الموجز
خليل كوت (1882-1957) شخصية عسكرية عثمانية بارزة، حمل لقب "كوت" نسبة إلى انتصاره في
معركة كوت العمارة ضد البريطانيين بالعراق عام 1916. تعود أصوله إلى قرية
كيلي (Kili) في
شبه جزيرة القرم، وقد كان لعائلته دور بارز في الحياة العسكرية والسياسية العثمانية.
تخرج كوت في الأكاديمية العسكرية بإسطنبول عام 1905 برتبة نقيب، وأُوفد بعدها بمهمة سرية إلى
إيران لدعم حركة المشروطة الإيرانية في تلك الفترة، ثم إلى منطقة
البلقان للتصدي للحركات الانفصالية الناشطة هناك. ثم أُرسل عام 1911 إلى
طرابلس الغرب للتصدي للهجوم الإيطالي، وعند نهاية
الحرب العثمانية الإيطالية عاد إلى إسطنبول، ثم انطلق منها إلى الجبهة العثمانية في
حرب البلقان الثانية (1913).
برز اسم خليل باشا في معارك
الحرب العالمية الأولى، ولا سيما في معركة كوت العمارة التي هُزمت فيها القوات البريطانية بقيادة الجنرال
تشارلز تاونسند (Townshend Charles، 1861–1924)، فَرَقَّتْه الحكومة العثمانية إلى رتبة
ميرلوا، وعينته قائدًا للجيش العثماني السادس في العراق وواليًا على
بغداد، ومنحته رتبة
باشا.
انتقل خليل باشا إلى
القوقاز بعد تسميته قائدًا للقوات العثمانية هناك بعد اندلاع ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 1917 في
روسيا، فاعتقلته السلطات البريطانية وسجنته على خلفية اتهامات تتصل بالانتهاكات التي تعرض لها الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، ولكنه تمكن في آب/ أغسطس 1919 من الفرار من سجنه، فانضم إلى
حركة المقاومة الأناضولية ليُوفِده
مصطفى كمال أتاتورك (1881–1938)، الذي برز قائدًا لهذه الحركة، إلى القوقاز لعقد اتصالات مع البلاشفة من أجل تأمين دعم سياسي ومساعدات عسكرية ومالية بلشفية للمقاومة الأناضولية.
تطورت اتصالات خليل باشا مع البلاشفة في
موسكو، وبلغت أوجها عام 1920، إذ سُلمت المساعدات المالية والعسكرية البلشفية إلى المقاومة الأناضولية، ومن ثَمَّ اتُّهم بإنشاء حزب شيوعي غير حقيقي في روسيا، وتعرض لمضايقات فيها انتهت باعتباره غير مرغوب فيه في روسيا وكذلك في الأناضول. تخلص مصطفى كمال من كوادر
الحزب الشيوعي التركي، فاضطر خليل باشا إلى الانتقال إلى
برلين، ثم
المجر (هنغاريا حاليًا)، ثم إلى
ڤيينا.
بعد انتصار حركة المقاومة الأناضولية، ألغى مصطفى كمال الأمر الذي كان قد صدر بتسريحه من الجيش، وأذن له بالعودة إلى إسطنبول عام 1923 متقاعدًا، وعاش بعد ذلك 35 عامًا بعيدًا عن النشاط السياسي والعسكري، ولم يتولَّ أي منصب رسمي في الدولة الجديدة حتى وفاته في 20 آب/ أغسطس 1957.
حياته
وُلد خليل باشا عام 1882 في حي
يني محلة في
بشكتاش في
إسطنبول، حيث استقرّت الأسرة منذ بداية القرن التاسع عشر. إلا أن أصول عائلته تعود إلى شبه جزيرة القرم، وكان الجد الأعلى للعائلة عبد الله آغا ينحدر من قرية في القرم تدعى كيلي، ولهذا أصبحت الأسرة تُعرف باسم كيليلي أوغولّاري (Kililioğulları)، أي: أبناء الكيليلي. ومنه استمدّت العائلة لقب كيليغيل (Killigil) عقب إصدار قانون الألقاب عام 1934
[1]. أمّا خليل باشا نفسه فقد اتخذ كوت لقبًا له نسبة إلى انتصاره في معركة كوت العمارة بالعراق عام 1917[2].
