تسجيل الدخول

أوديب الملك

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم

أوديب (باليونانية: Οἰδίπους، بالإنكليزية: Oedipus)

المجال

أسطورة إغريقية، واسم البطل التراجيدي في مأساة أوديب الملك للكاتب اليوناني سوفوكليس.

الفترة

اشتهرت في القرون السابع والسادس والخامس قبل الميلاد.

شخصيات مهمة في الأسطورة

أوديب (البطل)، ولايوس (والد أوديب)، وجوكاستا (أمه)، وتايريسيس (العراف)، وكريون (خاله).



أوديب الملك (باليونانية: Οἰδίπους، بالإنكليزية: Oedipus): شخصية أسطورية في الميثولوجيا الإغريقية، وسليل البيت الملكي لمدينة طيبة (Thebes). عرف المجتمع اليوناني قصته جيدًا، وأشار إليها كتّاب يونانيون، مثل هوميروس (Homerous، نحو القرن الثامن ق. م.) في ملحمته أوديسة (Odyssey)، والشاعر هسيودوس (Hesiod، ت. 776 ق. م.) في قصيدته "أصل الآلهة" (Theogony)، وأسخيلوس (Aeschylus، 525-456 ق. م.) في رباعيته المسرحية "سبعة ضد طيبة" (بالإنكليزية: Seven Against Thebes)، لكن أسطورته اشتهرت أكثر حينما خصص الشاعر اليوناني سوفوكليس (Sophocles، 469 ق. م.-405 ق. م.) إحدى مآسيه الدرامية (التراجيديا) للحديث عنها. جاءت مأساة سوفوكليس بعنوان مأساة أوديب (Oedipus Rex) أو أوديب الملك (Oedipus the King)، التي رمزت إلى صراع البشر مع الحتمية القدرية، وصورت عبثية الإنسان في سعيه لتفادي ذلك القدر، من خلال مأساة بطلها أوديب. لاقت مسرحية أوديب الملك شهرة واسعة عبر العصور، وتُرجمت إلى عدة لغات. كذلك طُوِّعت (أعيد صياغتها وإخراجها) مرارًا من كُتّاب ومخرجين عالميين لأهداف مختلفة، وقدمت مدارس وحركات نقدية قراءات مختلفة لها.

الأسطورة

يعود اسم أوديب للكلمة اليونانية Οἰδίπους، وهي اسم مكون من الفعل اليوناني oideō ويعني "يتورم"، والكلمة pous التي تعني "القدم"، فتعني مجتمعة "صاحب القدم المتورمة". أطلق هذا الاسم على أوديب؛ نسبة إلى عرج موجود في قدمه نتج من، كما تقول الأسطورة، ثقب والده لايوس (Laius) كاحليه عندما كان رضيعًا، وربطهما بحبل وعصا، قبل أن يُرمى بعيدًا ليموت[1].

تبدأ الأسطورة بمولد رضيع ذكر، لملك مدينة طيبة (لايوس) وزوجته الملكة جوكاستا (Jocasat). وبسبب نبوءة قديمة تلقّاها لايوس من عرّافي معبد دلفي التابع للإله أبولو (Apollo) تحذر من أن الابن الذي سيرزقان به سيقتل أباه الملك لاحقًا ويتزوج من أمه الملكة، يحاول لايوس تفادي تلك النبوءة، ليطلب من خادم أخذَ الطفل وإلقاءه على جبل كيثايرون (Cithaeron)، فيموت في العراء، بعد أن ثقَب كاحليه وقيدهما بحبل. يشفق الخادم على الرضيع ويتردد في رميه، ويمنحه لراعٍ في الجبل بدلًا من ذلك، فيُهديه الأخير لبوليبس (Polybus)، ملك مدينة كورنيث وزوجته الملكة ميروب (Merope)، فيتخذانه ابنًا لهما بالتبني، ويطلقان عليه اسم أوديب، نسبة إلى العرج في قدميه.

يشب أوديب ويكتسب قوة وشجاعة وذكاءً، معتقدًا أنه الابن الحقيقي للملك بوليبس، ويسيطر عليه الغرور والعناد وسرعة الغضب، وحبه للمعرفة والبحث في حقائق الأشياء. يحدث ذات يوم، وفي أثناء جلوسه في إحدى الحانات، أن يغضب فيتشاجر مع رجل عجوز ثمل، فيخبره الأخير بأنه ابن الملك بوليبس بالتبني، فيصدم أوديب، ويسارع إلى التأكد من صحة مزاعم الثمل، من خلال الرجوع إلى عرّافي معبد دلفي (Delphi). يرفض العرافون الإجابة عن استفساره، وبدلًا من ذلك، يحذره أحدهم من لعنة ستقوده إلى قتل أبيه يومًا ما. يعود أوديب مثقلًا بتلك النبوءة، ويقرر الفرار من المدينة لتفادي قتل أبيه بوليبس.

[الصورة1]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


سرعان ما يقود القدر أوديب بعد فراره إلى مدينة طيبة، تلك المدينة التي يحكمها لايوس وزوجته جوكاستا، وقريبًا منها وعلى مفترق طرق، يصطدم أوديب مع مجموعة حراس يقودون عربة، فيأمرونه بالتنحي عن الطريق، فيرفض أوديب الانصياع لأمرهم، ويقوده عناده لقتل من في العربة جميعًا. لا يدرك أوديب حينئذٍ أنه أقدم على قتل ملك طيبة، والده الحقيقي لايوس.


يكمل أوديب الطريق فيواجه المسخة (The Sphinx)، وهي كائن أشبه بأبي الهول، برأس امرأة وجسد لبؤة، سُلطت مِن الآلهة على أهل طيبة بوصفها لعنة تذيقهم مرّ العذاب، وتأخذ منهم الأعطيات، للسماح لهم بالدخول والخروج من مدينتهم وإليها. فتُجبِر أوديب على الاختيار بين أن يُقتل وأن يمر بسلام، إن تمكن فقط من حل لغزها الشائك على البشر. تسأله عن الشيء "الذي يمشي على أربع في الصباح، واثنين في المساء، وثلاث في الليل"[2]، فيجيب أوديب بلا تردد، بأنه الإنسان في رحلته من المهد إلى اللحد، ومن الضعف إلى القوة ثم الضعف. تموت المسخ غيظًا من قدرة أوديب على حل لغزها، ويكون أوديب بذكائه قد خلّص أهل طيبة من تلك اللعنة التي حلّت بهم. يشكر أهل طيبة أوديب، وينصّبونه ملكًا عليهم بوصفه بديلًا لملكهم المقتول، ويزوجونه أرملة الملك جوكاستا، فتنجب منه ولدين: إتيوكليس (Eteocles) وبولينيسيس (Polyneices)؛ وابنتين: أنتيغون (Antigone) وإسمين (Ismene) (الصورة 1).

