الموجز
الخشنية بلدة شركسية في الجولان السوري المحتل، كانت قبل عام 1967 مركزًا لناحية تضم قرى ومزارع عديدة في جنوب محافظة القنيطرة. تميزت بموقع بركاني وعر، وعيون مياه، وزراعة القمح والشعير والعدس والعنب والتين، وكانت فيها سوق للمواشي، وبقايا أثرية رومانية وبيزنطية وإسلامية. احتلتها إسرائيل في حرب حزيران/ يونيو 1967، وهجّرت سكانها ودمّرتها، وارتبط اسمها بمجزرة راح ضحيتها نحو عشرين شخصًا، ثم أُقيمت قربها مستوطنة كيشيت.
التسمية والموقع والمناخ
الخشنية بلدة في الجولان السوري المحتل منذ عام 1967، تقع على ارتفاع 765 مترًا فوق مستوى سطح البحر. كانت قبل الاحتلال مركزًا لناحية الخشنية، وتتبع منطقة مركز محافظة القنيطرة. وقد ضمت ناحيةُ الخشنية قبل الاحتلال 26 قرية و35 مزرعة، احتلتها قوات الاحتلال إبان حرب حزيران/ يونيو عام 1967، وهجَّرت سُكّانها جميعًا، ثم دمَّرتها بالكامل[1]، على نحو مخالف للقانون بموجب القانون الدولي، الذي ينصُّ على حظر النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميّين، أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال، أو إلى أراضي أي دولة أخرى محتلة أو غير محتلة، أيًّا كانت دواعيه[2].
شيَّدت سلطةُ الاحتلال الإسرائيلي بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وتحديدًا في أيار/ مايو 1974، جنوب موقع القرية المدمرة، مستوطنةً أطلقت عليها اسم كيشيت (بالعبرية: קֶשֶׁת)، على بعد 10 كيلومترات شرق مستوطنة كتسرين، و5.2 كيلومترات من خط فك الاشتباك بين القوات السورية والإسرائيلية[3].
يشير اسم الخشنية إلى طبيعة المنطقة المحيطة بها، التي تتميّز بتضاريسها الوعرة وحجرها الخشن. والخشنية تعني المكان الخشن أو المنطقة ذات التضاريس الوعرة باللغة العربية. وتقع البلدة في منطقة بركانية بازلتية وعرة، تنحدر أراضيها باتجاه الجنوب الغربي، على بعد 15 كيلومترًا إلى الجنوب من مدينة القنيطرة. وتحدُّها شمالًا قرى فزازة والرمثانية وعيون البجة، وجنوبًا الفحام، وغربًا قريتا البيرة وسلوقية، وشرقًا سهل الشعف، وتل كودنة الواقع داخل منطقة فض الاشتباك بين القوات السورية والإسرائيلية (احتلته إسرائيل بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024)[4]. ويُعَدّ مناخ القرية معتدلًا عمومًا، فصيفها معتدل بفضل قُربها من جبل الشيخ والبحر الأبيض المتوسط، وشتاؤها معتدل بفضل قُربها من منطقة الغور.
حياة القرية قبل الاحتلال
غوتليب شوماخر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ذكر الرحّالة الألماني غوتليب شوماخر (Gottlieb Schumacher، 1857-1925) بلدة الخشنية بعد زيارته لها لأول مرة، قائلًا إنها "قرية شتوية كبيرة على الطريق الروماني إلى الغرب من الرفيد، فيها حجارة بناء مبعثرة، ومعظم أكواخها تُهدَم"[5].
وقبل احتلالها وتدميرها في حزيران/ يونيو عام 1967، كان عدد سُكّانها نحو 1550 نسمة، موزَّعين على أكثر من 300 منزل، وغالبيتهم الساحقة من الشراكسة الذين وصلوا إليها بعد تهجير شراكسة شمال القوقاز أواخر القرن التاسع عشر. وقد أشارت مصادر أخرى إلى أن العدد كان أعلى قليلًا، إذ وصل إلى 2,015 نسمة، إذا حُسِب المقيمون في البلدة من غير أهلها.
الطرق والخدمات
قبل الاحتلال عام 1967، كان يصل إلى القرية طريق رئيس واحد يربطها بالقنيطرة، وتتفرّع منه طرق ترابية سيئة تؤدي إلى القرى المجاورة، وكانت الدوابّ تُعَد وسيلة النقل الأساسية على هذه الطرق، بينما تُستخدم السيارات على الطريق الرئيس. وكان هناك مشروع قديم لشق طريق يربط القرية بطريق القنيطرة-درعا، ثم بقرية اليعربية وصولًا إلى بحيرة طبريا، لكنه توقَّف بسبب الحرب العالمية الثانية. كان من الممكن أن يسهم هذا المشروع في تنمية المنطقة اقتصاديًا وعسكريًا، ولا سيما للاستفادة من وادي البطيحة وموارد نهر الأردن وبحيرة طبريا. وتتميّز القرية بوجود عيون طبيعية للمياه، أبرزها عين التينة وعين أبو خزعل، فضلًا عن قناة مياه رئيسة بطول كيلومتر واحد، تنقل المياه عبر أنابيب مِن نبعٍ أعلى من القرية. هذه القناة تُغني السُّكّان عن حفر الآبار، التي غالبًا ما تكون مياهها مالحة[6].