كذلك، ينحدر كلا الأخوين نوري باشا (1889–1949)، وإسماعيل أنور باشا (1881-1922)؛ ناظر الحربية والقيادي المعروف في
جمعية الاتحاد والترقي لاحقًا، من العائلة نفسها. وخليل باشا هو عمّهما[3]. وقد حمل أحمد (1860-1947) شقيق خليل باشا ووالد نوري وأنور باشا لقبَ الباشا، لذلك عُرفت العائلة بعائلة الباشاوات الأربعة[4].
تلقى خليل باشا تعليمه الابتدائي في منطقة
الفاتح في إسطنبول، وتابع تعليمه المتوسط والثانوي في
المدرسة الرشدية العسكرية في بشكتاش. التحق بتدريبٍ في مدرسة المشاة في إسطنبول قبل أن يدخل المدرسة الحربية ويتخرج فيها عام 1902، ثم التحق بالأكاديمية الحربية وتخرج فيها عام 1905 برتبة نقيب[5].
لم تكن الأكاديمية الحربية مجرد مؤسسة تعليم عسكري، بل كانت مركزًا لتشكّل الوعي السياسي لدى الضباط الشباب أيضًا، حيث نشط كثير منهم، ولا سيما خريجو دفعات 1900-1905 في إطار جمعية الاتحاد والترقي السرية، التي كانت مهيمنة سياسيًا وفكريًا على طلبة المدارس العسكرية والضباط في الجيش العثماني. وقد انضم خليل بك إلى الجمعية عام 1906، وأصبح أحد عناصرها النشطين، وهو ما أدى لاحقًا إلى تكليفه بمهمات سياسية حساسة[6].
ينتمي خليل بك إلى جيل من الضباط أصبح عدد منهم شخصيات بارزة في التاريخ العثماني المتأخر وفي
حرب الاستقلال التركية (1919–1922)، وكذلك في التاريخ التركي بعد قيام الجمهورية التركية عام 1923. ومنهم: مصطفى كمال أتاتورك، وعلي فؤاد جبسوي (1882–1968)، وعلي إحسان سابس (1882–1957)، وعلي فتحي أوكيار (1880–1943)، وكذلك ابن أخيه أنور باشا، وقد كانا في سنّ متقاربة[7].
بعد تخرّجه، التحق خليل بك بالجيش العثماني في 11 كانون الثاني/ يناير 1905 برتبة نقيب، ثم ترقى بعد ذلك في المناصب، فسُمّي رائدًا أول عام 1908، ورائدًا عام 1912، ثم مقدمًا عام 1914، فعقيدًا عام 1915، ثم لواء عام 1916، ثم فريقًا أول عام 1918[8].
تزوج خليل بك في أيلول/ سبتمبر 1909 صفية خانم، وهي قريبة لإحدى زوجات السلطان
عبد الحميد الثاني، وأنجب منها ثلاثة أبناء[9].
مسيرته العسكرية المبكرة
جبهة البلقان
في إثر تخرجه في الأكاديمية الحربية عام 1905، عُيّن خليل بك في الجيش الثالث في
مقدونيا الدولةِ الشديدة التنوع إثنيًا، وكانت مسرحًا للحركات المسلحة والانفصالية البلغارية واليونانية والصربية، فاكتسب خبراته الأولى في حروب العصابات، ومكافحة التمرد، والعمل الأمني والسياسي داخل الدولة العثمانية[10].
في 23 تموز/ يوليو 1908، نجحت جمعية الاتحاد والترقي في إعادة العمل بالدستور العثماني وإعلان المشروطية الثانية، فقررت قيادة الجمعية تعيين خليل بك قائدًا لوحدات حرس القصر لمنع أي محاولة انقلابية، فاستُدعي من إيران، حيث كان حينئذٍ في مهمة ثورية نظمها الاتحاديون لدعم الحركة الدستورية الإيرانية (بالفارسية: جنبش مشروطه إیران)، التي بدأت في 12 كانون الأول/ ديسمبر 1905 وانتهت في 16 تموز/ يوليو 1909، لكنّه لم يلبث في هذه المهمة طويلًا، إذ شهدت مقدونيا تحرّكات انفصالية حادّة جديدة، فطُلب إليه التوجّه نحو
سلانيك، حيث عُيّن قائدًا لوحدات الدرك، ونجح في إخماد تمرّدات عدّة[11].
