البرهان الرياضي (Mathematical Proof) هو الحجة المنطقية التي تستند إلى مجموعة من الفروض أو المُسلَّمات لإثبات صحة نتيجة معينة، ويهدف إلى تقديم إثبات قاطع، وغير قابل للجدل، لصدق مبرهنة أو معادلة رياضية أو خطئهما عبر سلسلة من الخطوات المنطقية. وثمة مجموعة من الطرق الأساسية المستخدمة في البراهين الرياضية، منها: البرهان المباشر للجملة الشرطية (Direct Proof)، وبرهان المكافئة العكسية للجملة الشرطية (برهان التباين العكسي، Proof by Contrapositive)، والبرهان بالتناقض (Proof by Contradiction)، والبرهان من جزأين للجملة ثنائية الشرط (Biconditional Proof)، والبرهان بالحالات (Proof by Exhaustion)، والبرهان باستخدام الاستقراء الرياضي (Proof by Induction).
تعريف البرهان الرياضي
تنحدر كلمة "برهان" لغةً من الجذر الرباعي "بَرْهَنَ" الذي يعني الدليلَ القاطع أو الحجة الدامغة التي تُستخدم لإثبات صحة أمر ما أو خطئه، ويُستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى الأدلة الواضحة والصحيحة التي لا تقبل الشك، ويتضمن المعنى اللغوي للبرهان الوضوحَ والقوةَ في تقديم الحجة[1].
تُعرَف المُبرهَنة (Theorem) بأنها صيغة يمكن استنتاج صحتها إذا كانت
الفرضيات {{الفرضية: (Hypothesis) هي عبارة تُفترض صحتها مؤقتًا ضمن سياق منطقي أو رياضي بهدف استخدامها بصفتها نقطة انطلاق للاستدلال أو البرهنة، ففي البراهين الرياضية، تُعد الفرضية جزءًا من المعطيات الأساسية التي يُبنى عليها الاستنتاج، ولا يعني ذلك أنها صحيحة مطلقًا، بل يُتحقق من نتائجها لاحقًا.}} التي بُنيت عليها صحيحة، وهذه الصيغة قد لا تعدّ مُبرهَنةً إلا إذا كانت لها تطبيقات مفيدة، وقد يُستفاد إثبات مبرهنة من مبرهنات أخرى أُثبِتَتْ سابقًا من دون أن يكون ثمة استعمال مباشر وصريح للفرضيات، ومثال ذلك
مبرهنة فيثاغورس (Pythagorean theorem) في الهندسة التي تنص على أن مربع طول الوتر في مثلث قائم الزاوية يساوي مجموع مربعَي طولَي الضلعين الآخرَين. فعندما تُستخلص صيغة أخرى "بسهولة" من مبرهنة فإن ذلك يُسمى
نتيجة {{النتيجة: (Corollary) هي عبارة رياضية تُستخلص بسهولة من مبرهنة أُثبتت مسبقًا، وهي بمنزلة توابع مباشرة أو تطبيقات فورية لنتائج أكثر عمومية.}} لتلك المبرهنة. وأما المبرهنة التي تُثبَت لكي تُستعمل في إثبات مبرهنة أخرى، فإنها تُسمى
التمهيدية {{التمهيدية: (Lemma) هي مبرهنة تُثبت لا باعتبارها هدفًا نهائيًّا، بل باعتبارها خطوة وسيطة تُستخدم في إثبات مبرهنة أخرى أهمّ أو أكثر تعقيدًا.}}[2].
وتعرَف النظرية (Theory) بأنها مجموعة من المفاهيم والمبرهنات والمبادئ المُتّفِقة التي تشرح ظاهرة أو مجموعة من الظواهر في الرياضيات أو العلوم الطبيعية أو الاجتماعية، وتتكون عادة من مجموعة من المبرهنات والبديهيات {{البديهية: (Axiom) هي عبارة رياضية أو منطقية تُفترض صحتها من دون الحاجة إلى إثبات، وهي اللبنات الأولى في بناء أي منظومة رياضية أو منطقية، ويُشتق منها ما يليها من تعاريف ومبرهنات وفق قواعد الاستدلال المنطقي.}} والمفاهيم التي ترتبط ببعضها بشكل منظم ومنطقي. وبصفة أعم، تُعرَف النظرية بأنها لغة صورية، ومجموعة من الموضوعات وقواعد الاستنتاج، وتظل راسخة ما دامت الموضوعات التي بُنيت عليها مقبولة، ولكن إذا عُدِّلت تلك الموضوعات تترتب على ذلك نظرية (أو أكثر) مختلفة عن النظرية الأصلية. وفي بعض الحالات تكون النظرية (أو النظريات) الجديدة أعم من سابقتها؛ فمثلًا، بعد أن ظلّت نظرية هندسة أقليدس مقبولة قرونًا من الزمن، جاءت نظريتان هندسيتان جديدتان نتيجة تعديلات في أحد موضوعاتها، وهما:
الهندسة الزائدية {{الهندسة الزائدية: (Hyperbolic Geometry)، أو هندسة لوباتشيڤسكي (Lobachevsky Geometry)، هي فرع من الهندسة اللاإقليدية، التي تعتمد على تعديل مسلمة التوازي الخامسة لإقليدس، لتصبح كما يلي: "من نقطة تقع خارج مستقيم معلوم، يمكن رسم مستقيمين على الأقل لا يتقاطعان مع هذا المستقيم"، في حين تبقى المسلمات الأربع الأخرى من دون تغيير، مكوّنة نظامًا هندسيًا خاصًا.}} ونظرية
الهندسة الريمانية {{الهندسة الريمانية: (Riemannian geometry) هي فرع من الهندسة التفاضلية، تُعنى بدراسة الفضاءات المنحنية باستخدام أدوات التفاضل والتكامل، وقد وضع أُسُسَ هذه الهندسة الرياضي الألماني برنهارد ريمان (Bernhard Riemann، 1826-1866).}}[3].
