تسجيل الدخول

مستويات التحليل في علوم الإعلام والاتصال

الموجز

مستويات التحليل في علوم الإعلام والاتصال هي الطبقات المتداخلة التي يقارب منها الباحث الظاهرة الإعلامية، من الفرد إلى المؤسسة وصولًا إلى البنية الاجتماعية الكلية. والظواهر الإعلامية ظواهر اجتماعية أيضًا، وتخضع دراستها للمقاربات المنهجية نفسها المهيمنة في العلوم الاجتماعية، ولكن مع التكييف الذي تفرضه خصوصيات البحث في هذا المجال.

وتُوجد عدة مستويات لتحليل الظواهر الاجتماعية والظواهر الإعلامية، إذ تُقسم إلى طبقات، أو مستويات متداخلة، هي: الماكرو (Macro)، والميزو (Meso)، والميكرو (Micro). تمثل هذه المستويات منظورات معرفية (إبستيمولوجية) تساعد الباحث على مقاربة الظاهرة من زوايا متعددة، ويتحدد مستوى تحليل كل ظاهرة ودراستها بزاوية النظر التي يتبناها الباحث وموقعه المعرفي، ويمكن فهم مستوى التحليل وفق معنيين رئيسين: المعنى الأول يقدمه بشكل سلم متدرج يبدأ من المستوى الأدنى المتمثل في الميكرو (وهو تحليل الأجزاء الأصغر في الظاهرة، مثل: الأفراد، أو التفاعلات الصغيرة)، وصولًا إلى المستوى الأعلى وهو الماكرو (وهو يُعنى بالهياكل العامة، والسياقات الكبرى المؤثرة في الظاهرة)، وبينهما المستوى المتوسط الذي يتناول المؤسسات والتنظيمات التي تشكل حلقات وصل بين الفرد والبنية الكلية.

والمعنى الثاني يتعامل مع هذه المستويات باعتبارها مقاييس أو أبعادًا يمكن تغييرها، بحيث يمكن تكبير منظور الملاحظة لفهم الظاهرة من زوايا مختلفة، أو تصغيره. وفي هذا الإطار، يقدم عالم الاجتماع الفرنسي تصورًا يقوم على ثلاثة سلالم تحليلية متكاملة: السلم الماكرو-اجتماعي الذي يهتم بدراسة الانتظامات الكبرى، والقيم المهيكلة للمجتمع، والسلم الميزو-اجتماعي الذي يركز على تفاعلات الفاعلين في مستوى المنظمات والمؤسسات وطقوسهما، والسلم الميكرو-فردي الذي يسعى إلى فهم أفعال الفرد، وأبعاده النفسية والإدراكية.

 لكل مستوى من هذه المستويات أدواته وتقنياته الخاصة به لجمع البيانات ومعالجتها، بما يتلاءم مع طبيعة الإشكالية البحثية المدروسة، ويتغير موقع كل واحد من هذه المستويات في بحوث الاتصال والإعلام تبعًا لطبيعة الظاهرة المدروسة وسياقها، فقد يبدأ التحليل في مجال الاتصال الشخصي من الميكرو، لينتقل في الاتصال التنظيمي إلى الميزو، ثم إلى الماكرو في دراسة الاتصال السياسي أو الإعلام الجماهيري. هذا التنقل بين المستويات يرتبط أيضًا بتموضع الباحث واختياراته النظرية. وأثار تحديد المستوى الأنسب للانطلاق في التحليل جدلًا نظريًا واسعًا، إذ انقسمت المدارس الاجتماعية بين من يرى أولوية البدء من البنية الكلية لفهم الجزئيات، ومن يفضل الانطلاق من الوحدات الصغرى لبناء فهم أوسع. وقد جاءت بعض المقاربات النظرية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين لتتجاوز هذا الانقسام، أبرزها البنيوية التكوينية لبيار بورديو (1930-2002) التي تدمج بين البنية والفعل، من خلال مفهومي الحقل والهابيتوس، إذ يرى أن الأفعال الفردية تتشكل ضمن بنى اجتماعية وتعيد إنتاجها في الوقت نفسه. ونظرية الهيكلة لأنتوني غيدنز (1938-) التي تؤكد جدلية العلاقة بين البنية والممارسة، بحيث تُنتج البنية من خلال الأفعال وتؤطرها في الآن نفسه. أما نظرية الفاعل-الشبكة التي طورها برونو لاتور (1947-2022)، وميشال كالون (1945-)، ومادلين أكريش (1959-)، فتطرحُ منظورًا يدمج البشر وغير البشر في شبكات معقدة، وترى أن تحديد المستوى التحليلي لا يكون مسبقًا، وإنما يتحدد في سير البحث الميداني.

وعند نقل هذه المقاربات إلى ميدان الإعلام والاتصال، برزت تحديات تتعلق بمدى صلاحيتها لفهم الظواهر الإعلامية في عصر الرقمنة. فالتحولات التكنولوجية السريعة، وصعود الميديا الرقمية، وتفكك الحدود بين مُنتِج المحتوى ومستهلكهِ، جعلت الظواهر الإعلامية أكثر تعقيدًا وتداخلًا بين المستويات. على سبيل المثال، تحليل التفاعلات في منصات التواصل الاجتماعي يتطلب الجمع بين الميكرو لفهم سلوك الأفراد، والميزو لفهم ديناميات المنصة وخوارزمياتها، والماكرو لفهم تأثيرها في الرأي العام والسياسات. هذا التداخل يعكس أن المنعطف الرقمي لم يلغِ أهمية المستويات التحليلية، بل فرض إعادة تعريفها بشكل أكثر مرونة، بحيث تتكيف مع طبيعة الظواهر الجديدة التي تتجاوز الفصل الصارم بين المحلي والعالمي، أو الفردي والبنيوي.

مستويات تحليل الظاهرة الإعلامية

ينطلق مستوى التحليل، في البحوث الإعلامية خاصة والبحوث الاجتماعية عامة، من ملاحظة الباحث للظاهرة المدروسة، وتموضعه الإبستيمولوجي لدراستها، ويحمل مستوى التحليل معنيين على الأقل: 1. المعنى الأول: يتعامل مع التحليل باعتباره سلمًا واحدًا يتشكل من درجات[1]، فالميكرو هي الدرجة الدنيا، أي: الشريحة الصغرى في الظاهرة المدروسة، والماكرو هي الدرجة العليا، أي: امتدادات الظاهرة والسياقات المؤثرة فيها. 2. المعنى الثاني: يُستخدم من باب الاستعارة لتمثيل الواقع، لتضاهي المقاييس أو الأبعاد في الخريطة الجغرافية، مثلما ذهب إليه عالم الاجتماع الفرنسي دومينيك ديجو الذي يرى بوجود ثلاثة سلالم، وليس سلمًا واحدًا، لدراسة الظاهرة الاجتماعية، وهي: السلم الماكرو-اجتماعي لدراسة الانتظام والقيم في الظاهرة، والسلم الميزو-اجتماعي (أي: المستوى المتوسط) لدراسة تفاعل الفاعلين الاجتماعيين على مستوى المنظومة أو المؤسسة وطقوسهما، والسلم الميكرو-فردي لإدراك تصرف الفرد في أبعاده النفسية والإدراكية[2]. ولكل سلم أدواته المخصوصة لجمع البيانات التي يتطلبها البحث.

إن موقع كل سلم من هذه السلالم في بحوث الاتصال والميديا ليس ثابتًا، بل يتغير من الاتصال الشخصي، إلى الاتصال التنظيمي، مرورًا بالاتصال السياسي، وصولًا إلى وسائل الإعلام التقليدية، والميديا الاجتماعية. والنقاش حول أولوية أحدها في التحليل، نظرًا لمكانته المؤثرة في تشكل الظاهرة المدروسة، تحول إلى موضوع خلاف تاريخي.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


لقد جاءت بعض النظريات، مثل: البنيوية التكوينية لبيار بورديو، ونظرية الهيكلة لأنتوني غيدنز، ونظرية الفاعل-الشبكة لبرونو لاتور وميشال كالون ومادلين أكريش، لتتجاوز هذا الخلاف. لكن انتقالها إلى مجال علوم الإعلام والاتصال، كغيرها من النظريات الاجتماعية، أثار جدلًا حول توظيفها لتفسير ظواهر الإعلام والاتصال وفهمها، مع ازديادها تعقيدًا نتيجة التطور المتسارع لتكنولوجيا الاتصال، بدءًا بتعيين موقع المستوى الكلي والجزئي والمتوسط في دراسة الاتصال والميديا وحدودهما.

مستويات التحليل في دراسة الاتصال

لاحظ جوشوا باربور[3] أن الدلالات النظرية والمنهجية لتحليل هذه المستويات: (الكلي، والجزئي، والمتوسط) تتسم بالغموض، بمعنى أنه من الصعب تحديد ماهية كل مستوى، والكشف عن علاقته ببقية المستويات، وتعميمها على كل أنواع الاتصال: الاتصال البيئي، والاتصال الاجتماعي، والاتصال العمومي، والاتصال السياسي، والاتصال التنظيمي. لقد حصر المستوى الكلي للاتصال التنظيمي، على سبيل المثال، في العلاقات المتبادلة بين المنظمات/ المؤسسات وما يترتب عليها من تأثير، أما مستوى الميكرو فقد شخّصه فيما يجري داخل المنظمة/ المؤسسة من إنتاج الرسائل وتأويلها، والحوار الذي يُدار حولها بين الأشخاص. أما المستوى المتوسط فركز على الروتين وأنشطة الهياكل المختلفة داخل المنظمة في ترابطها.

