يُحقق القيم العليا وميدان تخلُّقها[30].

التجربة الدينية والميتافيزيقا

يُعدّ كتاب شيلر عن السرمديّ في الإنسان (Vom Ewigen im Menschen) (1921) العمل الديني الأضخم لديه، حيث وضع فيه هذا الأخير مشروعه الفلسفي الفينومينولوجي عن التديّن على مبدأ مركزي مفاده: أصالة التجربة الدينية، وأنه لا يجوز البتة اشتقاقها من ميادين أخرى مهما كانت قيمتها، كالأخلاق الصورية، أو علم النفس، أو النزعات المادية، حيث اعتبر الميدان الديني ماهية لها خصوصيتها وغير قابلة أبدًا للاختزال. والدين وفق منظور شيلر أخص دوائر الوجود البشري، وأكثر الأمور حسمًا في السعي نحو التحديد الموقف الجوهري للإنسان من الواقع الذي يعيش فيه. كما يُؤكد شيلر في هذا الكتاب أن مكان المعرفة الدينية متمظهر في الأفعال الدينية من حيث هي تجربة أصلية لا يُمكن إرجاعها إلى الخبرات التجريبية الدنيوية. وبهذا يُمكن فهم الواقعة الدينية باعتبارها مُعطى ماهويًا يمتاز بالاستقلالية الكاملة، وليس تابعًا لأخلاقيات الفيلسوف كانط أو لعلم النفس الذي مثله القرن التاسع عشر[31].

وتُدرَك الخبرة/ التجربة الدينية عند شيلر من منطلق كونها ضربًا من ضروب العطاء المباشر (Givenness)، الذي ينبجس في الفعل الديني في حدّ ذاته، وليس في براهين أخلاقية أو إسقاطات نفسية. وبالرجوع إلى الفصل الأول من الكتاب "التوبة والولادة الجديدة" (Repentance and Rebirth)، نجد شيلر يُحلل حركات الضمير البشري، حيث يرى أنه يحمل في طيّاته خطابًا طبيعيًا لكنه من دون استعمال ألفاظ صريحة، حيث إن هذا الخطاب هو من الإله إلى الروح أو النفس البشرية، وإن هذا الوحي أو الإيحاء الإلهي يتألف من توليفة بنيوية في التجربة عينها، وليس نتيجة تأويلات، فلا يلزم الأمر فعل تفسير أو تأويلًا إيجابيًا قبل أن نُلحق لهذه المواد السيكولوجية أو الروحانية وظيفة التلميح إلى الإله، كونها تُمارس من وحي ذاتها وتدّل على الإله. وبهذا تُدرك الإحالة إلى المطلق في جوهر التجربة الفعلية للضمير البشير بعيدًا عن أي إثباتات أو براهين مفهومية منفصلة[32].

يفصل شيلر بصرامة بين مساق "الميتافيزيقا" ومساق "التجربة/ الخبرة الدينية"، من دون أن يجعل من إحداهما تابعًا للآخر، حيث إن التديّن غير مضطر للخنوع والخضوع للميتافيزيقا، وإن الميتافيزيقا غير مضطرة للخضوع والتطابقية مع الدين، حتى في بعض الحالات الاستثنائية التي يتم فيها القول بنظام المطابقة بين الدين والميتافيزيقا، لكن في حدود لا يكون فيها تعارضًا بينهما في وصف الموجود بذاته مع ما هو ماثل من معطيات الوعي الديني.

وبناءً على ذلك، يعتقد شيلر أن الخبرة الدينية لها قدرة على كشف نعوت ومواصفات لا تقتدر الميتافيزيقا على بلوغها وفق منهاجها، حيث تستطيع الذات الشخصية أن تمنح إمكانية الانتقال المباشر إلى عالم الألوهية، وتفهم من ذلك المقام الذي انتقلت إليه معنى العالم. وعلى هذا يذهب شيلر إلى أنّ التجربة الدينية قادرة على الكشف عن صفات يتعذّر على الميتافيزيقا بلوغها بمناهجها[33].

