ماري عجمي (1888-1965)، صحافية، شاعرة، مترجمة، مُربّية، سوريّة، من أشهر الناشطات النسويات السوريات في العصر الحديث، أصدرت أول مجلة نسائية في دمشق عام 1910، واستكتبت فيها كبار كتاب عصرها. تعددت رحلاتها في سورية ولبنان وفلسطين، وقد ألقت خلالها خطبًا تدعو فيها إلى النهضة والمساواة بين الرجال والنساء، وشاركت في تأسيس صالون أدبي نسائي كان الأول من نوعه في دمشق. وقد امتنعت عن الزواج وفاءً لذكرى خطيبها الذي أُعدم في السادس من أيار/ مايو 1916. وانشغلت ماري في كل ما كتبته بهمومها النهضوية العربية، وكانت ترى أن العلم وحده هو الطريق نحو الإصلاح والنهوض، وقد كانت متحمسة لمشروع المملكة السورية بقيادة الملك فيصل بن الحسين؛ فكتبت المقالات والقصائد التي تشيد بهذه التجربة، وكان وقع نهاية الحقبة الفيصلية في بلاد الشام ثقيلًا عليها، إذ ظهر في مقالاتها في مجلة العروس فقدانُها حماسها الممزوج بالأمل، وانحصرت اهتماماتها خلال حقبة الانتداب الفرنسي في القضايا الاجتماعية. وبعد إغلاق هذه المجلة، أخذت تنشر مقالات أدبية في بعض الدوريات العربية إلى أن أُصيبت بالكآبة بعد نكبة فلسطين في عام 1948، ورغم علاقاتها الواسعة ونشاطها الكبير في الوسط الثقافي في بلاد الشام، اختارت العزلة في سنواتها العشر الأخيرة في منزلها داخل سور دمشق القديمة.
النشأة والتعليم
وُلِدت ماري بنت عبده بن يوسف عجمي في مدينة دمشق، في 14 أيار/ مايو 1888 لعائلة أرثوذكسية أصلها من مدينة حماة، انتقل جدها إليان الحموي إلى دمشق في القرن الثامن عشر الميلادي، فعمل في تجارة السجاجيد العجمي، فأكسب أبناءه هذا اللقب[1]. درست ماري في المدرسة الإيرلندية، ثم في المدرسة الروسية حتى سن الخامسة عشرة، ثم بدأت في دراسة التمريض في الكلية الإنجيلية السورية (الجامعة الأميركية في بيروت حاليًا) عام 1906، ولكنها لأسباب صحية، وبعد ذلك درّست في مدارس لبنان وفلسطين والعراق ومصر، فضلًا عن تدريسها في المدارس السورية[2].
ماري عجمي. المصدر: أرشيف الباحث تيسير خلف.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بعد انقلاب جمعية الاتحاد والترقي على السلطان عبد الحميد الثاني في تموز/ يوليو 1908، ثم خلعه في نيسان/ أبريل 1909، شاعت أجواء التفاؤل لدى مثقفي عرب الدولة العثمانية، وحصل كثير منهم على أذونات لإصدار صحف ومجلات، وفي هذه الفترة حصلت ماري على إذن لإصدار مجلة نسائية أسمتها العروس، وأصدرت العدد الأول منها في كانون الثاني/ يناير 1910، والعدد الأخير في شباط/ فبراير 1926، وقد مرّت في فترة انقطاع قسري بين عامي 1914 و1918 بسبب الحرب العالمية الأولى.
بَنَت ماري خلال إدارتها مجلةَ العروس شبكة علاقات واسعة مع نخبة مثقفي سورية ولبنان وفلسطين، وظهرت مواهبها الشعرية والنثرية في القصائد والمقالات التي كانت تنشرها في العديد من المجلات ولا سيما مجلتها، وبرزت بوصفها نجمة اجتماعية في الكثير من المناسبات، حيث كانت تلقي خطابات بليغة حول رحلاتها ومشاهداتها في بعض الأقاليم الشامية.
