الموجز
خطة مارشال (Marshall Plan)، المعروفة رسميًّا باسم "برنامج الإنعاش الأوروبي" (European Recovery Program - ERP)، هي مبادرة تاريخية أطلقتها الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) للمساعدة في إعادة إعمار أوروبا الغربية. وقدمت الولايات المتحدة بموجب الخطة حزمة مساعدات اقتصادية ضخمة بقيمة 13 مليار دولار أميركي إلى 16 دولة أوروبية، بهدف إنعاش الإنتاج الصناعي والزراعي، وإصلاح المالية العامة، وتشجيع التعاون التجاري بين الدول الأوروبية، وفتح الأسواق العالمية. وقد حققت الخطة نجاحًا ملحوظًا على الصُعد: السياسية والاقتصادية والأمنية، ومهدت لبناء تحالفات غربية متينة في فترة الحرب الباردة (1947-1991).
التعريف بجورج مارشال
جورج كاتليت مارشال
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كان جورج كاتليت مارشال (George Catlett Marshall، 1880-1959) قائدًا عسكريًا ودبلوماسيًا أميركيًا بارزًا، وقد ارتبط اسمه بـ "خطة مارشال". شغل مارشال منصب رئيس الأركان في الجيش الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، ولعب دورًا محوريًا في بناء قوات دول الحلفاء وتحديثها، حتى لُقب بـ"منظم النصر" تقديرًا لكفايته القيادية في أثناء الحرب[1]. لاحقًا، تولى مارشال منصب وزير الخارجية (1947-1949) في إدارة الرئيس الأميركي، هاري ترومان (Harry Truman، 1884-1972)، عقب انتهاء الحرب، ثم تولى منصب وزير الدفاع خلال الفترة بين عامي 1950-1951، وذلك في أثناء الحرب الكورية بين عامي 1950-1953[2]. في 5 حزيران/ يونيو 1947، وخلال خطاب شهير ألقاه في جامعة هارفارد (Harvard University)، طرح مارشال رؤيته لبرنامج مساعدات شاملة لمساعدة أوروبا المنهكة بسبب الحرب العالمية الثانية، ولمساعدتها على الوقوف مجددًا على قدميها، وهي الرؤية التي عُرفت لاحقًا باسم خطة مارشال[3]. وبفضل هذا الإنجاز وغيره من إسهاماته في إحلال السلام العالمي، حاز مارشال جائزة نوبل للسلام في عام 1953، ليكون أول قائد عسكري أميركي يتلقى هذه الجائزة[4].
سياق وضع الخطة
صورة لوزير الخارجية الأميركي جورج مارشال أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، خلال عرضه خطة التعافي الاقتصادي لأوروبا، التي وصفها بأنها «استثمار في السلام».
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية في ربيع عام 1945، وجدت القارة الأوروبية نفسها أمام مشهد اقتصادي واجتماعي كارثي، فقد خلفت الحرب شللًا اقتصاديا أثر في قطاعات رئيسة، مثل: الصناعة والزراعة، فضلًا عن ذلك خلفت الحرب وراءها دمارًا واسعًا في المدن والبنية التحتية، وأسهمت في حركة نزوح بشري واسع النطاق. وعلى الرغم من ظهور بوادر تعافي أولية خلال عام 1946، فإن الوضع الاقتصادي والاجتماعي بحلول مطلع عام 1947 كان ينذر بالخطر، نظرًا إلى أن فصل الشتاء آنذاك كان قاسيًا، ولا سيما مع تعمق أزمة الوقود والغذاء في العديد من الدول الأوروبية[5].
بدت المؤشرات الاقتصادية في أوروبا في حالة تراجع مستمر، على الرغم من عودة الإنتاج الصناعي في بعض البلدان إلى مستويات ما قبل الحرب[6]. وقد تحقق الانتعاش الأولي أساسًا عبر استنزاف المخزونات المحلية واحتياطات الذهب والعملات الأجنبية، من دون أن تتوافر رؤوس أموال كافية لإطلاق دورة استثمارية جديدة[7].