يختلف هذا التشخيص للمستويات عن ذاك المعتمد في اتصال الأزمة على سبيل المثال، ففي دراسة اتصال الأزمة وتأثيره في سمعة المؤسسة، استعانت بعض البحوث بنظرية الهيكلة لغيدنز[4] التي لا تنطلق من حتمية البنية الاجتماعية، ولا من حتمية الفعل الاجتماعي الذي يتكرر داخل البنية الاجتماعية، فيحافظ عليها ويعززها، وبالمقابل تُمكّن هذه البنية الفاعلين الاجتماعيين من فعلهم، وتقيده. فرأت هذه النظرية أن اتصال المؤسسة يجب أن يُستعمل رابطًا بين بيئتها الداخلية والخارجية، بمعنى أنه لا يُوجد فاصل بين اتصالها الداخلي والخارجي الذي يمكن دراسته انطلاقًا من المستوى الكلي الاجتماعي، لأن المؤسسة فاعل اجتماعي في المجتمع، تراعي المعايير الاجتماعية والأخلاقية حفاظًا على سمعتها. ويُدرس اتصال المؤسسة كذلك على المستوى المتوسط، أي: انطلاقًا من لقد قدمت مثل هذه البحوث تصورًا للحفاظ على سمعة المؤسسة من خلال تحليل المستويات المذكورة، ووسمته، استنادًا إلى نظرية غيدنز، بالاتصال الاندماجي.

ويحيل مستوى التحليل الجزئي، في دراسة الاتصال البيئي[5]، على الأفعال اليومية التي يؤديها الفرد في مجال الحفاظ على البيئة، وهي أفعال تسهم في ترقية القيم والسلوك الاجتماعي في المجال البيئي. ويتجه المستوى المتوسط إلى دراسة الأنشطة والمبادرات الجماعية التي تتخذها المجموعات والمنظمات، لتقديم حلول للمشاكل البيئية، مثل حملات التوعية على المستوى المحلي. ففيه، تبرز مكانة الشبكات الاجتماعية في تعزيز روح التعاون، والشعور بالمسؤولية المشتركة في إدارة البيئة والحفاظ عليها. ويحيل المستوى الكلي على البنى المجتمعية، والقيم الثقافية التي تؤثر في السلوك الجماعي وتؤطره، وتشمل العوامل النسقية، مثل: اللوائح والنظم الحكومية، والسرديات المتعلقة بالمخاطر التي تواجه البيئة وضرورة حمايتها.

تتكامل هذه المستويات الثلاثة من التحليل، انطلاقًا من مسلّمة مفادها أن الاتصال منتَج العلاقات الاجتماعية ومنتِج لها في آن واحد، ويساهم في الانتقال من الدلالات الفردية للسلوك في مجال البيئة إلى الدلالات الجماعية، ومن الفعل والإدراك الفرديين لوضع البيئة إلى فعل وإدراك جماعيين، ومن المشاركة في الاتصال إلى الاتصال المؤسس في مجال البيئة في ظل سياسة حكومية عامة[6].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


واستعانت بحوث أخرى بنظرية الهيكلة، للطعن في التناقض التقليدي بين إكراهات البنية، أي القيود التي تفرضها البنى الاجتماعية، كالمؤسسات والقواعد والمعايير، على سلوك الأفراد وخياراتهم، وحرية الفعل الفردي في ميدان العلاقات العامة[7] التي لم تحظَ بالاهتمام النظري الذي ناله الإعلام والميديا، إذ ظلت تُعتبر تطبيقًا عمليًا للعقل الأداتي وفق منظور الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929-2026)، ويقصد به ذاك العقل العملي المجرد من القيم الذي تقوده الحسابات لتحقيق أهداف محددة[8].

يصرف أصحاب نظرية الفاعل-الشبكة النظر عن مسألة المستويات المذكورة في دراسة الاتصال، فأحد روادها، برونو لاتور، وكذلك كارل ويك (1936-2026)، المتخصص في نظرية التنظيم، لا ينظران إلى المنظمة باعتبارها مجموعة من المستويات ترتبها البنية والفاعل، بل يعتقدان أنها ليست سوى مسار متواصل من الوساطة التي تؤطر ما يقوم به الأفراد في العالم الموضوعي الذي يعيشون فيه ويتفاعلون معه[9].

تتشكل الشبكة، في نظرهما، من "عدد من العقد المترابطة التي تختلف خصائصها، أو تضاريسها الطبوغرافية، حسب المنظومات التي تنتمي إليها"[10]. فالحديث عن العقد في ترابطها لا يتطرق إلى المستويات، بل يركز على الفاعل الذي يمكن أن يكون عنصرًا بشريًا –فردًا أو جماعة- أو عنصرًا غير بشري يتضمن التكنولوجيا، والتشريعات، والسياسة. ولا يستطيع هذا الفاعل أن يتصرف أو أن يفعل إلا من خلال علاقته بالفاعلين الآخرين[11].

عوامل اختيار مستويات التحليل في دراسة الميديا

هناك مجموعة من العوامل التي تدفع الباحث الدارس للظاهرة الاتصالية، أو للميديا، إلى اختيار أحد المستويات من التحليل، ويمكن تلخيصها فيما يلي:

طبيعة التقاليد الوطنية وتأثيرها في البحث[12]

على الرغم من اختراع المطبعة نحو عام[13] 1440، وصدور الصحف في مطلع القرن السابع عشر، فإن البحث في مجال وسائل الإعلام لم يظهر بشكل منتظم إلا في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين[14] في الولايات المتحدة الأميركية، أي بعد انتشار الإذاعة، وتطور صناعة الصحافة ووصولها إلى قطاع واسع من القراء من الفئات الشعبية، نتيجة إلزامية التعليم، وانخفاض سعر الجريدة بعد أن أصبحت تُموَّل من الإعلانات. فبدأ الإحساس بمخاطر هذه الوسائل على الجمهور وتهديدها للوضع السائد، فانطلقت البحوث لدراسة دورها المحتمل في نشر العنف في المجتمع، والبحث عن تأثيرها في الناخبين والرأي العام. واتسمت الدراسات الأميركية التي قادها بول لازارسفيلد (1901-1976)، وهارولد لازويل (1902-1978) حول الدعاية السياسية، بطابعها التجريبي (الإمبريقي) الكمي والكلي، فأثرت تأثيرًا قويًا في بحوث الإعلام في مختلف بلدان العالم، خاصة في أميركا اللاتينية، وجنوب آسيا، وبلدان الشرق الأوسط، والخليج العربي.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


أما في فرنسا، فعلى الرغم من التأثر بالبحوث الإمبريقية الأميركية في مطلع سبعينيات القرن العشرين[15]، تأثرت الدراسات الإعلامية أكثر بالاتجاه البنيوي والسيميائي الذي يركز على محتوى النص أو الصورة أو الفيلم، بعيدًا عن كل المؤثرات الخارجية والسياقات التاريخية التي أنتجته.

واتجهت بحوث الميديا في بريطانيا إلى الدراسات الثقافية التي تنطلق من تحليل الميكرو (الفرد، الأسرة، الفئة الاجتماعية)، لتعميم تأثيرها في مستوى الماكرو (ثقافة الطبقات الشعبية، وشريحة الشباب). وقد تأثر بهذه الدراسات الباحثون في أستراليا ونيوزيلندا.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وفي ألمانيا، انطلقت البحوث المعيارية مع نهاية القرن التاسع عشر بفضل عالم الاجتماع ماكس فيبر (1864-1920)، ولاحقًا نيكلاس لومان (1927-1998) اللذين دفعا دراسة الميديا لتكون ملتقى الاختصاصات المعرفية. ولهذا السبب، تأسس علم الصحافة في ألمانيا قبل علم الاجتماع، وطُرحت وسائل الاتصال الجماهيري بوصفها أول موضوع للنقاش في أول اجتماع لجمعية علماء الاجتماع الألمان التي تأسست عام 1910، وهذا بفضل المشروع البحثي الطموح لماكس فيبر الذي تضمن المحاور التالية: المعايير، والأنظمة الإعلامية، والبنى (المؤسسات الإعلامية)، والوظائف (المحتويات الإعلامية)، والأدوار (الفاعلين الإعلاميين)[16].

واعتبر نيكلاس لومان، من جهته، وسائل الإعلام نظامًا قائمًا بذاته، بعيدًا عن كونه أداة في يد السلطات السياسية والاقتصادية، ويخضع لقوانينه الخاصة، أي: يعيد إنتاج ذاته بذاته[17]. تنطلق رؤية لومان البنائية للميديا من الوحدات الصغرى: جريدة، وإذاعة، وتلفزيون.

