تسجيل الدخول

دوامة المعرفة

(‫Knowledge Spiral‬)



الموجز

دوامة المعرفة هي نموذج تنظيمي لخلق المعرفة يشرح كيفية ظهور الميزة التنافسية من خلال التفاعل المستمر بين المعرفة الضمنية والمعرفة المدونة، وهو ما يحول الخبرة الفردية إلى تعلم جماعي، وممارسات مشتركة، وأنظمة موثقة، وابتكار متجدد. ومن خلال ربط أبعاد التفاعل الاجتماعي، والتعبير الخارجي، والدمج، والاستيعاب الداخلي، لا يصور نموذج "دوامة المعرفة" المعرفة بوصفها أصلًا ثابتًا، بل بوصفها عملية دينامية تُتداول عبر المستويات: الفردية، والجماعية، والتنظيمية. وتكمن قيمته الأساسية في إظهار كيفية تحويل المؤسسات الخبرات المتفرقة إلى قدرات مشتركة تدعم التكيف، والإبداع، والأداء الاستراتيجي.

مفهوم دوامة المعرفة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

دوامة المعرفة (Knowledge Spiral) هي نموذج تنظيمي لخلق المعرفة، التي لا يُنظر إليها بوصفها أصلًا ثابتًا، بل بوصفها عملية دينامية تُتداول عبر المستويات: الفردية، والجماعية، والتنظيمية. ويندرج هذا النموذج، الذي طوره الاقتصاديان اليابانيان: إكوجيرو نوناكا (Nonaka Ikujirō، 1935-2025) وهيروتاكا تاكيوتشي (Hirotaka Takeuchi، 1946-)[1]، ضمن منظور للمنظمة بوصفها نظامًا عقلانيًا[2]، موجهًا نحو السعي لتحقيق أهداف محددة، وتتميز ببنيات هرمية رسمية، قادرة على خلق المعرفة بهدف المنافسة. ويفترض هذا المنطق الأولوية الاستراتيجية للمعرفة بوصفها موردًا ذا خاصية جوهرية يلبي الشروط اللازمة لنشوء الميزة التنافسية للشركة[3].

وقد اهتم نوناكا وتاكيوتشي بشكل أساس بعملية خلق المعرفة التنظيمية، أي "قدرة الشركة كلها على خلق معرفة جديدة، ونشرها في داخلها، ودمجها في منتجاتها وخدماتها وأنظمتها"[4]، فعند الاقتصاديين اليابانيين، تتيح هذه العملية فهم الآليات التي من خلالها تدمج المنظمة التعلم الذي يحققه الأفراد في التعلم التنظيمي، على نحو موجه نحو الابتكار والعمل الاستباقي. ويُعد بذلك عمل نوناكا وتاكيوتشي جزءًا من رؤية التغيير الدائم الناتج عن عملية خلق المعرفة، بغرض الاستجابة لضغوط السوق بالابتكار المستمر، بوصفها قبل كل شيء عملية تفاعلية، تشمل جميع مستويات المنظمة، فالمعرفة هنا هي تزيد على أصول غير ملموسة وقدرات فكرية؛ إنها تسمح بتطوير الأصول غير الملموسة الأخرى، مثل: المعرفة التكنولوجية، وتصميم المنتجات، والتسويق، وفهم العملاء، والإبداع الشخصي، وغير ذلك.

