تسجيل الدخول

الديموغرافيا الرياضية



الموجز

الديموغرافيا الرياضية (Mathematical demography) فرعٌ تخصصي من علم السكان (الديموغرافيا) يُوظّف الطرائق الرياضية والإحصائية والتحليل العددي لدراسة حجم المجتمعات البشرية وبنيتها وديناميكيتها، وصياغة العلاقات والارتباطات الاجتماعية في هيئة معادلات دقيقة وبسيطة.

تعود الجذور التأسيسية لهذا الفرع إلى إسهامات جون غرونت وابتكاره جدول الحياة، ومؤلفات أشيل غيّار، بينما ارتبط نشوء العلم الحديث بأعمال ألفرد لوتكا الذي طور معادلات تجدد السكان وحسابات التحليل المتناهي الصغر {{التحليل المتناهي الصغر: (Microanalysis) التحليل على مستوًى فردي أو على مستوى وحدات صغيرة جدًا.}}.

تستمر تطوراته المنهجية عبر بناء النماذج السكانية وتوظيف التحليلين الطولاني والمقطعي، إلى جانب توسيع نطاق تقاطعه وتكامله المعرفي مع العلوم الأخرى كعلم الاجتماع، البيولوجيا، الاقتصاد، الإسقاط السكاني، والرياضيات الصرفة.

مفهومها وطبيعتها

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

يمكن تعريف الديموغرافيا الرياضية بأنها فرع من الديموغرافيا "يستخدم طرائق رياضية وإحصائية لدراسة حجم سكان المجتمعات البشرية وتوزعهم وبنيتهم وديناميكيتهم، ويمكن توسيع نطاق هذا التعريف ليشمل كل تجمعات بيولوجية أخرى (كالخلايا والتجمعات الحيوانية)"[1]. تستند الديموغرافيا الرياضية بشكل كبير إلى نوع التحليل العددي المستخدم في الهندسة والفيزياء وسواها، وتعمل على تحويل العلاقات والأفكار والارتباطات الاجتماعية إلى معادلات رياضية[2].

تنشغل الديموغرافيا الرياضية بعرض القيم والمؤشرات المستخدمة في التحليل الديموغرافي والعلاقات القائمة بينها باستخدام لغة رياضية تتيح الوصول إلى دقة أكبر في الاستدلال والاستنتاج، ويمكن لها أن تشكل أداة مهمة لاستكشاف العلاقات بين القيم المدروسة[3]. ومع أن هذا الفرع المعرفي يركز على الظواهر الديموغرافية وعلاقات بعضها مع بعض، فإنه لا ينشغل بالحقائق في حد ذاتها بل بكيفية تناولها. يصعب من ثم رسم حدود حادة حول الديموغرافيا الرياضية، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد استخدام للرموز والصيغ الرياضية، ولا تعدو هذه الأخيرة كونها أدوات تُوظف في قول ما يمكن قوله بالكلمات، لكن بأسلوب أكثر تبسيطًا وأقل غموضًا. ويقع هذا الفرع المعرفي في صميم الديموغرافيا، فيشكل مجالًا منها يتضمن صياغة علاقات السكان وتغيراتهم من خلال تمثيلات رياضية، وتكون معظم الصيغ الرياضية يسيرة ومباشرة وتفسر العلاقات الأساسية القائمة بين المتغيرات الديموغرافية[4].

نشأتها وتأسيسها

تتداخل أصول الديموغرافيا الرياضية والقضايا التي تعالجها إلى حد كبير مع الديموغرافيا في حد ذاتها، ومن المتوافق عليه عمومًا نسب الاستخدام الحديث للطرائق الإحصائية والرياضية في دراسة سكان المجتمعات البشرية إلى عالم الإحصاء البريطاني جون غرونت (John Graunt، 1620-1674) الذي قدم في مؤلفه المعنون ملاحظات طبيعية وسياسية على قوائم الوفيات (Natural and Political Observations on the Bill of Mortality)، الصادر عام 1662، وصفًا إحصائيًا تفصيليًا لسكان لندن وإنكلترا، وكان أول من عرض جدول الحياة {{جدول الحياة: (Life Table) هو جدول يصف إحصائيا تقلص المجموعة السكانية عبر الزمن من خلال الوفاة (أو أي حادثة ديموغرافية أخرى)، لمجموعة أفراد مولودين خلال العام ذاته.}} الذي يشكل حجر الأساس في الديموغرافيا الرياضية، فضلًا عن بنائه كثيرًا من العلاقات والدوال الرياضية في مجال السكان، واقتراحه آليات لحساب نسب البقاء {{نسب البقاء: (Survivorship ratios) نسب الأفراد بعمر معين الذين سيظلون في قيد الحياة حتى العمر التالي.}}[5].

