الأخدام أو المهمشون، توصف بها مجموعة عرقية في اليمن تتّسم بسمات فيزيقية أفريقية، فالأخدام غالبًا بشرتهم داكنة سوداء، مع شعر مجعّد، وأنف أفطس بفتحتَيْن واسعتَيْن وشفتَيْن غليظتَيْن. يقعون في قاع الهرم الاجتماعي، ويعانون من التهميش والعزل الاجتماعي من بقية السكان اليمنيين، سكنًا وزواجًا، إذ يقيمون غالبًا في أحياء معزولة عن الأحياء التي تسكن فيها بقية الجماعات الإثنية والسكانية. ويسود بينهم الزواج الداخلي (Endogamy)، إلى حدٍّ يكاد معه الزواج من نساء الفئات الاجتماعية الأخرى أن يكون مستحيلًا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى زواج رجال الجماعات الأخرى من نسائهم. ويعمل معظمهم في أعمالٍ لا يقبل اليمنيون الآخرون العمل بها.
التسمية
من الأسماء التي سُمّيت بها هذه الجماعة "السناكم"، وهو الاسم القديم لجماعة الأخدام المعاصرة في
اليمن. ويُذكَر أن لفظة السناكم ظلَت اسمًا للأخدام حتى القرن السابع عشر[1]. وثمة أسماء أخرى استُخدِمت لتسميتهم، منها "الجبرت" ومفردها "جبرتي"[2]، ويُقصَد بها المهاجرون إلى
مدينة عدن في أثناء الاستعمار البريطاني للمدينة، الذين قَدِموا من مدينة جبرت أو جبرة في الحبشة، وكانت قديمًا تقع في أراضي منطقة زيلع (حاليًا في إريتريا). وقد بات الناس في عدن يطلقون اسم الجبرتي على كل شخص قادم من أفريقيا، باستثناء
الصومال، وأُلصِقت بهم صفات ذات طابع عنصري، منها الاختطاف وأكل لحوم البشر[3]. ومن أسماء هذه الفئة "العلوج"، وهو اسم أُطلِق عليهم في ظل دولة بني زريع[4]. وثمة فئة من الأخدام يُطلَق عليها اسم "الحجور" أو "الأحجور"، نسبةً إلى وادي حجر بحضرموت، ويُعتقَد أن أصولهم أفريقية، وهم أخدام رُحَّل لا يستقرون في منطقة معينة، ويعملون في الغناء والرقص في الأسواق، ويُسمَّون في بعض المناطق المحيطة بالعاصمة صنعاء ببني سويدان[5].
ابتداءً من تسعينيات القرن العشرين، بدأت بعض الأبحاث باستخدام مصطلح المهمّشين (Marginalized) لوصف شريحة الأخدام والفئات الاجتماعية الأخرى المستبعدة اجتماعيًا، ومنها: البحث الذي أعدّته أفراح الأحمدي وشارون بيتي (Sharon Beatty) عام 1997 لمنظّمة أوكسفام (Oxfam)، بعنوان:"Participatory Socio-economic Survey of the Sana'a Urban Settlement Dwellers with Special Reference to Women"؛ والدراسة الاستشارية التي أعدّها عادل الشرجبي لمنظمة اليونسيف (UNICEF) عام 1999، بعنوان "الأوضاع التعليمية لأطفال الفئات المهمشة: دراسة نظرية وتطبيقية على الأطفال المهمشين في حي عَصِر بمدينة صنعاء". وقد أطلَق عليهم زعيم أنصار الله،
عبد الملك بن بدر الدين الحوثي، اسم أحفاد بلال، نسبة إلى الصحابي بلال بن رباح (ت. 20هـ/ 581م)[6] الذي تميّز ببشرة سوداء، ووضعَه النبي محمد ﷺ في مكانة عُليا مساوية لمكانة صحابته الآخرين.