منطلقات دوامة المعرفة

نقطة انطلاق نوناكا وتاكيوتشي في بناء نموذجهما هي التمييز الأساسي بين "المعرفة الضمنية" (Tacit Knowledge) و"المعرفة المدونة" (Codified Knowledge)، فالمعرفة المدونة هي تلك المعرفة التي يمكن تحويلها إلى إجراءات منظمة أو تفكير منطقي، ومن ثم تدوينها. وتصبح هذه المعرفة التي تُدون بعد ذلك منتجًا قابلًا للتسويق، يمكن تخزينه بسهولة في قواعد البيانات، وإدخاله في الأنظمة المتخصصة، وإعادة إنتاجه بنسخ عديدة، ونقله عبر الشبكات، في حين تشمل المعرفة الضمنية جميع أنواع المعرفة التي لا يمكن التعبير عنها خارج نطاق فعل الشخص الذي يحملها وممارسته، ولا يمكن تصنيفها أو تدوينها بشكل منهجي. ومن ثم، يصعب تدوين المعرفة الضمنية / أو نقلها إلا من خلال التدريب أو الرفقة أو التفاعل من خلال الممارسة والتجارب الشخصية، وعلى مدى زمني غير قابل للضغط. وبذلك ليست المعرفة الضمنية منفصلة عن المعرفة المدونة، بل هما متكاملتان ووجهان لعملة واحدة[5].

ويُعد نوناكا وتاكيوتشي أول من ربط نجاح الشركات اليابانية بقدرتها على خلق معرفة جديدة ومشاركتها بفعالية. وفكرتهما الرئيسة أنه عندما تُنشأ معرفة جديدة، ينبغي أن تستجيب الشركة بسرعة لمتطلبات العملاء، وتخلق منتجات جديدة، وطرائق جديدة للعمل، وتحافظ على الميزة التنافسية للشركة. ومن ثم، عمدا إلى إنشاء نموذج "دوامة المعرفة" (Knowledge Spiral)، الذي يبرز كيفية توليد المعرفة، ونقلها، وإعادة إنشائها، داخل المؤسسات، عبر أربع مراحل: "التنشئة الاجتماعية، والإظهار الخارجي، والتركيب، والاستبطان" (Socialization, Externalization, Combination, and Internalization, SECI)، تتفاعل فيها المعرفة المدونة والضمنية معًا على نحو حلزوني[6]:

  1. من المعرفة الضمنية إلى المعرفة الضمنية (Socialization): يسمح هذا النمط من التنشئة الاجتماعية بمشاركة المعرفة الضمنية من دون استخدام اللغة، جزءًا من التجربة. وفيها يتفاعل الأفراد، ويتشاركون الخبرات من دون استخدام اللغة، ولكن من خلال الملاحظة والتقليد والممارسة. وتمثل هذه العملية وفق نوناكا وتاكيوتشي نقطة البداية في دوامة المعرفة. وفيها تُتبادل المعرفة الضمنية خلال التفاعلات الاجتماعية اليومية، وهو ما يؤدي إلى ظهور معرفة ضمنية جديدة. إنه التعلم بالممارسة، وبـ"المشافهة"، وبـ"المناظرة".
  2. من المعرفة الضمنية إلى المعرفة المدونة (Externalization): يتمّ الإظهار الخارجي للمعرفة عن طريق جعل المعرفة الضمنية واضحة من خلال التحليل والاستعارات. وهي ليست عملية نقل مباشر، بل هي عملية تدوين تأخذ شكل لغة وصور ونماذج مشتركة داخل المجموعة. وبذلك تُمنح المعرفة الضمنية شكلًا وإطارًا محددًا.
  3. من المعرفة المدونة إلى المعرفة المدونة (Combination): تنتقل المعرفة المدونة من شخص إلى آخر عبر عملية التركيب وإعادة التركيب. ويتبادل الأفراد والمجموعات المعرفة ويجمعونها من خلال آليات متعددة للتبادل، مثل: الاجتماعات الرسمية، والمحادثات، وغيرها. وهي مرحلة الترشيد، حيث تُحل التناقضات بالطرائق العلمية المبنية على التحليل المنطقي، ويُعاد تشكيل المعلومات الموجودة من خلال الفرز، وإعادة التصنيف، وإعادة صياغة السياق، وهو ما يؤدي إلى معرفة جديدة. ويمكن أن تنتقل هذه المعرفة بين مجموعات منفصلة عن المنظمة.
  4. من المعرفة المدونة إلى المعرفة الضمنية (Internalization): يسمح هذا النوع من الاستبطان باستيعاب المعرفة المدونة في المعرفة الضمنية من خلال التعلم عن طريق "التعلم بالممارسة"، وهو ما يتجاوز الاستقبال "السلبي" اليسير. وفي نهاية تطبيقها في المواقف العملية، تصبح هذه المعرفة المدونة أساسًا لأعمال اعتيادية جديدة، وهو ما يسمح بظهور معرفة ضمنية جديدة، وبدء مرحلة جديدة من التنشئة الاجتماعية.
    ‫نموذج "دوامة المعرفة" عند نوناكا وتاكيوتشي‬