المقاربة النظرية المتبعة

تنفرد كل نظرية من نظريات الإعلام والاتصال بمفاهيمها الشارحة لمسار الاتصال، أو المساعدة على فهمه واستيعابه. فمفاهيم: التفاعل، والاستخدام، والإشباع، والتعرض، والمعنى، والتأويل، والتفاوض، تشير إلى مكانة الفرد وحريته، سواء في مسار عملية الاتصال، أو في النشاط الإعلامي، وبالتالي تقود بحوث الإعلام والاتصال إلى الاعتماد على الوحدات الصغرى في التحليل. فنظرية الاستخدامات، على سبيل المثال، ذات المنحى البنائي تفرض على الباحث إجراء بحثه على مستوى الميكرو.

ولكن النظريات التي تأخذ فيها المفاهيم التالية: السلطة، والهيمنة، والأيديولوجيا، والوظيفة، والأدوار، والتأثير، والرقابة الاجتماعية، مكانة أساسية، تميل في غالبيتها إلى منح الأولوية للبنية الاجتماعية على حساب الفعل. وبالتالي، توجه البحث العلمي إلى دراسة الظاهرة الإعلامية والاتصالية انطلاقًا من مستوى الماكرو. على سبيل المثال، البعد الإجرائي لمفهوم منطق الميديا الذي صاغه ديفيد ألثايد (1945-)، وروبرت سنو للتعبير عن جملة من المبادئ، والحس المشترك الذي ترسخه وسائل الإعلام التقليدية: الصحف، والإذاعة، والتلفزيون، يتغلغل في مختلف المؤسسات الاجتماعية ليصبح جزءًا من متن الثقافة الإعلامية[18]. ويتجلى ذلك في توجه المؤسسات الاقتصادية والمرافق العامة في بعض البلدان إلى شركات العلاقات العامة والإعلان للترويج لمنتجاتها وخدماتها، وفي استعارة الأحزاب السياسية وقادتها خطاباتهم وشعاراتهم من لغة الإعلانات التجارية في الحملات الانتخابية.

تلتقي الكثير من النظريات التي تنتمي إلى برادايمات (Paradigms)، أي أطر نظرية وفكرية لفهم العالم، مختلفة في تحليلها الكلي والشامل (الماكرو) للتأثير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي لوسائل الإعلام في المجتمع ومؤسساته المختلفة، منها النظريات النقدية التي تعتبر وسائل الإعلام مؤسسات أيديولوجية تعمل – إلى جانب غيرها من المؤسسات – على ترسيخ منطق توزيع السلطة داخل المجتمع، مثل نظرية الاقتصاد السياسي للإعلام التي تكشف عن اندماج المؤسسات الإعلامية في الاقتصاد الرأسمالي، وهيمنتها على النظام الاجتماعي، ولا تولي أهمية لكيفية تفاعل الأفراد عمليًا مع وسائل الإعلام المختلفة، ولا للمفاوضات التي يجرونها عن المضامين الإعلامية والثقافية، ولا التفافهم على بعض معانيها[19].

وتمنح نظريات الفضاء العمومي، في صيغها المختلفة، وسائل الإعلام القدرة على تنظيم النقاش العام وتوجيهه، وصقل الرأي العام، وتحويل المشكلات إلى قضايا عمومية. وتحلل نشاط الميديا على مستوى الماكرو، وتدرجه في خانة الاتصال السياسي.

في هذا الإطار، يمكن فهم نظرية دوامة الصمت لعالمة الاجتماع إليزابيث نويل-نويمان (1916-2010) التي تقر بتدخل وسائل الإعلام "لإفراغ المجال العمومي من الآراء المعارضة، وسعيها التدريجي إلى ترسيخ التمثلات، والأيديولوجيا الاجتماعية"[20]. وبهذا، توجه البحث في الميديا إلى المستوى الكلي، من أجل الكشف عن الآليات التي تتشكل بفضلها المواقف السياسية والمعتقدات الأيديولوجية التي تسود في المجتمع. ولا تقدم الكثير مما يكشف عن "إدغام الآراء الشخصية التي تشكل مناخ الرأي على المستوى المايكرو-اجتماعي"[21].

وتلتقي النظريات الوظيفية والبنائية لاستخدام وسائل الإعلام مع الدراسات الثقافية في تركيزها على التحليل الاجتماعي المصغر الذي يكشف عن الاستقلال النسبي للمستخدمين، باعتبارهم فاعلين وقادرين على إشباع حاجاتهم أو تملّكهم للرموز الثقافية التي تشكل ثقافتهم، وتؤطر واقعهم اليومي أو تبنيه.

إن التحليل الميكروسوسيولوجي (الاجتماعي الجزئي) للميديا يجري في الغالب من خلال قطبين أساسيين: الإنتاج، والاستهلاك. وهذا ما تفرضه نظرية التفاعلية الرمزية التي انتقلت من دراسة الاتصال بين الأشخاص إلى دراسته من خلال الوسيط الرقمي، أي: الميديا الاجتماعية التي تجمع بين الخاص والعام، والشخصي والجماعي، للكشف على المستوى الجزئي عن الكيفية التي تُبنى بها التفاعلات بين الأشخاص في واقعهم اليومي. وهي لا تلتفت -إلا نادرًا- إلى كيفية تأثير البنى والنظم الاجتماعية الكلية في هذه التفاعلات. وبالمقابل، اتجهت مدرسة فرانكفورت إلى دراسة الميديا على مستوى الماكرو، لتؤكد أن القيم المهيمنة في الأخبار والمنتجات الثقافية تملك فاعلية خاصة، تطبع من خلالها الحس المشترك في المجتمع، لأنها تظهر الأفعال والرموز والعلامات كأنها بدهية وتحصيل حاصل، ولم تفرضها قوة قاهرة، بل يفرزها السير العادي للروتين الإعلامي، والارتباطات المتعددة لوسائل الإعلام بمراكز السلطة[22].

تزايد الاهتمام بمسألة الحقيقة والموضوعية في نشاط وسائل الإعلام مع نهاية سبعينيات القرن العشرين، فتنوعت المقاربات النظرية والمنهجية لإدراكها من خلال البحث عن آليات الإنتاج الإعلامي، والعوامل المتسترة التي تتحكم في محتواه على أكثر من مستوى تحليلي، بعيدًا عن الكفاءات المهنية المعيارية التي يجب على الصحفي امتلاكها. وعلى هذا الأساس، رُوجعت بعض النظريات، مثل نظرية التي ظهرت في خمسينيات القرن العشرين على يد ديفيد مانينغ وايت (1917-1993) التي بيّنت أن الأحكام الذاتية لحارس البوابة الإعلامية وتصوره لقيمها الإخبارية تتحكم في غربلة الأخبار، وانتقاء ما يصلح منها للنشر. استندت هذه المراجعة إلى مستويات أعلى من التحليل[23]، فتعدت المستوى المصغر الذي اقتصر على مقابلة رؤساء التحرير، وتحليل مضمون الأخبار، باعتبارهما وحدات التحليل الجزئي، لتشمل لوائح والسياسة التحريرية للوسيلة الإعلامية في ضوء التنافس بين المؤسسات الإعلامية، وتأثير الجماعات الضاغطة: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والعلاقة بمصادر الأخبار. فضلًا عما يعتمل على المستوى المتوسط الذي يبرزه التحليل، مثل الإكراهات التنظيمية والهيكلية التي تواجه العمل الصحفي.

وفي إطار هذه المراجعات، جُددت إيكولوجيا الميديا (Media ecology)، فالتحقت أطروحة الميديولوجيا (La médiologie) للفيلسوف بنظرية الوسيط الإعلامي لجوشوا ميرويتز (1949-) الذي يرى أن نظريات الاتصال الجماهيري تحيد الوسيط وتجهل أهميته، بل تعتبره مجرد قناة توصيل ونشر للإعلام والثقافة. ولإعادة الاعتبار إلى هذا الوسيط، دعا ميرويتز إلى دراسته على المستويين المترابطين: الميكرو، بالتركيز على الفرد لاستكشاف كيف أن الوسيط الذي يختاره يمارس تأثيره فيه ويحدد شكل تفاعله معه، والماكرو الذي يكمن في بعده الثقافي، وذلك لفهم كيف أن ميلاد ميديا جديدة يستطيع أن يغير التفاعلات الاجتماعية، ونمط التفكير، والأدوار الاجتماعية، بل تؤثر في المؤسسات الاجتماعية أيضًا[24].

لتجنب الانفصال بين المستويين الجزئي والكلي، اقترح بعض الباحثين[25] أنموذجًا يحرر التيارات النظرية من تبعيتها لمستوى واحد من التحليل، ويأخذ بعين الاعتبار تقاطعات المستويات التالية: (ماكرو-ماكرو)، و(ماكرو-ميكرو)، و(ميكرو-ميكرو)، و(ميكرو-ماكرو). ورأوا في هذا الأنموذج قدرة على تطوير بعض نظريات الإعلام والاتصال، مثل نظرية الميديا والفجوة المعرفية[26]. فانطلقوا من قطب الإنتاج، لرصد الرقابة التي تُمارس على المحتويات الإعلامية والثقافية في المستويات التالية: (الماكرو-ماكرو)، وتأثير (الماكرو في الميكرو). ثم انتقلوا إلى قطب توزيع/ بثّ الإعلام بواسطة الميديا، وما يثيره من مناقشات بين الأشخاص (تأثير الميكرو في الماكرو) والاستهلاك، من خلال التركيز على الاستعدادات الفردية والثراء المعرفي الشخصي في علاقته بالميديا (الميكرو-ميكرو)، وتوزيع الثروة وتأثيرها في إمكانيات الأشخاص في التعلم (تأثير الماكرو في الميكرو).