الأنثروبولوجيا الفلسفية

يُفرّق شيلر في رؤيته للأنثروبولوجيا الفلسفية بين الاندفاع الحيوي الأعمى (Drang) والروح (Geist)، فحقيقة الإنسان وجوهره يُحددان بناءً على انفتاحه على العالم (Weltoffenheit)، ولا يُحصران في مجرد دافع غريزي، إذ إن الفرد الذي يمتلك القدرة وبإمكانيات غير محدودة على التّصرف في حياته وواقعه بوصفهِ كيانًا منفتحًا على العالم، فيعمل على تحويل البيئة التي يترعرع فيها إلى عالم عن طريق استطاعته على موضعته وتجريده، وهو في ذلك يختلف عن الحيوانات الأخرى التي لا تمتك موضوعات، وتبقى منهمكة بصورة كاملة داخل محيطها الذي تعيش فيه. ووفقًا لذلك يُصبح جعل الإنسان إنسانًا متعلقًا بترقّيه نحو الانفتاح على العالم عن طريق الروح، هو ما يجعله فريدًا من نوعه مقابل كل الكائنات الحية، إذ يقتدر على جعل ذاته ومحيطه موضوعًا للمعرفة الحرة[34].

وبدلًا من أن يُقيم شيلر تمييزه على الشاكلة الديكارتية (نفس/ جسم)، ينافح عن وحدة الحيوي والسيكولوجي، أي إن العمليات الفسيولوجية والسيكولوجية متطابقة من الناحية الأنطولوجية، وهما وجهان لحياة واحدة لا تختلف من الناحية البنيوية. وبناء عليه يوضح شيلر أن الشخص الإنسان ليس جوهرًا سيكولوجيًا معلقًا على آلة جسمانية، وليس جسمًا آليًا ميكانيكيًا خالصًا، وإنما كينونة تنضخ بالحياة، وتنبجس فيها الحياة من الداخل وعيًا وقصدية، ومن الخارج بنية جسمانية، ويتم فعل الحرية في الإنسان الشخص كإمكانية تثبيط الدوافع الغريزية أو إطلاق العنان لها من مركز شخصي يمتلك وعيًا، وبهذا تكون هذه النظرة المضادة للثنائية عند شيلر بمنزلة الخلفية الأنطولوجية لمُكنة الكائن البشري على الارتقاء والصعود فوق شرطه الحيوي، والنظر إلى ذاته والعالم المحيط به باعتبارهما موضوعين[35].

يعمد شيلر في طرحه الأنثروبولوجي على صياغة خطوطه الميتافيزيقية، فأصل الوجود لا يُمكن أن يكون فاعلًا وفق بعد واحد فقط، وإنما يقوم على توترية أصيلة بين نعتين أساسيين هما: الاندفاع الغريزي المؤلف للواقعية، والروح المبدعة الخلّاقة للأفكار والقيم الأخلاقية. وتاريخ العالم يتطور من مستويات أدنى ليرتقي نحو مستويات أعلى، وخلال هذا التطور، تخدم طاقة الحياة الأفكار السامية والقيم. فالإنسان كائن تجتمع لديه قوة الجسد وقوة الحياة من جهة، والقيم والروح من جهة ثانية، لهذا تتجلى فيه هذه الحركة بصورة أكثر جلاءً. وبذلك يقدم شيلر شرحًا وافيًا للكيفية التي يُمكن من خلالها أن يكون لهذا الكون نظام موضوعي قيمي، وأيضًا للكيفية التي يكون فيها لهذا الإنسان دوره الفاعل الميتافيزيقي باعتباره المكان أو البؤرة التي يلتقي فيها الاندفاع الحيوي الأعمى مع النور القيمي للفكرة[36].