    حذف الصورة؟

    سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


 وفي هذا النموذج، تتبع المعرفة دورة "تُستخرج" فيها المعرفة الضمنية لتصبح معرفة صريحة، و"يُعاد استيعاب" المعرفة الصريحة في المعرفة الضمنية[7]. ويصف نوناكا وتاكيوتشي النموذج بأنه حلزوني وليس دائريًا، لأنه يمثل الحركة المستمرة للمعرفة، إذ يعتمد على الجمع وإعادة التركيب بين المعرفة الضمنية والمعرفة المدونة. وعلى هذا النحو، تواصل الشركة الابتكار بشكل مستمر.

تطبيقات دوامة المعرفة وممارساتها التنظيمية

يُعدّ نموذج "دوامة المعرفة" نموذجاً لإدارة المعرفة يهدف إلى اكتساب معرفة أعضاء الفريق وتنظيمها ومشاركتها وتجديدها ، من أجل تحسين أداء المنظمة كلها. ومن خلال هذا النموذج، يمكن تحديد "أفضل الممارسات" لإدارة المعرفة في المنظمة[8]:

  1. تحديد من يمكن أن يشارك: ومحاولة إشراك أكبر عدد ممكن من الناس في خلق المعرفة، وتزويدهم بوسائل المشاركة، إذ من شأن بعض الأشخاص المشاركين، مثل أولئك الذين يتمتعون بخبرة متخصصة، أن يلهموا جميع المشاركين، وأن يحفزوا بذلك عملية خلق المعرفة.
  2. تخطيط إدارة المعرفة: من خلال تحديد احتياجات المنظمة لتصبح أكثر قدرة على المنافسة، وهو ما يسمح بدوره بتحديد المعرفة الضمنية التي ينبغي إظهارها الخارجي، فعلى سبيل المثال، قد يكون لدى شخص في قسم المحاسبة سنوات من الخبرة التي يمكن تحويلها إلى نهج جديد مبتكر لوضع الميزانية، وهو ما يمكن تقاسمه مع الآخرين لخفض التكاليف.
  3. خلق السياق الصحيح: من خلال إنشاء علاقات جيدة داخل فرق العمل في المنظمة والحفاظ عليها. ومنها على سبيل المثال منح أعضاء الفريق الوقت لمناقشة أفكارهم، وإنشاء مساحات وأماكن هادئة لهم لذلك، وتقديم الدعم الفني لمبادرات إدارة المعرفة.
  4. توفير إطار للمحادثات: إذ إن الأفراد داخل المؤسسة بحاجة إلى التحدث بانتظام عما يعرفونه. وعندما يفعلون ذلك، يمكنهم مشاركة المعلومات، وتقديم وجهات نظر مختلفة، وإنشاء وجهات نظر جديدة.
  5. إتاحة المعرفة المحلية: غالبًا ما تظل المعرفة المتخصصة معزولة في قسم من المنظمة أو مع شخص واحد، وهو ما قد يسبب مشكلات حقيقية إذا غادر ذلك الشخص. ومن خلال جعل المعرفة التي تمتلكها المنظمة في فرقها متاحة للجميع، فإنهم يحصلون على المعلومات التي يحتاجون إليها، عندما يحتاجون إليها.
  6. تدوين المعرفة الصريحة: إذ يحتاج الأشخاص الذين يودون الوصول إلى المعرفة الصريحة إلى معرفة مكان العثور عليها. ولذلك ينبغي للمنظمة التأكد من توثيقها بشكل مناسب.