إن كانت نظرية الأعلمة (Mediatization) تروم استكشاف تأثير وسائل الإعلام في المجتمع والثقافة، من خلال فهم كيف أن المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية تتكيف مع منطق هذه الوسائل، فاحتمال أن تكون هذه النظرية ضحية الحتمية – التي تنص على أن وفرة تكنولوجيا الاتصال وتطور الميديا ستحوّل المجتمع وتغيره لا محالة – دفع بعض الباحثين، على غرار سيلفيو وايسبورد، إلى القول: إن الآليات التي تقترحها هذه النظرية لم تُدرس بالقدر الكافي، ليتضح مفعولها على المستوى الكلي والجزئي والوسيط في بحوث الميديا[27]. لهذا السبب، طور كل من أندرياس هيب (1970-)، و هذه النظرية تحت مسمى الأعلمة المعمّقة (Deep Mediatization)، وصاغوا مفهوم الأشكال، أو التصورات التواصلية، لتكون بمنزلة جسر عبور يربط المستوى الجزئي من التحليل المتمثل في الممارسات الفردية بالمستوى المتوسط المتعلق ببعض الحقول الاجتماعية، ويلحقهما بالمستوى الكلي المتمثل في أفق موضعتها في إطار تطور المجتمع كله[28].

يتضح من خلال تطور بحوث الإعلام والاتصال، تداخل أكثر من نظرية في دراسة الظاهرة الإعلامية الواحدة. فالسيمياء، مثلًا، لا تدرس الميديا، ولا تبحث عن وظائفها وأدوارها في المجتمع، بل تركز على المستوى الجزئي المتمثل في النص: مقال صحفي، أو صورة، أو نص إشهاري، إذ تستخرج دلالاته، وبهذا "أحدثت قطيعة مع السوسيولوجيا" في الدراسات الإعلامية على حد قول ستيوارت هول (1932-2014)[29]. ولكن أمام تعقد الظاهرة الإعلامية، عُدل عن هذه القطيعة من خلال التعاضد النظري الذي يجمع بعض النظريات ذات المرجعيات الإبستيمولوجية المختلفة، مثل استعانة نظرية الوسيط بالسيمياء، أي: التعامل مع الميديا، باعتبارها نصًا، وتأثيرًا، وبيئة[30]. وفي السياق نفسه، يمكن الإشارة إلى التوجه إلى ربط نظرية الفاعل-الشبكة بنظرية الاقتصاد السياسي في الدراسات الإعلامية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين[31]، فالأولى تركز على شبكة العلاقات القائمة بين البشر والتكنولوجيا في تطورهما المشترك من خلال الاستخدامات، والثانية تهتم بعلاقة السلطة السياسية والقوى الأيديولوجية بالبنى الاقتصادية والاستثمارية في قطاع الإعلام.

طبيعة الموضوع المدروس

إن الموضوعات التي يعالجها البحث في علوم الإعلام والاتصال تحدد مستوى تحليلها: الماكرو، أو الميزو، أو الميكرو. فمساءلة موضوع تمثّل الوقت في مختلف الثقافات، وتأثيره في مشاهدة التلفزيون على سبيل المثال، يتطلب دراسة على مستوى الماكرو (استخدام الثقافات الوطنية والمحلية بوصفها وحدات تحليل). ورصد تأثير الثقافة الطبقية للعائلات في منطقة معينة أو بلد محدد[32] في الاستهلاك الإعلامي، على سبيل المثال، يجري على مستوى الميكرو.

 وتجاوز بعض الباحثين ثنائية الماكرو-الميكرو في دراسة بعض الظواهر الإعلامية، ولم يكتفوا بهما، فاعتمدوا على المستوى المتوسط أيضًا[33]. فالإجابة عن السؤال التالي: كيف يُفهم تطور عالم الصحافة المكتوبة من خلال نشوء الممارسات المعاصرة المندرجة في مفهوم الصحافة التشاركية؟[34] تستلزم تحليل هذه الصحافة في المستويات الثلاثة. ففي مستوى الميكرو-اجتماعي، ركز التحليل على استخدام مواقع الصحف التشاركية في شبكة الإنترنت. واتجه التحليل في المستوى المتوسط إلى دراسة أشكال الصحافة التشاركية التي برزت باعتبارها ظاهرة جديدة في المجتمع. وتناولت دراسة المستوى الكلي لهذا النوع من الصحافة التطور التاريخي للصحف غير المحترفة في ارتباطها بمهنة الصحافة.

من أجل تنظيم البيانات المتعلقة بالممارسة الإعلامية وفهمها بشكل أعمق، شغلت مستويات التحليل الباحثين مبكرًا. ففي مطلع تسعينيات القرن العشرين، اقترح الباحث سيغفريد فايشنبرغ (1948-) "نموذجًا للتشخيص النسقي للعوامل المؤثرة في المنظومة الإعلامية على مختلف المستويات، وهي: النظام الإعلامي (المعايير)، والمؤسسات الإعلامية (البنى)، والمحتوى الإعلامي (الخصائص)، والصحافيون (الأدوار)"[35].

لم يقتنع بعض الباحثين بهذا النموذج لدراسة الميديا بعد أن أصبحت (الصحافة) و(الصحفي) مفهومين إشكاليين. فالباحث ستيفن ريس، على سبيل المثال، اقترح "أنموذج الترتيب الهرمي للتأثيرات"[36] الذي يتضمن خمسة مستويات لتحليل الصحافة في البيئة الإعلامية الجديدة، واكتشاف مختلف القوى التي تؤثر في الميديا، بشكل متزامن. وكيف تتفاعل وحدات مستوى معين مع وحدات مستوى آخر، وتؤثر فيه[37]; وقد طُبق هذا الأنموذج على مفهوم الاحتراف الصحفي في العالم، في مختلف الثقافات، وشخّص المستويات الخمسة فيما يلي[38]:

  1. الصحفي أو العامل في قطاع الميديا.
  2. روتين العمل اليومي.
  3. الوضع التنظيمي لقاعات التحرير.
  4. العوامل الخارجية المؤثرة في الميديا.
  5. الأيديولوجيا.

 وقد اقتدت بهذا الأنموذج مجموعة من الباحثين[39]، فطوروا نظرية حارس البوابة الإعلامية في إطار دراسة أشكال الرقابة على الإعلام في المستويات الخمسة المذكورة.

يقر ستيفن ريس بأن الترتيب الهرمي للتأثيرات لا يقدم شرحًا نظريًا كاملًا للميديا وتطورها، بيد أنه يساعد على غربلة المفاهيم المهمة، وتشخيص الروابط التي يمكن أن تتطرق إليها أسئلة الباحث والإشكالية التي يطرحها[40]. فمشكلة جمهور وسائل الإعلام – والتلفزيون تحديدًا – باعتباره سوقًا استهلاكيًا، تقتضي دراسته على المستوى الكلي، أي: البحث عن عوامل تجانسه، وأشكال انصياعه للأيديولوجيا المهيمنة، واستبطانه للقيم الاستهلاكية. ومشكلته باعتباره كيانًا اجتماعيًا-نفسيًا، أي: باعتباره مجموعة من الأفراد المنفردين، أو أعضاء أسرة واحدة، تعني دراستهم على المستوى الجزئي، أي: البحث عن أشكال تفاعلهم مع ما يشاهدونه في التلفزيون، أو عن علاقتهم بعضهم ببعض من خلال ما يشاهدونه في الشاشة الصغيرة ويتفاوضون معه، وهذا ما يفضي إلى الكشف عن أشكال مقاومتهم أو التفافهم على المادة التلفزيونية التي تُعرض عليهم. إن الاختلاف في الإشكاليتين يدل على صعوبة التوفيق بين النتائج التي يتوصل إليها البحث على المستويين الأول والثاني. لذا، دعت الباحثة سونيا ليفينغستون (1960-) إلى مفهَمة الجمهور لجمع المستويين الكلي والجزئي، بمعنى أنه يجب ألا يُنظر إلى الميديا والجمهور باعتبارهما كيانين منفصلين عن بعضهما، بل يجب تصورهما في علاقتهما المتبادلة[41]. فلا وجود للميديا من دون جمهور، ولا وجود للجمهور في المطلق من دون علاقة بالميديا.