ومنذ نشر عالم الإحصاء الفرنسي أشيل غيّار (Achille Guillard، 1799-1876) مؤلفه التأسيسي الصادر عام 1855 والمعنون مبادئ الإحصاء البشري أو الديموغرافيا المقارنة، كان تركيز الديموغرافيا في نظره قائمًا على "المعرفة الرياضية بالسكان، وتحركاتهم العامة، وأحوالهم المادية والمدنية، وصفاتهم العقلية والأخلاقية"[6]، وهو الأمر الذي يدلل على الحضور الوثيق للتحليل الرياضي في التأسيس لعلم السكان.

لكن ظهور الديموغرافيا الرياضية بالمعنى الذي باتت تعنيه اليوم، وازدهارها وانتشارها، يرتبط بشكل رئيس بجهود العالم الرياضي الأميركي ألفرد لوتكا (Alfred Lotka، 1880-1949) الذي طرح كثيرًا من الأسئلة التي تشكل جوهر موضوع هذا العلم، وقدم الأدوات اللازمة للإجابة عنها، وذلك بدءًا مقالته الأولى والموجزة في هذا المجال بعنوان "العلاقات بين معدلات المواليد ومعدلات الوفيات"[7]، الصادرة عام 1907، ثم في أعماله العديدة التالية حيث درس القرابة واليتم، وأثر التوزع العمري في زيادة سكان الولايات المتحدة، والمنحنى اللوجستي {{المنحنى اللوجستي: (Logistic curve) منحنًى بياني يعبر عن نمو السكان، ويشير إلى نمو أسي في البداية يليه تباطؤ تدريجي مع الاقتراب من الحد الأقصى المعروف بالقدرة الاستيعابية.}}، وابتكر معادلة للتعبير عن تجدد السكان وعمل على حلها، وهي معادلة تربط عدد المواليد في جيل ما بعددهم في الجيل السابق، فتقيس الزيادة في السكان بصورة منضبطة. وكان له الفضل في إدماج المقاييس المعتادة المستخدمة في مجال الديموغرافيا بمقاييس التحليل المتناهي الصغر، وكانت أعماله المصدر الرئيس للتطورات اللاحقة التي شهدتها الديموغرافيا الرياضية، وما تزال كذلك[8].

تطورها ومحاورها الرئيسة

توسع مجال الديموغرافيا الرياضية شيئًا فشيئًا وتطورت أساليبها وأدواتها، فعلى المستويين: المفاهيمي والمنهجي، ظهرت مراجعات جديدة وتحديثات للمفاهيم الرئيسة وللمقاييس المستخدمة في توصيف جداول الحياة وطرائق التقدير الرياضي غير المباشرة، ووُظفت المقاييس الرياضية على نطاق واسع في بناء النماذج {{النموذج: (Models) هو بناء يهدف إلى عرض ظاهرة ديموغرافية أو مجموعة سكانية باستخدام مقادير ذات طبيعة تسمح بشرح بعض ميكانيزمات ظهور الظواهر أو تشكل المجموعات السكانية.}} الواسعة الاستخدام في التعبير الرياضي عن السكان والظواهر الديموغرافية[9].

وعلى مستوى الموضوعات أيضًا، وسع العلم من نطاق الموضوعات التي يتناولها سواء أكان في سياق التحليل الطولاني (Longitudinal analysis) الذي يتتبع الظواهر الديموغرافية في الأفواج {{الفوج: (Cohorts) مجموعة من الأفراد الذين عاشوا حادثة ديموغرافية ما في عام واحد أو فترة زمنية واحدة، ويُسمى فوج المواليد جيلًا.}}، أم في سياق التحليل المقطعي (Cross-sectional analysis) الذي يتناول الظواهر الديموغرافية بالتحليل خلال عام واحد أو فترة زمنية من عدة أعوام. ووسع العلم من مجالات ارتباطه بالعلوم الأخرى، فلا تكاد الديموغرافيا الرياضية تخلو من انشغالات اجتماعية ومحاولات لتناول قضايا ذات صبغة سوسيولوجية، فضلًا عن أنها نجحت ولو جزئيًا بتقديم إسهامات تدعم الطرائق والنظرية، فكثير من المعادلات والنظريات التي توجد في الديموغرافيا الرياضية ترتبط بشكل مباشر بدراسات الإحصاء والإسقاط السكاني وعلم الاجتماع وسواها[10].