تأثيره واستقباله في الفلسفة الغربية المعاصرة

كان حضور شيلر قويًا في الفلسفة الغربية المعاصرة عبر مساقين: الأول متعلق بنظريته في القيم الأخلاقية والوجدان، والآخر متعلق بالمنحى السوسيولوجي الفلسفي للمعرفة. فقد رسم هذا الفيلسوف خصوصًا في كتابه مشكلات سوسيولوجيا المعرفة (Probleme einer Soziologie des Wissens) الصادر عام 1924، سياقًا مهمًا لبحث ترابطية مجالات المعرفة مع بنيتها السوسيولوجية، وهو السياق الذي أصبح مرجعية أساسية للبحث الاجتماعي - الفلسفي في الفكر الغربي. وتُبرهن الأبحاث التاريخية أن مصطلح سوسيولوجيا المعرفة اعتُمد بين عامي 1924 و1925، لمّا استعمله شيلر، ثم وظّفه فيما بعد عالم الاجتماع المجري كارل مانهايم {{كارل مانهايم: (Karl Mannheim، 1893-1947) سوسيولوجي وفيلسوف مجري، يُعتبر مؤسس سوسيولوجيا المعرفة.}}، مع توضيح لتتابع جلي بين كارل ماركس، ودايفيد دوركايم {{دايفيد دوركايم: (David Émile Durkheim، 1858-1917) سوسيولوجي فرنسي، يُعتبر العالم المؤسس لعلم الاجتماع الحديث، نشر العديد من الأعمال المهمة عن الضمير الجمعوي والتضامن والانتحار.}} بمنحى هذا التأسيس[37].

أما فيما يتعلق بالعلوم الإدراكية وفلسفة الذهن المعاصرة، فيُحال إلى شيلر كثيرًا من خلال تحليلاته الكلاسيكية لمفهوم التعاطف، باعتباره ضربًا من ضروب الإدراك المباشر الذي يُمكننا من فهم حالات الغير. ويوضح الباحث الأكاديمي الدنماركي دان زهافي {{دان زهافي: (Dan Zahavi) مفكر دنماركي معاصر، متخصص في مجال فلسفة الذهن والفينومينولوجيا.}} أن الفيلسوف شيلر يُعارض عمليًا اختزال فهم الآخرين في مجرد دعوى وجدانية، ويثبت في المقابل من ذلك، أن عملية فهمنا للآخرين تتم بطريقة مباشرة عبر تعابيرهم ووضعية أجسادهم، فمثًلا ملامح الوجه والحركة ونبرة الصوت توضح لنا شيئًا عن أحوالهم الشعورية وأحوالهم النفسية[38]. وجرت الاستعانة بإرث شيلر الفلسفي الفينومينولوجي في العديد من النقاشات الفكرية الحديثة الدائرة بشأن الإدراك السوسيولوجي، فنحن نعمد إلى فهم الآخرين عبر ما يتمظهر في تراسيم وجوههم وطبيعة تصرفاتهم وحركة أجسادهم، وليس عبر تخمينات عقلية حول ما يُبطنونه في كوامنهم[39].

أما في المجال المتعلق بالأخلاق الدينية المعاصرة (Contemporary religious ethics) والفلسفة الشخصانية{{الفلسفة الشخصانية: (Personalist philosophy) اتجاه فلسفي يَضع من الشخص البشري، بما يحمله من حرية وكرامة وعلاقات مع الآخرين، مركزًا نقتدر به على فهم المجتمع الوجود والأخلاق.}}، فنجد لفلسفة شيلر امتدادًا قويًا تجلى في الشخصانية الكاثوليكية، وفي كتابات كارول فويتوا {{كارول فويتوا: (Karol Wojtyła، 1920–2005) عالم لاهوت ومفكر بولندي، اشتهر بآرائه عن الشخصانية الكاثوليكية ودفاعه عن حقوق وكرامة الإنسان.}}، حيث يُؤكد الكاهن والأستاذ في المعهد الحَبْري في روما ماريك ميرتسكي {{ماريك ميرتسكي: (Jarosław Merecki) مفكر بولندي معاصر، اشتهر بأعماله في فلسفة الشخصانية والفينومينولوجيا.}} أن فويتوا درّس فلسفة شيلر بطريقة نقدية معمقة منذ أطروحته للتأهيل الجامعي، معتنقًا في ذلك مناحي كثيرة من تحليلاته بخصوص الوجدان والكراهية والحياء، مع إعادة تشييد رؤية ميتافيزيقية وأخلاقية مغايرة له[40]. كما أكد الفيلسوف الأميركي التحليلي رودريك تشيزولم {{رودريك تشيزولم: (Roderick Chisholm، 1916–1999) مفكر أميركي في مجال الفلسفة التحليلية، قدم إسهامات مهمة في مجال فلسفة الفعل والميتافيزيقا ونظرية المعرفة.}} في معرض قراءته ومراجعته لكتاب يوحنا بولس الثاني الشخص الفاعل (The Acting Person)[41] (1979) أن حضور شيلر كان واضحًا جدًا في مشروعه[42].