تلتقي أطروحات بيار بورديو وأنتوني غيدنز في دراسة الميديا من منظور الممارسة الاجتماعية التي يُنظر إليها بوصفها الأقدر على تقديم هذا الشرح، لأنها تتجاوز النظر إلى الميديا باعتبارها بنيات إنتاج، أو باعتبارها نصًا[42] مشحونًا بالمعاني التي يتقاسمها الجمهور. فالممارسة الاجتماعية حسب ديفيد رايف هي "جملة من الأفعال والأقوال، المترابطة منطقيًا بعضها مع بعض، لتشكل كتلة أو جملة من الأنشطة التي يُختلف في تسميتها: اتفاقيات، أو قواعد، أو استراتيجيات، تمتد بمرور الوقت، مما يعني أن الممارسات تستمر بشكل مجموعة من الإجراءات التي يمكن التعرف عليها"[43]. وقد تفضي هذه الممارسة، من خلال تواترها وتراكماتها، إلى تشكيل ما يسميه بيار بورديو الحقل الصحفي الذي لا يتحدد بخصائصه ومعاييره ونظمه فقط، بل بعلاقته ببقية الحقول أيضًا، خاصة الحقلين الأساسيين: السياسي، والاقتصادي. إنها العلاقة التي جعلت الصحافة في وضع ملتبس على حد تعبير باتريك شامباني؛ لأنها ضعيفة اقتصاديًا مقارنة بالمؤسسات الاقتصادية الكبرى، وقوية ثقافيًا بحكم تأثيرها[44].

يمكن لمفهوم الحقل أن يساعد على تبديد بعض هذا اللبس، من خلال التأكيد على أهمية التحليل المتوسط[45]، فهو "يلحم [يصهرهما معًا] مستوى التحليل الميكرو والماكرو، ويربط الممارسات الصحفية بالروتين التنظيمي في قاعات التحرير، وطباع الصحافيين بديناميكية السلطة"[46]. ويتحقق ذلك بإبراز تأثير الجماعات الضاغطة اقتصاديًا: (شركات الإعلان، وأرباب الصناعات الإعلامية والثقافية)، وسياسيًا: (الأحزاب، وهيئات المجتمع المدني، والحكومات، والبرلمان) في المنتج الإعلامي. لذا، رأى رودني بنسون[47] أن مفهوم "الحقل" تحول إلى برادايم "لدراسة الميديا، لكونه أصيلًا وذا قدرة على التوفيق بين المستويين الماكرو والميكرو، وبين المحتوى والسياق، وبين الإنتاج والاستهلاك"[48].

تزايدت بحوث الإعلام والاتصال التي اعتمدت على نظرية البنيوية التكوينية، منذ أواخر القرن العشرين، خاصة في البلدان الناطقة باللغة الإنكليزية[49]. وشغلت ترسانتها المفاهيمية: الحقل الصحفي، ورأس المال المادي، ورأس المال الرمزي، ورأس المال الصحفي، وطباع الصحفيين، لتغطي المستويات الثلاثة: الكلي، والمتوسط، والجزئي. ففي البحث الذي قدم شرحًا شاملًا لتصور الصحفيين للتغيرات التي أحدثتها التكنولوجيا في الصحافة[50]، كُشف عن كيفية بناء التكنولوجيا الرقمية في حقل الصحافة، وكيف تؤثر في مستقبلها في المستوى الكلي، وبيّن المستوى المتوسط أن الكفاءة الصحفية تصبح محدودة إن لم ترفدها الكفاية التقنية. وأظهر المستوى الجزئي مجال رأس المال الصحفي، وتفاعل الصحفي مع التكنولوجيا الرقمية ومع التغيير المؤسساتي في الحقل الصحفي، وتأثير هذا التفاعل في طباعه.

استعانت بعض البحوث الإعلامية بنظرية الهيكلة، لفهم العلاقة بين العدة السوسيو-تقنية والمستخدمين، فأكدت وجود بنى اجتماعية (تقاليد، ومؤسسات، ومعايير أخلاقية) توجه السلوك البشري. وبالمقابل، يستطيع النشاط البشري تعديلها وتغييرها. على سبيل المثال البحوث التي تناولت علاقة الشباب بالميديا الاجتماعية التي بيّنت أن مصلحة الشباب ودوافعهم إلى استخدامها، والهياكل (المنصات الرقمية، وتنظيماتها) والمعايير الاجتماعية والتقاليد، هي عوامل تؤثر بعضها في بعض، لتشكل استخدام الشباب للميديا الاجتماعية[51].

وعلى الرغم من الاختلاف بين بيار بورديو وأنتوني غيدنز في اللغة، وفي محتويات المفاهيم التي يستخدمانها، تتقارب أفكارهما[52]. لذا، نالهما النقد نفسه، وإن كان نصيب بورديو منه أوفر، كالقول: إن مفهومي رأس المال الرمزي، ورأس المال الصحفي، يكتنفهما الغموض في بحوث الميديا. وإن مفهوم الهابيتوس أخذ منحى حتميًا فيها[53]. وأُخذ على بيار بورديو نزعته إلى إدماج التفاصيل في الكل الشامل. و"في سيادة هذا الكل، تختفي عن الأنظار اللحظات السائلة والأقل ثباتًا في الإنتاج الإعلامي"[54]. ويُؤخذ على نظريتي بورديو وغيدنز اللتين طُبقتا في بحوث الإعلام غياب ملاحظة الأداء الصحفي، وعدم الانتباه إلى المفاوضات الروتينية أو الطارئة المتعلقة باختيار الصحفيين[55]. وبهذا، يصبح المستوى المصغر تابعًا لتحليل المستوى الكلي. وهكذا، يسيطر مفهوم الهيمنة الذي يُعتقد أنه حاضر بقوة في المستوى الكلي على مفهوم التفاوض الذي يجري على مستوى الميكرو، ويطمسه تحت لواء التأثير الذي يملك معنى غير محدد. ويمكن التماس هذا الأمر في كتاب بيار بورديو عن التلفزيون[56] الذي يتجاهل أشكال مقاومة المشاهدين، أو التفافهم على بعض المعاني الطافحة في شبكة البرامج التلفزيونية، أو في صياغة بعض الأخبار. وهكذا، لا يظهر أحد المستويين في التحليل إلا من خلال الاختزال أو الدمج.

من مزايا دراسة الميديا وفق المستويات: الكلي والمتوسط والجزئي، التوجه لوضع حد للتعارض بين البرادايمات، وبين الاستقراء والاستنباط في التحليل، وبين المقاربات الكمية والكيفية. هذا ما تكشف عنه بعض البحوث، مثل البحث المتعلق بالصحافةالتشاركية، وهو نمط من الصحافة يسهم فيه أفراد من الجمهور غير المحترفين في جمع الأخبار وإنتاجها ونشرها، بالتعاون مع المؤسسات الإعلامية أو باستقلال عنها، واتسع مع انتشار الإنترنت[57]، الذي جمع البرادايمات المتنافرة التالية: النسقي، والتعقيد، والوضعي. واستعان بنظرية الاستخدامات البنائية، ونظرية سيمياءالوضع التي اقترحها أليكسموكييلي.[58]

المقاربات المنهجية لمستويات التحليل

تستعير علوم الإعلام والاتصال أدواتها المنهجية من العلوم الاجتماعية والإنسانية – كعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس – التي تشكل رافدًا معرفيًا تعدديًا للبحث في مجال الإعلام والاتصال، تلتقي فيه مختلف التيارات والتقاليد البحثية، ولهذا، تختلف مستويات التحليل باختلاف المقاربات المنهجية التي يعتمدها الباحثون.

من الفردانية المنهجية إلى المقاربة المندمجة

تاريخيًا، تشكل البحث في الصحافة انطلاقًا من الفردانية المعيارية التي تعتبر الصحافة فعلًا فرديًا، يعتمد أساسًا على مؤهلات الصحفي وقدراته الثقافية والأدبية. وقابلت الفردانية المعيارية الفردانية المنهجية التي تدرس العمل الصحفي انطلاقًا من مستوى الميكرو. فروبرت بارك (1864-1944) من مدرسة شيكاغو، على سبيل المثال، أدخل تقنيات البحث الإثنوغرافي في دراسة الصحفيين، وتلاه عدد من الباحثين، مثل ليو روستن (1908-1997) من الذي أجرى بحثًا إثنوغرافيًا على مراسلي الصحف في واشنطن. وبهذا، رُسّخت الملاحظة والمقابلة بمختلف أنواعها، باعتبارهما أداتين أساسيتين لاكتشاف مهنة الصحافة، وبهما دُشّن هذا الحقل المعرفي.

وبتزايد استخدام البحوث الإمبريقية، ترسخت القناعة بأن تفسير مكانة وسائل الإعلام في المجتمع لا يتسنى من خلال الاقتصار على منتجي الأخبار والإعلام، بل لا بد من دراستها في ضوء علاقة الأشخاص بها من جهة، وعلاقتهم بالمجتمع من جهة أخرى. وعلى هذا الأساس، تراكمت البحوث التي اتجهت إلى دراسة وسائل الإعلام على المستوى الكلي، تتقدمها بحوث بول لازارسفيلد بين عامي 1940 و1960، أي: من كتاب اختيار الشعب{{كتاب لبول لازارسفيلد وبرنارد بيرلسون وهازل غوديه، صدر عام 1944، ودرس تأثير وسائل الإعلام في قرارات الناخبين خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 1940.}} إلى كتاب التأثير الشخصي{{كتاب لإلياهو كاتس وبول لازارسفيلد، صدر عام 1955، وطوّر فرضية تدفق الاتصال على مرحلتين ودور قادة الرأي في نقل تأثير وسائل الإعلام.}}[59] التي أفرزت نظريات تأثير وسائل الإعلام المحدود. ففضلًا عن تقنية المقابلة، لجأت بحوث الميديا إلى تقنيات استطلاع الرأي وقياسه.