وأما الفرق بين المبرهنة والنظرية، فهو أن المبرهنةَ تصريحٌ رياضي محدد تُثبَتُ صحته من خلال براهين رياضية. وأما النظرية، فهي مجموعة شاملة من المفاهيم والمبرهنات التي تشرح ظاهرة أو مجموعة من الظواهر، وفي حين تعتمد النظرية على مجموعة من البراهين والنماذج والفرضيات لشرح مجموعة واسعة من الظواهر وفهمها، فإن المبرهنة تعتمد على إثبات محدد.
ويُعرَّف البرهان بأنه إثباتُ صحةِ عبارةٍ تُسمّى "تصريحًا" من خلال سلسلة من الخطوات المنطقية المبنية على نظامٍ رسميٍّ معتمد (recognized formal system)، وذلك انطلاقًا من فروض أو مسلّمات، وفي جميع الحالات الممكنة التي تنطبق عليها تلك الفروض والمسلّمات {{المُسلَّمة: (Postulate) هي عبارة تُفترض صحتها من دون برهان داخل نسق رياضي أو هندسي محدد، وتُستخدم بصفتها أساسًا لصياغة نظريات ذلك النظام وتطويره. تُعد المسلَّمات أدوات تأسيسية تُقبل وتُفهم ويُسلَّم بصحتها استنادًا إلى الحدس أو التصور الذهني، من دون الحاجة إلى إثبات منطقي مستقل.}}. وتُعَدّ المبرهنات أدواتٍ أساسية في تطوير المعرفة الرياضية، إذ تُستخدم لإثبات العلاقات والخصائص بين المكوّنات الرياضية مثل الأعداد، والأشكال الهندسية، والدوال، والمجموعات. كما تسهم في بناء إطارٍ متكاملٍ ومترابطٍ من المعرفة الرياضية، مما يعزّز فهم الرياضيات وتطويرها بوصفها علمًا[4].
وبصفة عامة، يبدأ البرهان بوجود بعض الفرضيات الواردة في التصريح، ثم يُتَسلسل في الاستدلال الصحيح حتى يُتوصَّل إلى النتيجة المرجوة. وقد يعتمد البرهان على فرضيات أخرى، أو مفاهيم محددة مسبقًا، أو بعض البديهيات الأساسية التي تحدد خصائص المفاهيم الواردة في الإثبات. البرهان إذن هو إثبات صحيح منطقيًّا لتصريح معين، يُنفّذ من خلال بعض البديهيات أو بعض مقدمات التصريح، وحتى من خلال مبرهنات سبق إثباتها. ويجب أن تعبّر كل خطوة من خطوات كتابة البرهان عن جملة صحيحة كاملة، بحيث يمكن الاعتماد على مجموعة من المفاهيم الأساسية والافتراضات (الواردة في التصريح) لإثبات صحة أي خطوة من خطوات البرهان نفسه.
خلفية تاريخية
إقليدس
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يُعدّ إقليدس (Euclid، عاش نحو 300 ق.م.) أحدَ أبرز علماء الرياضيات الذين أسسوا أحد أهم أشكال البرهان الرياضي الذي عرف باسم "البراهين البديهية" (Axiomatic proofs)، إذ تعتمد فيه البراهين على مجموعة من المسلمات والبديهيات، ويتضمن كتابه الشهير
العناصر (Elements) تنظيمًا منهجيًّا للمبادئ الرياضية المعروفة في عصره، وقد ظلّ هذا الكتاب المرجع الأساسي لتعليم الرياضيات فترة طويلة. وخلال العصور الوسطى، شهد العالم الإسلامي ازدهارًا كبيرًا في العلوم، بما في ذلك علم الرياضيات، فقد ساهم العديد من العلماء المسلمين في تطوير البراهين الرياضية، ومن أبرزهم[5]:
- محمد بن موسى
الخوارزمي (164-232هـ/ 780-846م) الذي يُعدّ "أبا علم الجبر"، وقد ألّف كتاب
الجبر والمقابلة الذي قدّم فيه براهين رياضية لحل المعادلات الجبرية. واستخدم الخوارزمي منهجية استنتاجية في حل المسائل، فكان يبدأ من مسلمات أو بديهيات معينة ويستنتج منها حلولًا رياضية دقيقة. ويعدّ هذا المنهج جزءًا من البراهين الرياضية، إذ يعتمد على منطق منظم ومترابط. وقدم كذلك مسائل رياضية معقدة بشكل مبسط ومجرد، ما ساعد في نشر علم الرياضيات وتطويره، وكان يعتمد على الوضوح في عرض المسائل والخطوات المتبعة في الحل، ما سهل فهمَ البراهين وتطبيقها.
-
عمر الخيام (440-528هـ/ 1048-1131م)، واسمه الكامل هو غياث الدين أبو الفتوح عمر بن إبراهيم الخيامي النيسابوري، وهو شاعر، وفيلسوف، وعالم في الرياضيات والفلك. وُلد في نيسابور بإيران، وكتب في الجبر، وكانت له مساهمات بارزة في هذا المجال. تناول حل المعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة، واعتمد منهجه على استخدام الهندسة لحل هذه المعادلات، وهو ما كان جديدًا ومبتكرًا في زمانه. واستعمل الخيام كذلك البراهين الهندسية لحل المعادلات الجبرية، إذ كان يعتمد على تقاطع القطوع المخروطية، مثل القطع المكافئ والدوائر، لحل المعادلات من الدرجة الثالثة، ويُظهر هذا النهج مدى تقدمه في استخدام الهندسة بصفتها أساسًا للبرهان الجبري. وكانت براهين الخيام تتسم بالدقة والتفصيل، إذ كان يوضح الخطوات المتبعة لحل المسائل بشكل منهجي، ويُعد ذلك نوعًا من البرهان الرياضي الذي يعتمد على خطوات منطقية واضحة ومترابطة. دمج الخيام بين الهندسة والجبر، فسمح له ذلك بتقديم براهين رياضية مبتكرة لحل المعادلات، وقد أضاف هذا النهج بعدًا جديدًا للرياضيات، وأظهر كيفية استخدام أدوات متعددة للوصول إلى الحلول.