وتتمثل نقطة إضافية في نموذج "دوامة المعرفة" في كونه يفترض أن الفرد والجماعة متكاملان في عملية خلق المعرفة، إذ يتعلم الفرد من خلال تدريباته وخبراته الأولية، وينقل تعلمه إلى الأعضاء الآخرين في مجموعته من خلال التفاعلات بين الأشخاص. ويمكن بعد ذلك تنفيذ عملية خلق المعرفة من خلال التواصل البناء بينهم. وتأخذ عملية خلق المعرفة شكل دوامة تبدأ على المستوى الفردي، وتثري على مستوى الفريق، وتنتشر إلى المستوى التنظيمي[9].

كذلك تجدر الإشارة إلى أن إكوجيرو نوناكا قد طور في أعقاب ذلك النموذج بمعية نوبورو كونو من خلال تقديم المفهوم الياباني "با" (Ba)، الذي يعني حرفيًا "مكان العمل"، ويمكن اعتباره سياقًا مشتركًا أو مجالًا مشتركًا يجري من خلال مشاركة المعرفة، وإنشائها، واستخدامها. وهو بذلك مفهوم يوحد المجال المادي، مثل مساحة المكتب، والمجال الافتراضي، مثل البريد الإلكتروني، والمجال العقلي، مثل الأفكار المشتركة[10].

المراجع

Hamel, Gary & C. K. Prahalad. Competing for the Future. Cambridge: Harvard Business School Press, 1994.

Scott, Richard W. Organizations: Rational, Natural, and Open Systems. 4th ed. Upper Saddle River, NJ: Prentice Hall, 1998.

Nonaka, Ikujirō. “A Dynamic Theory of Organizational Knowledge Creation.” Organization Science. vol. 5, no. 1 (1994). pp. 14–37.

________ & Hirotaka Takeuchi. The Knowledge-Creating Company: How Japanese Companies Create the Dynamics of Innovation. New York & Oxford: Oxford University Press, 1995.

________ & Noboru Konno. “The Concept of Ba: Building a Foundation for Knowledge Creation.” California Management Review. vol. 40, no. 3 (1998). p. 45.

von Krogh, Georg, Kazuo Ichijo & Ikujiro Nonaka. Enabling Knowledge Creation: How to Unlock the Mystery of Tacit Knowledge and Release the Power of Innovation. New York & Oxford: Oxford University Press, 2000.

[1] Ikujirō Nonaka & Hirotaka Takeuchi, The Knowledge-Creating Company: How Japanese Companies Create the Dynamics of Innovation (New York & Oxford: Oxford University Press, 1995).

[2] Richard W. Scott, Organizations: Rational, Natural, and Open Systems, 4th ed. (Upper Saddle River, NJ: Prentice Hall, 1998).

[3] Gary Hamel & C. K. Prahalad, Competing for the Future (Cambridge: Harvard Business School Press, 1994).

[4] Nonaka & Takeuchi, p. 21.

[5] Ibid.

[6] Ibid.

[7] Ibid., p. 284.

[8] Georg von Krogh, Kazuo Ichijo & Ikujiro Nonaka, Enabling Knowledge Creation: How to Unlock the Mystery of Tacit Knowledge and Release the Power of Innovation (New York & Oxford: Oxford University Press, 2000).

[9] Ikujirō Nonaka, “A Dynamic Theory of Organizational Knowledge Creation,” Organization Science, vol. 5, no. 1 (1994), pp. 14–37.

[10] Ikujiro Nonaka & Noboru Konno, “The Concept of Ba: Building a Foundation for Knowledge Creation,” California Management Review, vol. 40, no. 3 (1998), p. 45.

المحتويات

الهوامش