مأساة أوديب الملك لسوفوكليس

طوّر سوفوكليس أسطورة أوديب، وبرع في تفصيلها وتقديمها بلغة شعرية منمقة، جعلت منها مأساة مشهورة ترددت في الأذهان عبر العصور. لم تكن مسرحية أوديب الملك (عرضت لأول مرة سنة 429 قبل الميلاد تقريبًا) الوحيدة التي كتبها سوفوكليس، لكنه سطّر مأساة البيت الملكي الطاباوي في ثلاثية مسرحية تراجيدية، بدأها بمسرحية أوديب الملك (باليونانية: Οἰδίπους Τύραννος، وترجمت إلى الإنكليزية باسم Oedipus The King ، وOedipus Rex، وOedipus Tyrranus)، ثم كتب المأساة الثانية أوديب في كولونوسOedipus at Colonus سنة 406 قبل الميلاد تقريبًا، فأكمل فيها قصة أوديب بعد إصابته بالعمى ونفيه مع ابنتيه إلى مدينة كولونوس، وأنهى السلسلة بمسرحية أنتيغون (باليونانية: Ἀντιγόνη، بالإنكليزية: Antigónē) التي تتحدث عن ابنة أوديب، أنتيغون، وصراعها مع خالها الملك كريون، الذي أصبح مستبدًّا بعد رحيل والدها عن طيبة.

بدأ سوفوكليس مسرحية أوديب الملك بتمهيد (برولوغ/ Prologue) قدم فيه للقصة، وقسم المسرحية إلى خمسة مشاهد درامية - قسمت لاحقًا إلى ثلاثة فصول - تفصل بينها قصائد تغنى من الجوقة، واختتم المسرحية بمشهد الخروج (Exodos). كتبها بلغة شعرية رفيعة، مستخدمًا لغة مجازية مليئة بالمفارقات الدرامية (Dramatic Irony)، وأسلوب الاسترجاع (Flashback) والاستدلال (Foreshadow)؛ كذلك استخدم الحوار الدرامي المكثف بين الشخوص الدرامية، المشحونة بالعاطفة وتبادل الاتهامات والوعيد بالعقوبات، وضمّن مسرحيته مشاهد عنف محددة، مثل انتحار جوكاستا واقتلاع أوديب عينيه مستخدمًا الدبابيس، لكنها لا تحدث أمام الجمهور، بل تسرد لهم من أحد الممثلين أو الجوقة.

الحبكة الدرامية

تبدأ المسرحية بدخول شيوخ المدينة، تتبعهم جموع النساء والأطفال، خائفين ومتضرعين أمام مذبح الآلهة، يناشدون أوديب أن يخلصهم من الطاعون الذي فتك بمدينتهم، وترك النساء عواقر، والأراضي قاحلة، والضروع جافة، وهو الذي قد خلصهم من لعنة المسخ سابقًا. يصغي أوديب لشكواهم باهتمام وشفقة، ويخبرهم بأنه لن يتوانى عن بذل كل مجهود لمعرفة السبب، وأنه قد أرسل نسيبه وأخا زوجته (كريون) إلى العرافين في معبد الإله أبولو، ليعرف منهم سبب اللعنة. وحالما يعرف السبب، سيخلص المدينة من الطاعون. يقول أوديب: "ارموني بالكذب أو الخيانة إن فررت/ من أي مهمة سماوية بها أمرتُ"[3].

سرعان ما يحضر كريون مستبشرًا، ويخبر أوديب ومن معه بأن العرافين قد أعلموه السبب، وهو أن اللعنة حلت على المدينة، بسبب وجود قاتل الملك لايوس فيها. وللخلاص، لا خيار لهم إلا معاقبة قاتله، أو إخراجه من أرض طيبة. يلقي أوديب عندئذٍ خطابًا أمام أهل طيبة، معلنًا أنه سيلاحق القاتل بكل ما أوتي من عزم:

على عهدتي، سأمضي قدمًا باحثًا ومنهيًا

عتمتنا تلك. حسنًا ما فعل العراف فويبس، وأنت كذلك أيضًا،

بإثارة مسألة الملك المقتول الآن.

ومعكم ومع الحق سأقف بإصرار

مطيعًا للرب وحارس كل الدار،

ولست أظن بأني من هذا الجرم بعيد،

لكن من أجلي أيضًا سأجعل هذا الآثم

طريدًا. أيًّا كان القاتل، قد تسعى اليد الآثمة لقتلي

وإن ينل لايوس كل اهتمامي، لأني كذلك أخاف

على دمائي. قفوا! وغادروا درجات المذبح

يا أبنائي. واحملوا معكم أغصان صلاتكم

ونادوا في طيبة بأعلى صوتكم

قولوا عني: هذا نذري، أن أحفظكم حتى الأبد

إما أن الرب يبارك مجدي، وإما من ضمن الهلكى للأبد يصيرني"[4].

وتدخل الجوقة تغني لأمجاد طيبة في كنف حاميهم أوديب، وتصلي لأثينا (Athena) إلهة الحكمة والقوة، ولآرتميس (Artemis) إلهة الخصوبة والإنجاب، ولأبولو (Apollo) الإله الشاب، فجميعهم أبناء الإله زيوس، إله السماء ورب الأرباب في الميثولوجيا الإغريقية. يخاطب أوديب أهل المدينة مرة أخرى، ويحث القاتل على الاعتراف بجريمته، ويعِدُه بالاكتفاء بطرده من المدينة، ويهدد أن يلحق بكل من يحاول التستر على الجاني أشد العقوبات. يستمر أهل طيبة وملكهم بالبحث لمعرفة القاتل من دون جدوى، فيزداد أوديب حيرة وارتباكًا، بل لا يرعوي عن أن يقوده عناده إلى أن يستفسر عن كل شيء، ويتحكم حرصه في معرفة أدق الأمور به، فيصير به البحث إلى الشك في كل شخص إلا ذاته.