العمران
كانت مساكن البلدة قبل هدمها مبنية من الحجر، وتتّجه نحو الجنوب أو الشرق. ويتكوّن المنزل الواحد من قسمَيْن: أحدهما للسكن والآخر لإسطبل المواشي، ويفصل بينهما حاجز حجري. تتميّز القرية بمظهرها الخارجي الجميل، حيث يُغطي أسقف معظم بيوتها القرميد، وتُحيط بها أشجار الكينا. أما داخليًا، فقد صُممت شوارعها مستقيمة وواسعة، ما جعلها قرية نموذجية في منطقتها. يعود هذا التصميم إلى الفترة العثمانية عند استقرار الشراكسة فيها، ومع ذلك، تظل هذه الشوارع ترابية وغير مُعبَّدة، ما سبَّب صعوبة في الحركة خلال الشتاء، مع تراكم الغبار في الصيف[7].
التعليم والصحة
كان سُكّان البلدة قبل الاحتلال يولون أهمية كبيرة للتعليم، حيث توجد مدرستان: واحدة للذكور (ابتدائية مختلطة) والأخرى للإناث (أولية). ويبلغ مُعدّل المُتعلّمين 50 في المئة من السّكّان، وتتميّز المدرسة الابتدائية بنسبة نجاح 100 في المئة في الشهادة الابتدائية خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس اهتمام الأهالي بالتعليم. وعلى الصعيد الصحي، كان السّكّان يتمتّعون بصحة جيدة عمومًا، باستثناء بعض حالات مرض التراخوما في العيون. ورغم وجود بلدية في القرية، فإن خدماتها كانت غائبة، وكانت الخدمات الطبية تقتصر على زيارات شكلية من الأطباء بشكل دوري[8].
الحياة الاقتصادية
اعتمد سُكّان بلدة الخشنية قبل الاحتلال على زراعة القمح والشعير والعدس والبيقية والترمس، وكانوا كذلك يزرعون الخضراوات زراعةً محدودةً للاستهلاك المنزلي. واشتُهرت الخشنية بكروم العنب والتين، وفيها غابة من أشجار الكينا، التي كان لها دور كبير في القضاء على الملاريا، وزُرِعت أيضًا على جوانب الطرقات. تميّزت البلدة عن القرى المجاورة قديمًا بسوقها الأسبوعية لبيع المواشي في كل يوم ثلاثاء، التي كان يرتادها سُكّان القرى المجاورة جميعها. وفيها سوق تجارية ومطحنتان، علاوة على صناعة العربات الزراعية والقُبّعات الصوفية[9].
العادات الاجتماعية
قبل الاحتلال، كان سُكان البلدة لا يزالون متمسكين بعاداتهم الشركسية التي ورثوها من منطقة القوقاز. وتنعكس هذه التقاليد في عاداتهم الاجتماعية، ولا سيما فيما يتعلق بالزواج. تميز السكان بتقديرهم للفروسية، وكان لهم نظام اجتماعي غير رسمي، إذ يتّخذ أحد الأعيان المختارين القرارات بموافقة وتأييد نخبة مختارة من الرجال[10].
التنقيبات الأثرية
كشفت التنقيبات الأثرية عن وجود جدار في الجنوب الغربي للمنطقة، استُخدم لخان ذي بوابة لها ساكف على شكل قوس. وفي الشمال الشرقي، وُجِدت بركة لجمع الماء، وبقايا جدران في الجانب الغربي، عُثر فيها على القسم السفلي لتمثال بازلتي يُمثِّل رجلًا يرتدي نوعًا خاصًّا من الملابس، علاوة على العثور على فخار يعود إلى العصور الرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية، ونقود من العهد الروماني[11].
التهجير القسري
احتلّت القوات الإسرائيلية القرية في حرب حزيران/ يونيو 1967، وهجَّرت سُكّانها قسرًا، ثم دمَّرتها بالكامل على نحو مخالف للقانون الدولي، الذي يحظر تدمير المناطق والأعيان المدنية[12]، أو تدمير الممتلكات واغتصابها على نحو لا تُبرّره ضرورات حربية، وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسُّفية[13]، علاوة على حظر النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميّين، أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال، أو إلى أراضي أي دولة أخرى محتلة أو غير محتلة، أيًّا كانت دواعيه،[14] ما يضع على عاتق الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لسنة 1949، فرض عقوبات جزائية فعّالة على الأشخاص الذين يقترفون هذه المخالفات الجسيمة أو يأمرون باقترافها[15]، بوصفها جريمةَ حرب وجريمةً ضد الإنسانية متى ارتُكبت عن قصد، في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجَّه ضد السُّكّان المدنيين[16].