في المقابل، ظل الإنتاج الزراعي دون مستويات عام 1938، أي قبل اندلاع الحرب، وهو الأمر الذي اضطر الدول الأوروبية إلى زيادة وارداتها الغذائية، رغم النقص الحاد في العملات الصعبة اللازمة لتسديد أثمانها[8]. وقد نتج عن ذلك ما عُرف بـ"فجوة الدولار"، إذ اتسع العجز التجاري الأوروبي مع الولايات المتحدة، وعجزت دول أوروبا عن دفع قيمة وارداتها الأساسية من السوق الأميركية[9]. كذلك تعثر التبادل التجاري بين الدول الأوروبية نفسها نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية، وانهيار شبكات النقل، وتفكك أنماط التعاون الاقتصادي التي كانت قائمة خلال أعوام الحرب[10].
ولم تقتصر الأزمة على أبعادها الاقتصادية، بل تداخلت معها اعتبارات اجتماعية وسياسية خطيرة، فمع استمرار البطالة ونقص السلع الأساسية بعد أعوام الحرب الطويلة، ساد شعور عام بالتشاؤم والسخط في الأوساط الشعبية الأوروبية. كذلك تصاعدت التوترات الطبقية والاضطرابات الاجتماعية، وهو ما أوجد بيئة مواتية لنمو الحركات المتطرفة، إذ اكتسبت الأحزاب الشيوعية نفوذًا شعبيًا متزايدًا في دول، مثل: إيطاليا، وفرنسا[11]. وقد رأت واشنطن في هذا التطور تهديدًا محتملًا لمستقبل أوروبا السياسي يتجاوز حدود الأزمة الاقتصادية نفسها[12].
لم يكن انهيار أوروبا اقتصاديًا يعني مجرد كساد عالمي قد يمتد أثره إلى الولايات المتحدة، بل كان ينذر أيضًا بإمكان وقوع دول كاملة تحت نفوذ الشيوعية السوفياتية، سواء عبر الانتخابات الديمقراطية أو نتيجة الفوضى الاجتماعية المتفاقمة. وقد تعاظم هذا الهاجس الأمني مع بوادر تشكل الحرب الباردة بين المعسكرين: الغربي والسوفياتي، فبحلول عام 1947، كان الاتحاد السوفياتي قد أحكم قبضته على دول أوروبا الشرقية، ونكث بتعهداته إجراء انتخابات حرة في بولندا وعدد من البلدان الأخرى التي حُررت خلال الحرب، وهو ما اعتُبر مؤشرًا واضحًا على نياته التوسعية ذات الطابع الأيديولوجي[13].
وقد أعلنت بريطانيا المنهكة اقتصاديًا أوائل عام 1947 عن عجزها عن مواصلة دعمها المالي والعسكري لليونان وتركيا اللتين تواجهان تمردات شيوعية داخلية، وضغوطًا سوفياتية خارجية[14]، وقد مثل هذا الإعلان جرس إنذار لواشنطن بضرورة التحرك السريع، فطرح الرئيس ترومان في آذار/ مارس 1947 "مبدأ ترومان" الذي التزمت فيه الولايات المتحدة علنًا بتقديم الدعم لأية دولة مهددة بالشيوعية، وهو ما مثل استعداد الولايات المتحدة لوراثة الدور البريطاني المنكفئ، وتوسيع انخراطها في شؤون العالم لاحتواء المد الشيوعي[15]. مع ذلك، فإن معالجة أزمة أوروبا الغربية تطلبت رؤية سياسية واقتصادية أشمل، ومن هنا تبلورت في دوائر صنع القرار الأميركية قناعة بأن إنعاش أوروبا اقتصاديًا هو ضرورة استراتيجية ملحة لحفظ توازن القوى العالمي، وضمان أسواق مزدهرة للمنتجات الأميركية في آنٍ واحد[16].