يظهر العراف تايريسيس (Tiresias) الضرير يقوده أحد الفتية، فيستجديه أوديب ليخبره بما استعصى عليه وعلى أهل طيبة من علم، لكن تايريسيس يمتنع عن الإجابة في بداية الأمر، معللًا أن المعرفة من خصائص الآلهة، وعلى الإنسان تقبّل مصيره برحابة صدر. يضرب أوديب بنصيحته عرض الحائط، ويصرّ عليه بالإجابة، ويتهمه بالتستر على القاتل، ويهدده بعقوبة السجن. وبهذا الاتهام، لا يدع أوديب للعراف خيارًا سوى أن يفصح عن حقيقة أن أوديب، إن كان جادًّا في بحثه عن القاتل، فعليه البدء بنفسه: "أنت تبحث عن رجل قاتل، لكنك أنت هو"[5]. يدهش أوديب لجرأة العراف وردّه، ويتهمه بالخرف وفقدان البصر والبصيرة، أو ربما يكون العراف قد خطط مع كريون لزجّ أوديب في هذه الجريمة والتخلص منه طمعًا في العرش، ثم يكيل الاتهامات لهما بأنهما قاتلا الملك لايوس الحقيقيان. يرد تايريسيس بأن أوديب مبصر، لكنه أعمى من الداخل، وأنه سرعان ما سيكتشف جهله، بل في اليوم الذي سيعرف أوديب فيه هويته وأصل ولادته، سيكون هو اليوم نفسه الذي تُعلَن فيه نهايته.

يدخل كريون محاولًا تبرئة نفسه من التهم الملفقة له من دون أدلة، لكن أوديب يصرّ على أن كريون مجرم، ولا بد من معاقبته. تسارع زوجته جوكاستا لإنهاء الصراع بين زوجها وأخيها، مطمئنة أوديب بأن نبوءات العرافين غالبًا ما تبوء بالفشل، فقد أخبرها العرّافون هي وزوجها لايوس مسبقًا، بأن طفلًا يُرزَقان به سيقتل أباه الملك، وسيتزوج منها بعد أن يكبر، ولكن هذه النبوءة لم تتحقق. يدخل لأوديب الشك جراء الاستماع لها، ويتذكر تلك النبوءة المشابهة لنبوءة جوكاستا، التي سمعها عندما كان في مدينة كورنيث، ثم يدفعه شكه للسؤال عن شكل الملك لايوس، وعن الوقت الذي قتل فيه، وعن مكان الجريمة، فتجيبه جوكاستا إجابة تثير مخاوفه أكثر، فيتذكر أوديب قتله للحرس، ويشك بأنه قد قتل الملك من دون أن يعرف، فيصرخ خائفًا: "يا للشقاء! أخشى تمامًا أن أكون – من دون أن أدري - قد كلت اللعنات على نفسي منذ قليل"[6].

[الصورة2]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


[الصورة3]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​سرعان ما يدخل رجل قادم من مدينة كورنيث، فيبشر أوديب بأنه سيصبح ملكًا بعد وفاة أبيه بوليبس، ويظهر بأن هذا الرجل هو الراعي نفسه الذي أخذه سابقًا وأهداه إلى الملك بوليبس، فيحزن أوديب لسماع خبر موت بوليبس في مدينة كورنيث، لكنه يشعر بالطمأنينة في سره لعدم تحقق النبوءة، ظنًّا منه أن والده بوليبس قد مات ميتة طبيعية، من دون أن يكون لأوديب يد في ذلك، فيخبره الراعي بألا يحزن، لأن بوليبس هو أبوه بالتبني فقط، وحدث هذا عندما أخذه من الخادم في الجبل، وأهداه لبوليبس قديمًا. تعود الشكوك إلى أوديب مرة أخرى، ويطلب أن يأتوه بالخادم العجوز، ليتأكد من كلام الراعي، فيأتي الخادم العجوز، ويرفض بداية أن يخبر بالحقيقة، لكنه سرعان ما يؤكد الخبر تحت تهديد أوديب، فتظهر الحقيقة أمام أوديب وجوكاستا والناس، ويدركون عندئذٍ تحقق النبوءة الذي يدفع جوكاستا إلى الانتحار، ويجعل أوديب يقتلع عينيه اللتين لم تُعيناه على رؤية الحقيقة، ثم يصدر أمرًا بنفي نفسه مع أبنائه من المدينة (الصورتان 2 و3).

موضوعات المسرحية

الغالب أن الأثينيين قد عرفوا أسطورة أوديب جيدًا، وتدل الإشارة إليها في أعمال بعض الشعراء على شهرتها آنذاك، ولكن لم يسبق تقديمها للأثينيين بهذه التفاصيل الدقيقة، كما هو الحال في مأساة أوديب الملك لسوفوكليس، التي وصفها أرسطو في كتابه فن الشعر Poetics بأنها أحد أهم المآسي، وعدّ حبكتها الدرامية وبطلها وشخوصها مثالًا جيدًا على التراجيديا المحكمة[7]. اشتهرت المسرحية جراء تطرقها لموضوعات وجودية تهم البشر في فهم مصيرهم وعلاقتهم بالقدر والمستقبل والسماء، دون أن تجيب عن تلك الأسئلة بوضوح، وأقبل على دراستها الكتّاب والنقاد في العصور اللاحقة، وترجمت إلى لغات كثيرة. عرضت مأساة سوفوكليس مرارًا في مسارح أثينا، وفي احتفالات تقديس الإله ديونيسوس (Dionysus)، إله الخمر والنشوة عند الإغريق، التي تُقام في كل سنة. كذلك مكنت المسرحية كاتبها من الحصول على جوائز كثيرة آنذاك، بِعَدّها واحدة من أفضل التراجيديات التي عرضت.

ثنائية الحتمية القدرية ضد الإرادة البشرية الحرة

فُسرت تراجيدية أوديب الملك في مضمونها، على أنها تجسيد لتلاعب القدر بالبشر، وعبثية الصراع الإنساني لتفادي ذلك المصير المحتوم. هرب أوديب من مدينة كورنيث عندما سمع بالنبوءة، معتقدًا أن هروبه سيحول بينه وبين قتل والده، فيجد الأقدار تسوقه إلى المصير المحتوم، وقد حاولت جوكاستا أن تقنع أوديب بعبثية النبوءة، فصدمت بتحققها في النهاية.