بعد توقف مجلتها عن الصدور، واصلت نشاطاتها الاجتماعية والأدبية في دمشق ضمن فعاليات النادي الأدبي النسائي {{النادي الادبي النسائي: أسست ماري عجمي عام 1920 النادي الأدبي النسائي في دمشق، ووضعت له عدة أهداف، تمثلت في الإسهامات بتعليم الفتيات والنساء عن طريق تقديم إعانات ومنح مالية لكافة المراحل الدراسية من الابتدائية وحتى الدراسات العليا إلى جانب تأسيس مكتبة خاصة بهن، وتمكين المرأة من خلال ندوات ثقافية ومحاضرات وورشات عمل وحفلات.}}، وكانت تنشر مقالاتها وقصائدها في الدوريات العربية الشهيرة إلى أن توفيت في دمشق في 20 كانون الأول/ ديسمبر 1965، بعد أن عانت من المرض والعزلة عشر سنوات، ولقد فوجئ الكثيرون عند إعلان وفاتها؛ ظانين أنها توفيت منذ سنين مضت[3].
مواقفها
اشتهرت ماري بالعديد من المواقف الاجتماعية والثقافية والسياسية؛ فقد دافعت عن حق المرأة في التعليم، ونافحت بقوة عن الثقافة العربية في وجه التغريب، وكرّست جزءًا مهمًّا من حياتها للدفاع عن قضية المعتقلين السياسيين من أبناء الحركة العربية الذين أعدمهم جمال باشا.
بترو باولي. المصدر: أرشيف الباحث تيسير خلف.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
موقفها من المرأة
على الرغم من كثرة المقالات التي كتبتها في حقوق المرأة، يَصعُب تكوين فكرة قاطعة عن الاتجاه النسوي الذي كانت تنتمي إليه، غير أنها في افتتاح النادي النسائي الأدبي عبّرت في خطبتها المعنونة بـ "المرأة والمساواة" عن ذلك الموقف بشكل واضح؛ ما أظهرها منتمية إلى المدرسة الأنثوية المثالية {{الأنثوية المثالية: تُعَرَّف الأنثوية المثالية (Ideal womanhood) بأنها بناء اجتماعي معقد يجمع بين الخصائص الجسدية والنفسية، ويتمحور حول التوازن بين سمات القوة والرقة. وهي مفهوم ديناميكي يعكس التطور الثقافي، ويشمل جوانب متعددة مثل الاستقلالية، القدرة على القيادة، والذكاء العاطفي.}} التي ترى المساواة بين المرأة والرجل من منطلق التكامل، في حقوق التعلم وخدمة الأسرة والأولاد، دون أن تشير إلى مواقفها من القضايا التي ناقشتها سابقًا رائداتُ الحركة النسوية في بلاد الشام في نهايات القرن التاسع عشر، مثل المشاركة السياسية والعمل خارج المنزل، إذ تقول في تلك الخطبة: "السر في صلة المرأة بالرجل كامن في التكميل والمساواة، وليس في سيادة الواحد على الآخر. وللدلالة على ذلك نجد برهانًا جليًّا في نسبة وظيفتهما في العمران، فالرجولة والأنوثة متساويان في لزومهما لاطراده. أما وقد أوردنا مفتاح هذه الصلة، فنقدر أن نقول إن قوى الواحد العقلية والروحية مكملة لمثلها في الآخر كتكميل الأفراد للمجموع"[4].
دفاعها عن العربية
دافعت ماري عن تعليم اللغة العربية في المدارس الأجنبية في بلاد الشام، وقالت في ذلك: "من البلاء أيضًا أن الممالك الأجنبية تمثل نفسها في كل مدينة من وطننا. هنا نرى قسمًا من بناتنا فرنسيات، وعددًا إنكليزيات، وبعضًا أميركيات، وروسيات وبروسيات، ولهذا اختلفت مبادئ بنات الوطن الواحد، وتربين أو بالأحرى تباينت المعتقدات، لأن لا مبادئ لنا نفهمها ونسير بموجبها، ومن هذا المزيج قام التبلبل ونشأ سوء التفاهم"[5].
