الموجز
لاري لودان (Larry Laudan، 1941-2022) فيلسوف علم أميركي معاصر، يُعدّ من أبرز فلاسفة العلم في فلسفة ما بعد الوضعية (post-positivist philosophy)، انصبّ جانب مهم من مشروعه الفلسفي على نقد عدد من الاتجاهات المؤثرة في فلسفة العلم، وفي مقدمتها الوضعية المنطقية (logical positivism)، ومذهب القابلية للتكذيب (Falsificationism) عند كارل بوبر Karl Popper (1902-1994)، والواقعية العلمية (scientific realism)، فضلًا عن النسبية الكلية (holistic relativism) التي ربطها بأعمال توماس كون (Thomas Kuhn، 1922-1996)، مدافعًا في المقابل من ذلك عن تصورٍ للعلم بوصفه مشروعًا عقلانيًا تقدميًا يقوم على "حل المشكلات".
يندرج مشروع لودان الفلسفي في سياق التحولات العميقة التي طالت فلسفة العلم خلال النصف الثاني من القرن العشرين، إذ باشر فلاسفة العلم مراجعة التصورات الكلاسيكية التي عرفتها العقلانية العلمية والتطور الإبستيمي للعلم، فمع الجدل الذي تمخض عن الأعمال الفلسفية لكون وأيضًا إمري لاكاتوش (Imre Lakatos، 1922-1974) وبول فايرابند (Paul Feyerabend، 1924-1994)، عمل لودان على تشييد تصور فلسفي جديد وبديل يربط بين المنحى التاريخي للعلم والمقاييس العقلانية لتقييمه، من دون أن يقع في مسلك النسبية التي حلل بها بعض فلاسفة العلم تاريخ العلم ومنحاه التطوري. ومن هذا المنطلق، ارتبط مشروعه بإعادة بلورة مفهوم العقلانية العلمية على أساس براغماتي وتاريخي، يضبط تصوراته وفقًا للإمكانيات التي تمتلكها التقاليد البحثية والنظريات بغية حل الإشكاليات العلمية.
نشأته وحياته
وُلد لودان في ولاية تكساس بالولايات المتحدة الأميركية في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 1941. حصل على درجة البكالوريوس في الفيزياء من جامعة كانساس عام 1962، ثم اتجه نحو دراسة الفلسفة في جامعة برينستون، حيث نال درجة الدكتوراه عام 1965 عن أطروحة حملت عنوان "فكرة النظرية الفيزيائية من غاليليو إلى نيوتن: دراسات في منهجية القرن السابع عشر (The Idea of a Physical Theory from Galileo to Newton: Studies in Seventeenth-Century Methodology)، تحت إشراف مؤرخ العلم تشارلز غيليسبي (Charles Coulston Gillispie، 1918-2015).
تناولت الأطروحة مفهوم النظرية الفيزيائية في فترة القرن السابع عشر تحديدًا، عبر تحليل التحول المنهجي من مرحلة فيزياء غاليليو غاليلي (Galileo Galilei،1564-1642) ذات المنحى الرياضياتي التجريبي نحو صياغة أكثر نسقية لقوانين الفيزياء التي مثلتها أعمال الفيزيائي إسحاق نيوتن (Isaac Newton، 1643-1727). وقد شارك في لجنة مناقشة الأطروحة كل من: كُون وكارل جي. همبل (Carl G. Hempel، 1905-1997)[1].
اضطلع لودان، خلال مسيرته الأكاديمية، بمهمات الأستاذية في الفلسفة في عدد من الجامعات المرموقة: في جامعة بيتسبرغ بين عامي 1969-1983، وجامعة فرجينيا التقنية، وجامعة هاواي. كما درّس أيضًا في كل من: جامعة لندن، وكلية الحقوق بجامعة تكساس، والجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك[2].
مشروعه الفلسفي
غلاف الترجمة العربية لكتاب «التقدم ومشكلاته: نحو نظرية عن النمو العلمي» للاري لودان، ترجمة فاطمة إسماعيل
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تمحور مشروع لودان الفلسفي حول إعادة تعريف العقلانية العلمية تعريفًا تاريخيًا وبراغماتيًا، ففي كتابه المؤسس التقدم ومشكلاته: نحو نظرية عن النمو العلمي (Progress and Its Problems: Toward a Theory of Scientific Growth) (1977)[3]، يذهب لودان إلى الاعتقاد بأن السمة الجوهرية للعلم لا تكمن في اقترابه من حقيقة ميتافيزيقية غائية، بل في قدرته التقدمية على "حل المشكلات". وفي قلب فلسفته، يعكس لودان العلاقة التقليدية بين العقلانية والتقدم، فبدلًا من القول إن العلم تقدمي لأنه عقلاني، يرى أن العلم عقلاني لأنه تقدمي[4].