أبرز أعماله الفلسفية

ترك شيلر تراثًا فلسفيًا مهمًا، جمع فيه بين فلسفة الأخلاق والقيم، والفينومينولوجيا، إضافة إلى أعماله في الأنثروبولوجيا الفلسفية، وهو ما أثّر في العديد من الفلاسفة المعاصرين، ومن أبرز أعماله الفلسفية:

الكُتب

  • مساهمات في تحديد العلاقات بين المبادئ المنطقية والأخلاقية (Beiträge zur Feststellung der Beziehungen zwischen den logischen und ethischen Prinzipien) (1897).
  • المنهج الترنسندنتالي والمنهج السيكولوجي (Die transzendentale und die psychologische Methode) (1899).
  • أوثان معرفة الذات (Die Idole der Selbsterkenntnis) (1912).
  • ماهية أشكال التعاطف (Wesen und Formen der Sympathie) (1913).
  • الصورية في الأخلاق والأخلاق المادية للقيم (Der Formalismus in der Ethik und die materiale Wertethik) (1916).
  • عن السرمديّ في الإنسان (Vom Ewigen im Menschen) (1921).
  • مشكلات سوسيولوجيا المعرفة (Probleme einer Soziologie des Wissens) (1924).
  • مكانة الإنسان في الكون (Die Stellung des Menschen im Kosmos) (1928).

المقالات

  • "عن الضغينة والحُكم القيميّ" (“Über Ressentiment und moralisches Werturteil,” Zeitschrift für Philosophie und philosophische Kritik, 1911).
  • "المثالية والأدب" (Ideal und Literatur,” Internationale Zeitschrift für Philosophie der Kultur, 1911-1912).
  • "في الفينومينولوجيا ونظرية مشاعر التعاطف والحب والكراهية" (Zur Phänomenologie und Theorie der Sympathiegefühle und von Liebe und Hass,” Zeitschrift für Pädagogische Psychologie und Pathologie, 1911).
  • "العبقرية الحربية والحرب الألمانية" (“Der Genius des Krieges und der deutsche Krieg”, Die weißen Blätter, 1915).

المراجع

العربية

حيدر، خضر. "إيمانويل كانط الفيلسوف الشاهد على الحداثة والناقد لعيوبها". الاستغراب. العدد 9 (خريف 2017).

مكاوي، عبد الغفار. تجارب فلسفية. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2020 [2008].

خليف، محمد. "فينومينولوجيا القيم المبتورة: رؤية تحليليّة نقديّة لأفكار شيلر ونقده لكانط وهوسرل". الاستغراب. العددان (27-28) (2022).

هشام، مصباح. "ماكس شيلر ونقد الأخلاق الصورية الكانطية". العلوم الاجتماعية والإنسانية. مج 7، العدد 14 (2018).

الأجنبية

Alvis, Jason. “A Phenomenology of Discernment: Applying Scheler’s ‘Religious Acts’ to Cassian’s Four Steps.” European Journal for Philosophy of Religion. vol. 12, no. 4 (2020).

Breckman, Warren & Gordon, Peter (eds.). The Cambridge History of Modern European Thought, vol. 2: The Twentieth Century. Cambridge: Cambridge University Press, 2019.