جبهة طرابلس الغرب
بدأت
إيطاليا الهجوم على طرابلس الغرب في 30 أيلول/ سبتمبر 1911، وبلغ عدد القوات الإيطالية أكثر من 100 ألف جندي، ومعهم 84 مدفعًا ميدانيًا و42 مدفعًا جبليًا و28 مدفع حصار، إلى جانب أسطولين بحريين، في حين لم يتجاوز حجم القوة العثمانية في الولاية 4080 جنديًا و84 مدفعًا ونحو600 جندي درك موزعين على مساحات واسعة. في الوقت نفسه، صرّحت نظارة الحربية في إسطنبول أن إرسال قوة منتظمة إلى ولاية طرابلس الغرب يكاد يكون متعذرًا، فتطوّع عدد من الضباط الشباب للذهاب إلى الجبهة، وكان من أبرزهم: مصطفى كمال، وعلي فتحي، وأنور بك، وأخوه نوري بك، وعمّهما خليل بك، وقد مُنح كل واحد منهم 150 ليرة ذهبية من نظارة الحربية، و150 ليرة ذهبية من جمعية الاتحاد والترقي لتغطية نفقات الرحلة.[12]
انتقل خليل بك عبر
باريس وتونس بجواز سفر مزوّر باسم "التاجر خالد مظفر"، فتمكّن بذلك من الإفلات من السلطات الفرنسية ووصل بعد رحلة شاقة وخطِرة يوم 23 كانون الأول/ ديسمبر 1911 إلى مقر قيادة الفرقة العثمانية في العزيزية بليبيا، حيث العقيد نشأت بك قائد الفرقة الخامسة عشرة، وكذلك الرائد علي فتحي[13].
كان العثمانيون يحاربون على جبهات عدّة في الولاية، منها: جبهة طرابلس، وجبهة
مصراتة، وجبهة
بنغازي، وجبهة
طبرق، وجبهة
درنة، وجبهة
برقة، وغيرها. كُلّف خليل بك بقيادة القوات العثمانية على جبهة الخُمس التي تقع على بعد 120 كيلومترًا شرقي طرابلس الغرب، وكانت في ذلك الوقت سنجقًا مهمًا يضم أقضية، مثل:
لبدة، ومصراتة[14]. وكان في الخمس نحو 6 آلاف جندي إيطالي، مقابل كتيبة عثمانية لا تتجاوز 400 مقاتل بمن فيهم المتطوعون السنوسيون من السكان المحليين[15]، وبدأت بذلك تجربة خليل بك الفعلية في الحرب ضد جيش نظامي حديث، وهي تجربة سيستفيد منها لاحقًا في ميادين حربية أخرى.
عند وصوله الجبهة، تسلّم خليل بك القيادة من قائمقام الخُمس شفيق بك (أكير لاحقًا، 1877–1964)، وكانت محاولات الإيطاليين لاحتلال الخُمس والتقدم منها إلى طرابلس في أوجها، فقاد هجمات مفاجئة ضد الإيطاليين، وحصرهم في مواقعهم حول الخُمس. لكن في 28 شباط/ فبراير 1912، تعرض مقر قيادة خليل بك نفسه للقصف المدفعي الإيطالي، فاضطر إلى التراجع. مع ذلك، استطاع -بفضل الدعم الذي قدمه السكان المحليون- أن يحصر الإيطاليين حتى أواخر نيسان/ أبريل 1912 في بلدة الخُمس والمناطق القريبة منها[16].