الأصول العرقيّة
لا يعرف اليمنيون العاديون أصول فئة الأخدام، بل لا يعرف الأخدام أنفسهم أصولهم، فقد سأل المؤرخ اللبناني
أمين الريحاني (1876- 1940) أحدهم في أثناء زيارته إلى اليمن عام 1922: "هل أنت دنقلي أو سوداني؟ فأجاب: أبي طلع من البحر، وأنا وُلِدت في البر، في هذا البر، لا أعرف غير ذلك. والمؤكد يا أفندي أني أسود. قال ذلك وراح يضحك ويهزّ عطفيه"[7]. أما المؤرخون والباحثون السوسيولوجيون، فقد اختلفوا بشأن أصول فئة الأخدام، إلا أن الملحوظات تشير إلى أنهم من أصول أفريقية، وهم بقايا الدولة النجاحية التي حكمت
مدينة زبيد وبعض مناطق تهامة اليمن المحيطة بها، خلال القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس الهجري، والتي ترجع أصول حُكّامها ورجال جيشها إلى الحبشة، فبعد أن هزمت دولة بني مهدي الدولة النجاحية في منتصف القرن السادس الهجري، حوّلهم ابن مهدي إلى خدم[8]، إذ وزّع جنود الدولة النجاحية الأسرى والمستسلمين بوصفهم خدمًا على عشائر المقاتلين الذين شاركوا في قتال الدولة النجاحية، وعلى عائلاتهم وقراهم، فسمّوهم الأخدام (أي الخدم) والواحد الخادم. وهي حالة تشبه إلى حدٍّ كبير القنانة الجماعية (Communal serfdom)، أو أقنان المجتمعات المحلية (Community serfs)، ولا سيما أن الغالبية العظمى من اليمنيين في المناطق التي كانت تسيطر عليها دولة بني مهدي كانوا فقراء، ولا يستطيعون إعالة العبيد، لذلك فُرِضت على كل مجموعة من الأسرى الأحباش خدمةُ سُكّان قرية أو عدد من القرى. ويميل باحثون يمنيون وأجانب كثيرون إلى تأييد هذه السردية بشأن أصول فئة الأخدام[9].
المهن والأعمال
باستثناء تنظيف المباني العامة والخاصة، فإن أعمال المهمّشين جميعها هي أعمال تُمارَس في الشوارع، فمعظم المقيمين في المدن منهم هم عمال نظافة لدى وزارة البلديات ومكاتبها، يعملون في تنظيف الشوارع، ويعمل بعضهم في الصرف الصحي، وبعضهم إسكافيّون، وآخرون يعملون في قرع الطبول ونفخ المزمار خلال حفلات الزواج في المدن والقرى، علاوة على غسيل السيارات في الشوارع والمواقف العمومية. أما الأطفال، فيعملون في جمع العلب البلاستيكية والمعدنية من الشوارع وأماكن تجميع القمامة، وبيعها لتجار المواد القابلة للتدوير، "ويعيش بعضهم على التسوّل"[10].
المكانة الاجتماعيّة
احتلّت فئة الأخدام تاريخيًّا المرتبة الأدنى في سُلّم المكانات الاجتماعية التقليدية في المجتمع اليمني[11]، فكانت مكانتهم الاجتماعية أدنى من أبناء الخُمُس (المزينين، والجزارين، والقشامين، والدواشن، والحماميّين)، بل أدنى من مكانة العبيد[12]، سواء عبيد الخدمة المنزلية أم عبيد الخدمة العسكرية، فقد كانت المكانة الاجتماعية للعبيد تتحدَّد في ضوء المكانة الاجتماعية لسادتهم، الذين غالبًا ما كانوا من النخب الاجتماعية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي مقدمتهم السلاطين والأمراء وشيوخ المشيخات والتجار. أما الأخدام، فكانوا يخدمون العامّة، بمن في ذلك الفلاحون ورجال القبائل والعُمّال، مقابل حمايتهم وبعض الهبات العينية غير المنتظمة، لذلك احتلوا مكانة اجتماعية متدنية.