- أبو الريحان محمد بن أحمد
البيروني (362-440هـ/ 973-1048م)، هو عالم موسوعي مسلم وُلد في مدينة كاث في خوارزم (أوزبكستان اليوم). كان من أوائل الذين استخدموا البراهين الهندسية لحل المسائل المتعلقة بالدائرة والمثلثات، وقدم في كتاباته براهين دقيقة ومفصلة لكيفية حساب الأقطار والأضلاع والزوايا في الأشكال الهندسية المختلفة، واستعمل الرياضيات والهندسة لحساب المسافات الفلكية، وقدّم براهين على صحة حساباته الفلكية باستخدام الهندسة. وقد اعتمد في براهينه على المنهج الاستنتاجي، إذ كان يبدأ من مسلمات أو بديهيات معينة ويتوصل بها إلى نتائج دقيقة ومفصلة، فقد كان هذا النهج جزءًا من التقليد الرياضي الإسلامي الذي يعزز الدقة والتفصيل في البرهان. واستخدم كذلك أدوات متنوعة في براهينه، منها الهندسة والجبر، وذلك دليل على تنوع معرفته بالرياضيات وعمقها. ويعد حسابه محيطَ الأرض باستخدام الرياضيات والهندسة من أشهر إسهاماته، إذ اعتمد على قياسات الظلال وزوايا الشمس، واستخدم براهين هندسية دقيقة للوصول إلى حساب دقيق لمحيط الأرض، ويُبرِز ذلك مدى اعتماده على البراهين الرياضية في التطبيقات العملية. وقدّم البيروني كذلك مساهمات في الجغرافيا مستخدمًا الرياضيات، فقاس المسافات بين المدن بدقة عالية باستخدام أساليب رياضية وبرهانية.
كورت غودل
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما في القرن العشرين، فيُعدّ عالم الرياضيات والفيلسوف النمساوي
كورت غودل (Kurt Gödel، 1906-1978) من أهم علماء المنطق الرياضي، وتُظهر إسهاماتُه المتعلقة بمبرهنتي عدم الاكتمال عمقَ المنطق الرياضي وتعقيدَه، وما يأتي توضيحٌ لما تنصّ عليه كلتا المبرهنتين[6]:
أ. مبرهنة عدم الاكتمال الأولى: تنص هذه المبرهنة على أن هناك جملًا لا حسمَ لها في أي نظام متسق، فقد أثبت غودل أن أي نظام متسق (Consistent) يحتوي بالضرورة على جمل صحيحة داخل النظام لا يمكن إثبات صحتها أو خطئها، أي أنه لا يمكن البتّ فيها (Undecidable).
ب. مبرهنة عدم الاكتمال الثانية: تنص هذه المبرهنة على أن الأنظمة الرياضية لا يمكن أن تُثبِت اتساقَها الخاص بنفسها، فهناك دائمًا حقائق لا نستطيع إثباتها أو نفيها داخل النظام نفسه، وبعبارة أخرى، فإن أي نظام متسق لا يستطيع إثبات اتساقه الذاتي.
وقد عبّر غودل في رسالة إلى أمّه ماريان عن إيمانه بوجود حياة بعد الموت، وقد جاءت قناعته هذه امتدادًا لمبرهنة عدم الاكتمال (Incompleteness theorems) التي صاغها بنفسه، والتي تنصّ على وجود عبارة رياضيّة على الأقلّ، في أيّ نظام رياضي متسق وقادر على التعبير عن العمليات الحسابية الأساسية، لا يمكن برهنة صحتها من داخل ذلك النظام، أي أن هناك حدودًا لما يمكن إثباته أو دحضه باستخدام قواعد وبديهيات النظم المنطقية البشرية، وأنّ هذه النظم ليست قائمة بنفسها، وأنها ناقصة ومحتاجة. ولهذه المبرهنة عواقب وجودية عميقة، فإذا كانت النظم المنطقية ناقصة، فإن ذلك يقتضي السؤال عن وجود المرجع الكامل الثابت، وجواب ذلك أتى به غودل نفسه، فقد صاغ لاحقًا كلامًا وجوديًّا عن الخالق (Gödel’s ontological proof) ينصّ على حتمية وجود خالق يتصف بصفات الكمال الحميدة جميعها، وليس فيه أي صفة سالبة، فهو حيّ ودائم الوجود لا يفنى ولا ينام ولا يأكل ولا يتعب، وله كلّ صفة حميدة يمكن تصوّرها، وهذا الخالق هو المرجع الثابت للأنظمة المنطقية والرياضية جميعها[7].
أنواع البرهان الرياضي
البرهان المباشر للجملة الشرطية \(P\rightarrow Q\)
تحتوي
الجملة الشرطية على مقدمة (
\(P\)) ونتيجة (
\(Q\))، ويُرمَز لهذه الجملة غالبًا بـ
\(P\rightarrow Q\)، وعادة ما يكون المطلوب إثبات أنه إذا كانت المقدمة صحيحة فإن النتيجة صحيحة. وبناءً على ذلك، فإن الطريقة تتلخص بافتراض أن المقدمة (
\(P\)) صحيحة ثم التسلسل خطوة بخطوة بطريقة منطقية للوصول إلى صحة النتيجة (
\(Q\)). وبذلك يمكن تمثيل البرهان المباشر (Direct Proof) بالنموذج الآتي:
نموذج البرهان المباشر للجملة الشرطية
\(P\rightarrow Q\):
إذا كانت
\(P\) صحيحة.
⋮
فإن
\(Q\) ستكون صحيحة.
وبناءً عليه، فإن
\(P\rightarrow Q\)
تعريف البرهان المباشر:
إذا كانت
\(P\) تمثل فرضية معينة، و
\(Q\) تمثل نتيجة، فإن البرهان المباشر لـ
\(P\rightarrow Q\) يكون بافتراض أن
\(P\) صحيحة، ومن ثَمَّ تُستخدَم هذه الفرضية للوصول إلى إثبات أن
\(Q\) صحيحة[8].
يجب أن تتضمن المنهجية المتبعة في الإثبات المباشر الخطواتِ الآتية:
أ. تحديد المقدمة والنتيجة.
ب. استبدال المقدمة، إذا لزم الأمر، بما يكافئها أو بما هو أكثر قابلية للاستخدام.
ج. استبدال النتيجة، إذا لزم الأمر، بما يكافئها أو بما هو أكثر سهولة للإثبات.