في هذا السياق، وجه وزير الخارجية جورج مارشال في خطابه الشهير بجامعة هارفارد في حزيران/ يونيو 1947 دعوة صريحة إلى الدول الأوروبية حتى تجتمع وتضع تقييمًا مشتركًا لاحتياجاتها من الإعمار، وتقدم للولايات المتحدة خطة متكاملة للحصول على دعمها المادي[17]. وقد كان هذا النهج التشاركي مبتكرًا في حينه، إذ حرص مارشال على عدم ظهور الولايات المتحدة بمظهر الفرض أو الإملاء، بل بوصفها مستجيبًا لمبادرة أوروبية ذاتية. وقد رحبت غالبية دول أوروبا الغربية بالفكرة، وسارعت 16 دولة لتشكيل لجنة التعاون الاقتصادي الأوروبي، وعقدت اجتماعًا في باريس في تموز/ يوليو 1947 لوضع برنامج مشترك تقدمه للولايات المتحدة؛ وكانت تلك الدول هي: المملكة المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا، وسويسرا، وهولندا، وبلجيكا، ولوكسمبورغ، والنمسا، والدنمارك، والنرويج، والسويد، وأيرلندا، والبرتغال، واليونان، وتركيا، وآيسلندا[18].
كذلك وُجهت الدعوة أيضًا إلى الاتحاد السوفياتي والدول الواقعة تحت نفوذه للمشاركة في هذه المحادثات، تجنبًا لأي تفسير بأن الخطة موجهة ضد الشرق[19]. مع ذلك، رأت القيادة السوفياتية عدم حسن نيات واشنطن، واعتبرت الخطة تدخلًا في شؤونها الداخلية، فرفضت الدعوة، وضغطت على بعض دول أوروبا الشرقية لعدم الحضور[20]. وقد بررت موسكو رفضها الانخراط في برنامج مارشال بأنه سيقتضي كشف الحسابات الاقتصادية الوطنية، والتخلي عن قدر من السيادة الاقتصادية، ورأت فيه غطاء لمحاولة أميركية لفرض الرأسمالية الغربية على أوروبا الشرقية[21]. وهكذا، انقسمت أوروبا عمليًا إلى معسكرين اقتصاديين: غربي يستعد لتلقي الدعم الأميركي، وآخر شرقي يدور في الفلك السوفياتي، ويعتمد على إمكاناته الذاتية، وخططه المركزية. وردًا على خطة مارشال، أطلق الاتحاد السوفياتي في عام 1949، مجلس التعاون الاقتصادي "كوميكون" (COMECON) ليكون منظمة اقتصادية وسياسية، جمعت دول الكتلة السوفياتية، واستمر في العمل حتى عام 1991، حين حُلت بالتزامن مع انهيار الاتحاد السوفياتي[22].
شكل هذا التطور إحدى اللحظات المفصلية في اشتعال الحرب الباردة، إذ رسخت خطة مارشال، ومعها موقف الاتحاد السوفياتي الرافض لها، حدودًا فاصلة بين الشرق والغرب في أوروبا. مع ذلك، فإن انسحاب السوفيات وحلفائهم من المشاركة في الخطة سهل، على المدى القريب، مهمة الولايات المتحدة في توحيد موقف الدول الغربية خلف برنامج المساعدات، ومهد الطريق لإقرار الكونغرس له دون معارضة تُذكر[23]. وبعد نقاشات مكثفة ومداولات داخلية في الولايات المتحدة أواخر عام 1947 وأوائل عام 1948، أثار خلالها الشيوعيون وأنصارهم حملات معارضة واعتبروا الخطة مقدمة لحرب جديدة، صوت الكونغرس بأغلبية ساحقة على قانون الإنعاش الأوروبي في آذار/ مارس 1948[24]. وفي نيسان/ أبريل من العام نفسه، وقع الرئيس هاري ترومان القانون، لتنطلق بذلك رسميًا خطة مارشال، وتغدو جزءًا من السياسة الخارجية الأميركية، وكذلك من السياسة الداخلية من حيث تخصيص الميزانيات اللازمة لتنفيذها في الأعوام اللاحقة[25].