ما زالت علاقات الزواج في المجتمع اليمني قائمة على أساس الزواج المتكافئ، أو علاقات الزواج المُحدَّدة في إطار جماعات المكانة الاجتماعية المتوارَثة (مثل الهاشميين، ورجال القبائل، وأبناء الخُمُس)، إلا أن ثمة حالات كثيرة تمّت فيها زيجات بين رجال ونساء من جماعات مكانة متوارَثة مختلفة. أما في حال الأخدام، فهم معزولون من حيث الزواج عزلًا كاملًا، فالزواج السائد تاريخيًّا في أوساطهم هو الزواج الداخلي، ويكاد يكون الزواج من خارج فئتهم (Exogamy) مستحيلًا. وفي الحالات النادرة جدًا، التي تقدَّم فيها شباب من المهمّشين لخطبة فتيات من غير فِئتهم، لم تكتفِ أُسَر الفتيات وعشائرهن برفض الخطبة، بل هجّروا أسر المهمّشين جماعيًّا من المنطقة[13]. وفي الحالات النادرة التي تزوّج فيها رجال من غير المهمّشين بنساء مهمّشات من فئة الأخدام، تخلّت عنهم عائلاتهم وعشائرهم[14]. وفي حادثة في مديرية العدين بمحافظة إب، تزوّجت فتاة مهمّشة من رجل من غير فئة الأخدام، وأنجبت له طفلة، فقتلها نجله بتحريض من عمه طعنًا، "غسلًا للعار"[15].
أشار بعض الباحثين إلى أن فئة المهمشين "يُمنَع أفرادها من حمل الأسلحة وتملُّك العقارات"[16]، وهو قول لا يعكس حقيقة الواقع الراهن، بل نُقِل من دون تمحيص أو تدقيق عن دراسات أنثروبولوجية قديمة نفّذها باحثون غربيون، أو باحثون عرب يعيشون في الغرب. من هذه الدراسات دراسة عبد الله بوجرى، التي نشر نسختها الإنكليزية الأولى عام 1971، وقال فيها: "ويقال إن الأخدام في الماضي لم يكونوا يستطيعون أن يملكوا الأرض أو حتى يشاركوا في محصول الزراعة، وكانوا ضعفاء لا يستطيعون حمل السلاح"[17]، وأشار إلى أنها مجرد أقوال تُتداوَل، وأنها تتعلق بالماضي وليس الحاضر. وأكّد في موضع لاحق "أن تغيّرات مهمة قد حدثت بالنسبة لهم [...] فقد استطاع بعضهم أن يهاجروا مؤخرًا، ولذلك استطاعوا أن يشتروا لهم المزارع أو يمتلكوا الدكاكين"[18].
بعد ثورة 26 أيلول/ سبتمبر 1962، التحق عدد من الأخدام بجيش الجمهورية العربية اليمنية[19]، وبرز منهم النقيب فيروز الذبحاني، الذي التحق بقوات الصاعقة عند تأسيسها، والذي كان أحد أبطال فكّ حصار صنعاء في معركة حصار السبعين[20]. وفي الجنوب، تبنّى الرئيس
سالم ربيع علي سياسةً لإدماج المهمّشين الأخدام في المجتمع، وألحق أعدادًا كبيرة من رجالهم ونسائهم بالشرطة، وفي وظائف مدنية أخرى كثيرة. وألحق كثيرًا من رجالهم بالقوات المسلحة، وهي السياسة التي قُوبِلت بتأييد كبير من المواطنين الفقراء والمهمّشين تحديدًا، الذين نظّموا مسيرات لدعم تلك السياسة، وردّدوا شعار: "سالمين قدام قدام نحن مواطنين ما احناش أخدام". عمومًا، فإن "المهمشين الذين نشؤوا في ظل حكم الحزب الاشتراكي اليمني قبل توحيد اليمن، استفادوا من سياسات الحزب الاشتراكية ذات النزوع نحو المساواة، التي سمحت لكثيرين بالحصول على التعليم العالي والاندماج في المجتمع الأوسع"[21]. غير أن التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها اليمن منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ولا سيما تراجع السياسات الإدماجية وتفكك الأطر المؤسسية الداعمة، أدّت إلى انحسار تلك المكاسب، فتدهورت الأوضاع الاجتماعية والمكانة العامة للمهمَّشين، وعادت في كثير من جوانبها إلى مستويات قريبة مما كانت عليه في خمسينيات القرن العشرين وما قبلها.