وبناءً على ذلك وعلى اقتراح
يوسف شتوان بك نائب بنغازي (1868–1949) في
مجلس المبعوثان، تقرّر في 4 أيار/ مايو 1912 أن يُكرَّم عدد من الضباط، منهم: أنور بك، وخليل بك، وفتحي بك، والقائد نشأت باشا، وكذلك العساكر من أهالي
مصر وتونس الذين قدموا خدمات كبيرة منذ بداية الحرب[17].
حسين ناظم باشا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في أواخر عام 1912، اندلعت
حرب البلقان الأولى بين الدولة العثمانية ودول البلقان، ما أثّر في موقف العثمانيين أمام الإيطاليين على جبهة طرابلس الغرب، إذ أدّى ذلك إلى قطع الإمدادات عن هذه الإيالة وتغيّر ميزان القوى فيها، فاضطرّت الدولة العثمانية تحت ضغط هذه الحرب إلى الدخول في مفاوضات سلام مع إيطاليا، انتهت بعقد
معاهدة أوشي (سُمّيت باسم المرسى التابع لمدينة
لوزان) في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 1912. وبموجب هذه المعاهدة أُجبرت الدولة العثمانية على سحب ضباطها من طرابلس الغرب وبرقة، في حين تعهدت إيطاليا بمنح قدر من الحكم الذاتي للسكان المحليين في المنطقة[18].
وقد وصلت إلى طرابلس الغرب في اليوم نفسه برقية بتوقيع رئيس هيئة أركان الجيوش العثمانية
حسين ناظم باشا (1848–1913)، تُعلم الوحدات العثمانية في ليبيا بانتهاء الحرب. غادر بعدها خليل بك ومن معه طرابلس الغرب بعد عام كامل من القتال المتواصل في ظروف قاسية ووصل إسطنبول في كانون الأول/ ديسمبر 1912[19].
جبهة البلقان مجددًا
أعلنت دول البلقان الحرب على الدولة العثمانية واحدة بعد أخرى، ابتداءً من 8 تشرين الأول/ أكتوبر 1912. وقد انتهت هذه الحرب البلقانية الأولى بخسائر عثمانية فادحة، إذ أعلنت
ألبانيا استقلالها في 28 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1912، واستولى اليونانيون على سلانيك وعلى عدّة جزر من بينها
ليمني وتينيدوس، ووصل البلغار إلى منطقة
جتالجة في ضواحي إسطنبول، ودخل الصرب
مناستر. ومع تدخل القوى الأوروبية فُرض وقف إطلاق النار ووقعت معاهدة لندن في 30 أيار/ مايو 1913، وبذلك انتهى فعليًا الحكم التركي في البلقان بعد نحو 550 عامًا، واضطر العثمانيون إلى ترك معظم أراضي
الروملي {{الروملي: (Rumeli) مصطلح جيوسياسي عثماني مُركب من لفظين: "Rum" ويعني "الروم"؛ و"Eli" ويعني "أرض" أو "بلاد"؛ أي "بلاد الروم"، ويُستخدم للدلالة على الشطر الأوروبي للدولة العثمانية (البلقان). عُدّت إداريًا الإيالة الأهم، وشكلت منذ تأسيسها (القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي)، قاعدة الانطلاق للفتوحات العثمانية غربًا، وتميزت بخصوصية عسكرية جعلت واليها المُلقب بـ"بكلربكي الروملي" يتصدر الهرم الإداري للولاة متقدمًا على نظيره في الأناضول.}}[20].
خلق الانسحاب العثماني فراغًا سياسيًا، فاندلعت في 29 حزيران/ يونيو 1913 الحرب البلقانية الثانية بين دول البلقان نفسها، واستغل العثمانيون الظرف فدخلوا الحرب مجددًا، وتمكنوا من استرداد جزء من الأراضي، وعلى رأسها
أدرنة. وقد كان خليل بك قد عاد من طرابلس الغرب فتوجّه إلى جبهة البلقان وشارك في هذه الحرب[21].