تعرضت الخطة للنقد منذ بداياتها، لا سيما من الشيوعيين، والمتعاطفين معهم في الغرب، ممن رأوا، ومنهم الكاتب الأميركي جيمس ألين (James S. Allen، 1906-1986) أنها لم تكن خطة إنقاذ بريئة، بل رأوها امتدادًا لسياسة الهيمنة الأميركية التي بدأت تتبلور منذ نهاية الحرب، وأنها صُممت لتقسيم أوروبا بشكل دائم إلى شرق وغرب، لضمان سيطرة الاحتكارات الأميركية على مواردها الغربية الحيوية مثل منطقة حوض الرور في ألمانيا[26]. كذلك اعتبرها وجهًا آخر لمبدأ ترومان، لكن بصبغة اقتصادية، ونظر إليها بوصفها وسيلة لشراء ولاءات الدول الأوروبية، وابتزازها سياسيًا، واستكمال حلقات التطويق الاستراتيجي للاتحاد السوفياتي[27]، ورأى أنها أداة ضغط رجعية على أوروبا لجعلها تابعة للمعسكر الأميركي، وتحقيق أهداف مبدأ ترومان نفسه في اليونان وتركيا، ولكن على نطاق أوسع في أوروبا الغربية[28].
ورغم أن هذه القراءة الأيديولوجية قوبلت بمعارضة بشدة في الخطاب الرسمي الغربي آنذاك، عكست جانبًا من الشكوك والتحفظات التي أحاطت بالمشروع، ولا سيما لدى أطراف محايدة خشيت أن يكون مقدمة لترسيخ انقسام أوروبا، وربما استقطاب العالم إلى كتلتين متصارعتين[29]. وفي نهاية المطاف، تغلبت وجهة النظر المؤيدة للخطة في معظم الدول المستهدفة بالمساعدة، ولا سيما إيطاليا وفرنسا، حيث هُمش المعسكر الشيوعي الداخلي سياسيًا، وهو ما سهل إطلاقها فعليًا في عام 1948، وبمشاركة 16 دولة أوروبية غربية، مع استبعاد دول الكتلة الشرقية[30].
تفاصيل الخطة
صُممت خطة مارشال، أو "برنامج الإنعاش الأوروبي" كما عُرفت رسميًا[31]، لتكون جهدًا مشتركًا بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية المعنية، فعلى الجانب الأميركي، أُنشئت إدارة خاصة للإشراف عليها اسمها إدارة التعاون الاقتصادي (Economic Cooperation Administration - ECA)، واختير رجل الأعمال بول هوفمان (Paul G. Hoffman، 1891-1974) مديرًا لها، في حين عُين الدبلوماسي، أفريل هاريمان (Averell Harriman، 1891-1986) ممثلًا للبرنامج في أوروبا[32]. وعلى الجانب الأوروبي، تشكلت منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي (Organization For European Economic Cooperation - OEEC) لتنسيق جهود الدول المستفيدة، وضمان التزامها بشروط البرنامج، وتحقيق التعاون المتبادل بينها[33]. وقد شكل التنسيق المؤسسي بين أوروبا والولايات المتحدة حجر زاوية في نجاح الخطة، وأتاح منصة دائمة للحوار الاقتصادي عبر الأطلسي وعبر الأوروبي، ووضع الأسس الأولى لفكرة التكامل الإقليمي الأوروبي التي تطورت لاحقًا إلى مؤسسات أكثر اندماجًا، مثل: السوق الأوروبية المشتركة، ثم الاتحاد الأوروبي[34].