د. إيضاح سلسلة من العبارات بالتفصيل بطريقة تتيح استنتاج أي عبارة من تلك السلسلة من سابقاتها من العبارات أو غيرها من النتائج المعروفة، فيُتوصَّل بذلك من المقدمة إلى النتيجة المرجوّة.
وتوضح الأمثلة التالية كيفية العمل على المخطط السابق، لكن يجب، قبل ذلك، استخدام التقسيم الآتي في البرهان[9]:
أ. الفرضية: هي المعطيات الموجودة في الجملة الشرطية المراد برهنتها، أو العبارة التي يمكن افتراض أنها صحيحة لإثبات نتيجة معينة تعتبر أساسًا منطقيًّا يمكن الانطلاق منه لإجراء البراهين الرياضية المرجوة. وعادةً ما تكون هذه الفرضية تصريحاتٍ تُقبل على أنها صحيحة من دون الحاجة إلى إثباتها في السياق المحدد.
ب. الإثبات: هو العملية التي تُستخدَم فيها البراهين المنطقية للتوصل إلى صحة النتيجة أو المبرهنة المقترحة بناءً على معطيات المقدمة، ويتضمن ذلك عادةً سلسلة من الخطوات المترابطة التي تبرهن صحة التصريح في الحالات الممكنة جميعها التي تنطبق عليها المعطيات.
ج. الاستنتاج: هو المرحلة النهائية في عملية البرهنة، إذ يُتوصَّل إلى النتيجة النهائية أو الخلاصة بناءً على الأدلة والبراهين المُقدَّمة في عملية
الإثبات.
مثال 1: إذا كانت
\(a,b,c\) أعدادًا صحيحة، وكان
\(a\) يَقسِم
\(b\)، و
\(b\) يقسم
\(c\)، فإن
\(a\) يقسم
\(c\). ولبرهنة ذلك تُتَّبع الخطوات الآتية:
أ. الفرضية: العدد
\(a\) يقسم
\(b\)، والعدد
\(b\) يقسم
\(c\).
ب. الإثبات: بناءً على الفرضية السابقة، يمكن القول إنه يوجد عددان صحيحان مثل
\(n,m\)، بحيث تكون
\(b=na\) و
\(c=mb\). يُستنتَج مما سبق أن
\[c=mb=m\left(na\right)=\left(mn\right)a,\]
ج. الاستنتاج: العدد
\(a\) يقسم
\(c\).
مثال 2: إذا كان
\(x<-4\) و
\(y>2\)، فإن المسافة بين النقطة
\((x,y)\) والنقطة
\((1,-2)\) هي 6 وحدات على الأقل. ولبرهنة ذلك تُتَّبع الخطوات الآتية:
أ. الفرضية:
\(x<-4\) و
\(y>2\).
ب. الإثبات: بما أن
\(x<-4\)، فإن
\(x-1<-4-1\) وهذا يعني
\(x-1<-5\)، وبناءً عليه يُستنتَج من تربيع الطرفين أن
\(\left(x-1\right)^{2}>25\)، وبالطريقة نفسها، بما أن
\(y>2\)، فإن
\(y+2>4\) وبناءً عليه، فإن
\(\left(y+2\right)^{2}>16\).
ج.
الاستنتاج:يمكن استنتاج أن\(\sqrt{\left(x-1\right)^{2}+\left(y+2\right)^{2}}>\sqrt{25+16}>\sqrt{36}=6\).
وبناءً عليه، فإن المسافة بين
\((x,y)\) والنقطة
\((1,-2)\) هي أكبر من 6 وحدات، إذ إن
\(\sqrt{\left(x-1\right)^{2}+\left(y+2\right)^{2}}\) تمثل مفهوم المسافة بين نقطتين في المستوى الديكارتي.
مثال 3: إذا كان
\(x\)عددًا زوجيًّا، فإن\(x^{2}\)عدد زوجي. ولبرهنة ذلك تُتَّبع الخطوات الآتية:
أ. الفرضية: ليكن
\(x\)عددًا زوجيًّا، فذلكيعني أن هناك عددًا صحيحًا
\(k\)بحيث تكون
\(x=2k\).
ب. الإثبات:
\[x^{2}=\left(2k\right)^{2}=4k^{2}\]
ج. الاستنتاج: يُلاحظ أن
\(4k^{2}\) هو مضاعف للعدد 2، أي أنه عدد زوجي.
وبناءً عليه، أُثبِتت صحة أنه إذا كان
\(x\) عددًا زوجيًّا، فإن
\(x^{2}\) عدد زوجي.
وخلاصة ذلك أنه يمكن القول إن البرهان المباشر هو طريقة شائعة وبسيطة تُستخدَم لإثبات الجمل الشرطية من خلال الانطلاق من المعطيات واستخدامها للوصول إلى النتيجة بشكل منطقي ومتسلسل.
برهان المكافئة العكسية للجملة الشرطية \(P\rightarrow Q\)
الشكل الثاني من أشكال البرهان الذي يمكن استخدامه لإثبات الجملة الشرطية هو برهان المكافئة العكسية (Proof by Contrapositive) (أو ما يُعرَف بـ "برهان التباين العكسي")، وهو طريقة غير مباشرة لإثبات الجملة الشرطية
\(P\rightarrow Q\) من خلال إثبات الجملة الشرطية المكافئة لها
\(\left(~Q\right)\rightarrow (~P)\). وبعبارة أخرى، فبما أن
\(P\rightarrow Q\)تعادل مكافئها العكسي
\(\left(~Q\right)\rightarrow (~P)\)، يُقدَم أولًا برهان مباشر على
\(\left(~Q\right)\rightarrow (~P)\)، ومن ثَمَّ يُستنتج أن
\(P\rightarrow Q\) صحيحة[10].
يُلجأ إلى هذه الطريقة عندما يكون فهم العلاقة بين نفي
\(Q\) ونفي
\(P\) أسهل من فهم العلاقة بين
\(P\) و
\(Q\). ويمكن تمثيل نموذج برهان المكافئة العكسية كما يأتي[11]:
نموذج برهان المكافئة العكسية للجملة الشرطية
\(P\rightarrow Q\)
إذا كانت
\(~Q\) صحيحة.
⋮
فإن
\(~P\) صحيحة.