لكن سوفوكليس يقدم الأسطورة من منتصفها، جاعلًا من الحتمية القدرية أساسًا لفهم تراجيديته، فالأسطورة، بحسب كثير من المصادر، تبدأ قبل ذلك بكثير، وهي امتداد لأحداث مأساوية، ارتكبها والده لايوس مسبقًا؛ حينما كان لايوس شابًّا، رحل إلى مدينة بيلوبونيس (Peloponnese) في جنوب اليونان، فاستقبله ملك المدينة بيلوبو (Pelopo) وزوجته هيبوداميا (Hipoodamia)، ورفعا شأنه بجعله معلّمًا لابنهما كريسبوس (Chrysippus)، لكن النفس الآثمة، دفعت لايوس إلى التعدي على ابن الملك واغتصابه بعد اختطافه، ثم هروبه بعيدًا. انتحر كريسبوس جراء الخزي الذي ألحقه لايوس به وبأبويه الكريمين، وانتحرت أمه هيبوداميا، ثم أصبح لايوس ملكًا لمدينة طيبة، وطلب الإله أبولو منه التكفير عن جرمه بتقديم قربان، فرفض لايوس بعد أن أصابه الغرور بملكه؛ ونتيجة لتلك الجريمة النكراء التي ارتكبها، ونكرانه للجميل، وحرمانه بيلوبو وزوجته من ابنيهما، وجراء تطاوله على أوامر أبولو، ألحق أبولو به لعنتين؛ أبا الهول الذي سيذيق المدينة مر العذاب، وحرمانه من أن يكون له طفل يرثه، من خلال النبوءة التي ستقع في حال فكر لايوس بإنجاب طفل يومًا ما. أدرك لايوس حقيقة النبوءة، وحرص على ألا يرزق بطفل، لكن جوكاستا، التي لا تؤمن بالنبوءات، أخفت حملها عنه، وعندما رُزقا بالطفل، لم يتبقَّ لديهم خيار سوى ما فعله لايوس بالطفل ليموت[8].

تقدم مسرحية سوفوكليس صراع الإنسان مع الحتمية القدرية، ودرجة تقبله لهذه الحتمية، لكنها تهمش صراع الانسان مع نفسه الآثمة، ورفضه لتحمل العقوبة السماوية. لقد أحل لايوس بجريمته النكراء اللعنة على البيت الملكي الطاباوي، واستمرت حتى مع أولاد أوديب كما بيّنتها الثلاثية التراجيدية، وهذا لا يعني انتفاء القدرية عن مسرحية أوديب الملك، لكنها لا تنحصر في اللاقصدية أو العبثية الإلهية؛ أي تلاعب الآلهة في البشر لغرض التسلية وبشكل عبثي. إن مصير الإنسان معلق بسلوكه السيئ، وبتجنبه للخير، وتتبعه غرائزه الشريرة، ورفضه للأوامر السماوية.

ثنائية العقلانية ضد الأساطير

قد تبدو مسرحية أوديب الملك تؤطر لانصياع الإنسان للحتمية القدرية (Determinism)، لكنها ظهرت في وقت بدأت فيه الفلسفة العقلانية (Rationalism) والصوفية الروحية والفلسفة التشكيكية بالظهور، التي تمثلت في أسئلة سقراط (Socrates، نحو 470-399 ق. م.) وأفكار تلميذه أفلاطون (Plato، نحو 423-347 ق. م.)، ولا سيما في كتابه الجمهوريةThe Republic، الذي رجّح فيه الفلسفة العقلية على الأساطير. لقد مثّلت مسرحية سوفوكليس الصراع بين العقل البشري، الذي تمثل في محاولة أوديب لفهم الأحداث والبحث في أسبابها؛ والنبوءات والإيمان الأعمى، المتمثل في شخصية تايريسيس الضرير. كذلك شككت جوكاستا بالنبوءة السابقة، ناصحة الملك أوديب بعدم تصديقها، والارتكاز على العقل فقط لمعرفة الحقيقة. وتمثلت الفلسفة العقلية في حل أوديب للغز المسخة، وفي طلب الناس من ملكهم أيضًا البحث في أسباب الطاعون وإيجاد حل لها. إن البحث في أسباب الأشياء، لهو دليل على عدم رضوخ الشخوص لإيمان تايريسيس الأعمى، وعلى عدم رغبتهم بالاستسلام لقدر الآلهة أيضًا، وبالرغم من أن سوفوكليس قد مكّن الحكمة الإلهية من تسيير أمور الشخوص في النهاية، فإنه يعيد تلك الأسئلة العقلية التي طرحها الفلاسفة في عصره عن جوهر الإيمان، وعن تدخل السماء العبثي في مصير الإنسان الكلي، وهو بذلك يضع هذا الصراع أمام جمهوره القادم للاحتفال بالإله ديونيسوس، قبل مشاهدتهم للمسرحية.

ثنائية المعرفة ضد الجهل

تعرض المسرحية ثنائية المعرفة/ الجهل بوضوح، من خلال حوار أوديب مع تايريسيس في حقيقة البصر والبصيرة، وفي مظاهر الأشياء الخادعة وجوهرها الحقيقي، فالعراف تايريسيس، يرمز إلى البصيرة وجوهر الأمور، في حين رمز أوديب إلى البصر بلا بصيرة، والأخذ بمظاهر الأشياء الخارجية. إن اقتلاع أوديب عينيه في النهاية، كان إشارة إلى إدراكه لحقيقة أن المعرفة تكمن في جوهر الأشياء أكثر من مظاهرها، ومع ذلك، يظل ثمة جانب مشرق في البحث عن المعرفة في هذه القصة، لأن البحث انتهى إلى معرفة كينونته وهويته. وعلى الرغم من بشاعة النهاية المأساوية التي تحدث، فإن أوديب لا يُظهر ندمًا واضحًا على البحث والمعرفة، بل يتقبل مصيره، ويتخذ قراره طوعًا، متحملًا بذلك آثام غيره.

المفارقة الدرامية

احتوت مسرحية سوفوكليس على مفارقات درامية موضوعية ولفظية، وأدرك الجمهور من خلال معرفتهم بالقصة مسبقًا هذه المفارقات. يبحث أوديب عن المجرم، مهددًا بإلحاق أصناف العذاب به، كائلًا اللعنات له، وواصفًا إياه بأوصاف عديدة، منها "المريض"، و"اليد الملعونة"[9]، لكنه لم يدرك بأنه هو القاتل ذاته، وأنه يكيل اللعنات لنفسه؛ أدرك أوديب هذه المفارقات في النهاية، وأدرك أنه هو الشخص الوحيد الذي غابت عنه تلك الحقائق. وتؤدي هذه المفارقات الدرامية دورها في إضفاء متعة وشفقة وسخرية عند الجمهور، مدركين بذلك أن ما يقوله ويتصرف وفقه البطل، سرعان ما سينقلب عليه.