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
على المستوى المالي، بلغ مجموع ما أُنفق على خطة مارشال خلال أربعة أعوام نحو 12.5 مليار دولار أميركي، قُدمت في صورة منح نقدية وعينية وقروض ميسرة[35]. وقد استفادت من هذه المساعدات ست عشرة دولة أوروبية، كان نصيب بريطانيا منها الأكبر (نحو 23 في المئة من إجمالي المبلغ)، تلتها فرنسا (حوالي 20 في المئة)، ثم إيطاليا وألمانيا الغربية وهولندا وبلجيكا ودول أخرى بنسب متفاوتة[36]. ووُزعت هذه الحصص وفق مجموعة من المعايير، أبرزها حجم العجز في موازين المدفوعات لكل دولة وقدرتها على الاستيراد من الخارج. كذلك خُصص جزء من الأموال لدعم ألمانيا والنمسا اللتين كانتا في حالة انهيار اقتصادي، إضافة إلى الدول الإسكندنافية وبعض المستعمرات الأوروبية التي لحقتها أضرار كبيرة[37]. وتنوعت أشكال الدعم ضمن البرنامج، فشملت: شحنات من المواد الغذائية والزراعية، والوقود والفحم، والمعدات والآليات الصناعية، فضلًا عن مواد البناء اللازمة لإعادة الإعمار[38].
أدت الآلات والمعدات التي مولتها الخطة دورًا حيويًا في إعادة تشغيل المصانع وإعادة بناء البنى التحتية المتضررة[39]. كذلك فإن جزءًا كبيرًا من أموال المساعدات لم يغادر الولايات المتحدة أصلًا، فقد استُخدم في شراء فائض الإنتاج الأميركي[40]. وقد اشترطت وزارة الزراعة الأميركية أن تُورد السلع الغذائية المقدمة إلى أوروبا من المخزونات المحلية الأميركية[41]. كذلك فإن القانون الأول للبرنامج نص على أن ربع صادرات القمح المرسلة ضمن المساعدات يجب أن يُصدر على هيئة طحين منتج في مطاحن أميركية، وذلك لضمان تشغيلها وتعزيز القيمة المضافة داخل الاقتصاد الأميركي[42]. وفقًا لذلك، يمكن القول إن خطة مارشال كانت مربحة للطرفين، فقد تلقت أوروبا ما تحتاج إليه من مواد لإعادة البناء، وحصلت الولايات المتحدة في المقابل على أسواق لتصريف فائض انتاجها، والحفاظ على مستوًى عالٍ من التشغيل في قطاعاتها: الزراعية والصناعية خلال مرحلة الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلم[43].
ومن حيث آليات التنفيذ، اتبعت الخطة نهجًا مبتكرًا يتجاوز مجرد ضخ الأموال، وكان على كل دولة أوروبية مستفيدة أن تودع في حساب خاص معادلًا بالعملة المحلية لقيمة المساعدات من الدولار التي حصلت عليها، باسم صناديق الموازنة (Counterpart Funds)[44]. واستُخدمت هذه الحسابات المحلية تحت إشراف الحكومات الأوروبية وإدارة التعاون الاقتصادي لتمويل مشاريع إعادة الإعمار داخل البلد نفسه، مثل: إنشاء البنى التحتية، وإعادة رسملة البنوك، وتمويل الشركات[45]. وبهذه الطريقة، ضمنت الولايات المتحدة أن الأموال الممنوحة للدول الأوروبية سوف تُستثمر فعليًا في إعادة البناء، وليس في الإنفاق الاستهلاكي، أو سد عجز الموازنات فقط.
كذلك أطلقت إدارة التعاون الاقتصادي برامج مساعدات فنية لنقل الخبرات الأميركية في مجالات الإدارة والإنتاج إلى أوروبا[46]. ومن ذلك، مجلس الإنتاجية الأنكلو-أميركي الذي موله البرنامج، وأرسل المئات من رجال الأعمال والمهندسين الأوروبيين في جولات دراسية إلى المصانع والمزارع الأميركية للاطلاع على أحدث أساليب الإدارة والتكنولوجيا[47]. وقد أنشأت الإدارة وحدات استشارية صغيرة دعمت تطوير قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة بأوروبا عبر تقديم المعلومات، وعقد ورش التدريب[48].