إذن،
\(\left(~Q\right)\rightarrow (~P)\)
وبناءً عليه، فإن
\(P\rightarrow Q\)
وفي ما يلي برهنة بعض الأمثلة باستخدام نموذج المكافئة العكسية (Contrapositive) الموضح أعلاه.
مثال 4: ليكن
\(m\) عددًا صحيحًا، فإذا كان
\(m^{2}\) عددًا فرديًّا، فإن
\(m\) عدد فردي. ولبرهنة ذلك تُتَّبع الخطوات الآتية:
إذا كان عكس النتيجة هو الصحيح، أي أن
\(m\) عدد زوجي (
\(~Q\)).
فإن
\(m=2k\)، بحيث يكون
\(k\) عددًا صحيحًا.
وهذا يؤدي إلى أن
\(m^{2}=\left(2K\right)^{2}=4k^{2}\).
وبناءً عليه، يكون
\(m^{2}\) عددًا زوجيًّا (
\(~P\)).
إذن، يمكن أن يُستنتَج باستخدام المكافئة العكسية أنه إذا كان
\(m^{2}\) عددًا فرديًّا، فإن
\(m\) عدد فردي.
مثال 5: ليكن
\(x,y\) عددين حقيقيين، بحيث تكون
\(x<2y\). فإذا كان
\(7xy\leq 3x^{2}+2y^{2}\)، فإن
\(3x\leq y\). ولبرهنة ذلك تُتَّبع الخطوات الآتية:
إذا كان عكس النتيجة (
\(~Q\)) هو الصحيح، أي أن
\(3x>y\).
يؤدي ذلك إلى استنتاج أن
\(3x-y>0\) (
\(3x-y\) موجب).
وبأخذ المعطى الثاني من هذا المثال
\(x<2y\) بعين الاعتبار، يمكن القول إن
\(2y-x>0\) (
\(2y-x\) موجب).
إذا كان هناك مقداران موجبان ضُرِبا ببعضهما، فإن الناتج سيكون موجبًا دائمًا، أي أن
\[\left(2y-x\right)\left(3x-y\right)=7xy-3x^{2}-2y^{2}>0\]
وبناءً عليه، فإن
\(7xy>3x^{2}+2y^{2}\) وهذا عبارة عن (
\(~P\)).
إذن، يمكن أن يُستنتَج باستخدام المكافئة العكسية أنه إذا كان
\(7xy\leq 3x^{2}+2y^{2}\)، فإن
\(3x\leq y\).
البرهان بالتناقض
البرهان بالتناقض هو أسلوب منطقي يُستخدَم لإثبات صحة فرضية أو بيانها من خلال إظهار أن نقيضها يؤدي إلى تناقض. عُرف هذا النوع من البراهين في التراث الإسلامي باسم "برهان الخُلْف"، وقد كان له حضور واسع في النصوص الرياضية المبكرة في الحضارة العربية والإسلامية. وعلى الرغم من أن معظم أعمال الخوارزمي ركز على الجبر والحساب، فإن منهجيته كانت تعتمد على الدقة والوضوح في البرهان. ولم تكن منهجية البرهان بالتناقض غريبة على علماء عصره، فقد كانت تستخدم ضمنيًّا في الكثير من الأعمال الرياضية. واستخدم كذلك عمر الخيام، مثل غيره من علماء الرياضيات المسلمين، منهجيةَ البرهان بالتناقض في بعض أعماله، ولا سيّما عند التعامل مع المعادلات الجبرية المعقدة، وقد كان هذا النوع من البراهين جزءًا من الأدوات المنهجية التي اعتمد عليها في تقديم براهين دقيقة ومنهجية.
ويعتمد البرهان بالتناقض على حقيقة مفادها أن القضية
\(P\) والجملة الشرطية
\(~P\rightarrow ( Q˄~Q)\) متكافئتان، وبناءً عليه فإنه يكفي لإثبات صحة القضية
\(P\) إثبات صحة الجملة الشرطية
\(~P\rightarrow ( Q˄~ Q)\)، أي أنه عند افتراض خطأ القضية
\(P\)، فإن ذلك يقتضي صحة قضية تُسمَّى
\(Q\) وخطأها في الوقت نفسه، وبذلك يُتَوصَّل بعد هذا الإجراء إلى تناقض منطقي يُستنتَج من خلاله أن الافتراض الأساسي (
\(~P\)) خطأ، فينفي ذلك صحة القضية
\(P\).
وهناك جانبان جديران بالملاحظة بشكل خاص في هذا النوع من البراهين، يتمثل أولهما في أنه يمكن لهذه الطريقة أن تُطبَّق على أي قضية
\(P\)، في حين يمكن استخدام البراهين المباشرة والبراهين التي تُطبَّق من خلال المكافئة العكسية للجمل الشرطية فقط. أما ثانيهما، فينطلق من كون القضية
\(Q\) معطاة في السؤال أم غير معطاة، إذ يدفع ذلك إلى التفكير في البحث عن قضية مناسبة أخرى لحل السؤال. ويمكن تمثيل نموذج البرهان بالتناقض كما يأتي[12]:
نموذج البرهان بالتناقض:
إذا كانت
\(~P\) صحيحة.
⋮
فإن
\(Q\) صحيحة.
⋮
و
\(~Q\) صحيحة.
وبناءً عليه، فإن
\(Q ˄ ̴ Q\)، وهذا تناقض
وبناءً على ذلك، فإن
\(P\)صحيحة.
ولبرهنة بعض الأمثلة، يُستخدَم نموذج البرهان بالتناقض (Contradiction) الموضح أعلاه[13].
مثال 6: إن
\(\sqrt{2}\)عدد غير نسبي {{العدد غير النسبي: (Irrational Number) هو عدد حقيقي لا يمكن التعبير عنه على صورة كسر بسيط، أي لا يمكن كتابته على الصورة
\(\frac{a}{b}\)، بحيث يكون
\(a\) و\(b\)عددين صحيحين و
\(b\neq 0\). وبمعنى آخر، لا يمكن تمثيل هذه الأعداد بصفتها نسبة بين عددين صحيحين.}}، ولبرهنة ذلك تُتَّبع الخطوات الآتية:
إذا كان
\(\sqrt{2}\) عددًا نسبيًّا.
