الموجز
فاطمة سيد أحمد أومزيان المشهورة بلقب لالّا فاطمة نْسُومَر (1830-1863)، مقاومة جزائرية من قرية وَرْجَة بولاية تيزي وزو، تنتمي إلى عائلة دينية من المرابطين، تنحدر من نسل فقيه مشهور. كرست حياتها للتصوف والتدين، وعزفت عن الزواج، وشاركت في أنشطة الزاوية الرحمانية وخدمة المريدين، وقد كان لأخيها سي الطاهر أثر كبير عليها، إذ كان هو نفسه مسيّر شؤون الزاوية.
انخرطت لالا فاطمة في مقاومة الاحتلال الفرنسي منذ 1847، وشاركت في قيادة المقاومة المسلحة إلى جانب الشريف بوبغلة، مجندة المقاتلين في معارك بارزة مثل وادي سيباو (1854)، وتاشكيرت (1854)، وإيشريضن (1857)، قُبض عليها في 11 تموز/ يوليو 1857، وتوفيت في الاعتقال عام 1863.
في عام 1994 نقل رفاتها إلى مربع الشهداء في مقبرة العالية بالجزائر العاصمة.
النشأة والخلفية العائلية والدينية
ولدت فاطمة سيد أحمد أومزيان المشهورة بـ لالاّ فاطمة نْسُومَرْ عام 1830 في قرية
وَرْجَة بولاية تيزي وزو حاليًا، الواقعة على بعد 100 كيلومتر شرق الجزائر العاصمة، لعائلة محافظة تنتمي إلى
المرابطين {{المرابطين: يقصد بالمرابط الشخص الزاهد أو الناسك، المتفرغ للعبادة وخدمة الدين، تعود أصول التسمية إلى دولة المرابطين التي حكمت المغرب الكبير في القرنين 5 و6هـــ/ 11و12م. لاحقـًا، أصبح مصطلح مرابط ينسب إلى عائلات الأشراف، ذات النسب النبيل، وتحظى بمكانة اجتماعية مميزة.}}. وتنحدر عائلتها من نسل ولي صالح يدعى سيدي أحمد أومزيان، الذي كان فقيهًا مشهورًا في منطقة عين الحمّام. وكان والد لّالّا فاطمة شيخًا لزاوية وَرْجة التابعة للطريقة الصوفية الرحمانية، المنتشرة على نطاق واسع في منطقة القبائل[1].
انتقلت لالا فاطمة مع إخوتها إلى قرية سومر في نفس منطقة عين الحمّام، ولهذا اقترن اسمها باسم قرية سومر. من ناحية أخرى، هناك تضارب في الروايات حول مستواها التعليمي، لكن الأرجح أن تربيتها الدينية وسط عائلة متعلمة -وخصوصًا إخوتها- مكنتها من حفظ جزء من القرآن الكريم، وأكسبها فصاحة وحكمة مشهودتين[2].
تمردها المبكر ومسلكها الروحي
في فترة مراهقتها، تشير بعض المصادر التاريخية إلى حدث محوري كان له أثر كبير في تشكيل شخصيتها، وهو رفضها المتكرر لعروض الزواج التي تقدم بها العديد من الرجال، بينهم أعيان من
منطقة القبائل، قبل أن يجبرها إخوتها في سن الخامسة عشرة على زواج قسري من أحد أبناء عمومتها. وقد رفضت لالا فاطمة هذا الزواج رفضًا قاطعًا، فأصيبت بنوبات عصبية وامتنعت عن معاشرة زوجها، ولم تمكث في بيته سوى شهر واحد قبل أن تعود إلى بيت العائلة في قرية سومر[3]. رفض زوجها تطليقها فظلت اسميًا تحت عصمته رغم الانفصال الفعلي بينهما. لكن بحسب المؤرخين لم يكن هذا الوضع مصدر قلق لها، إذ لم تكن تميل للزواج أصلًا، مفضلة تكريس حياتها لمسلكها الروحي المتصوف. لقد شكل تمرد لالا فاطمة على عائلتها وعلى التقاليد والأعراف السائدة في مجتمع ذكوري مؤشرًا مبكرًا على شخصيتها المتمردة والمقدامة، التي برزت في مقاومتها للاستعمار الفرنسي[4].