Chisholm, Roderick. “Review of The Acting Person, by Cardinal Karol Wojtyła.” Andrzej Potocki (trans.). Religious Studies, vol. 17, no. 3 (1981).

Crosby, John. “Max Scheler’s Principle of Moral Solidarity.” Life and Learning. no. 5 (1995).

Davis, Zachary & Steinbock, Anthony. “Max Scheler.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy. 8/12/2011. at: https://acr.ps/hBy6F2c

Frings, Manfred. Max Scheler (1874–1928): Centennial Essays. The Hague: Martinus Nijhoff, 1974.

Gallagher, Shaun & Zahavi, Dan. The Phenomenological Mind: An Introduction to Philosophy of Mind and Cognitive Science. London & New York: Routledge, 2008.

Gerace, Giuliana. “Positionality and Normative Ought in Max Scheler’s Formalism in Ethics and Non-Formal Ethics of Values.” Re-Thinking Europe. vol. 1 (2011).

Gorevan, Patrick. “Knowledge as Participation in Scheler and Aquinas.” Maynooth Philosophical Papers. no. 3 (2006).

Gorevan, Patrick. “Knowledge as Participation in Scheler and Aquinas.” Maynooth Philosophical Papers. no. 3 (2006).

Hackett, Edward. “The Case for Participatory Realism in Scheler’s Ethics.” Phenomenology and Mind. no. 5 (2013).

Henckmann, Wolfhart. “Scheler, Max Ferdinand.” Neue Deutsche Biographie. vol. 22, (2005).

Josset, Sylvain. “Die ‘Logik des Herzens’ – eine europäische ‘Logik’?.” Phenomenology and Mind. no. 25 (2023).

Kutlu, Evrim. “Wert-Ausgleich-Bildung: Schelers späte Europa-Idee als eine Bildungsaufgabe.” Phenomenology and Mind. no. 25 (2023).

Merecki, Jarosław. “On the Sources of Karol Wojtyła’s the Acting Person.” Philosophy and Canon Law. vol. 7, no. 1 (2021).

Moran, Dermot & Sepp, Hans Rainer (eds.). Phenomenology 2010: Selected Essays from Northern Europe: Traditions, Transitions and Challenges. vol. 4. Bucharest: Zeta Books/ Paris: Arghos-Diffusion, 2011.

Nyaku, Kobla. “Max Scheler’s Movement of Love and the Object of Religious Experience.” Religions. vol. 13, no. 10 (2022).

Peterson, Keith. “Bringing Values Down to Earth: Max Scheler and Environmental Philosophy.” Appraisal. vol. 8, no. 4 (2011).

Piazza, Anna. “The Knowledge of God: Realism as Natural Theology in Max Scheler’s Phenomenology of Religion.” Scripta Theologica. no. 53 (2021).

Remmling, Gunter. Towards the Sociology of Knowledge: Origin and Development of a Sociological Thought Style. London: Routledge & Kegan Paul, 1973.

Sanchini, Virginia. “Not Kant vs. Scheler, but either Kant or Scheler. From Construction to Foundation of Ethics.” Phenomenology and Mind: The Online Journal of the Research Centre in Phenomenology and Sciences of the Person. no. 5 (2013).

Sandmeyer, Robert. “Life and Spirit in Max Scheler’s Philosophy.” Philosophy Compass. vol. 7, no. 1 (2012).

Scheler, Max. Die Stellung des Menschen im Kosmos. Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2018.

Scheler, Max. On the eternal in man. Bernard Noble (trans.). New York: Routledge, 2017.

Scheler, Max. The Human Place in the Cosmos. Manfred Frings (trans.). Evanston: Northwestern University Press, 2009.

Schrift, Alan (ed.). The History of Continental Philosophy, The New Century: Bergsonism, Phenomenology and Responses to Modern Science. vol. 3. Durham, UK: Acumen, 2010.

Türeyen, Melek. “Die Selbstbestimmung des Menschen bei Max Scheler und Ulug Nutku.” Master Dissertation, Universität Wien, 2014.