فإن
\(\sqrt{2}=\frac{a}{b}\)، بحيث يكون
\(a,b\) عددين صحيحين،
\(b\neq 0\)، والقاسم المشترك الأكبر بينهما يساوي 1.
وهذا يؤدي إلى أن
\(\left(\sqrt{2}\right)^{2}=\left(\frac{a}{b}\right)^{2}\) و
\(a^{2}=2b^{2}\)، وبناءً عليه، فإن
\(a^{2}\) عدد زوجي.
وبما أن
\(a^{2}\) عدد زوجي، فإن
\(a\) سيكون عددًا زوجيًّا أيضًا،
وبناءً على ذلك، فإن 4 تقسم
\(a^{2}\).
وبعد ذلك، بما أن
\(a^{2}=2b^{2}\)، و4 تقسم
\(a^{2}\)، فإن
\(b^{2}\) سيمثل عددًا زوجيًّا، فيعني ذلك أن العدد
\(b\) سيمثل عددًا زوجيًّا أيضًا.
إذن، سيكون القاسم المشترك الأكبر بين
\(a و b\) أكبر أو يساوي 2، وهذا تناقض.
وبناءً عليه، فإن العدد
\(\sqrt{2}\) غير نسبي.
البرهان من جزأين للجملة ثنائية الشرط \(P\leftrightarrow Q\)
تعتمد إثباتات الجمل الثنائية الشرط غالبًا على تكافؤ الجملتين الشرطيتين
\(P\rightarrow Q\) و
\(Q\rightarrow P\)، لذلك فإن للعديد من البراهين النموذج الآتي:
نموذج
البرهان من جزأين للجملة ثنائية الشرط
\(P\leftrightarrow Q\):
أ. إثبات أن
\(P\rightarrow Q\) (بأي طريقة)
ب. إثبات أن
\(Q\rightarrow P\) (بأي طريقة)
وبناءً عليه، فإن
\(P\leftrightarrow Q\)[14].
ولكن ليس ضروريًّا استخدام الطريقة المذكورة نفسها في برهان 1 و2، إذ يمكن استخدام طريقتين مختلفتين، وفي كثير من الأحيان يكون إثبات أحد الجزأين أصعب من إثبات الآخر. ومن الممكن في بعض الحالات إثبات الجملة ثنائية الشرط
\(P\leftrightarrow Q\) التي تَستخدِم أداةَ الربط "إذا وفقط إذا كان"، وذلك يعني البدء بـ
\(P\) ثم استبدال سلسلة من العبارات المكافئة بها للوصول إلى
\(Q\).
يعرض المثال الآتي أحد أهم خصائص الأعداد الصحيحة، وهو النوع (Parity) الذي يمكن تعريفه بالآتي:
تعريف: يقال إن العددين الصحيحين
\(m,n\) متشابهان في النوع (Same Parity) إذا كان كل منهما عددًا زوجيًّا أو عددًّا فرديًّا.
مثال 7: إذا كان
\(m,n\) عددين صحيحين، فإن
\(m,n\) متشابهان في النوع إذا وفقط إذا كان مجموعهما عددًا زوجيًّا. ولبرهنة ذلك تُتَّبع الخطوات الآتية:
لتكن
\(P\): "
\(m,n\) متشابهان في النوع"،
\(Q\):
\(m+n\) زوجي.
(
\(P\rightarrow Q\)): ستُستخدَم هنا طريقة الإثبات المباشر.
ولهذا الغرض، يُفترَض أن
\(m,n\) متشابهان في النوع، فإذا كان كلا العددين يمثل عددًا زوجيًّا، فإن
\(m=2k, n=2j\)، وبناءً عليه، يمكن الحصول على التأكيد الآتي:
\[m+n=2k+2j=2(k+j)\]
وبذلك، يتبين أن المجموع السابق يمثل عددًّا زوجيًّا.
وعلى صعيد آخر، إذا كان كلا العددين يمثل عددًا فرديًّا، فإن
\(m=2k+1, n=2j+1\)، وبناءً عليه، فإن
\[m+n=2k+1+2j+1=2\left(k+j+1\right)\]
يتبين مما سبق أن المجموع السابق يمثل عددًا زوجيًّا أيضًا.
(
\(Q\rightarrow P\)): ستُستخدَم هنا طريقة برهان المكافئة العكسية
\(( ̴ P\rightarrow ̴ Q)\).
ولهذا الغرض، يُفتَرض أن العددين
\(m,n\) غير متشابهين في النوع
\((̴ P)\)، فيعني ذلك أن أحدهما سيمثل عددًا زوجيًّا، وليكن
\(m\)، والآخر سيمثل عددًا فرديًّا، وليكن
\(n\). أي أن
\[m=2s, n=2c+1\]
وبناءً عليه، فإن
\[m+n=2s+2c+1=2\left(s+c\right)+1\]
يتبين مما سبق أن المجموع السابق يمثل عددًا فرديًّا
\((̴ Q)\).
وبناءً عليه، فإن
\(\left( ̴ P\rightarrow ̴ Q\right)\)، أي أن
\(Q\rightarrow P\).
مثال 8: ليكن هناك مثلثٌ أطوال أضلاعه
\(a,b,c\). يُستخدم قانون
جيب التمام {{
دالة جيب التمام: (Cosine function) هي إحدى الدوال المثلثية الأساسية في الرياضيات، تُستخدم بشكل رئيس في المثلث القائم الزاوية، ويرمز لها بالرمز
\(\cos x\)، بحيث تشير
\(x\) إلى الزاوية المَقيسة بالدرجات (Degrees) أو بالراديان (Radians).}} لإثبات أن هذا المثلث قائم الزاوية، بحيث يكون طول الوتر
\(c\) إذا وفقط إذا كان
\(c^{2}=a^{2}+b^{2}\)، (الشكل 1).
[الشكل 1] - مثلث قائم الزاوية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
البرهان: لتكن الزاوية المقابلة للضلع
\(c\) هي
\(\theta \).