انزوت لالا فاطمة وعكفت على خدمة زاوية أجدادها في قرية سومر، متأثرة كثيرًا بأخيها الأكبر سي الطاهر، الذي كان
مقدمًا {{مقدّم الزاوية: هو الشخص الذي يعينه الشيخ لتسيير شؤون الزاوية والإشراف على تنظيمها. يعد من خدام الشيخ والمقربين منه، وتتمثل مهماته في تنظيم المريدين، وتبليغ توجيهات الشيخ، والسهر على سير الدروس وأداء الأوراد، وضبط النظام داخل الزاوية.}}
للزاوية الرحمانية، وقد استفادت من إلمامه بالعلوم الدينية. وبفضل ورعها وتقواها، نالت سمعة واسعة، واكتسبت هالة روحية شبيهة بتلك التي كان يتمتع بها شيوخ الزوايا والأولياء الصالحون، حتى صار الناس من مختلف أنحاء منطقة القبائل يقصدونها للاستشارة والتبرك. وتنسب بعض الدراسات الكولونيالية إليها قدرات خارقة، مثل علاج المرضى أو التنبؤ بالمستقبل، غير أن التعامل مع هذه الروايات يستوجب الحذر، إذ لم تدرج ضمن سياقها المفهومي في التراث الإسلامي، حيث تعد مثل هذه القدرات من الخصائص المنسوبة تقليديًا للأولياء[5].
مقاومة الاحتلال الفرنسي
انخرطت عائلة لالا فاطمة نسومر في المقاومة ضد الاستعمار -وإن كان بصفة غير مباشرة- منذ عام 1847، أي خلال الحملة الأولى للسيطرة على منطقة القبائل التي قادها المارشال توماس روبير بيجو {{توماس روبير بيجو (Thomas Robert Bugeaud، 1784-1849)، قائد عسكري فرنسي، شغل منصب الحاكم العام للجزائر بين عامي 1841 و1847. اشتهر بأساليبه العسكرية العنيفة، ولا سيما سياسة الأرض المحروقة، التي انتهجها لقمع المقاومات الشعبية وتوسيع نطاق الاحتلال الفرنسي في الجزائر.}} حيث ساندت الزاوية الرحمانية -وعلى رأسها الشيخ محمد المهدي السّكلاوي (1786-1861)- مقاومة الأمير عبد القادر. وكانت لالا فاطمة نسومر من مريدي الشيخ السكلاوي. وفي عام 1849 تعرضت قرية سومر للحرق على يد القوات الفرنسية، وفي السنة نفسها التقت لالا فاطمة ببعض قادة المقاومة البارزين في المنطقة، مثل الشريف مولاي إبراهيم (ت. 1853) والسي محمد الهاشمي. غير أن اللقاء الأهم كان مع
الشريف بوبغلة (1820-1854)، أحد أكبر قادة المقاومة في منطقة القبائل، وتشير بعض المصادر الكولونيالية إلى نشوء علاقة عاطفية بينهما، ورغبة الشريف بوبغلة بالزواج منها، إلا أن تصديق هذه الروايات يبقى صعبًا، لكونها تعتمد أساسًا على شهادات شفوية تفتقر إلى التوثيق.
في عام 1850، تولّت لالا فاطمة إلى جانب أخيها سي الطاهر قيادة المقاومة المسلحة، وشرعت في تعبئة قرى منطقة القبائل وحشد سكانها. وفي عام 1854 إثر تعيين المارشال جاك لويس راندون (Jacques Louis Randon، 1795-1871) حاكمًا عامًا للجزائر، انطلقت الحملة الثانية لاحتلال منطقة القبائل، وقد جُند لها نحو 12,000 مقاتل. عندها كثفت لالا فاطمة وأخوها سي الطاهر جهود تجنيد الشباب المتطوعين للجهاد، الذين عرفوا باسم "إمْسَبْلًنْ" بالأمازيغية، أي "المسبّلون" بالعربية[6].