وفي المستوى نفسه من تحليل الميديا، لخصت المدرسة النقدية مآخذها على البحوث الإمبريقية بالجملة التالية: "إنها تهتم بنظام صرف المياه، بدل الاهتمام بمياه الفيضانات"[60]. ويُقصد بمياه الفيضانات الممارسة الأيديولوجية التي تتجلى في المحتوى الثقافي والإعلامي الذي تبثه وسائل الإعلام: (نصوص، وصور، وأفلام، وفيديوهات، ونشرات أخبار إذاعية وتلفزيونية، ونصوص إعلانية، وأغانٍ، ورسوم كاريكاتورية)، وتحدده علاقة المؤسسات الإعلامية بالسلطتين السياسية والمالية. ويمكن الاقتراب منهجيًا من هذه الممارسة من خلال التحليل السيميائي، وتحليل أشكال السرد، وخصائص الاتصال.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


تجسد الحل النظري للنزاع بين مستويي التحليل: الماكرو، والميكرو، على الصعيد المنهجي، في تبني المقاربة المندمجة. فالبحوث التي درست الميديا من منظور أطروحة بيار بورديو، استعانت بترسانة من الأدوات البحثية: الملاحظة بالمشاركة، وتحليل النصوص والخطابات الإعلامية، وإجراء المقابلات المختلفة التي تشمل كل الأطراف المشاركة في الممارسة الإعلامية وفق موضعها في الترتيب الهرمي. وانطلاقًا من علاقتها بالرساميل: رأس المال الإعلامي (الخبرة المكتسبة في العمل الصحفي)، والثقافي (المستوى التعليمي)، والمالي (مستوى الدخل، أو مصادر التمويل)، يشترط الاشتغال على هذه الأطراف الاعتماد على نمطي التدليل: الاستنباطي، والاستقرائي اللذين يفرضهما المنهج المختلط. ولا تكتمل المقاربة المندمجة من دون إدراج ما أفرزته هذه العدة المنهجية من بيانات، أو ما توصلت إليه البحوث الإمبريقية من نتائج في "إطار تفسيري ينطلق من الخاص إلى العام"[61]، ليشمل ثلاثية بيار بورديو: الحقل، ورأس المال، والهابيتوس[62].

معايير تحديد مستويات التحليل

إذا كان بيتر بلاو (1918-2002)[63] يستخدم مفهوم الحجم للفصل بين المستوى الكلي والجزئي، إذ رأى أن الحجم الكبير يميز مستوى الماكرو، والصغير يعيّن مستوى الميكرو، فإن عالم الاجتماع الفرنسي ميشال غروسيتي (1957-)[64]، يعتقد أن الظواهر الاجتماعية بلغت درجة من التعقد بحيث تتطلب وحدات أخرى من التحليل. فعلاوة على الكم، لا بد من إضافة عنصرين أساسيين، وهما: المدة، والتعميم. فالكم يُقصد به عدد الفاعلين المنخرطين في الظاهرة، أو الذين تشملهم الدراسة. ويُقصد بالمدة الفترة الزمنية التي تستغرقها الظاهرة التي تختلف عن الكم. فيمكن لظاهرة ما أن تستقطب عددًا كبيرًا -من ناحية الكم- لكنها محدودة في الوقت، مثل مشاهدة فيلم أو عرض مسرحي، خلافًا لاستخدام الميديا الاجتماعية التي تمتد في الزمان بلا توقف. ويعني التعميم السياق الذي يمكن تحديده بالرقعة الجغرافية، سواء امتلكت هيئات سياسية، مثل: الدولة والأمة والمنطقة، أو لم تمتلك.

المراجع

العربية

جعفري، علي. "الميكرو-ماكرو: في إلزامية تبيان آليات الانتقال". عمران للعلوم الاجتماعية. مج 8، العدد 29 (صيف 2019)، ص 33-62.

مصدق، حسن. يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت: النظرية النقدية التواصلية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005.

الأجنبية

Barbour, Joshua B. “Micro/Meso/Macro Levels of Analysis.” In: Craig R. Scott et al. (eds.). The International Encyclopedia of Organizational Communication. New York: John Wiley & Sons, 2017.

Bencherki, Nicolas. “Actor–Network Theory.” In: Craig R. Scott et al. (eds.). The International Encyclopedia of Organizational Communication. New York: John Wiley & Sons, 2017.

Benson, Rodney. “Field Theory in Comparative Context: A New Paradigm for Media Studies.” Theory and Society. vol. 28, no. 3 (June 1999), pp. 463-498.

Benson, Rodney & Eric Neveu (eds.). Bourdieu and the Journalistic Field. Cambridge, U. K./ Malden, U. S. A.: Polity Press, 2005.

Bernard, Françoise. “Pratiques et problématiques de recherche et communication environnementale: explorer de nouvelles perspectives.” Communication & Organisation. no. 37 (June 2010), pp. 79-89.

Bolz, Lisa. “Recherches sur le journalisme en France et en Allemagne, un dialogue impossible? Regards croisés sur des méthodologies et des développements divergents.” Revue française des sciences de l’information et de la communication. no. 18 (2019).

Bourdieu, Pierre. Sur la télévision: Suivi de L'emprise du journalisme. Paris: Liber-Raisons d’Agir, 1996.

Castells, Manuel. The Rise of the Network Society: The Information Age: Economy, Society, and Culture. vol. 1. 2nd ed. Oxford, UK: Wiley-Blackwell, 2010.

Champagne, Patrick. “La double dépendance: Quelques remarques sur les rapports entre les champs politique, économique et journalistique.” Hermès. no. 17-18 (1995), pp. 215-229.

Couldry, Nick. “Theorizing Media as Practice.” Social Semiotics. vol. 14, Issue 2 (2004), pp. 115-132.

Erjavec, Karmen & Jožica Zajc. “A Historical Overview of Approaches to Journalism Studies.” Medijska istraživanja. vol. 17, no. 1-2 (2011), pp. 9-29. at: https://hrcak.srce.hr/file/119671

Falkheimer, Jesper. “Anthony Giddens and public relations: A third way perspective.” Public Relations Review. vol. 33, Issue 3 (September 2007), pp. 287-293.

Fortier, Michaël (rev.). F. Le Bouter (trad.). “Niklas Luhmann: La réalité des médias de masse.” Bienne/ Paris: Diaphanes, 2013. https://doi.org/10.4000/lectures.11826

Fortner, Robert S. “The Origins of Media Theory: An Alternative View.” In: Robert S. Fortner & P. Mark Fackler (eds.). The Handbook of Media and Mass Communication Theory. Hoboken, NJ: John Wiley & Sons, 2014.

Fourquet-Courbet, Marie-Pierre. “La communication médiatique: Interactions humaines et sociales médiatisées.” Mémoire pour l’obtention de l’Habilitation à Diriger des Recherches en Sciences de l'Information et de la Communication. Université d’Avignon. Avignon, 2010. https://theses.hal.science/tel-00619635/document

Grossetti, Michel. “L’espace à trois dimensions des phénomènes sociaux: Échelles d’action et d’analyse.” SociologieS. posted 11/4/2011. accessed on 3/11/2025, at: http://journals.openedition.org/sociologies/3466

Hamman, Philippe. “Dominique Desjeux: Les sciences sociales.” Questions de communication. no. 7 (30/6/2005), pp. 473-476.

Heïd, Marie-Caroline. “Analyse de l’évolution du monde de la presse écrite au travers de l’étude de pratiques émergentes contemporaines regroupées par la notion de journalisme participatif.” Thèse de Doctorat. Université Paul-Valéry Montpellier III. Montpellier, 2011.

Hepp, Andreas & Uwe Hasebrink. “Researching Transforming Communications in Times of Deep Mediatization: A Figurational Approach.” In: Andreas Hepp, Andreas Breiter & Uwe Hasebrink (eds.). Communicative Figurations: Studies in Cross-Media Research. London: Palgrave Macmillan, 2018.

Jenkins, Henry. Textual Poachers: Television Fans and Participatory Culture. New York: Routledge, 1992.

Jouët, Josiane. “La fonction de journaliste: essai d'analyse sociologique des situations de travail au Monde et à France Soir.” Thèse de doctorat. Université Paris Descartes. Paris, 1972.

Katz, Elihu. “Communications Research Since Lazarsfeld.” Public Opinion Quarterly. vol. 51, Issue 4, Part 2 (Winter 1987), pp. S25-S45.

Laurens, Stéphane. “L'œuvre oubliée en psychologie de Paul Lazarsfeld.” Bulletin de psychologie. vol. 63, no. 508 (2010), pp. 279-287.