مهمّات أخرى مختلفة
بعد انتهاء حرب البلقان الثانية في 10 آب/ أغسطس 1913، شغل خليل بك عدة مناصب عسكرية وأمنية مهمة داخل الأناضول والدولة العثمانية. فعُيّن قائدًا على السواحل الجنوبية لبحر إيجة، وكانت هذه المنطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة، بسبب قربها من الجزر اليونانية في بحر إيجة، وكانت تشهد في تلك الفترة اضطرابات أمنية نتيجة التوترات بين السكان المسلمين واليونانيين[22].
نُقل خليل بك بعدها إلى شرق
الأناضول، حيث عُيّن قائدًا لفوج الدرك في
وان، وهي منطقة حساسة للغاية بسبب قربها من روسيا القيصرية والتحركات القومية الأرمنية فيها[23]. بعد خدمته في وان نُقل خليل بك إلى العاصمة إسطنبول حيث عُيّن في منصب قائد مركز إسطنبول وقد جاء تعيينه في هذا المنصب بعد انقلاب عام 1913 في وقت كانت فيه الدولة العثمانية تمر بمرحلة سياسية مضطربة، وكانت العاصمة تشهد في تلك الفترة نشاطًا سياسيًا مكثفًا، لذلك كانت مهمة الحفاظ على الأمن فيها بالغة الحساسية[24].
مسيرته العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى
الجبهة الروسية
فرانز فرديناند
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
اندلعت الحرب العالمية الأولى في
أوروبا في 28 تموز/ يوليو 1914 بعد اغتيال ولي عهد الامبراطورية النمساوية–المجرية
فرانز فرديناند Franz (1863–1914، Ferdinand) في
سراييڤو، وسرعان ما تحولت الأزمة إلى حرب عامة بين تحالفين كبيرين، هما: دول المركز التي ضمّت
الإمبراطورية الألمانية والامبراطورية النمساوية–المجرية، وانضمت إليها الدولة العثمانية؛ ودول الوفاق التي ضمّت
بريطانيا وفرنسا وروسيا[25].
وفي هذا السياق، بدأت القيادة العثمانية إعادة تنظيم الجيش وتوزيع القوات على الجبهات المختلفة، فأُسندت إلى خليل بك عدّة مهمات في مواجهة الجيش الروسي، منها: قيادة تشكيل عسكري خاص عُرف باسم
القوة الاستكشافية الخامسة (Beşinci Kuvve-i Seferiyye)، وكانت هذه القوات تشكيلًا ميدانيًا متحركًا يتألف من وحدات مختارة من الجيش العثماني، وكان الهدف منها تنفيذ عمليات عسكرية خارج الحدود العثمانية، خاصة في المناطق الحدودية مع إيران والقوقاز. وقد كان إنشاء هذه القوة جزءًا من استراتيجية القيادة العثمانية لفتح جبهات جديدة ضد روسيا القيصرية، ولإثارة حركات تمرد في المناطق الخاضعة للنفوذين الروسي والبريطاني[26].
حين كان خليل بك في الجبهة الشرقية، صدر إليه الأمر في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 1915 بالتوجه إلى العراق، لأن القوات البريطانية كانت تهدد بالتقدم نحو
بغداد من الجنوب. وفي طريقه إلى العراق، تبيّنت إصابته بالتهاب الزائدة الدودية، وكان عليه أن يواصل السفر حتى بغداد على محملٍ بسبب تعذّر إمكانيّات العلاج. وصل خليل بك وجيشه إلى بغداد في منتصف تشرين الثاني/ نوڤمبر 1915، فوضع نفسه ورجاله تحت قيادة قائد جبهة العراق العقيد
نور الدين باشا (1873–1932). وفي 22 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1915، بدأ الجنرال تشارلز تاونسند وقواته الهجوم[27].
كوت العمارة
كانت جبهة العراق واحدة من أهم الجبهات في الحرب العالمية الأولى بالنسبة إلى الدولة العثمانية، بسبب أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية. ففي تشرين الثاني/ نوڤمبر 1914، احتلت القوات البريطانية
البصرة، وتقدّمت شمالًا على طول
نهر دجلة بهدف السيطرة على بغداد[28]، وكانت القوات العثمانية في العراق ضعيفة نسبيًا مقارنة بالقوات البريطانية المدعومة بوحدات عسكرية إضافية من
الهند البريطانية. وقد أُرسل خليل بك إلى هذه الجبهة، حيث شارك في
معركة سلمان باك قرب المدائن في 22–25 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1915، وكان لهذه المعركة أثر كبير في تغيير مسار العمليات العسكرية في جبهة العراق، إذ تمكنت القوات العثمانية في هذه المعركة من إيقاف تقدم القوات البريطانية التي انسحبت بقيادة الجنرال تشارلز تاونسند إلى كوت العمارة الواقعة على نهر دجلة[29].