ويعيد نموذج حل المشكلات (Problem-solving model) للتقدم العلمي الذي يقدمه لودان توجيه تقييم النظريات على أساس فعاليتها المقارنة في حل المشكلات التجريبية والمفاهيمية، بحيث يُقاس هذا التقدم بمدى نجاح التقاليد البحثية (Research Traditions) في حل أكبر عدد من المشكلات التجريبية والمفاهيمية المهمة. والتقاليد البحثية عند لودان هي السياقات المنهجية للنظرية العامة التي تندرج ضمنها زمرة الفرضيات المنهجية والنظريات التي تعمد إلى توجيه الأبحاث العلمية في إطار مجال بحثي محدد. وهي موازية في بعض المناحي لمفهوم "النموذج الإرشادي" (Paradigm) عند كون أو "منهجية برامج الأبحاث العلمية" (The Methodology of Scientific Research Programmes) عند لاكاتوش، غير أن لودان يضفي على التقاليد البحثية مسلكًا مرنًا، إذ يمكن للنظريات العلمية المنضوية ضمنها أن تتبدل أو يطالها التغيير والتعديل من دون أن ينحو بها ذلك إلى سقوط السياق العام الذي تنتمي إليه[5].
ولتفسير كيفية حدوث التغيير العقلاني، يقدم لودان "النموذج التشابكي" (Reticulational Model)، الذي يرفض فكرة الثورات الكونية الشاملة التي قال بها كون، ووفق هذا النموذج، تشكل النظريات والمناهج والأهداف شبكة مترابطة، حيث يمكن أن يتغير أحد عناصرها على نحو جذري، من دون أن يفضي ذلك إلى انهيار المنظومة كلها. ويعكس هذا النموذج تمثلًا ديناميكيًا حول صيرورة التطور العلمي، ينبني على التفاعلية الدائمة بين المركبات المتباينة للممارسة العلمية[6].
صاغ لودان حجة "الاستقراء التشاؤمي" (Pessimistic induction)، وهي حجة تاريخية ضد الواقعية العلمية (Scientific Realism)، سعى من خلالها إلى قطع الصلة بين النجاح التجريبي لنظرية ما وحقيقتها التقريبية المفترضة[7]. وتتأسس هذه البرهنة على ملحوظة تاريخية تتمثل في أن تاريخ العلم غني بالنظريات العلمية التي كانت تُنعت بالنجاح التجريبي في وقتها، قبل أن يتضح لاحقًا أنها خاطئة. وبناء على ذلك، لا يسوغ النجاح التجريبي لنظرية علمية معينة بالضرورة الاعتقاد بأن هذه النظرية تجاور الحقيقة أو تقترب منها.
ويؤسس لودان رؤيته الفلسفية على "نزعة طبيعانية معيارية" (Normative Naturalism)، مؤداها أن القواعد المنهجية للعلم ليست مبادئ قبلية ثابتة، بل هي فرضيات تجريبية تُختبر فعاليتها في ضوء تاريخ العلم الناجح[8]. وهكذا، يقدم لودان تصورًا للعلم بوصفه نشاطًا عقلانيًا ديناميكيًا، يتطور عبر حل المشكلات، متجنبًا بذلك مثالية الواقعيين ونسبية بعض التاريخانيين[9].
أهم أعماله الفلسفية
غلاف كتاب العلم والقيم: أهداف العلم ودورها في الجدل العلمي للاري لودان
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ترك الفيلسوف لودان تراثًا فلسفيًا مهما في ميدان فلسفة العلم يمكن إجماله فيما يلي:
- التقدم ومشكلاته: نحو نظرية عن النمو العلمي[10].
- العلم والفرضية: مقالات تاريخية في المنهجية العلمية[11].
- العلم والقيم: أهداف العلم ودورها في الجدل العلمي[12].
- العلم والنسبوية: مسائل خلافية أساسية في فلسفة العلم [13].
- تجاوز الوضعية والنسبية: النظرية، والمنهج، والدليل[14].
تأثيره وحضوره في سياق فلسفة العلم المعاصرة
كان للفيلسوف لودان حضور بارز في سياق نقاشات فلسفة العلم المعاصرة، ولا سيما في المسائل الجدلية المتعلقة بطبيعة العلاقة بين العقلانية العلمية وتاريخ العلم، فقد أثرت أعماله الفلسفية في مسلك مراجعة النقاشات وإعادة توجيهها بعيدًا عن الثنائية الكلاسيكية التي كانت سائدة سابقًا بين النزعة النسبية والواقعية العلمية. وعمد لودان إلى تقديم تصور ينبني على إمكانية تحليل قدرة التقاليد البحثية والنظريات العلمية على تقديم حلول للمشكلات العلمية. إضافة إلى ذلك، كان لآراء لودان ومواقفه وأطروحاته تأثير في الأبحاث والدراسات التي عالجت منهجية العلم، ولا سيما تلك التي ناقشت قضية الكيفية التي يمكن من خلالها بسط تقييمات حول النظريات العلمية ومعايير التطور والتقدم المعرفي. وقد استُعملت فلسفته في تحليل تطور عدد من العلوم، وأسهمت في إعادة النظر في طبيعة العلاقة القائمة بين الأهداف المعرفية للعلم والقيم الموجِّهة للأبحاث العلمية[15].