شارك بعض الناشطين من فئة المهمشين في ثورة 11 شباط/ فبراير 2011، علّها تعيد إليهم بعض المكتسبات التي اكتسبوها بعد ثورتَي أيلول/ سبتمبر 1962 و14 تشرين الأول/ أكتوبر 1963. يبدو ذلك واضحًا من شعار: "يا ثورة قدام قدام بعد اليوم ما فيش أخدام"، وهو تصحيف لشعار: "سالمين قدام قدام سالمين ما حناش أخدام"، الذي رفعه المهمّشون في مدينة عدن، دعمًا لسياسات دمج المهمّشين التي تبنّاها الرئيس سالم ربيع علي "سالمي" خلال سبعينيات القرن العشرين.
واحدة من نساء الأخدام في مدينة عدن في القرن التاسع عشر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ما زالت علاقات الزواج في المجتمع اليمني قائمة على أساس الزواج المتكافئ، أو علاقات الزواج المُحدَّدة في إطار جماعات المكانة الاجتماعية المتوارَثة (مثل الهاشميين، ورجال القبائل، وأبناء الخُمُس)، إلا أن ثمة حالات كثيرة تمّت فيها زيجات بين رجال ونساء من جماعات مكانة متوارَثة مختلفة. أما في حال الأخدام، فهم معزولون من حيث الزواج عزلًا كاملًا، فالزواج السائد تاريخيًّا في أوساطهم هو الزواج الداخلي، ويكاد يكون الزواج من خارج فئتهم (Exogamy) مستحيلًا. وفي الحالات النادرة جدًا، التي تقدَّم فيها شباب من المهمّشين لخطبة فتيات من غير فِئتهم، لم تكتفِ أُسَر الفتيات وعشائرهن برفض الخطبة، بل هجّروا أسر المهمّشين جماعيًّا من المنطقة[13]. وفي الحالات النادرة التي تزوّج فيها رجال من غير المهمّشين بنساء مهمّشات من فئة الأخدام، تخلّت عنهم عائلاتهم وعشائرهم[14]. وفي حادثة في مديرية العدين بمحافظة إب، تزوّجت فتاة مهمّشة من رجل من غير فئة الأخدام، وأنجبت له طفلة، فقتلها نجله بتحريض من عمه طعنًا، "غسلًا للعار"[15].
أشار بعض الباحثين إلى أن فئة المهمشين "يُمنَع أفرادها من حمل الأسلحة وتملُّك العقارات"[16]، وهو قول لا يعكس حقيقة الواقع الراهن، بل نُقِل من دون تمحيص أو تدقيق عن دراسات أنثروبولوجية قديمة نفّذها باحثون غربيون، أو باحثون عرب يعيشون في الغرب. من هذه الدراسات دراسة عبد الله بوجرى، التي نشر نسختها الإنكليزية الأولى عام 1971، وقال فيها: "ويقال إن الأخدام في الماضي لم يكونوا يستطيعون أن يملكوا الأرض أو حتى يشاركوا في محصول الزراعة، وكانوا ضعفاء لا يستطيعون حمل السلاح"[17]، وأشار إلى أنها مجرد أقوال تُتداوَل، وأنها تتعلق بالماضي وليس الحاضر. وأكّد في موضع لاحق "أن تغيّرات مهمة قد حدثت بالنسبة لهم [...] فقد استطاع بعضهم أن يهاجروا مؤخرًا، ولذلك استطاعوا أن يشتروا لهم المزارع أو يمتلكوا الدكاكين"[18].