بعد معركة المدائن، جُمعت جميع القوات العثمانية في العراق لتشكيل الجيش العثماني السادس تحت قيادة المشير الألماني
كولمار ڤون در غولتس (1843–1916)، وقد بدأت القوات العثمانية حصار مدينة الكوت في أواخر عام 1915، وقد استمر عدة أشهر حتى نيسان/ أبريل 1916. وفي كانون الثاني/ يناير 1916، أصدر ڤون در غولتس باشا أمرًا بأن يتولى العقيد خليل قيادة مجموعة دجلة، وقد حقق خليل بك في هذه المعركة أكبر انتصاراته العسكرية في الحرب العالمية الأولى[30].
بعد أن أصبحت القوات البريطانية بقيادة الجنرال تاونسند محاصرة داخل مدينة الكوت، تقدّمت قوات تعزيزية من البصرة، ودارت بينها وبين الجيش العثماني معارك عدّة امتدّت حتى شهر نيسان/ أبريل 1916، منها:
معركة وادي الكلال، وأربع معارك بالفلاحية، ومعركة الشعيبة، ومعارك بيت عيسى. ولكن -رغم شدة الهجمات البريطانية واستخدامها مدفعيةً قوية- تمكنت القوات العثمانية من صد هذه الهجمات، وأخفقت كل محاولات الإمداد بحرًا وجوًّا، فتفشت المجاعة، وأخفقت كلّ محاولات البريطانيين في فك الحصار وإنقاذ القوات المحاصرة داخل المدينة[31].
في هذه الأثناء أُصيب قائد الجيش السادس؛ المشير الألماني ڤون در غولتس بمرض التيفوس، وتُوفي في إثره في 19 نيسان/ أبريل 1916. وفي 22 نيسان/ أبريل، وصلت أوامر من الحكومة العثمانية في إسطنبول بترقية خليل بك إلى رتبة
ميرلوا، وعُين قائدًا للجيش السادس، وواليًا على بغداد، ومُنح رسميًا لقب الباشا[32].
في 27 و28 نيسان/ أبريل 1916، جرت مفاوضات بين تاونسند وخليل باشا على متن سفينة في نهر دجلة، لبحث شروط الاستسلام، فعرض تاونسند أن يسلّم جميع المدافع والبنادق والأسلحة والذخائر والمواد الموجودة في الكوت، ومعها مليون جنيه إنكليزي، رفعها في عرضٍ ثانٍ إلى مليوني جنيه، مقابل أن يُسمح له ولجيشه بالانسحاب بحرية إلى الهند، لكن خليل باشا رفض هذه الشروط، وطلب استسلامًا غير مشروط. فاضطرّت بعدها الحامية البريطانية التي يفوق عددها 13 ألف جندي بريطاني وهندي إلى الاستسلام للقوات التركية في 29 نيسان/ أبريل 1916[33]، وأصدر خليل باشا في اليوم نفسه بيانًا إلى القوات التركية تحت قيادته، جاء فيه: "اليوم منح الله –تعالى- الأتراك أعظم يوم من أيام النصر؛ عيد الكوت، يوم مجيد للأتراك، لكنه يوم مظلم للبريطانيين. وفي سماء هذه الأرض -بينما تحلّق أرواح شهدائنا في فرح وضحك- أود أن أهنئكم جميعًا بتقبيل جباهكم الطاهرة، فلنشكر الله ونحمده على أن منحكم نصرًا لم يُسجَّل مثله في تاريخنا منذ مئتي عام. وانظروا إلى عظمة الله إذ إن الحراب التركية قد نقشت هذا الحدث في تاريخ إنكلترا الممتد 1500 سنة بطريقة لم يسبق لها مثيل في العامين الماضيين من هذه الحرب العالمية. لقد فقد الجيش الذي تحت قيادتي، في أثناء دفاعه عن الكوت ومقاومته للقوات البريطانية التي حاولت فك الحصار، أكثر