قراءات نقدية للمسرحية

أرسطو وفن الشعر

تعرض النقاد لمسرحية أوديب الملك، وبحثوا في موضوعاتها وبنائها الفني والدرامي منذ القدم، وقد بدأت هذه الدراسات قديمًا عندما اتخذ أرسطو، في كتابه فن الشعرPoetics، هذه المسرحية نموذجًا مثاليًا يؤطر فيه لكتابة التراجيديا المحكمة. أعجب أرسطو بـأوديب الملك، محددًا أن ما يميّز هذه المسرحية هو احتواؤها على عناصر درامية، مثل الانعكاس في مصير البطل (Reversal، Peripeteia)، وتعني أن تدور الأحداث على عكس توقعات البطل، فيحدث عندئذٍ التغير المفاجئ بمصيره من الخير إلى الشر أو العكس. إن دخول الراعي في آخر المسرحية، ليخبر أوديب بأنه سيصبح ملكًا لمدينة كورنيث جراء موت الملك بوليبس، سرعان ما ينقلب إلى ألم حالما يدرك أوديب بأنه ليس ابن بوليبس الحقيقي، بل ابنه بالتبني[10]، ثم يضيف أرسطو، بأن أوديب يمثل البطل المثالي للتراجيديا الإغريقية، لأنه شخصية بارزة في المجتمع، وليس شريرًا آثمًا في طبيعته، وبهذه الصفات المتوفرة في أوديب، سيتحقق عند الجمهور ما يسمى بالتأثير الدرامي المنشود. ويكمن التأثير، حسب تعريف أرسطو، في إثارة مشاعر الشفقة على البطل، لأنه شخصية خيرة في طبيعتها من جهة؛ وفي إثارة مشاعر الخوف من تلقي مصيره نفسه من جهة أخرى، وعندئذٍ سيتحقق ما يسميه أرسطو بمشاعر التطهير (Catharsis) عند الجمهور، جراء المصير المأساوي للبطل الدرامي[11]، ثم يتحدث أرسطو عن خصائص الحبكة الدرامية الجيدة، مثل وحدة الأحداث والموضوع، وتسلسل الأحداث في المسرحية ضمن علاقة السبب والنتيجة، أي كل حدث سابق يقود إلى حدث لاحق، ولا تقع الأحداث فيها اعتباطًا، وهذا ما يجعل حبكة مسرحية أوديب الملك، مثالًا يقتبسه أرسطو في التأطير لكتابة التراجيديا الجيدة.

الحركة النسوية وأوديب الملك

يركز نقاد الحركة النسوية في قراءتهم لـأوديب الملك على شخصية جوكاستا أكثر من غيرها، وعلى قيم الجنسانية في المجتمع اليوناني. لقد عانت جوكاستا كثيرًا من الهيمنة الذكورية المتمثلة في الرضوخ مرارًا للذكور، بدءًا من النبوءة التي أفقدتها طفلها الرضيع، ودمرت أحلامها في امتلاكها بيتًا مستقرًا، وانتهاءً بقتلها نفسها. تنتقد القراءة النسوية فكرة تهميشها بوصفها أنثى، والتلاعب في مشاعرها، ووضعها ضمن خيارات محددة، لم تترك لها أي خيار سوى الفقد أو الموت، فالمسرحية ركزت في أحداثها كلها على تحركات الرجال وأخطائهم، في حين عاملت المرأة بوصفها أداة من أجل اكتمال الأحداث.

لم يقدم نقاد الحركة النسوية وأدباؤها قراءة لطبيعة الهيمنة الذكورية على المرأة في المجتمع اليوناني فقط، التي تظهر جلية في تصرفات العوام، أو في هيمنة العرافيين الذكور في المسرحية، لكنهم أعادوا كتابة المسرحية بأساليب جديدة تناسب أفكارهم، وبطُرُق يعطون فيها جوكاستا حرية التعبير والانتفاض ضد الذكورية، وكان من أبرز هذه التطويعات (Adaptations): مسرحية "لا يجب أن نلوم الآلهة" (The Gods Are Not to Blame) للكاتبة النيجيرية أولا روتيمي (Ola Rotimi، 1938-2000) التي نُشرت سنة 1968، ومسرحية شعرية أخرى للشاعرة الأميركية ريتا دووڤ (Rita Dove، 1952-) بعنوان "الوجه المظلم للأرض" (The Darker Face of the Earth)، التي صدرت في سنة 1994. قُدمت جوكاستا في هذين العملين بوصفها بطلة قوية، تصارع الظلم الواقع على النساء بشتى صنوفه، ولم تظهر بوصفها شخصية هزيلة ومجهولة، تخضع لقدر السماء وتحكم الرجل.

عقدة أوديب ومدرسة التحليل النفسي

في نهاية القرن التاسع عشر، كتب طبيب الأعصاب النمساوي سيغموند فرويد (Sigmund Freud، 1856-1939) كتابه تفسير الأحلام (بالألمانية: Die Traumdeutung)، وبنى جزءًا كبيرًا من نظريته وتفسيره في التحليل النفسي على أسطورة أوديب، إذ أظهر العلاقات والسلوك البشري في إطار الغرائز الجنسية الكامنة في البشر، واستخدم أمثلة من قصة أوديب، بوصفها دلالة على ما سمّاه مجازًا "حقيقة قلق الإخصاء (Castration anxiety)"، التي تواجه الأطفال الذكور عندما يصلون سن الثالثة، وحسد العضو الذكري (Penis envy) الذي تطوره الإناث في السن نفسه.

حمّل فرويد أسطورة أوديب بعدًا جنسيًّا، أي قتله لأبيه نتيجة لغيرة مسبقة، لم تمكنه من تحقيق رغباته الجنسية في الأنثى المنشودة (أمه). يؤمن فرويد أن الطفل الذكر من سن 3-5، يبدأ ميولًا جنسيًّا تجاه الأنثى المتمثلة بأمه، جراء إدراك الفرق بين أعضائه الجنسية المشابهة لأعضاء أبيه ونقصها في جسد أمه، لكن خوفه من الإخصاء وفقده لأعضائه التناسلية من منافسه الأب، وجعله شبيهًا بأمه، أي فاقدًا لذلك العضو، يخلق حالة من التردد والكبت الذي يصاحبه طيلة عمره، وهذا ما سماه فرويد قلق الإخصاء، وعلى النقيض من الطفل الذكر، تكوّن الطفلة في ذلك السن ميولًا للجنس الآخر، انطلاقًا من شعورها بضعفها، ومن شعورها بسطوة الرجل وكماله البيولوجي، المتمثل في امتلاك الأعضاء التي تفتقدها، وهو ما يعرف بحسد العضو الذكري. لم يقصد فرويد المعنى الحرفي في نظريته فقط، ولكنه قصد المعنى المجازي، وهو وضع العلاقات البشرية على أساس الاختلاف البيولوجي، الرجل المسيطر والأنثى التابعة، الذي قد يكون متأصلًا في التكوين البيولوجي لكلا الجنسين. وبهذا يقدم فرويد قراءة جديدة لمشكلة أوديب الملك، وينقلها من سياق الحتمية القدرية إلى الحتمية البيولوجية[12].