بعد ثورة 26 أيلول/ سبتمبر 1962، التحق عدد من الأخدام بجيش الجمهورية العربية اليمنية[19]، وبرز منهم النقيب فيروز الذبحاني، الذي التحق بقوات الصاعقة عند تأسيسها، والذي كان أحد أبطال فكّ حصار صنعاء في معركة حصار السبعين[20]. وفي الجنوب، تبنّى الرئيس
سالم ربيع علي سياسةً لإدماج المهمّشين الأخدام في المجتمع، وألحق أعدادًا كبيرة من رجالهم ونسائهم بالشرطة، وفي وظائف مدنية أخرى كثيرة. وألحق كثيرًا من رجالهم بالقوات المسلحة، وهي السياسة التي قُوبِلت بتأييد كبير من المواطنين الفقراء والمهمّشين تحديدًا، الذين نظّموا مسيرات لدعم تلك السياسة، وردّدوا شعار: "سالمين قدام قدام نحن مواطنين ما احناش أخدام". عمومًا، فإن "المهمشين الذين نشؤوا في ظل حكم الحزب الاشتراكي اليمني قبل توحيد اليمن، استفادوا من سياسات الحزب الاشتراكية ذات النزوع نحو المساواة، التي سمحت لكثيرين بالحصول على التعليم العالي والاندماج في المجتمع الأوسع"[21]. لكنَّ المهمّشين لم يعملوا على مراكمة الفرص التي حصلوا عليها بعد ثورتَي 26 أيلول/ سبتمبر 1962 في شمال اليمن و14 تشرين الأول/ أكتوبر 1963 في جنوبه، ولم يُعزّزوا اندماجهم في المجتمع، فتدهورت أوضاعهم الاجتماعية ومكانتهم منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وعادت إلى ما كانت عليه في خمسينيات القرن العشرين وما قبلها.
شارك بعض الناشطين من فئة المهمشين في ثورة 11 شباط/ فبراير 2011، علّها تعيد إليهم بعض المكتسبات التي اكتسبوها بعد ثورتَي أيلول/ سبتمبر 1962 و14 تشرين الأول/ أكتوبر 1963. يبدو ذلك واضحًا من شعار: "يا ثورة قدام قدام بعد اليوم ما فيش أخدام"، وهو تصحيف لشعار: "سالمين قدام قدام سالمين ما حناش أخدام"، الذي رفعه المهمّشون في مدينة عدن، دعمًا لسياسات دمج المهمّشين التي تبنّاها الرئيس سالم ربيع علي "سالمي" خلال سبعينيات القرن العشرين (الصورة 2).
الثورة اليمنية 2011-2012
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
السّكن والإقامة
حتى مطلع ستينيات القرن العشرين، اقتصر وجود الأخدام على ما يُعرَف حاليًا بمحافظات
الحديدة، وتعز، وإب، وريمة، ولحج، وعدن. أما في محافظات أبين، وشبوة، وحضرموت، والمهرة، فكان العبيد والصبيان يضطلعون بالأعمال والمهمات التي يضطلع بها الأخدام. وفي محافظات صنعاء، وعمران، وحجة (باستثناء المديريات الساحلية)، وصعدة، وذمار، والبيضاء، ومأرب، والجوف، كانت الفئة المعروفة بالمزينين تضطلع بالأعمال التي يضطلع بها الأخدام في مناطق وجودهم.