من 300 ضابط و10,000 جندي بين قتيل وجريح. أما اليوم فنحن نتسلّم في الكوت فرقة كاملة يبلغ عددها 13,300 رجل، منهم: 5 جنرالات و481 ضابطًا، وألحقنا خسائر لا تقل عن 30 ألف رجل بالجيش البريطاني الذي جاء لإنقاذ هذه القوات. وبنظرة سريعة إلى هذه الأرقام سيندهش العالم من الفارق الكبير بينها، إلى درجة أن كتابة تاريخ هذه الأحداث ستواجه صعوبة. وهكذا نرى في هذه الحرب أن عزيمة الأتراك وصلابتهم قد حطمت عناد البريطانيين أولًا في غاليبولي، وثانيًا هنا. إن هذا النصر الذي تحقق بالقتال المتلاحم وبالحراب هو دليل قاطع على أننا سننجح في المستقبل أيضًا في مواجهة الأسلحة الجديدة التي يطورها أعداؤنا، ولهذا السبب أسمي هذا اليوم عيد الكوت. وعندما يحتفل جيشنا بهذا اليوم كل عام، سيتلو على أرواح شهدائنا سور يس وتبارك [المقصود سورة الملك] والفاتحة. وبينما تحلق أرواح شهدائنا المضرجة بالدماء في السماء في حياتهم الأبدية، فإن واجب محاربينا المتمرسين هنا أن يخططوا لانتصارات المستقبل. ميرلِوَا خليل؛ القائم بأعمال قائد الجيش السادس 29 نيسان/ أبريل 1332"
[34].
سُجل هذا النصر باسم خليل باشا، لكنّ بعض الباحثين ينسب النصر إلى المشير الألماني ڤون در غولتس والعقيد نور الدين باشا لأنهما قادا المعركة منذ بدايتها، على عكس خليل باشا الذي تسلّم القيادة قبيل استسلام البريطانيين بمدّة وجيزة[35].
بغداد
بعد هزيمة الكوت، شرعت بريطانيا في إعادة تنظيم قواتها في بلاد الرافدين، فأرسلت تعزيزات كبيرة من
مستعمرة الهند البريطانية إلى البصرة للتحضير لهجوم واسع نحو بغداد. في المقابل، كانت القوات العثمانية تعاني نقص الإمدادات العسكرية بسبب المسافات الطويلة بين الجبهة ومراكز الإمداد في الأناضول.[36] مع ذلك، أمر أنور باشا -ناظر الحربية حينئذٍ- خليل بإعادة نشر بعض قواته في بلاد فارس، في محاولة لزعزعة الحكومة المدعومة من بريطانيا هناك. لكن هذا كان خطأ استراتيجيًا أدى إلى استعادة البريطانيين لكوت العمارة في أواخر عام 1916 وتراجع الدفاع عن بغداد[37]. وفي 11 آذار/ مارس 1917، تمكنت القوات البريطانية بقيادة الجنرال
فريدريك مود من الاستيلاء على بغداد، وكان خليل باشا قد غادر بغداد في الشهر نفسه، فتراجعت القوات العثمانية نحو شمال العراق[38]. وقد شكل سقوط المدينة ضربة كبيرة للدولة العثمانية بعد الانتصار الكبير في الكوت، وتغير بعدها ميزان القوى في جبهة العراق بشكل واضح لصالح القوات البريطانية.
جبهة القوقاز
في عام 1918، انتقل خليل باشا من جبهة العراق إلى جبهة القوقاز، حيث تولى قيادة الجيش، وقد جاءت هذه المرحلة في سياق انسحاب روسيا من الحرب بعد
الثورة البلشفية في تشرين الثاني/ نوڤمبر 1917، وقد ثُبّت هذا الانسحاب رسميًا بتوقيع
معاهدة بريست ليتوڤسك (Brest-Litovsk) بين روسيا ودول المركز في 3 آذار/ مارس 1918[39].