خاضت لالا فاطمة رفقة المقاومين عدة معارك ضد الجيش الفرنسي، أبرزها[7]:
- معركة
وادي سيباو {{وادي سيباو: ويسمى بالأمازيغية المتغير القبائلي بـ أسيف نْ سيباو، هو من أهم الأودية في منطقة القبائل، ينبع من جبال جرجرة ويصب في البحر المتوسط قرب مدينة دلس ولاية بومرداس.}} في نيسان/ أبريل 1854: شهدت هذه المعركة الكبيرة تحالف لالا فاطمة مع الشريف بوبغلة لمواجهة قوات الجنرال وولف (Charles Wolff، 1823-1901)، التي أُجبرت في النهاية على التراجع.
- معركة تاشكيرت في حزيران/ يونيو وتموز/ يوليو 1854: شهدت هذه السلسلة من المعارك التي استمرت نحو شهرين مشاركة لالا فاطمة إلى جانب مقاتلي الشريف بوبغلة في مواجهة قوات الجنرالين باتريس دو ماكماهون (Patrice de Mac Mahon، 1808-1893)، وجاك كامو (Jacques Camou، 1792-1868). تكبدت القوات الفرنسية خلالها خسائر جسيمة، ففقدت أكثر من 800 جندي، وأُجبرت على الانسحاب إلى مواقعها السابقة.
- معركة إيشريضن في تموز/ يوليو 1857: في أعقاب الخسائر الكبيرة التي تكبدتها القوات الفرنسية، قرر المارشال راندون إرسال حملة عسكرية كبيرة تتألف من ثلاث فرق وعددها نحو 35,000 جندي، تحت قيادة سبعة جنرالات، بهدف القضاء على مقاومة لالا فاطمة نسومر، التي كانت تتشكل من نحو 5,000 مقاتل. تصدت لالا فاطمة للجيش الفرنسي في قرية إيشريضن، لكنها مُنيت بهزيمة نتيجة الفارق الكبير في العدة والعتاد.
تجدر الإشارة إلى عامل آخر مهم، ساهم في هزيمة لالا فاطمة نسومر، وهو
نظام الصف {{نظام الصف: يشير إلى التنظيم الاجتماعي التقليدي للقبائل في الجزائر وفي المغرب الكبير، القائم على تقسيم القبيلة إلى صفوف تحدد مكانتها وأدوارها في الدفاع عن القبيلة، وإدارة الموارد، والتحكيم في النزاعات.}} الذي استغله الجيش الفرنسي عبر استثمار تناقضاته. فقد كانت القبائل المنهزمة تُجبر على محاربة القبائل المتبقية، ما أضعف مقاومة لالا فاطمة، التي انحصر نطاقها الجغرافي في أربع قبائل فقط. وبسبب الحصار، اضطرت لالا فاطمة ومقاتلوها إلى التحصن في قرية تخْلِيجَت، البعيدة عن أنظار الجيش الفرنسي بفضل تضاريسها الوعرة[8].
لاحقًا، دخل شقيقها سي الطاهر في اتصالات مع
الجنرال يوسف {{الجنرال يوسف: اسمه الحقيقي جوزيف فانتيني (Joseph Vantini، 1808-1866)، وهو من أصول إيطالية. اشتهر بلقب يوسف خلال خدمته في الجيش الفرنسي في الجزائر، حيث تولى قيادة العمليات العسكرية في منطقة القبائل، وشارك في حملات عسكرية على مناطق جزائرية أخرى.}}، عارضًا عليه الاستسلام مقابل التزام القوات الفرنسية بعدم المساس بعائلته وممتلكاته، وهو العرض الذي قبلته فرنسا. في الوقت نفسه كانت لالا فاطمة تخطط لاستدراج قوات الجنرال يوسف إلى قرية سومر بعد إخلائها من النساء والممتلكات التي كان من المفترض نقلها إلى تخليجت، على أن تبقى هي بعيدًا عن أنظار القوات الفرنسية. لكن خطتها باءت بالفشل بسبب اكتشاف القوات الفرنسية مكان اختبائها[9].