يقدم جاك لاكان (Jacques Lacan، 1901-1981) قراءة تحليلية نفسية تخالف فرويد، ويحول ذلك الصراع البيولوجي بين الأب وابنه في أسطورة أوديب، إلى صراع رمزي تتحكم فيه اللغة والأعراف، ويستمر لاكان بفكرة الإخصاء الذي يكوّنه الطفل في مرحلة ما سماها "المستوى الرمزي (Symbolic order)"، لكن الإخصاء عنده رمزي وليس حقيقيًّا كما هو الحال عند فرويد. يُعدّ الأب في مفهوم لاكان رمزًا للسلطة والقوة، أو كما يسميه "اسم الأب". يدرك الطفل هذه الرمزية باكرًا، ويسعى لتكوين علاقة منسجمة مع والده، لا توصف بالتنافسية والغرائزية كما يفسر فرويد. إن فكرة الخوف من الإخصاء عند الطفل فكرة رمزية، وهي خوفه اللاشعوري من حرمانه من السلطة الذكورية، وسرعان ما يندفع الطفل لتعلم اللغة الذكورية، والانصهار ضمن السلوك الأبوي بوصفه دافعًا لوصوله لتلك السلطة المتمثلة في الأب الذكر[13]. لا يظهر جليًا في الواقع كيف يفسر لاكان نظريته في التحليل النفسي على أسطورة أوديب كما هو الحال عند فرويد، بل يبني نظريته فقط على فكرة الإخصاء عند فرويد، التي تشكل مسرحية أوديب مصدرًا لها، ثم ينطلق فيتحدث أكثر عن نظريته من الناحية اللغوية.

قراءة ما بعد البنيوية

جاءت قراءة ما بعد البنيوية لمسرحية أوديب الملك، على النقيض من دراسة البنيوي كلود ليڤي ستروس (Claude Lévi-Strauss، 1908-2009)، الذي درس المسرحية من خلال تطبيق قوالب الأسطورة الغربية على المسرحية، وقد بيّن أهمية المسرحية وتميزها بوصفها مثالًا لفن الأسطورة، إذ بحَث في الثنائيات في المسرحية، وخلص إلى أن حركة أوديب الملك وتصرفاته قائمة على هذه الثنائيات، المتمثلة في بحثه عن المعرفة ضد فكرة الجهل، والخلاف بين الإرادة البشرية والأوامر الإلهية، وحبه للسلطة ضد الضوابط الاجتماعية، والحقيقة التي يسعى إليها، مقابل الإيمان الأعمى الذي تمثل في تايريسيس. وبهذا، يكون ستروس، كغيره من البنيويين، قد حاول فهم المسرحية من خلال هذه الأطر والقوالب الأسطورية المتبعة في الغرب، والربط بين هذه الثنائيات ودوافع الشخصيات المختلفة، وقد سعى من خلال هذه الثنائيات، إلى إيجاد منطق موحد يمكّنه من فهم الأساطير، والوصول إلى البناء الهيكلي (Structure) للمأساة الدرامية.

جاء البنيويون فيما بعد، وعلى رأسهم جاك دريدا (Jacques Derrida، 1930-2004)، وقرؤوا المسرحية قراءة تفكيكية (Deconstruction)، هادفين إلى نقد الإبستمولوجيا الغربية، وتوصلوا إلى أن المعنى الثابت، الذي بنت عليه الحضارة الغربية أساسها ووجودها، ليس ثابتًا كما يتصورون، بل متغيرًا، فيكون المعنى غير مستقر ومؤجل (Différance)، لأنه مبني على سياقات لغوية متغيرة؛ لذلك، يقدم دريدا نقده لفكرة مركزية المعنى (logocentrism) وميتافيزيقا الوجود الغربي، اللتين تأسست عليهما المركزية الغربية، وتعود أصولهما للثقافة اليونانية. لقد قرأ دريدا البنى اللغوية في مسرحية أوديب الملك، قراءة تُشكِّك في إمكانية الوصول للمعنى، وفكّك مفهوم الخير والشر فيها، ووضع الألفاظ والمعاني ضد بعضها، ووصل إلى فكرة أن المعنى تحقق من خلال البناء اللغوي فقط، وهذا البناء يتغير إذا ما وُضع في سياق آخر، ولأن هذا البناء اللغوي غير ثابت ومتغير، فإن المعنى والحقائق متغيرة وغير ثابتة في جوهرها. ويكون دريدا بهذه القراءة، قد هدم المفاهيم الغربية الثابتة بشأن ثنائية الخير والشر.

تطويعات المسرحية

خلال العصور المنصرمة، نالت مسرحية أوديب الملك اهتمامَ كثير من الكتاب والمخرجين، فطُوعت مرارًا منهم، وظهرت المسرحية بوصفها أعمالًا درامية، وأعمالًا سينمائية، وأوبرا. كان من أبرز الأفلام: أزمة أوديب (Oedipus Rex)، للمخرج البريطاني تايرون غوثري (Tyrone Guthrie، 1900-1971) سنة 1957؛ وفيلم للبريطاني فيليب ساڤيل (Philip Saville، 1927-2016) بعنوان أوديب الملك سنة 1968؛ وفيلم للمخرج الياباني توشيو ماتسوموتو (Toshio Matsumoto، 1932-2017) بعنوان موكب جنازة الورود (Funeral Parade of Roses) سنة 1969، وهو اقتباس فضفاض عن المسرحية؛ والفيلم الكولومبي العمدة أوديب (Edipo alcalde) سنة 1996، للمخرجين الكولومبيين توماس زاباتا (Tomás Zapata) وجورجي سانشيز (Jorge Sánchez، 1960-2025). وعرضت الأوبرا الصينية الملك إيدي (King Edi) سنة 1909 في مسرح بيكين بوساطة ويليام هويتشو صن (William Huizhu Sun) ووينغ جوشنغ (Weng Guosheng)، ثم الأوبرا الروسية من الموسيقار الروسي إيغور ستراڤنسكي (Igor Stravinsky، 1882-1971) بعنوان أزمة أوديب (Oedipus Rex) سنة 1927. وكيَّفت الأميركية مارثا غراهام (Martha Graham، 1894-1991) مسرحية أوديب الملك إلى فن الباليه، بعنوان رحلة ليلية (Night Journey) سنة 1947.

تكمن الفائدة من هذه التطويعات والتكييفات (Adaptation and appropriation) في خلق قراءات جديدة لمسرحية أوديب الملك تخدم هؤلاء الكتاب والمخرجين وأغراضهم الفكرية والسياسية والثقافية، وتحقق تقاربًا ثقافيًّا وتاريخيًّا بين الثقافة اليونانية والمجتمعات الحديثة. كذلك يمكن عدّ بعض هذه التطويعات إعادة صياغة للمسرحية، من وجهة نظر ما بعد استعمارية أو نسوية، تهدف إلى تمكين المهمشين ونقد الثقافة الغربية البيضاء الذكورية، التي تأسست على تقديم مثل هذه الأعمال المشهورة للعالم، بوصفها أفضل ما كتب وأُلِّف.