Leverette, Marc. “Towards an Ecology of Understanding: Semiotics, Medium Theory, and the Uses of Meaning.” Image & Narrative: Online Magazine of the Visual Narrative. Issue 6 (January 2003), at: https://www.imageandnarrative.be/inarchive/mediumtheory/marcleverette.htm

Lindblom, Terje, Johan Lindell & Katarina Gidlund. “Digitalizing the Journalistic Field: Journalists’ Views on Changes in Journalistic Autonomy, Capital and Habitus.” Digital Journalism. vol. 12, Issue 6 (2024), pp. 894–913.

Livingstone, Sonia. “Audience Research at the Crossroads: The ‘Implied Audience’ in Media and Cultural Theory.” European Journal of Cultural Studies. vol. 1, no. 2 (1998), pp. 193-217.

Maares, Phoebe & Folker Hanusch. “Interpretations of the journalistic field: A systematic analysis of how journalism scholarship appropriates Bourdieusian thought.” Journalism. vol. 23, Issue 4 (April 2022), pp. 736-754.

Marwick, Alice E. & Danah Boyd. “I tweet honestly, I tweet passionately: Twitter users, context collapse, and the imagined audience.” New Media & Society. vol. 13, Issue 1 (February 2011), pp. 114–133.

Meyrowitz, Joshua. “Medium Theory.” In: Wolfgang Donsbach (ed.). The International Encyclopedia of Communication. Malden, MA: Blackwell, 2008.

Morley, David. Television: Audiences and Cultural Studies. London/ New York: Routledge, 1992.

Pan, Zhongdang & Jack M. McLeod. “Multilevel analysis in mass communication research.” Communication Research. vol. 18, Issue 2 (April 1991), pp. 140-173.

Proulx, Serge. “Usages des technologies d’information et de communication: reconsidérer le champ d’étude?.” Paper presented at: Actes du XIIe Congrès national des sciences de l’information et de la communication (SFSIC). UNESCO. Paris, 10‑13/1/2001.

Rawal, Sunil. “Use of Social Media Among Youth: The Reflection of Structuration Theory.” Patan Prospective Journal. vol. 2, no. 2 (December 2022), pp. 241-253.

Reese, Stephen D. “Understanding the Global Journalist: a Hierarchy-of-influences approach.” Journalism Studies. vol. 2, Issue 2 (2001), pp. 173-187.

________. “The New Geography of Journalism Research: Levels and spaces.” Digital Journalism. vol. 4, no. 7 (2016), pp. 816-826.

________. “Hierarchy of Influences.” In: Tim P. Vos & Folker Hanusch (eds.). The International Encyclopedia of Journalism Studies. New York: John Wiley & Sons, 2019. at: https://doi.org/10.1002/9781118841570.iejs0023

Ryfe, David M. “A practice approach to the study of news production.” Journalism. vol. 19, Issue 2 (2018), pp. 217-233.

Shoemaker, Pamela J. & Stephen D. Reese. Mediating the Message in the 21st Century: A Media Sociology Perspective. 3rd ed. New York: Routledge, 2014.

Slaatta, Tore. “Micro vs. Macro: A Reflection on the Potentials of Field Analysis.” In: Chris Paterson et al. (eds.). Advancing Media Production Research: Shifting Sites, Methods, and Politics. London: Palgrave Macmillan, 2016.

Szafrajzen, Barbara. “Réflexions autour de la méthode dite de la sémiotique situationnelle fondées sur une recherche en communication des organisations.” Communication & Organisation. no. 39 (2011), pp. 183-194.

Taylor, James R. & Elizabeth J. Van Every. The Emergent Organization: Communication as Its Site and Surface. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2000.

Thiessen, Ansgar & Diana Ingenhoff. “Safeguarding reputation through strategic, integrated and situational crisis communication management: Development of the integrative model of crisis communication.” Corporate Communications: An International Journal. vol. 16, no. 1 (1/2/2011), pp. 8-26.

van Dijck, José. The Culture of Connectivity: A Critical History of Social Media. Oxford/ New York: Oxford University Press, 2013.

van Dijck, José & Thomas Poell. “Understanding Social Media Logic.” Media and Communication. vol. 1, no. 1 (12/8/2013), pp. 2-14.

Vos, Tim P. & François Heinderyckx (eds.). Gatekeeping in Transition. New York/ London: Routledge, 2015.

Wahl-Jorgensen, Karin & Thomas Hanitzsch (eds.). The Handbook of journalism studies. New York: Routledge, 2009.

Waisbord, Silvio. “A Metatheory of Mediatization and Globalization?.” Journal of Multicultural Discourses. vol. 8, Issue 3 (June 2013), pp. 182‑189.

Weischenberg, Siegfried. “Weber (Max).” Publictionnaire: Dictionnaire encyclopédique et critique des publics. at: https://publictionnaire.huma-num.fr/notice/weber-max/

Willig, Ida. “Field Theory and Media Production: A Bridge-Building Strategy.” In: Chris Paterson et al. (eds.). Advancing Media Production Research: Shifting Sites, Methods, and Politics. London: Palgrave Macmillan, 2016.

Wolf, Mauro. “Recherche en communication et analyse textuelle.” Germaine Mandelsaft & Daniel Dayan (trad.). Hermès. no. 11‑12 (1993), pp. 213‑226.

[1] Michel Grossetti, “L’espace à trois dimensions des phénomènes sociaux: Échelles d’action et d’analyse,” SociologieS, posted 11/4/2011, accessed on 3/11/2025, at: https://acr.ps/hBxP1NT

[2] Philippe Hamman, “Dominique Desjeux: Les sciences sociales,” Questions de communication, no. 7 (30/6/2005), pp. 473‑476.

[3] Joshua B. Barbour, “Micro/Meso/Macro Levels of Analysis,” in: Craig R. Scott et al. (eds.), The International Encyclopedia of Organizational Communication (New York: John Wiley & Sons, 2017), pp. 1‑15.

[4] يُنظر على سبيل المثال:

 Ansgar Thiessen & Diana Ingenhoff, “Safeguarding reputation through strategic, integrated and situational crisis communication management: Development of the integrative model of crisis communication,” Corporate Communications: An International Journal, vol. 16, no. 1 (1/2/2011), pp. 8‑26.

[5] Françoise Bernard, “Pratiques et problématiques de recherche et communication environnementale: explorer de nouvelles perspectives,” Communication et organisation, no. 37 (June 2010), pp. 79–89.

[6] Ibid.

[7] Jesper Falkheimer, “Anthony Giddens and Public Relations: A Third Way Perspective,” Public Relations Review, vol. 33, Issue 3 (September 2007), pp. 287-293.

[8] حسن مصدق، يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت: النظرية النقدية التواصلية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص 133.

[9] James R. Taylor & Elizabeth J. Van Every, The Emergent Organization: Communication as Its Site and Surface (Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2000), p. 163.

[10] Manuel Castells, The Rise of the Network Society:The Information Age: Economy, Society, and Culture, vol. 1, 2nd ed. (Oxford, UK: Wiley-Blackwell, 2010), p. 501.

[11] يُنظر:

Nicolas Bencherki, “Actor–Network Theory,” in: Craig R. Scott et al. (eds.), The International Encyclopedia of Organizational Communication (New York: John Wiley & Sons, 2017).

[12] لمعرفة تأثير التقاليد الوطنية في بحوث الإعلام، في ألمانيا وفرنسا على سبيل المثال، يُنظر:

Lisa Bolz, “Recherches sur le journalisme en France et en Allemagne, un dialogue impossible? Regards croisés sur des méthodologies et des développements divergents,” Revue française des sciences de l’information et de la communication, no. 18 (2019).

[14] لمعرفة تأثير التقاليد الوطنية في بحوث الإعلام، في ألمانيا وفرنسا على سبيل المثال، يُنظر:

Lisa Bolz, “Recherches sur le journalisme en France et en Allemagne, un dialogue impossible? Regards croisés sur des méthodologies et des développements divergents,” Revue française des sciences de l’information et de la communication, no. 18 (2019).

[14] Robert S. Fortner, “The Origins of Media Theory: An Alternative View,” in: Robert S. Fortner & P. Mark Fackler (eds.), The Handbook of Media and Mass Communication Theory (Hoboken, NJ: John Wiley & Sons, 2014), p. 22.

[15] على سبيل المثال الأطروحة لنيل درجة الدكتوراه، الحلقة الثالثة التي قدمتها جوسيان جويي عام 1972 عن حارس البوابة الإعلامية ودور الصحافيين، يُنظر:

Josiane Jouët, “La fonction de journaliste: essai d'analyse sociologique des situations de travail au Monde et à France Soir,” Thèse de doctorat, Université Paris Descartes, Paris, 1972.

[16] Siegfried Weischenberg, “Weber (Max),” Publictionnaire: Dictionnaire encyclopédique et critique des publics, accessed on 10/4/2024, at: https://publictionnaire.huma-num.fr/notice/weber-max/

[17] Michaël Fortier (rev.), F. Le Bouter (trad.), “Niklas Luhmann: La réalité des médias de masse,” (Bienne/ Paris: Diaphanes, 2013).

[18] José van Dijck & Thomas Poell, “Understanding Social Media Logic,” Media and Communication, vol. 1, no. 1 (12/8/2013), pp. 2-14.