مجزرة الخشنية
وقعت مجزرة الخشنية بعد أن أصرَّ سُكّانها على البقاء في أرضهم رافضين النزوح عنها، فما كان من قوات الاحتلال الإسرائيلي إلا أن نفَّذت مجزرة مروّعة، أرهبت السُّكّان الذين رأوا مشاهد الإعدام والتمثيل بجثث الضحايا، علاوة على قصف القرية بما يزيد على 85 قنبلة دمَّرت القرية تدميرًا كاملًا. وضعت قوات الاحتلال الإسرائيلي جُثث الضحايا على فُوّهات مدافع الدبابات، وطافت بهم في شوارع القرية، وأطلقت النار كذلك على الضحايا بعد ساعات من قتلهم، مع تمثيلها بجُثثهم. قُتِل في هذه المجزرة عدد من النساء والشُّبّان، ووصل العدد إلى عشرين قتيلًا، منهم اثنان من اللاجئين الفلسطينيين الذين وُلدوا في القرية، وآخرون مقيمون فيها من أبناء قرى أخرى في الجولان[17].
المراجع
العربية
"اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، 1949". موقع قواعد بيانات القانون الدولي الإنساني. في:
https://acr.ps/hBy5OuQ
بريك، نزيه. "التجمعات السكانية التي هدمتها إسرائيل بعد احتلال الجولان عام 1967". موقع المرصد- المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان. 28/9/2021. في:
https://acr.ps/hBy5OOf
خلف، تيسير. "الجولان.. مجازر منسية". موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان. في:
https://acr.ps/hBy5P7E
زكريا، أحمد وصفي. القرى والبلدات في جنوب بلاد الشام. إعداد أحمد غسان سبانو بالتعاون مع لجنة الدراسات في دار رسلان. دمشق: دار ومؤسسة رسلان، 2008.
شوماخر، غوتليب. الجولان. ترجمة منير كنعان كنعان. دبي: مرايا للطباعة والنشر، 2025.
طلاس، مصطفى (مشرف). المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري. دمشق: مركز الدراسات العسكرية، 1993.
"نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 1998". موقع مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. في:
https://acr.ps/hBy5OmZ
العبرية
"مستوطنة كيشيت" (بالعبرية). موقع الموسوعة اليهودية همخلول. في:
https://acr.ps/hBy5OGo
[1] مصطفى طلاس (مشرف)، المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري، ج 3 (دمشق: مركز الدراسات العسكرية، 1993)، ص 268-269.
[2] "اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، 1949"، موقع قواعد بيانات القانون الدولي الإنساني، المادة 49 (1)، شوهد في 15/12/2025، في:
https://acr.ps/hBy5OuQ
[3] "مستوطنة كيشيت" (بالعبرية)، موقع الموسوعة اليهودية همخلول، شوهد في 15/12/2025، في:
https://acr.ps/hBy5OGo
[4] نزيه بريك، "التجمعات السكانية التي هدمتها إسرائيل بعد احتلال الجولان عام 1967"، موقع المرصد- المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان، 28/9/2021، شوهد في 15/12/2025، في:
https://acr.ps/hBy5OOf
[5] غوتليب شوماخر، الجولان، ترجمة منير كنعان كنعان (دبي: مرايا للطباعة والنشر، 2025)، ص 214.
[6] أحمد وصفي زكريا، القرى والبلدات في جنوب بلاد الشام، إعداد أحمد غسان سبانو بالتعاون مع لجنة الدراسات في دار رسلان (دمشق: دار ومؤسسة رسلان، 2008)، ص 86.
[7] المرجع نفسه، ص 87.
[8] المرجع نفسه، ص 87-88.
[9] طلاس.
[10] المرجع نفسه، ص 88.
[11] المرجع نفسه.
[12] "اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب"، المادة 53.
[13] المرجع نفسه، المادة 147.
[14] المرجع نفسه، المادة 49 (1).
[15] المرجع نفسه، المادة 146.
[16] "نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 1998"، موقع مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، شوهد في 15/12/2025، في:
https://acr.ps/hBy5OmZ
[17] تيسير خلف، "الجولان.. مجازر منسية"، موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان، 11/1/2006، شوهد في 17/5/2025، في:
https://acr.ps/hBy5P7E;
ينظر أيضًا: طلفاح.