المسرحية في السياق العربي

استقبل العرب كغيرهم من الثقافات مأساة أوديب الملك، من خلال التطويعات والتعريب والترجمات، ووُجد من خلالهم في هذه المأساة الغربية "إلهام لإنتاج المأساة العربية من خلال المحاكاة، وأرض خصبة للسخرية السياسية"[14]، فصاغوها باللغة العربية، وأدخلوا عليها القيم الشرقية العربية والدينية لا سيما الإسلامية، وقدموها للقارئ العربي بحُلّة جديدة، لا تقل أهمية عن التطويعات العالمية، حتى باتت المسرحية "من أكثر الأساطير التراثية الإغريقية التي وظفها المسرحيون العرب في أعمالهم"[15].

تُعدّ مسرحية الملك أوديب لتوفيق الحكيم (1898-1987)، أولى خطوات رحلة مسرحية سوفوكليس في العالم العربي، كتبها باللغة العربية سنة 1949، بعد دراسة مستفيضة لنص المسرحية الغربي. تظهر هيمنة السردية الغربية على مسرحية الحكيم، وثمة تشابه ملحوظ مع النص الغربي، فلم يغير الحكيم في جوهر الحبكة والأحداث إلا الشيء اليسير، الذي يمكن وصفه بالتقديم والتأخير في الأحداث الجانبية، كبداية المسرحية التي بدأت من تفشي الطاعون في المدينة، فيُرى أوديب يقف مرتبكًا باحثًا عن أصل السبب لذلك الطاعون، لكن غيرها من الأحداث، يكاد يكون طبق الأصل عن أحداث مسرحية سوفوكليس؛ كذلك، تكاد تكون أسماء الشخوص وأدوارهم وعددهم مطابقة للنص الأصلي. وصوّر الحكيم أوديب الملك بشكل يجعل منه شخصية أقرب إلى الشخصية الانتهازية والسلطوية، التي تصارع وتنشر الشائعات من أجل البقاء في السلطة، ويهدف من هذا التغيير إلى خلق ثنائية متضادة، بين إرادة الإنسان المدمرة، والإرادة الإلهية، وبهذا يكون قد غيّر في شخصية الملك أوديب، فقد أعطى المسرحية بعدًا دينيًّا يتلاءم مع الثقافة الدينية الإسلامية[16].

أطلق علي أحمد باكثير (1910-1969) في السنة نفسها مأساةأوديب، فكانت تطويعًا جديًّا لمسرحية سوفوكليس، وقدم للمسرحية بآية قرآنية هي: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 168-169). وكأن باكثير يلخص المسرحية بهذه الآية، ويغير الصراع بين أوديب والقدر، فيجعله صراعًا بشريًّا بين الخير ويمثلِّه الملك أوديب؛ والشر ويمثِّله لوكسياس كبير كهنة المعبد الذي يستغل موقعه الديني للإطاحة بأوديب[17]. حاول باكثير تخليص المسرحية من خرافاتها الأسطورية وإعطاءها طابعًا بشريًّا، وبهذا يكون قد هاجم الكهانة من خلال تصوير الكاهن الشرير، إضافة إلى أنه هاجم فكرة الصراع البشري مع القدر[18].

لقد كتب باكثير مسرحيته بعد نكبة 1948، وحقنها بأهمية سياسية، فكبير الكهنة يمثِّل رجال السياسة، الذين يبتزون أموال الشعب وينسون همومهم. يقف أوديب إلى جانب الشعب، ويهدد بتوزيع أموال المعبد على الناس، بالرغم من تهديد الكهنة بفضح أمره، ويأتي سقوط أوديب جرّاء كشف كبير الكهنة لأمره وحقيقته في النهاية، ولا يشعر أوديب بالندم على مساعدة شعبه، لكنه لا يستطيع التعايش مع إثمه، وبهذا ينفي نفسه من المدينة.

وفي سنة 1967، صدر عمل لفوزي فهمي (1938-2021) بعنوان عودة الغائب، التي التزمت بمسرحية سوفوكليس شكلًا ومضمونًا[19]. عرضت لأول مرة سنة 1977، متأثرة بأحداث نكسة حزيران 1967 التي قدّم فيها نقدًا للقادة العرب، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر. إن الاختلاف الوحيد في مسرحية فهمي، هو أن أوديب يدرك حقيقة جريمته، لكن حبه لشعبه وإصلاح مدينته طيبة، دفعه لإكمال مسيرته رغم الألم الذي يعتصره. ويَعدّ أوديب مساعدته لشعبه تكفيرًا لإثمه، فيغضب أهل طيبة من أوديب لإخفائه الحقيقة، وإخفاقه في السيطرة على الطاعون، فيطلبون منه تركهم والرحيل[20].

ويقدم المصري علي سليمان مسرحية أوديب بشكل كوميدي، بعنوان كوميديا أوديب التي عُرضت لأول مرة في سنة 1970، وقُدِّمت بقالب عصري، استخدم فيه الممثلون الهاتف والتلفاز، فوصل سليمان الماضي بالحاضر بتلك التقنيات الحديثة، لكنه يشكك في قدرة الفرد العربي على إحداث تغيير كبير في الظروف السياسية لمرحلة ما بعد نكسة حزيران 1967. يركز أوديب على البناء الحضاري في هذه المسرحية، للخلاص من المسخ الذي يحاصر المدينة، ويشيع بين الناس أنه قد قضى عليه، لكن أهل طيبة يكتشفون حقيقة أن أوديب فشل في تخليصهم من ذلك الوحش. ويكتشف أوديب فشل مساعيه وتركيزه على البناء المادي بدل التركيز على بناء قدرات البشر[21].