وعانت فئة الأخدام تاريخيًا من العزل السكني (Residential segregation) في المناطق التي تقطنها في المحافظات الشمالية، إذ عاشت في أحياء منعزلة عن الأحياء التي يعيش فيها الآخرون (Ghettos) تُسمّى المحاوي، ومفردها محوى. ولعلَّ العامل الرئيس في ذلك هو فقرهم، فهذه المستوطنات هي غالبًا مستوطنات أو أحياء وضع يد (Squatter settlements)، كما هي الحال مثلًا بالنسبة للجبرت في مدينة عدن، إذ كانوا يسكنون في
كهوف البومس{{كهوف البومس: (Pumice caves) تسمية استخدمتها الإدارة الاستعمارية الإنكليزية في عدن في أثناء احتلالها للمدينة (29 كانون الثاني/ يناير 1839-30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967)، لتسمية منطقة الكهوف التي تقع في قمة جبل النار المُطلّ على حي كريتر (Crater)، وهي تسمية إنكليزية أيضًا، وتعني البركان، إذ حُفِرت الكهوف لاستخراج مادة حجر الخفاف أو البومس (Pumice) حسب المصطلح الإنكليزي، وظل سكان عدن يستخدمون هذه التسمية حتى اليوم.}}، في جبل النار المحاذي لجبل شمسان بمحاذاة صهاريج عدن (الصورة 3).
نموذج لمساكن الأخدام المهمّشين في العاصمة صنعاء
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما في مدينة صنعاء، فقد احتاجت وزارة البلديات إلى عمال نظافة لتنظيف شوارع العاصمة صنعاء، فاستجلبت عام 1964 بعض المهمشين من قريتَي عقبى وعامر بالقرب من مدينة زبيد، وأسكنتهم في سمسرة باب السباح وسط العاصمة صنعاء، وبات بعضهم يُسمّي سمسرة باب السباح سمسرة عامر. "وفي مطلع التسعينيات، ظهرت أحياء وتجمعات هامشية جديدة، منها: محوى مذبح، ومحوى نُقُم، ومحوى الكسارة، ومحوى ياسين سعيد. وغالبية سُكّان هذه المحاوي هم من العُمّال الفقراء العائدين من دول الخليج العربي، الذين رحّلتهم السلطات أثناء حرب الخليج الثانية، ويُشكّلون خليطًا من الأخدام وغير الأخدام"[22].
تختلف الأحياء التي يعيش فيها الأخدام عن الأحياء التي كان اليهود اليمنيون يعيشون فيها، والتي كانت تُشبه أحياء اليهود في الدول الأوروبية، المعروفة تاريخيًّا بالغيتوهات (Ghettos)، فأحياء الأخدام أو حاراتهم أو حافاتهم أو محاويهم في المدن اليمنية، هي أحياء وضع يد عشوائية وغير مخطَّطة (Slums)، وغالبًا ما تكون المساكن فيها مكوّنة من غرفة واحدة من الصفيح أو الأقمشة والخرق البالية، وفي حالات نادرة تكون مبنية بالطوب الإسمنتي.
منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين، ولا سيما بعد حرب الخليج الثانية وعودة كثير من المهمّشين من المملكة العربية السعودية، وبعد حرب صيف 1994 وتنامي ظاهرة الفقر بشكل واسع، انتقل كثير منهم من مناطق إقامتهم التقليدية إلى مناطق جديدة، ولا سيما في المحافظات الجنوبية ومحافظات وسط الشمال وشماله. وتوجد إشارات واضحة لهذا الحراك المكاني في رواية
الغربي عمران حصن الزيدي، ورواية
عمار باطويل عقرون 94[23] .
مع نهاية القرن العشرين، بات المهمّشون الأخدام يقيمون في محافظات الجمهورية اليمنية كافة (الجدول 1).