ولا تقف علاقة الديموغرافيا الرياضية بالعلوم الأخرى عند هذا الحد، بل ترتبط ارتباطًا مباشرًا أيضًا بالبيولوجيا وعلم الاقتصاد والرياضيات الصرفة، لذلك فإن البحث عن أدبيات في هذا المجال العلمي يستلزم في الواقع استقصاء نطاق واسع من المجالات المعرفية، ويُقدر أن يوجد للبحوث في مجال الديموغرافيا الرياضية امتداد في ما لا يقل عن خمسين من المجلات العلمية التي تغطي موضوعات متنوعة، وإن تكن تسجل كثافة أعلى وحضورًا أكبر بطبيعة الحال في المجلات العلمية الخاصة بالديموغرافيا ودراسة السكان[11].

المراجع

Canudas-Romo et al. “Mathematical Demography.” In: Encyclopedia of Life Support System (EOLSS). Oxford: UNESCO, 2008.

Guillard, Achille. Éléments du Statistiques Humaines ou Démographie Comparée. Paris: Guillaumin et Cie Libraires, 1855.

Kempf-Leonard, Kimberly (ed.). Encyclopedia of Social Measurement. vol. 2. Amsterdam: Elsevier Inc., 2005.

Keyfitz, Nathan. “Mathematical Demography: A Bibliographical Essay.” Population Index. vol. 42, no. 1 (1976). p. 10.

Lotka, Alfred J. “Relations Between Birth Rates and Death Rates.” Science. New Series. vol. 26, no. 653 (1907). pp. 21-22.

Pressat, Roland. Dictionnaire de démographie. Paris: Presses Universitaires de France, 1979.

قراءات إضافية

Department of International Economic and Social Affairs. Manual X: Indirect Techniques for Demographic Estimation, Population Studies. no. 81. New York: United Nations, 1983.

Keyfitz, Nathan. Introduction to The Mathematics of Population. London: Addison Wesley, 1968.

________. Applied Mathematical Demography. New York: John Wiley, 1977.

Pressat, Roland. Éléments de démographie mathématique. Paris: Association Internationale des Démographes de Langue Française, 1995.

Roger, Andrei. Introduction to Multiregional Mathematical Demography. New York: Wiley, 1975.

Smith, David & Nathan Keyfitz. Mathematical Demography: Selected Papers. [A substantial collection of the main sections of some of the classic papers in population studies]. Berlin: Springer, 1977.

[1] Marc Artzrouni, “Mathematical Demography,” in: Kimberly Kempf-Leonard (ed.), Encyclopedia of Social Measurement, vol. 2 (Amsterdam: Elsevier Inc., 2005), p. 641.

[2] Nathan Keyfitz, “Mathematical Demography: A Bibliographical Essay,” Population Index, vol. 42, no. 1 (1976), p. 10.

[3] Roland Pressat, Dictionnaire de démographie (Paris: Presses Universitaires de France, 1979), p. 42.

[4] Canudas-Romo et al., “Mathematical Demography,” in: Encyclopedia of Life Support System (EOLSS) (Oxford: UNESCO, 2008), p. 2; Keyfirz, p. 10.

[5] Keyfitz, p. 9; Artzrouni, p. 641.

[6] Achille Guillard, Éléments du Statistiques Humaines ou Démographie Comparée (Paris: Guillaumin et Cie Libraires, 1855), p. XXVI.

[7] Alfred J. Lotka, “Relations Between Birth Rates and Death Rates,” Science, New Series, vol. 26, no. 653 (1907), pp. 21-22.

[8] Keyfitz, p. 9; Pressat, p. 42.

[9] Canudas-Romo et al., p. 2; Pressat, p. 42.

[10] Canudas-Romo et al., p. 2; Keyfitz, p. 9

[11] راجع للاطلاع على قائمة تفصيلية لبعض من أهم الدراسات التأسيسية في هذا المجال:

 Keyfitz, pp. 19-38.


المحتويات

الهوامش