وفي خطبة ألقتها في الجامعة الأميركية في بيروت، ونشرت نصها في مجلتها العروس، قالت: "هل اللغة العربية ميتة وأنتم تعالجونها؟ أو ملحَّدة وأنتم تبعثونها؟! لهف نفسي على اللغة العربية في بيروت ولبنان، فهي بعد أن وجدت فيهما مغناها، أصبحا اليوم مثواها.. في القطار في الترام، في الأسواق، قلّما أسمع من القوم غير قلقلة الشفاه باللغات الأجنبية، فإذا كانت هذه حال اللغة في العاصمة الفكرية للبلاد السورية، فما شأن المدن التي لا كليات فيها ولا فنون؟ ماذا جنت اللغة العربية حتى اقتصصنا منها بالإعراض عنها وأذقناها من الاحتقار مرَّ النكال"[6].
قضية المعتقلين
خلال عملها الصحافي، تعرفت ماري إلى الصحافي بترو باولي {{بترو باولي: كاتب وشاعر ولد في بيروت عام 1886. أسس جريدة الوطن، وعمل بصحف أخرى. سُجن عدة مرات خلال الحرب العالمية الأولى بتهمة العمل من أجل استقلال مملكة عربية. أُعدم شنقًا في 6 أيار/ مايو 1916 في بيروت، ليصبح من رموز الحركة القومية العربية.}} الذي كان أحد أحرار العرب المتهمين بقضايا الخيانة والتواصل مع الأعداء، التهمة التي زوّرها لهم جمال باشا، وبعد اعتقال دام عامين، أُعدم مع من أُعدم من شهداء السادس من أيار/ مايو 1916، وأثّرت هذه الحادثة في وجدان ماري، فامتنعت عن الزواج بعدها، وكانت قضية هؤلاء المعتقلين إحدى القضايا التي كانت تثيرها في أعداد مجلة العروس بعد أن عادت للصدور إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى، وخروج العثمانيين من بلاد الشام؛ إذ لم يخلُ عدد من مقالة تسرد فيها سيرة أحدهم.
المراجع
باز، جرجي نقولا. ماري عجمي تذكارًا ليوبيلها. بيروت: مطبعة صادر، 1926.
الزركلي، خير الدين بن محمود بن محمد. الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. ط 15. بيروت: دار العلم للملايين، 2000.
عجمي، ماري. "اللغة العربية". العروس. مج 2، العدد 1 (1911).
________. "خطبة". العروس. مج 6، العدد 2 (1920).
________. "المرأة والمساواة من خطاب صاحبة المجلة في حفلة افتتاح النادي النسائي الأدبي". العروس. مج 6، العدد 7 (1920).
فتوح، عيسى. "صفحات مطوية من كفاح ماري عجمي". المعرفة. العدد 50 (1966).
مراجع للاستزادة
Youssef, Dellair. "Mary Ajami: Snapshots from a life of activism: A giant of Syria’s ‘first wave’ of feminis." SyriaUntold. 1/11/2021. at: https://acr.ps/1L9BPjM
[1] جرجي نقولا باز، ماري عجمي تذكارًا ليوبيلها (بيروت: مطبعة صادر، 1926)، ص 10.
[2] خير الدين الزركلي، الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، ج 5، ط 15 (بيروت: دار العلم للملايين، 2002)، ص 254.
[3] عيسى فتوح، "صفحات مطوية من كفاح ماري عجمي"، المعرفة، السنة الخامسة، العدد 50 (نيسان/ أبريل 1966)، ص 130.
[4] ماري عجمي، "المرأة والمساواة"، العروس، مج 6، العدد 7 (1920)، ص 200.
[5] ماري عجمي، "اللغة العربية"، العروس، مج 2، العدد 1 (1911)، ص 14.
[6] ماري عجمي، "خطبة"، العروس، مج 6، العدد 2 (1920)، ص 54.