Vandenberghe, Frédéric. “Sociology of the Heart: Max Scheler’s Epistemology of Love.” Theory, Culture & Society. vol. 25, no. 3 (2008).

Warren, Nicolas & Staiti Andrea (eds.). New Approaches to Neo-Kantianism. Berlin: De Gruyter, 2015.

Zahavi, Dan. “Empathy, Embodiment and Interpersonal Understanding: From Lipps to Schutz.” Inquiry. vol. 53, no. 3 (2010).

Zhok, Andrea. “On Scheler’s Metaphysics of Love: An Appraisal.” Phenomenology and Mind: The Online Journal of the Research Centre in Phenomenology and Sciences of the Person. no. 5 (2013).

[1] Dermot Moran & Hans Rainer Sepp (eds.), Phenomenology 2010: Selected Essays from Northern Europe: Traditions, Transitions and Challenges, vol. 4 (Bucharest: Zeta Books/ Paris: Arghos-Diffusion, 2011), p. 118.

[2] Dan Zahavi, “Max Scheler,” in: Alan D. Schrift (ed.), The History of Continental Philosophy, The New Century: Bergsonism, Phenomenology and Responses to Modern Science, vol. 3 (Durham, UK: Acumen, 2010), p. 174.

[3] Manfred Frings, Max Scheler (1874–1928): Centennial Essays (The Hague: Martinus Nijhoff, 1974), p. 4.

[4] عبد الغفار مكاوي، تجاربفلسفية (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2020 [2008])، ص 119.

[5]Melek Türeyen, “Die Selbstbestimmung des Menschen bei Max Scheler und Ulug Nutku,” Master Dissertation, Universität Wien, 2014, p. 6.

[6] Robert Sandmeyer, “Life and Spirit in Max Scheler’s Philosophy,” Philosophy Compass, vol. 7, no. 1 (2012), p. 24-25.

[7] Zachary Davis & Anthony Steinbock, “Max Scheler,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy, 8/12/2011, accessed on 31/08/2025, at: https://acr.ps/hBy6F2c

[8] Wolfhart Henckmann, “Scheler, Max Ferdinand,” Neue Deutsche Biographie, vol. 22, (2005), pp. 645–646.

[9] Davis & Steinbock, “Max Scheler,”.

[10] Max Scheler, Die Stellung des Menschen im Kosmos (Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2018),

  1. 11.

[11] Giuseppe Bianco, “Philosophies of Life,” in: Warren Breckman & Peter Gordon (eds.), The Cambridge History of Modern European Thought, vol. 2: The Twentieth Century (Cambridge: Cambridge University Press, 2019), p. 168.

[12] Keith Peterson, “Bringing Values Down to Earth: Max Scheler and Environmental Philosophy,” Appraisal, vol. 8, no. 4 (2011), p. 4.

[13] Patrick Gorevan, “Knowledge as Participation in Scheler and Aquinas,” Maynooth Philosophical Papers, no. 3 (2006), p. 38.

[14] Sylvain Josset, “Die ‘Logik des Herzens’ – eine europäische ‘Logik’?” Phenomenology and Mind, no. 25 (2023), pp. 124-125.

[15] Kobla Nyaku, “Max Scheler’s Movement of Love and the Object of Religious Experience,” Religions, vol. 13, no. 10 (2022), pp. 8-9.

[16] Samantha Matherne, “Marburg Neo-Kantianism as Philosophy of Culture,” in: Nicolas de Warren & Andrea Staiti (eds.), New Approaches to Neo-Kantianism (Berlin: De Gruyter, 2015), p. 221.

[17] Jason Alvis, “A Phenomenology of Discernment: Applying Scheler’s ‘Religious Acts’ to Cassian’s Four Steps,” European Journal for Philosophy of Religion, vol. 12, no. 4 (2020), p. 5.

[18] Patrick Gorevan, “Knowledge as Participation in Scheler and Aquinas,” Maynooth Philosophical Papers, no. 3 (2006), pp. 35–38.