لم تكتف الإدارة الأميركية بذلك، بل مارست دورًا توجيهيًا في سياسات الاقتصاد الكلي الأوروبية، وأجرت فرق إدارة التعاون الاقتصادي مسوحًا دورية للبنى التحتية، وقطاعات الإنتاج في الدول المستفيدة، وقدمت توصيات مستمرة لضبط الإنفاق الحكومي، وتحسين إدارة الميزانيات، وشجعت على استقرار أسعار الصرف، وكبح التضخم[49]. كذلك اشترطت الخطة على الدول المتلقية خفض القيود التجارية بينها، وتشجيع التبادل الحر[50]، واعتبرت هذه الشروط أحد أهم أساليب التقويم الهيكلي المبكرة التي استخدمتها واشنطن لتحفيز اقتصادات أوروبا لانتهاج سياسات السوق المفتوحة[51].
خلال فترة تنفيذ الخطة (1948-1951)، تغيرت ملامح أوروبا الغربية على نحو ملموس. فعلى الصعيد الاقتصادي، استؤنف النمو في كل الدول المستفيدة بوتيرة سريعة، وزادت الإنتاجية الزراعية والصناعية بشكل ملحوظ عما كانت عليه عقب الحرب[52]، وتحسن معدل صرف العملات الأوروبية مع استقرار الأسواق، وتقلص بدرجة كبيرة العجز التجاري المزمن الذي أرهق كاهل تلك الدول[53]. وبدأت حكومات أوروبا الغربية بتخفيف القيود على التجارة المتبادلة بينها، فاتحة الطريق إلى مرحلة تعاون اقتصادي إقليمي أعمق، وتجلى ذلك بتأسيس منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي بوصفها منصة دائمة، ثم لاحقًا تشكيل الجماعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1951 بوصفها نواة للوحدة الاقتصادية[54].
أما على الصعيدَين السياسي والاجتماعي، فقد عزز النجاح الاقتصادي الثقة والروح المعنوية لدى الشعوب الأوروبية وحكوماتها. ومع عودة الإمدادات وتحسن المعيشة، تراجع زخم الأحزاب الشيوعية التي همشتها السلطة تحت الضغط الأميركي[55]. واستقرت الأنظمة الديمقراطية القائمة، وهو ما حصن أوروبا الغربية من أي اضطرابات سياسية واسعة خلال تلك الفترة. كذلك لعب انتعاش أوروبا دورًا رئيسًا في تعزيز مكانة الولايات المتحدة العالمية، وبفضل الخطة، وما تلاها من التزامات أمنية مثل إنشاء حلف شمال الأطلسي عام 1949، كرست أميركا حضورها القيادي في المعسكر الغربي، اقتصاديًا وعسكريًا، خلال الحرب الباردة. أما الاتحاد السوفياتي، فوجد نفسه أمام واقع وجود كتلة غربية متينة اقتصاديًا وسياسيًا، وهو ما أسهم في ردع المحاولات السوفياتية في أوروبا إلى حد كبير خلال تلك الحقبة[56]. بحلول عام 1952، تحققت أهداف خطة مارشال المباشرة إلى حد بعيد، وهو ما أنهى الحاجة إلى برنامج منفصل للمساعدات. كذلك استمر أثرها البعيد لعقود تالية، فقد أصبحت نموذجًا مبكرًا للمساعدة القائمة على السياسات والمشروطية[57].
المراجع
العربية
"منظمة الكوميكون: مجلس تعاون اقتصادي شيوعي أُنشئ ردًا على خطة مارشال الأميركية". الجزيرة نت. 24/7/2026. في: https://acr.ps/hByaRc6
الأجنبية
Allen, James S. Marshall Plan – Recovery or War? New York: New Century Publishers, 1948.