[الجدول 1] أبرز أحياء المهمشين في بعض المدن اليمنية
محافظة عدن | مديرية كريتر: حي العيدروس، ومنطقة الخساف، والدروب السبعة، وحارة الأخدام. مديرية المعلا: منطقة الشيخ إسحاق. مديرية التواهي: حي الشولة وحي المحراق. مديرية دار سعد: حي البساتين وحي اللاجئين. مديرية صيرة: منطقة جبل الزريبة. |
أمانة العاصمة صنعاء | محوى عصر، ومحوى ياسين سعيد نعمان، ومحوى الكسارة، ومحوى الرماح خلف مدرسة الرماح في حي الحصبة. |
محافظة تعز | مدينة تعز: مدينة الوفاء السكنية. مدينة الراهدة: حافات القرن، والحبيل الأسفل، والرياني. |
محافظة المهرة مدينة الغيظة | مدينة الغيظة: منطقة الإسكان خلف الصالة الرياضية المغلقة. |
محافظة شبوة | مدينة عتق: منطقة مضلل في حارة الكهرباء، وحي النصب قرب مطار عتق. |
محافظة لحج | مدينة الحوطة: حي العدني. |
محافظة صعدة | مدينة صعدة: حي المطلوح. |
محافظة حضرموت | مدينة المكلا: تجمع الحرشيات في منطقة جول مسحة، ومنطقة ابن سيناء، ومنطقة أمبيخة غرب المكلا، ومنطقة خلف الهايبر على خط الستين. مدينة سيئون: محوى الحرافيش. |
محافظة إب | مدينة إب: مفرق جبلة. |
محافظة مأرب | مدينة مأرب: مخيم الجفينة العليا، ومخيم الجفينة السفلى، ومخيم مدينة مأرب. |
محافظة أبين | مدينة أحور: سوق المدينة. مدينة لودر: حارة شروان. |
محافظة الضالع | مدينة الضالع: مخيم المنظار. مدينة قعطبة: في منطقتي سهدة وكريزة. |
محافظة البيضاء | مدينة البيضاء: حارة العمال بمنطقة الحنكة. مدينة رداع: منطقة السوق القديم. |
المصدر: اعتمد الباحث في إعداد هذا الجدول على معلومات جمعها خلال العقدَيْن الماضيَيْن في أثناء عمله البحثي الميداني في المحافظات، ومعلومات جمعها خلال إعداد هذه المادة من طُلّابه في جامعة صنعاء وناشطين ينتمون إلى مختلف المحافظات.
|
المراجع
الريحاني، أمين.
ملوك العرب. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2021.
الشرجبي، عادل مجاهد. "الأوضاع التعليمية لأطفال الفئات المهمشة: دراسة نظرية وتطبيقية على الأطفال المهمشين في حي عَصِر بمدينة صنعاء". دراسة استشارية مقدمة لمنظمة اليونيسف. كانون الأول/ ديسمبر 1999 (غير منشور).
الشرجبي، قائد نعمان.
الشرائح الاجتماعية التقليدية في المجتمع اليمني. بيروت: دار الحداثة؛ صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني، 1996.
غانم، نزار ومحمد سبأ.
في الثقافة الأفرويمنية. القاهرة: دار الكتب اليمنية، 2024.
كولبورن، مارتا [وآخرون].
إيصال أصوات المهمشين. [د. م.]: مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 2021.
مقشر، عبد الودود. "الزرانيق ودورهم في تاريخ اليمن الحديث: دراسة تاريخية سياسية خلال الفترة 1849- 1918"، رسالة ماجستير. جامعة عدن. عدن، 2007.
"المهمشون اليمنيون ’الأخدام‘ في الدراسات الاستشراقية بين الدس الاجتماعي والتبشير السياسي".
خيوط. 4/12/2023. في:
https://acr.ps/1L9BPIK
ناجي، سلطان. "سياسة النظام الطبقي في حضرموت، ترجمة مختصرة لكتاب الدكتور عبد الله بُجرى بعنوان
سياسة النظام الطبقي- دراسة للمتغيرات السياسية في مدينة بالجنوب العربي. من منشورات جامعة أكسفورد 1971م" (غير منشور). في:
https://acr.ps/1L9BPPU
[1] نزار غانم ومحمد سبأ،
في الثقافة الأفرويمنية (القاهرة: دار الكتب اليمنية، 2024)، ص 115.
[2] المرجع نفسه، ص 74.
[3] استوحى منها المخرج خالد لكرع أحداث فيلم "الجبرتي"، الذي يناقش فيه تاريخ المهمّشين السود في مدينة عدن. ينظر: سعيد نادر، "(الجبرتي) يثير جدلًا ثقافيًا بعدن"، موقع
المشاهد، 25/9/2022، شوهد في 26/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPII
[4] غانم وسبأ، ص 67.