دارت المعركة الأخيرة بين القوات الفرنسية ومقاتلي لالا فاطمة في قرية تخليجت، قبل أن يُقبض عليها في 11 حزيران/ يوليو 1857. بعد ذلك، نُفيت لالا فاطمة إلى زاوية بني سليمان في ولاية
المديّة حاليًا، حيث وُضعت تحت الإقامة الجبرية. تدهورت صحتها وأصيبت بالشلل بعد وفاة أخيها سي الطاهر في السجن عام 1861، وتوفيت في أيلول/ سبتمبر 1863 عن عمر يناهز ثلاثًا وثلاثين عامًا[10].
إرث لالا فاطمة نسومر
قبر لالا فاطمة نسومر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
لفاطمة نسومر مكانة رمزية بارزة في الذاكرة الجماعية للجزائريين، إذ تمثل نموذجًا لامرأة تعد الأولى في تاريخ الجزائر الحديث في جمعها بين الانخراط في العمل النضالي والمقاومة المسلحة، وبين الدور الروحي لشخصية دينية ملهمة، أسهمت في ترسيخ الطريقة الرحمانية في منطقة القبائل والحفاظ على الهوية الوطنية.
في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1994 نقل رفاتها من المدية إلى مربع الشهداء بمقبرة العالية بالجزائر العاصمة.
المراجع
العربية
المجلس الأعلى للغة العربية، الموسوعة الجزائرية، المجلد الثاني، (الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية، 2020).
سنوسي، عبد الفتاح. "لالة فاطمة نسومر في مواجهة الاحتلال الفرنسي: قراءة في بطولات امرأة جزائرية بمنطقة القبائل 1830–1863م".
مجلة الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية. مج 10، العدد 2 (2025).
الأجنبية
Touati, Samia. "Lalla Fatma N’Soumer (1830–1863): Spirituality, Resistance and Womanly Leadership in Colonial Algeria."
Societies. vol. 8, no. 4 (2018).
Rodrigue Oucif, " Lalla Fatma N’Soumer, figure de la résistance à la conquête française de l’Algérie." La Revue d’Histoire Militaire, 9/12/2021, consulté le 28/9/2025, sur : https://larevuedhistoiremilitaire.fr/2021/12/09/lalla-fatma-nsoumer-figure-de-la-resistance-a-la-conquete-francaise-de-lalgerie/
[1] المجلس الأعلى للغة العربية،
الموسوعة الجزائرية، المجلد الثاني، (الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية، 2020)، ص. 365
[2] Samia Touati, "Lalla Fatma N’Soumer (1830–1863): Spirituality, Resistance and Womanly Leadership in Colonial Algeria,"
Societies, vol. 8, no. 4 (2018).
[3] Ibid.
[4] Ibid.
[5] Ibid.
[6] Ibid.
[7] عبد الفتاح سنوسي، "لالة فاطمة نسومر في مواجهة الاحتلال الفرنسي: قراءة في بطولات امرأة جزائرية بمنطقة القبائل 1830–1863م"، مجلة الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية، مج 10، العدد 2 (2025)، ص 530–531؛
Rodrigue Oucif, " Lalla Fatma N’Soumer, figure de la résistance à la conquête française de l’Algérie."
La Revue d’Histoire Militaire, 9/12/2021, consulté le 28/9/2025, sur : https://larevuedhistoiremilitaire.fr/2021/12/09/lalla-fatma-nsoumer-figure-de-la-resistance-a-la-conquete-francaise-de-lalgerie/
[8] Samia Touati, op.cit.
[9] Ibid.
[10] Ibid.