باستخدام قانون جيب التمام، يمكن استنتاج أن
\[c^{2}=a^{2}+b^{2}-2ab\cos(\theta )\]
وبناءً عليه، فإن
\[c^{2}=a^{2}+b^{2}\]
إذا وفقط إذا كان
\[2ab\cos(\theta )=0\]
إذا وفقط إذا كان
\[\cos(\theta )=0\]
إذا وفقط إذا كان
\[\theta =90^\circ\]
إذا وفقط إذا كان المثلث قائم الزاوية بحيث يكون طول وتره
\(c\).
البرهان بالحالات
يُقسَم البرهان في طريقة البرهان بالحالات إلى عدة حالات، ومن ثَمَّ تُبرهَن صحة كل حالة على حدة. ولا يكون استخدام البرهان بالحالات مجديًّا إلا إذا كان عدد الحالات قليلًا أو يمكن دراسته بشكل منهجي، ينبغي التحقق من تناول الحالات الممكنة جميعها[15].
مثال 9: تُعد المتباينة الآتية
\(-\left|x\right|\leq x\leq |x|\) صحيحة لأي عدد حقيقي
\(x\).
البرهان: سيُدرَس البرهان على حالتين، وهما:
الحالة (1): إذا كان
\(x\geq 0\)، أي أن قيمة
\(x\) موجبة، فيعني ذلك أن القيمة المطلقة للعنصر ستساوي العنصر نفسه،
\(\left|x\right|=x\). وبما أن
\(x\geq 0\)، فإن
\(-x\leq 0\leq x\)، وهذا يعني أن
\(\left(-x\leq x\right)\)، وبناءً عليه، فإن
\(-x\leq x\leq x\)، أي أن
\(-|x|\leq x\leq |x|\).
الحالة (2): إذا كان
\(x<0\)، أي أن
\(x\) عدد سالب، وبما أن القيمة المطلقة للعدد السالب تكون موجبة دائمًا، فإنه يتوجب إعطاء إشارة سالبة لقيمة
\(x\)، أي أن
\(\left|x\right|=-x\). وبما أن
\(x<0\)، فإن
\(-x>x\). إذن، يمكن القول إن
\(x\leq x\leq -x\) أو
\(-(-x)\leq x\leq -x\)
وبناءً عليه، فإن
\(-|x|\leq x\leq |x|\).
وبصفة عامة، يتبين اعتمادًا على الحالتين الأولى والثانية السابق ذكرهما أن
\(-\left|x\right|\leq x\leq |x|\) لأي عدد حقيقي
\(x\).
البرهان بالاستقراء الرياضي
الاستقراء الرياضي أحد أهم الأساليب في البرهان الرياضي، ويستخدم لإثبات صحة عبارة أو معادلة رياضية للأعداد الطبيعية كلها، ويتميز هذا الأسلوب بقوة منهجيته وبساطته، ويُستخدَم بكثرة في الرياضيات بسبب فاعليته في التعامل مع التسلسلات والأنماط العددية.
فمبدأ الاستقراء الرياضي طريقة لإثبات أن الجملة المفتوحة
\(p(n)\) صحيحة لكل عدد طبيعي
\(n\)، ويعتمد هذا البرهان على مبدأ تساوي المجموعة
\(S\) مع مجموعة الأعداد الطبيعية
\(\mathbb{N} \)، بحيث تكون المجموعة
\(S\) هي المجموعة المُعرَّفة بالطريقة الآتية:
أ.
\(1\in S\).
ب. إذا كان
\(n\in S\)، فإن
\(n+1\in S\).
أي أنه بدلًا من إثبات أن الجملة صحيحة عندما
\(n=1,2,3,⋯\) وفحص كل حالة على حدة (وذلك يعد أمرًا مستحيلًا، فالأعداد الطبيعية غير منتهية)، يُثبَت أن الجملة صحيحة لأي عدد ينتمي إلى المجموعة
\(S\)، وذلك يؤدي إلى صحة الجملة لكل عدد طبيعي نظرًا إلى تساوي المجموعة
\(S\) مع مجموعة الأعداد الطبيعية.
يتكون البرهان بالاستقراء الرياضي من ثلاث خطوات رئيسة، وهي:
نموذج
البرهان بالاستقراء الرياضي:
أ. إثبات أن الجملة المفتوحة
\(p(n)\) صحيحة عندما
\(n=1\)،
ب. يُفتَرض أن الجملة المفتوحة
\(p(n)\) صحيحة عندما
\(n=k\)،
ج. إثبات أن الجملة المفتوحة
\(p(n)\) صحيحة عندما
\(n=k+1\).
باستخدام مبدأ الاستقراء الرياضي، فإن الجملة صحيحة لكل عدد طبيعي[16].
ويمكن استخدام أي من طرق البرهان السابق ذكرها خلال البرهان بالاستقراء الرياضي، والأمثلة الآتية توضح ذلك:
مثال 10: إذا كان
\(n\) عددًا طبيعيًّا، فإن
\(1+2+⋯+\left(2n-1\right)=n^{2}\). وباستخدام مبدأ الاستقراء الرياضي، فإن الجملة صحيحة لكل عدد طبيعي.
البرهان:
أ. من المعلوم أن
\(1=1^{2}\)، وبناءً عليه، فإن الجملة صحيحة عندما
\(n=1\).
ب. يُفتَرض أن الجملة صحيحة عندما
\(n=k\)، أي أن
\(1+2+⋯+\left(2k-1\right)=k^{2}\).
ج. وبعد ذلك، يُثبَت أن الجملة صحيحة عندما
\(n=k+1\)، أي أن
\[1+2+⋯+\left(2k-1\right)+\left(2\left(k+1\right)-1\right)=\left(k+1\right)^{2}\]
إن إثبات المعادلة السابقة يكون بالاعتماد على الخطوة الثانية، أي أن
\[1+2+⋯+\left(2k-1\right)=k^{2}\]
وبإضافة
\(2\left(k+1\right)-1\) إلى كلا الطرفين، يُستَنتج أن
\[1+2+⋯+\left(2k-1\right)+2\left(k+1\right)-1=k^{2}+2\left(k+1\right)-1\]
إذن، يمكن القول إن
\[1+2+⋯+\left(2k-1\right)+2\left(k+1\right)-1=k^{2}+2k+1=\left(k+1\right)^{2}\]
وبناءً عليه، يُستنتج أن الجملة صحيحة عندما
\(n=k+1\).