[5] شوقي الميموني، "المهمشون الأخدام ظلمة ومظلومين"، موقع
مأرب برس، 2/8/2011، شوهد في 26/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BOSz
[6] عبد القادر عثمان، "كسوة العيد لأحفاد بلال.. مشروع الزكاة بين منتج ومستفيد"، موقع صحيفة الثورة، 11/8/2020، شوهد في 26/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPjZ
[7] أمين الريحاني،
ملوك العرب (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2021)، ص 175.
[8] يُنظر: عبد الودود مقشر، "الزرانيق ودورهم في تاريخ اليمن الحديث: دراسة تاريخية سياسية خلال الفترة 1849- 1918"، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة عدن، عدن، 2007.
[9] "المهمشون اليمنيون’الأخدام‘ في الدراسات الاستشراقية بين الدس الاجتماعي والتبشير السياسي"،
منصة خيوط، 4/12/2023، شوهد في 3/5/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPIK
[10] أنيس منصور، "المهمشون في كرش والراهدة.. حياة بائسة ومعاناة لم تنتهِ"، موقع
صحيفةالأيام، 20/12/2008، شوهد في 26/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPE0
[11] يُنظر: قائد نعمان الشرجبي،
الشرائح الاجتماعية التقليدية في المجتمع اليمني (بيروت: دار الحداثة؛ صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني، 1996)، ص 259.
[12] المرجع نفسه، ص 258؛ مقشر، ص 65.
[13] يُنظر: عبد الغني عقلان الصبري، "التهجير والتنكيل والقتل.. عقوبة زواج المهمش من القبائل في اليمن"،
صوت المهمشين، شوهد في 26/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPq0
[14] محمد القاضي، "من أفقر الطبقات ولعنة التاريخ تطاردهم: الأخدام قرون من العزلة الاجتماعية الطاحنة"، صحيفة
الرياض، العدد 14115، 15/2/2007، شوهد في 26/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPg6
[15] "شاب في إب يقتل زوجة والده المهمشة"،
يمن شباب نت، 7/8/2019، شوهد في 26/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPbu
[16] يُنظر: مارتا كولبورن [وآخرون]،
إيصال أصوات المهمشين ([د. م.]: مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 2021)، ص 14.
[17] سلطان ناجي، "سياسة النظام الطبقي في حضرموت"، ترجمة مختصرة لكتاب الدكتور عبد الله بُجرى بعنوان
سياسة النظام الطبقي- دراسة للمتغيرات السياسية في مدينة بالجنوب العربي، من منشورات جامعة أكسفورد 1971م"، ص 12 (غير منشور)، شوهد في 26/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPPU
[18] المرجع نفسه، ص 12.
[19] الميموني.
[20] محمد عبد الوهاب الشيباني، "النقيب السبتمبري محمد فيروز: من هامش ذبحان إلى المتن الجمهوري بصنعاء"،
منصة خيوط، 22/9/2024، شوهد في 4/5/2025، في:
https://acr.ps/1L9BP7f
[21] عائشة الوراق، "الناشطية في أوساط مجتمعات المهمشين ومناهضة التمييز في اليمن"،
مبادرة الإصلاح العربي، 18/4/2024، شوهد في 26/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPB7
[22] عادل مجاهد الشرجبي، "الأوضاع التعليمية لأطفال الفئات المهمشة: دراسة نظرية وتطبيقية على الأطفال المهمشين في حي عَصِر بمدينة صنعاء"، دراسة استشارية مقدمة لمنظمة اليونيسف (كانون الأول/ ديسمبر 1999) ص 10 (غير منشور).
[23] يُنظر: علوي أحمد الملجمي، "طبقة المهمشين في الرواية اليمنية المعاصرة"،
مجلة الرافد الإلكترونية، 1/8/2023، شوهد في 26/10/2025، في:
https://acr.ps/1L9BPvg