[19] هذا ما يشير إليه هنري جنكينز (Henry Jenkins) استنادًا إلى أطروحة ميشال دو سيرتو (Michel De Certeau) عندما بين كيف أن المشاهد يمارس "الصيد غير الشرعي" في أثناء مشاهدته للدراما التلفزيونية، واستهلاكه للمواد الثقافية. يُنظر:

Henry Jenkins, Textual Poachers: Television Fans and Participatory Culture (New York: Routledge, 1992), pp. 24–25.

[20] Marie-Pierre Fourquet-Courbet, “La communication médiatique: Interactions humaines et sociales médiatisées,” Mémoire pour l’obtention de l’Habilitation à Diriger des Recherches en Sciences de l'Information et de la Communication, Université d’Avignon, Avignon, 2010, at: https://theses.hal.science/tel-00619635/document

[21] Zhongdang Pan & Jack M. McLeod, “Multilevel Analysis in Mass Communication Research,” Communication Research, vol. 18, Issue 2 (April 1991), pp. 140‑173.

[22] Pamela J. Shoemaker & Stephen D. Reese, MediatingtheMessage in the 21st Century:A Media Sociology Perspective, 3rd ed. (New York: Routledge, 2014), p. 82.

[23] يُنظر على سبيل المثال:

Karin Wahl-Jorgensen & Thomas Hanitzsch (eds.), TheHandbook of journalism studies (New York: Routledge, 2009), pp. 82-84.

[24] Joshua Meyrowitz, “Medium Theory,” in: Wolfgang Donsbach (ed.), The International Encyclopedia of Communication, vol. VII (Malden, MA: Blackwell, 2008), pp. 3055-3061.

[25] Pan & McLeod, op. cit.

[26] Ibid.

[27] Silvio Waisbord, “A Metatheory of Mediatization and Globalization?,” Journal of Multicultural Discourses, vol. 8, Issue 3 (June 2013), pp. 182‑189.

[28] Andreas Hepp & Uwe Hasebrink, “Researching Transforming Communications in Times of Deep Mediatization: A Figurational Approach,” in: Andreas Hepp, Andreas Breiter & Uwe Hasebrink (eds.), Communicative Figurations: Studies in Cross-Media Research (London: Palgrave Macmillan, 2018), pp. 33‑34.

[29] Mauro Wolf, “Recherche en communication et analyse textuelle,” Germaine Mandelsaft & Daniel Dayan (trad.), Hermès, no. 11‑12 (1993), pp. 213‑226.

[30] يُنظر على سبيل المثال:

Marc Leverette, “Towards an Ecology of Understanding: Semiotics, Medium Theory, and the Uses of Meaning,” Image & Narrative: Online Magazine of the Visual Narrative, Issue 6 (January 2003), accessed on 15/1/2025, at: https://www.imageandnarrative.be/inarchive/mediumtheory/marcleverette.htm

[31] يُنظر على سبيل المثال:

José van Dijck, The Culture of Connectivity: A Critical History of Social Media (Oxford/ New York: Oxford University Press, 2013), p. 26.

[32] David Morley, Television: Audiences and Cultural Studies (London/ New York: Routledge, 1992), p. 32.

[33] Serge Proulx, “Usages des technologies d’information et de communication: reconsidérer le champ d’étude?,” Paper presented at: Actes du XIIe Congrès national des sciences de l’information et de la communication (SFSIC), UNESCO, Paris, 10‑13/1/2001, pp. 57‑66.

[34] Marie‑Caroline Heïd, “Analyse de l’évolution du monde de la presse écrite au travers de l’étude de pratiques émergentes contemporaines regroupées par la notion de journalisme participatif,” thèse de doctorat, Université Paul-Valéry Montpellier III, Montpellier, 2011.

[35] Karmen Erjavec & Jožica Zajc, “A Historical Overview of Approaches to Journalism Studies,” Medijska istraživanja, vol. 17, no. 1‑2 (2011), pp. 9‑29. https://acr.ps/hBxP28u

[36] يُنظر:

Stephen D. Reese, “Hierarchy of Influences,” in: Tim P. Vos & Folker Hanusch (eds.), The International Encyclopedia of Journalism Studies (New York: John Wiley & Sons, 2019), at: https://doi.org/10.1002/9781118841570.iejs0023; Stephen D. Reese, “Understanding the Global Journalist: A Hierarchy-of-Influences Approach,” Journalism Studies, vol. 2, Issue 2 (2001), pp. 173-187.

[37] Reese, “Hierarchy of Influences.”

[38] Ibid.

[39] Tim P. Vos & François Heinderyckx (eds.), Gatekeeping in Transition (New York/ London: Routledge, 2015), pp. 59-324.

[40] Stephen D. Reese, “The New Geography of Journalism Research: Levels and spaces,” Digital Journalism, vol. 4, no. 7 (2016), p. 820.

[41] Sonia Livingstone, “Audience Research at the Crossroads: The ‘Implied Audience’ in Media and Cultural Theory,” European Journal of Cultural Studies, vol. 1, no. 2 (1998), pp. 193-217.

[42] Nick Couldry, “Theorizing Media as Practice,” Social Semiotics, vol. 14, Issue 2 (2004), pp. 115-132.

[43] David M. Ryfe, “A practice approach to the study of news production,” Journalism, vol. 19, Issue 2 (2018), pp. 217-233.

[44] Patrick Champagne, “La double dépendance: Quelques remarques sur les rapports entre les champs politique, économique et journalistique,” Hermès, no. 17-18 (1995), pp. 215-229.

[45] يُنظر:

Rodney Benson, “Field Theory in Comparative Context: A New Paradigm for Media Studies,” Theory and Society, vol. 28, no. 3 (June 1999), pp. 463-498.

[46] Rodney Benson & Eric Neveu (eds.), Bourdieu and the Journalistic Field (Cambridge, U. K./ Malden, U. S. A.: Polity Press, 2005), p. 19.

[47] Ida Willig, “Field Theory and Media Production: A Bridge-Building Strategy,” in: Chris Paterson et al. (eds.), Advancing Media Production Research: Shifting Sites, Methods, and Politics (London: Palgrave Macmillan, 2016), p. 54.

[48] Ibid., p. 63.

[49] لأخذ فكرة عن موضوعات هذه البحوث، يُنظر:

Benson, op. cit; Willig, pp. 53-67; Phoebe Maares & Folker Hanusch, “Interpretations of the journalistic field: A systematic analysis of how journalism scholarship appropriates Bourdieusian thought,” Journalism, vol. 23, Issue 4 (April 2022), pp. 736-754.

[50] Terje Lindblom, Johan Lindell & Katarina Gidlund, “Digitalizing the Journalistic Field: Journalists’ Views on Changes in Journalistic Autonomy, Capital and Habitus,” Digital Journalism, vol. 12, Issue 6 (2024), pp. 894–913.

[51] Sunil Rawal, “Use of Social Media Among Youth: The Reflection of Structuration Theory,” Patan Prospective Journal, vol. 2, no. 2 (December 2022), pp. 241-253.

[52] Ryfe, op. cit.

[53] هذا ما كشف عنه البحث الذي محص 249 بحثًا عن الإعلام منشورًا في مجلات محكّمة استعان بأطروحات بورديو في دراسة الاتصال والميديا خلال 1998-2018. يُنظر:

Maares & Hanusch, op. cit.

[54] Georgina Born, quoted in: Tore Slaatta, “Micro vs. Macro: A Reflection on the Potentials of Field Analysis,” in: Chris Paterson et al. (eds.), Advancing Media Production Research: Shifting Sites, Methods, and Politics (London: Palgrave Macmillan, 2016), p. 102.

[55] Ryfe, op. cit.

[56] يُنظر:

Pierre Bourdieu, Sur la télévision: Suivi de L’emprise du journalisme (Paris: Liber-Raisons d’Agir, 1996).

[57] Heïd, op. cit.

[58] وضع موكييلي هذا المفهوم بديلًا لما كان يُسمى في السابق نظرية المسار الاتصالي أو (السيميو-سياقية). وتروم هذه السيمياء دراسة الظواهر الاتصالية باعتماد المقاربة التفهمية والإثنوميتودلوجية، أي: دراستها من وجهة نظر الفاعلين وهم في وضعية الاتصال، وليس من وجهة نظر من هم خارج فعل الاتصال وسياقه، وهي بهذا المعنى أقرب إلى (الديمقراطية السيميائية).

[59] Stéphane Laurens, “L'œuvre oubliée en psychologie de Paul Lazarsfeld,” Bulletin de psychologie, vol. 63, no. 508 (2010), pp. 279-287.

[60] Todd Gitlin, quoted in: Elihu Katz, “Communications Research Since Lazarsfeld,” Public Opinion Quarterly, vol. 51, Issue 4, part 2 (Winter 1987), pp. S25-S45.

[61] Willig, p. 63.

[62] Lindblom, Lindell & Gidlund, op. cit.

[63] نقلًا عن: علي جعفري، "الميكرو-ماكرو: في إلزامية تبيان آليات الانتقال"، عمرانللعلوم الاجتماعية، مج 8، العدد 29 (صيف 2019)، ص 33-62.

[64] Grossetti, op. cit.

المحتويات

الهوامش