Blocker, Joel. “Europe: How the Marshall Plan Took Western Europe from Ruins to Union.” Radio Free Europe/Radio Liberty. 9/5/1997. at: https://acr.ps/hByaRob
Crafts, Nicholas. “The Marshall Plan: A Reality Check.” CAGE Online Working Paper Series No. 49. Centre for Competitive Advantage in the Global Economy, University of Warwick. August 2011. at: https://acr.ps/hByaRfE
De Long, J. Bradford & Barry Eichengreen. “The Marshall Plan: History’s Most Successful Structural Adjustment Program.” NBER Working Papers Series No. w3899, National Bureau of Economic Research. 1991.
de Zayas, Alfred. “Marshall Plan (European Recovery Program).” In: Rüdiger Wolfrum (ed.). The Max Planck Encyclopedia of Public International Law, vol. 6. Oxford: Oxford University Press, 2012.
Duignan, Peter J., and Lewis H. Gann. “The Marshall Plan.” Hoover Institution. 30/10/1997. at: https://acr.ps/hByaR01
Grew, Joseph C. “The Acting Secretary of State to the President.” In: Richardson Dougall et al. (eds.). Foreign Relations of the United States, Diplomatic Papers, vol. 1: The Conference of Berlin (The Potsdam Conference), 1945. Washington, DC: Government Printing Office, 1960.
Kunz, Diane B. “The Marshall Plan Reconsidered: A Complex of Motives.” Foreign Affairs. vol. 76, no. 3 (1997). pp. 162-170.
Lindsay, James M. “Marshall Plan.” Council on Foreign Relations. at: https://acr.ps/hByaRvh
“Marshall Plan, 1948.” Office of the Historian. at: https://acr.ps/1L9Ba9r
Molotov, Viatcheslav. “Statement by Molotov (Paris, 2 July 1947).” cvce.eu. 28/2/2017. at: https://acr.ps/hByaQDi
Parrish, Scott D. & Mikhail M. Narinsky. New Evidence on the Soviet Rejection of the Marshall Plan, 1947: Two Reports. Washington: Woodrow Wilson International Center for Scholars, 1994.
Pogue, Forrest C. “George C. Marshall.” Britannica. 2/5/2026. at: https://acr.ps/hByaQzK
Sforza, Carlo. “Italy, the Marshall Plan and the ‘Third Force.’” Foreign Affairs. vol. 26, no. 3 (April 1948). pp. 450-456.
Tarnoff, Curt. “The Marshall Plan: Design, Accomplishments, and Significance.” Congressional Research Service. 18/1/2018. at: https://acr.ps/hByaQSV
“The Marshall Plan Speech.” The George C. Marshall Foundation. 2/12/2021. at: https://acr.ps/hByaR8y
[1] Forrest C. Pogue, “George C. Marshall,” Britannica, 2/5/2026, accessed on 24/6/2026, at: https://acr.ps/hByaQzK
[2] Ibid.
[3] “The Marshall Plan Speech,” The George C. Marshall Foundation, 2/12/2021, accessed on 24/6/2026, at: https://acr.ps/hByaR8y
[4] Ibid.
[5] Curt Tarnoff, “The Marshall Plan: Design, Accomplishments, and Significance,” Congressional Research Service, 18/1/2018, accessed on 14/6/2026, at: https://acr.ps/hByaQSV, p. 2.
[6] Ibid.
[7] Ibid.
[8] Ibid.
[9] Ibid.
[10] Ibid.
[11] Ibid.
[12] Joseph C. Grew, “The Acting Secretary of State to the President,” in: Richardson Dougall et al. (eds.), Foreign Relations of the United States, Diplomatic Papers, vol. 1: The Conference of Berlin (The Potsdam Conference), 1945 (Washington, DC: Government Printing Office, 1960).