المراجع
العربية
إسماعيل، فاطمة. فلسفة العلم لاري لودان. الإسكندرية: دار الوفاء للطباعة والنشر، 2023.
لودان، لاري. العلم والنسبوية: مسائل خلافية أساسية في فلسفة العلم. ترجمة نجيب الحصادي ومحمد أحمد السيد. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015.
________. التقدم ومشكلاته: نحو نظرية عن النمو العلمي. ترجمة فاطمة إسماعيل. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016.
________. العلم والفرضية: مقالات تاريخية في المنهجية العلمية. ترجمة فاطمة إسماعيل. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2018 [1981].
________. تجاوز الوضعية والنسبوية: النظرية والمنهج والدليل. ترجمة فاطمة إسماعيل. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2022.
الأجنبية
“Curriculum Vitae.” LarryLaudan. 31/8/2022. At: https://acr.ps/hBxQIKD
Laudan, Larry. Progress and Its Problems: Toward a Theory of Scientific Growth. Berkeley: University of California Press, 1977.
________. Science and Hypothesis: Historical Essays on Scientific Methodology. Dordrecht: D. Reidel Publishing Company, 1981.
________. Science and Values: The Aims of Science and Their Role in Scientific Debate. Berkeley: University of California Press, 1984.
________. Science and Relativism: Some Key Controversies in the Philosophy of Science. Chicago & London: University of Chicago Press, 1990.
________. Beyond Positivism and Relativism: Theory, Method, and Evidence. Boulder: Westview Press, 1996.
Nickles, Thomas. “Historicist Theories of Scientific Rationality,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy. (Spring 2021). At: https://acr.ps/hBxQI7A
Psillos, Stathis. “In Science We Trust: Larry Laudan (1941-2022).” Journal for General Philosophy of Science. vol. 54 (2023). pp. 523-533.
[1] للمزيد حول حياته، يُنظر:
Stathis Psillos, “In Science We Trust: Larry Laudan (1941–2022),” Journal for General Philosophy of Science, vol. 54 (2023), pp. 523-533; “Curriculum Vitae,” LarryLaudan, 31/8/2022, accessed on 3/6/2026, at: https://acr.ps/hBxQIKD
[2] Ibid.
[3] لاري لودان، التقدم ومشكلاته: نحو نظرية عن النمو العلمي، ترجمة فاطمة إسماعيل (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016).
[4] Thomas Nickles, “Historicist Theories of Scientific Rationality,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2021), accessed on 3/6/2026, at: https://acr.ps/hBxQI7A
[5] Larry Laudan, Progress and Its Problems: Toward a Theory of Scientific Growth (Berkeley: University of California Press, 1977), pp. 70-71.
[6] Larry Laudan, Science and Values: The Aims of Science and Their Role in Scientific Debate (Berkeley: University of California Press, 1984), p. 63.
[7] لاري لودان، تجاوز الوضعية والنسبوية: النظرية والمنهج والدليل، ترجمة فاطمة إسماعيل (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2022)؛ لاري لودان، العلم والفرضية: مقالات تاريخية في المنهجية العلمية، ترجمة فاطمة إسماعيل (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2018 [1981]).
[8] يُنظر: لاري لودان، العلم والنسبوية: مسائل خلافية أساسية في فلسفة العلم، ترجمة نجيب الحصادي ومحمد أحمد السيد (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015).
[9] لنظرة أكثر تفصيلًا حول فلسفة لودان يُنظر: فاطمة إسماعيل، فلسفة العلم لاري لودان (الإسكندرية: دار الوفاء للطباعة والنشر، 2023).
[10] Laudan, Progress and Its Problems: Toward a Theory of Scientific Growth.
[11] Larry Laudan, Science and Hypothesis: Historical Essays on Scientific Methodology (Dordrecht: D. Reidel Publishing Company, 1981).
[12] Laudan, Science and Values: The Aims of Science and Their Role in Scientific Debate.
[13] Larry Laudan, Science and Relativism: Some Key Controversies in the Philosophy of Science (Chicago & London: University of Chicago Press, 1990).
[14] Larry Laudan, Beyond Positivism and Relativism: Theory, Method, and Evidence (Boulder: Westview Press, 1996).
[15] Laudan, Science and Values: The Aims of Science and Their Role in Scientific Debate, p. 48; Psillos, pp. 523–533.