وبناءً عليه، فإن الجملة صحيحة لكل الأعداد الطبيعية، وذلك باستخدام مبدأ الاستقراء الرياضي.
مثال 11: مبرهنة دو موافر (De Moivre's Theorem)
إذا كان
\(x\) عددًا حقيقيًّا، فلكل عدد طبيعي
\(n\)، يكون
\(\left(\cos(x)+i\sin(x)\right)^{n}=\cos(nx)+i\sin(nx)\)، بحيث يكون
\(i\) هو العدد التخيلي، أي أن
\(i^{2}=-1\).
البرهان:
أ. من الواضح أن
\(\left(\cos(x)+i\sin(x)\right)^{1}=\cos(1x)+i\sin(1x)\)، وبناءً عليه فإن الجملة صحيحة عندما
\(n=1\).
ب. يُفترض أن الجملة صحيحة عندما
\(n=k\)، أي أن
\[\left(\cos(x)+i\sin(x)\right)^{k}=\cos(kx)+i\sin(kx)\]
ج. وبعد ذلك، يُثبَت أن الجملة صحيحة عندما
\(n=k+1\)، أي أن
\[\left(\cos(x)+i\sin(x) \right)^{k+1}=\cos(k+1)x+i\sin\left(k+1\right)x\]
وبتوزيع الأسس، يُلاحَظ أن
\[\left(\cos(x)+i\sin(x) \right)^{k+1}=\left(\cos(x)+i\sin(x)\right)^{k}.(\cos(x)+i\sin(x))\]
ومن خلال الخطوة الثانية، يمكن القول إن
\[\left(\cos(x)+i\sin(x) \right)^{k+1}=\left(\cos(kx)+i\sin(kx)\right).(\cos(x)+i\sin(x))\]
وبناءً عليه، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن
\(i^{2}=-1\)، فإن
\[\left(\cos(x)+i\sin(x) \right)^{k+1}=\cos(kx)\cos(x)+i\cos(kx)\sin(x)+i\sin(kx)\cos(x)-\sin(kx)\sin(x)\]
وبتجميع الحدود يُتوصَّل إلى
\[\left(\cos(x)+i\sin(x) \right)^{k+1}=\left(\cos(kx).\cos(x)-\sin(kx).\sin(x)\right)+i (\sin(kx).\cos(x )+\cos(kx).\sin(x) )\]
وباستخدام المتطابقات المثلثية الآتية
\[\cos\left(a+b\right)=\cos(a )\cos(b)-\sin(a)\sin(b)\]
\[\sin(a+b)=\sin(a)\cos(b)+\cos(a)\sin(b)\]
يُستنتَج أن
\[\left(\cos(x)+i\sin(x) \right)^{k+1}=\cos(kx+x)+i\sin(kx+x)\]
وبناءً عليه، فإن
\[\left(\cos(x)+i\sin(x) \right)^{k+1}=\cos(k+1)x+i\sin\left(k+1\right)x\]
وبناءً على ذلك، يُستنتَج أن الجملة صحيحة عندما
\(n=k+1\).
وبناءً على ما سبق، فإن الجملة صحيحة لكل الأعداد الطبيعية، وذلك باستخدام مبدأ الاستقراء الرياضي.
أخيرًا، يمكن القول إن البرهان الرياضي يمثل حجر الزاوية في بناء علم الرياضيات، ومن خلاله تُثبَتُ صحة المبرهنات وتُعزَز مصداقيتها، وتوفر كذلك البراهين الرياضية بأشكالها المختلفة أسسًا قوية لتطوير علم الرياضيات وتطبيقاته، إذ يمكن من خلال استخدام أساليب البرهان المختلفة بناءُ منظومة متكاملة من المبرهنات والقوانين التي تقود إلى فهم أعمق وأشمل.
[1] هادي فضل الله،
مدخل إلى المنطق الرياضي: حساب القضايا والمحمولات (بيروت: دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، 2003).
[2] رشدي راشد (إشراف)،
موسوعة تاريخ العلوم العربيّة، ج 2، ط 2 (بيروت: مركز الدراسات الوحدة العربية، 2005).
[3] المرجع نفسه.
[4] محمد ثابت الفندي،
أصول المنطق الرياضي (لوجستيقا –
LOGISTIC) (بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، 1984).
[5] راشد، مرجع سابق.
[6] Panu Raatikainen, “Gödel’s Incompleteness Theorems,” in: Edward N. Zalta (ed.),
Stanford Encyclopedia of Philosophy (2025), at:
https://acr.ps/1L9F2iR
[7] Ibid.
[8] Douglas Smith, Maurice Eggen & Richard St. Andre. A
Transition to
Advanced
Mathematics, 8th ed., (Boston, MA: Cengage Learning, 2014), p. 31.
[9] Ibid.
[10] Ibid., p. 40.
[11] Ibid.
[12] Ibid. p. 41.
[13] Iqbal H. Jebril, Hemen Dutta & Ilwoo Cho.
Concise Introduction to Logic and Set Theory (Boca Raton, FL: CRC Press, 2021), p. 21.
[14] Smith, Eggen & Andre, p. 43.
[15] Ibid., p. 36.
[16] Jebril, Dutta & Cho, pp. 23-24.
المراجع
العربية
راشد، رشدي (إشراف).
موسوعة تاريخ العلوم العربيّة. ط 2. بيروت: مركز الدراسات الوحدة العربية، 2005.
فضل الله، هادي.
مدخل إلى المنطق الرياضي: حساب القضايا والمحمولات. بيروت: دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، 2003.
الفندي، محمد ثابت.
أصول المنطق الرياضي (لوجستيقا – LOGISTIC). بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، 1984.
الأجنبية
Raatikainen, Panu. “Gödel’s Incompleteness Theorems.” in: Edward N. Zalta (ed.).
Stanford Encyclopedia of Philosophy (2025). at:
https://acr.ps/1L9F2iR
Jebril, Iqbal H., Hemen Dutta & Ilwoo Cho.
Concise Introduction to Logic and Set Theory. Boca Raton, FL: CRC Press, 2021.
Smith, Douglas, Maurice Eggen & Richard St. Andre.
A Transition to Advanced Mathematics. 8th ed. Boston, MA: Cengage Learning, 2014.