وتمكنت مسرحية أوديب الملك لسوفوكليس، من إحداث تأثير غير مباشر في المسرح العربي، وهو ما تمثل في مسرحيات مثل الآكلون لحومهم (1959) لمطاع صفدي (1929-2016)، التي يصور من خلالها شخصية البطل المخلص، الذي يأتي ليخلص الشعب من الظلم. قارب الصفدي في هدفه بين بطله وبطل الأسطورة الإغريقية، وحول مأساة أوديب وحياته خارج مدينة طيبة قبل أن يصبح ملكًا عليها، إلى ذلك البطل الذي يأتي من الخارج لإنقاذ بلده[22]. وليس ببعيد، تحمل مسرحية "حكايا جوقة التماثيل"، بجزأيها: "مأساة بائع الدبس الفقير"، و"الرسول المجهول في مأتم أنتيغون"، للمسرحي السوري سعد الله ونّوس همّ المواطن العربي الفقير والمظلوم. البطل خضور، الذي يسعى لإعالة أهله بالعمل، يتعرض في الجزء الأول للتعذيب بعد أن تختطفه السلطات. ويستخدم ونّوس الجوقة، تسعة تماثيل متحدثة، لسرد الأحداث والتعليق على مصير خضور. ويظل في الجزء الثاني أربعة تماثيل، تتحدث عن شجاعة أنتيغون في البحث عن جثة أخيها لتواريها التراب بعد رفض كريون، الملك الجديد بعد أوديب، دفنه لخيانته. ثم تحدثت التماثيل عن شخصية أخرى وهي الفتاة خضرة المظلومة، التي قتل الحاكم حسن (كريون) أخاها. ويقدم ونّوس في الجزء الثاني حوارية بين الظالم والمحكوم، تظهر خوف الظالم من وعي الجمهور. وتوازي قصة المخبر حسن، الذي وثب على السلطة وتحكم بمصير خضرة وأخيها، قصة كريون الذي وثب على السلطة بعد رحيل أوديب عن المدينة وظلمه لأبناء أوديب[23].

المراجع

العربية

باكثير، علي أحمد. مأساة أوديب. القاهرة: مكتبة مصر ودار مصر للطباعة، 1947.

بكادي، محمد. "أثر توظيف التراث الأسطوري الإغريقي في المسرح العربي المعاصر: توظيف الأسطورة الأوديبية في مسرحية الملك أوديب لتوفيق الحكيم أنموذجًا". مجلة البحوث والدراسات. مج 16، العدد 1 (2019). ص 271-291.

بن هجيرة، مريم وهاجر باري. "تلقي أوديب في المسرح العربي الحديث: توفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير نموذجين". رسالة ماجستير. جامعة قاصدي مرباح. ورقلة. 2020.

جيد، أندريه. أوديب وثيسيوس: من أبطال الأساطير اليونانية. ترجمة طه حسين، ط 2. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2014 [1946].

الديب، حمزة عبد الرحيم. "أوديب وتجلياته في المسرح العربي". رسالة ماجستير. كلية الآداب. جامعة البعث. حمص. 2009.

الزبيدي، عبد الحكيم. "الرمز في مسرحية مأساة أوديب". رابطة أدباء الشام. 15/11/2003. في:

https://acr.ps/1L9BP7m

سلامة، أمين. الأساطير اليونانية والرومانية. وندسور: مؤسسة هنداوي، 2021 [1988].

الأجنبية

Aristotle. Poetics. S. H. Butcher (trans.). ebook edition, Project Gutenberg, 2008. at: https://2u.pw/RkL5Y

Bloom, Harold. Sophocles' Oedipus Rex. New York: infobase Publishing, 2007.

Bowman, Henry Newpher. The Crimes of the Oedipodean Cycle. Boston: The Gorham Press, 1918.

Buchanan, Bradley W. Oedipus Against Freud: Myth and the End(s) of Humanism in 20th Century British Literature. Toronto: University of Toronto Press, 2010.

Mahfouz, Safi Mahmoud. "The Arab Oedipus: Oriental Perspective On the Myth." Modern Drama. vol. 22, issue 2 (2012). pp. 171-196. doi: https://doi.org/10.3138/md.55.2.17

Smith, J. C. & Carla Ferstman. The Castration of Oedipus: Psychoanalysis, Postmodernism, and Feminism. New York: New York University Press, 1996.

Sophocles. Oedipus: King of Thebes. Gilbert Murray (trans.). ebook edition, Project Gutenberg, 2008. at: https://2u.pw/gToHI

THEOIK, at: https://acr.ps/1L9BPNA

[1] أمين سلامة، الأساطير اليونانية والرومانية (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2021 [1988])، ص 29؛ أندريه جيد، أوديب وثيسيوس: من أبطال الأساطير اليونانية، ترجمة طه حسين، ط 2 (وندسور: مؤسسة هنداوي، 2014 [1946]).

[2] Harold Bloom, Sophocles' Oedipus Rex (New York: infobase Publishing, 2007), p. 193.

[3] Sophocles, Oedipus: King of Thebes, Gilbert Murray (trans.) (ebook edition, Project Gutenberg, 2008), at: https://2u.pw/gToHI, p. 6, Line 70-86.

[4] Ibid., p. 10, L. 124-148.

[5] Ibid., p. 21, L. 352-363.

[6] Ibid., p. 78.

[7]Aristotle, Poetics, S. H. Butcher (trans.) (ebook edition, Project Gutenberg, 2008), at: https://2u.pw/RkL5Y, p. 16, XIV.

[8] Henry Newpher Bowman, The Crimes of the Oedipodean Cycle (Boston: The Gorham Press, 1918), p. 21-23.

[9] Sophocles, p. 77.

[10] Aristotle, p. 13, XI.

[11] Ibid., p. 14, XIII.

[12] J. C. Smith & Carla Ferstmam, The Castration of Oedipus: Psychoanalysis, Postmodernism, and Feminism (New York: New York University Press, 1996).

[13] Bradley W. Buchanan, Oedipus Against Freud: Myth and the End(s) of Humanism in 20th Century British Literature (Toronto: University of Toronto Press, 2010), pp. 150-152.

[14] Safi Mahmoud Mahfouz, "The Arab Oedipus: Oriental Perspective On the Myth," Modern Drama, vol. 22, issue 2 (2012), pp. 171-196, doi: https://doi.org/10.3138/md.55.2.17

[15] محمد بكادي، "أثر توظيف التراث الأسطوري الإغريقي في المسرح العربي المعاصر: توظيف الأسطورة الأوديبية في مسرحية الملك أوديب لتوفيق الحكيم أنموذجًا"، مجلة البحوث والدراسات، مج 16، العدد 1 (2019)، ص 277.

[16] المرجع نفسه، ص 284.

[17] عبد الحكيم الزبيدي، "الرمز في مسرحية مأساة أوديب"، رابطة أدباء الشام، 15/11/2003، شوهد في 10/12/2025، في:

https://acr.ps/1L9BP7m 

[18] يُنظر: علي أحمد باكثير، مأساة أوديب (القاهرة: مكتبة مصر ودار مصر للطباعة، 1947).

[19] يُنظر: مريم بن هجيرة وهاجر باري، "تلقي أوديب في المسرح العربي الحديث: توفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير نموذجين"، رسالة ماجستير، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة، 2020.

[20] حمزة عبد الرحيم الديب، "أوديب وتجلياته في المسرح العربي"، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة البعث، حمص، 2009، ص 111-124.

[21] المرجع نفسه، ص 96-110.

[22] المرجع نفسه، ص 156.

[23] المرجع نفسه، ص 168.



المحتويات

الهوامش