[19] Sandmeyer, pp. 24-25.

[20] Ibid., p. 29.

[21] Anna Piazza, “The Knowledge of God: Realism as Natural Theology in Max Scheler’s Phenomenology of Religion,” Scripta Theologica, no. 53 (2021), pp. 105-106.

[22] خضر حيدر، "إيمانويل كانط الفيلسوف الشاهد على الحداثة والناقد لعيوبها"، الاستغراب، العدد 9 (خريف 2017)، ص 322.

[23] مصباح هشام، "ماكس شيلر ونقد الأخلاق الصورية الكانطية"، العلومالاجتماعيةوالإنسانية، مج 7، العدد 14 (2018)، ص 734-735.

[24] Virginia Sanchini, “Not Kant vs. Scheler, but either Kant or Scheler. From Construction to Foundation of Ethics,” Phenomenology and Mind: The Online Journal of the Research Centre in Phenomenology and Sciences of the Person, no. 5 (2013), pp. 108-110.

[25] Andrea Zhok, “On Scheler’s Metaphysics of Love: An Appraisal,” Phenomenology and Mind: The Online Journal of the Research Centre in Phenomenology and Sciences of the Person, no. 5 (2013), pp. 38-40.

[26] Giuliana Gerace, “Positionality and Normative Ought in Max Scheler’s Formalism in Ethics and Non-Formal Ethics of Values,” Re-Thinking Europe, vol. 1 (2011), pp. 76-79.

[27] Edward Hackett, “The Case for Participatory Realism in Scheler’s Ethics,” Phenomenology and Mind, no. 5 (2013), pp. 122-123.

ويُنظر أيضًا: محمد خليف، "فينومينولوجيا القيم المبتورة: رؤية تحليليّة نقديّة لأفكار شيلر ونقده لكانط وهوسرل"، مجلةالاستغراب، العددان (27-28) (2022)، ص 189-190.

[28] Frédéric Vandenberghe, “Sociology of the Heart: Max Scheler’s Epistemology of Love,” Theory, Culture & Society, vol. 25, no. 3 (2008), pp. 18-19.

[29] John Crosby, “Max Scheler’s Principle of Moral Solidarity,” Life and Learning, no. 5 (1995), p. 9-10.

[30] Evrim Kutlu, “Wert-Ausgleich-Bildung: Schelers späte Europa-Idee als eine Bildungsaufgabe,” Phenomenology and Mind, no. 25 (2023), pp. 52-53.

[31] Max Scheler, On the eternal in man, Bernard Noble (trans.) (New York: Routledge, 2017), p. 27-28.

[32] Ibid., p. 47.

[33] Ibid., p. 43.

[34] Max Scheler, The Human Place in the Cosmos, Manfred Frings (trans.) (Evanston: Northwestern University Press, 2009), p. 30-31.

[35] Ibid., pp. 50-53.

[36] Ibid., pp. 54-55.

[37] Gunter Remmling, Towards the Sociology of Knowledge: Origin and Development of a Sociological Thought Style (London: Routledge & Kegan Paul, 1973), p. 25.

[38] Dan Zahavi, “Empathy, Embodiment and Interpersonal Understanding: From Lipps to Schutz,” Inquiry, vol. 53, no. 3 (2010), pp. 290-293.

[39] Shaun Gallagher & Dan Zahavi, The Phenomenological Mind: An Introduction to Philosophy of Mind and Cognitive Science (London & New York: Routledge, 2008), pp. 194–196.

[40] Jarosław Merecki, “On the Sources of Karol Wojtyła’s the Acting Person,” Philosophy and Canon Law, vol. 7, no. 1 (2021), p. 5-7.

[41] صدر هذا الكتاب أول مرة باللغة البولندية Osoba i czyn عام 1969.

[42] Roderick Chisholm, “Review of The Acting Person, by Cardinal Karol Wojtyła,” Andrzej Potocki (trans.) Religious Studies, vol. 17, no. 3 (1981), pp. 408–409.

المحتويات

الهوامش