[13] Tarnoff, p. 3.
[14] Ibid., pp. 3-4.
[15] Ibid., pp. 2-3.
[16] Ibid., p. 6.
[17] Ibid., p. 2.
[18] Ibid., p. 3.
[19] “Marshall Plan, 1948,” Office of the Historian, accessed on 24/6/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba9r
[20] Scott D. Parrish & Mikhail M. Narinsky, New Evidence on the Soviet Rejection of the Marshall Plan, 1947: Two Reports (Washington: Woodrow Wilson International Center for Scholars, 1994), p. 26.
[21] يُنظر خطاب وزير الخارجية السوفياتي آنذاك يوتشيسلاف مولوتوف:
Viatcheslav Molotov, “Statement by Molotov (Paris, 2 July 1947),” cvce.eu, 28/2/2017, accessed on 24/6/2026, at: https://acr.ps/hByaQDi
[22] "منظمة الكوميكون: مجلس تعاون اقتصادي شيوعي أُنشئ ردًا على خطة مارشال الأميركية"، الجزيرة نت، 24/7/2026، شوهد في 24/6/2026، في: https://acr.ps/hByaRc6
[23] Tarnoff, p. 5.
[24] Ibid.
[25] Ibid.
[26] James S. Allen, Marshall Plan – Recovery or War? (New York: New Century Publishers, 1948), p. 29.
[27] Ibid., p. 10.
[28] Ibid.
[29] Diane B. Kunz, “The Marshall Plan Reconsidered: A Complex of Motives,” Foreign Affairs, vol. 76, no. 3 (1997), p. 165.
[30] James M. Lindsay, “Marshall Plan,” Council on Foreign Relations, accessed on 24/6/2026, at: https://acr.ps/hByaRvh; Carlo Sforza, “Italy, the Marshall Plan and the ‘Third Force,’” Foreign Affairs, vol. 26, no. 3 (April 1948), pp. 450-456.
[31] Tarnoff, p. 1.
[32] Ibid., pp. 9-10.
[33] Ibid.
[34] Peter J. Duignan and Lewis H. Gann, “The Marshall Plan,” Hoover Institution, 30/10/1997, at: https://acr.ps/hByaR01
[35] Tarnoff, p. 7.
[36] Kunz, p. 168.
[37] Ibid.
[38] Tarnoff, p. 11.
[39] Ibid.
[40] Kunz, p. 168.
[41] Ibid.
[42] Ibid.
[43] Alfred de Zayas, “Marshall Plan (European Recovery Program),” in: Rüdiger Wolfrum (ed.), The Max Planck Encyclopedia of Public International Law, vol. 6 (Oxford: Oxford University Press, 2012).
[44] Tarnoff, p. 12.
[45] J. Bradford De Long & Barry Eichengreen, “The Marshall Plan: History’s Most Successful Structural Adjustment Program,” NBER Working Papers Series No. w3899, National Bureau of Economic Research, 1991, p. 47.
[46] Tarnoff, p. 12.
[47] Kunz, p. 168.
[48] Tarnoff, p. 13.
[49] De Long & Eichengreen, p. 48.
[50] Tarnoff, p. 14.
[51] De Long & Eichengreen, p.5.
[52] Tarnoff., p. 16.
[53] Ibid., p. 14.
[54] Ibid., p. 18.
[55] Ibid., pp. 18-19.
[56] Joel Blocker, “Europe: How the Marshall Plan Took Western Europe from Ruins to Union,” Radio Free Europe/Radio Liberty, 9/5/1997, accessed on 24/6/2026, at: https://acr.ps/hByaRob
[57] Nicholas Crafts, “The Marshall Plan: A Reality Check,” CAGE Online Working Paper Series No. 49, Centre for Competitive Advantage in the Global Economy, University of Warwick, August 2011, accessed on 24/6/2026, at: https://acr.ps/hByaRfE