في ظل هذه الأوضاع، قررت القيادة العثمانية إنشاء تشكيل عسكري جديد أُطلق عليه اسم
مجموعة الجيوش الشرقية، وأُسندت قيادته إلى خليل باشا الذي تمكّن مع قواته من التقدم نحو مناطق القوقاز التي كانت قد خرجت من السيطرة الروسية، واستعادوا عدة مناطق، منها:
قارص، وأردهان، وباطوم[40].
كان الهدف الاستراتيجي للقيادة العثمانية في القوقاز هو السيطرة على مدينة
باكو التي كانت ذات أهمية كبيرة بسبب موقعها الاستراتيجي على
بحر قزوين وثروتها النفطية الكبيرة، وقد تمكن العثمانيون من السيطرة على المدينة في 15 أيلول/ سبتمبر 1918، وحققوا بذلك أحد أهم النجاحات العسكرية العثمانية في القوقاز في الحرب العالمية الأولى[41].
ولكن بعد سلسلة من الهزائم التي تعرضت لها دول المركز في الجبهات المختلفة، اضطرت الدولة العثمانية إلى توقيع
هدنة مودروس في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1918، وقد أدى ذلك إلى تنازل العثمانيين عن كثير من أراضيهم، منها المناطق التي استرجعوها في القوقاز[42]. وقد احتُجز خليل باشا في باطوم، ولكنه تمكّن من الفرار في أوائل عام 1919، وعاد إلى إسطنبول[43] في الوقت الذي كانت فيه قوات الوفاق تسيطر على إسطنبول. وفي هذا السياق، وجّهت بريطانيا اتهامات إلى الدولة العثمانية بإبادة الأرمن، ومارست ضغوطًا عليها، فاعتقلت عددًا من القادة العسكريين، وكان خليل باشا من بين المتّهمين، فاعتقل وأُودع في
سجن بكير آغا في إسطنبول[44].
دوره في الحركة الوطنية التركية
مبعوثًا لدى البلاشفة في باكو
في 8 آب/ أغسطس 1919، تمكن خليل باشا من الفرار من السجن، وتذهب بعض الآراء إلى أن
جمعية قراقول (Karakol Cemiyeti)، التي كان لها علاقات بالبلاشفة، كان لها يد في تهريبه. توجّه خليل باشا بعد ذلك إلى الأناضول، والتقى مصطفى كمال في
سيواس في منتصف أيلول/ سبتمبر 1919، وقَبِل منه مهمة تأمين دعم سياسي ومساعدات عسكرية ومالية من البلاشفة للحركة الوطنية في الأناضول[45].
في 23 أيلول/ سبتمبر 1919، غادر خليل باشا
أرضروم تحت الاسم المستعار "دمير علي"، وتوجه إلى منطقة القوقاز، حيث بدأت تظهر كيانات سياسية جديدة بعد انهيار الحكم الروسي في المنطقة، منها:
جمهورية أذربيجان الديمقراطية التي أعلنت استقلالها في 28 أيار/ مايو 1918، ووصل إلى باكو في كانون الأول/ ديسمبر 1919[46]، حيث تواصل مع بعض الضباط الأتراك الذين بقوا في أذربيجان بعد عقد هدنة مودروس وانسحاب العثمانيين من القوقاز.
وفي بداية عام 1920، تكوّنت في باكو عاصمة أذربيجان مجموعة يغلب عليها التيار الاتحادي، وأنشأت -بالتعاون مع البلاشفة المحليين في أذربيجان- تنظيمًا تحت اسم
الحزب الشيوعي التركي (Türk Komünist Fırkası)، كان ينشط في الواقع بوصفه فرعًا من الهيئة المركزية البلشفية في أذربيجان، وقد دعم إسقاط حكومة المساواة (Müsavat Hükümeti) في أذربيجان –التي كانت تُعد من أشد مؤيدي السياسة البريطانية– وإقامة حكومة بديلة تُؤيّد البلاشفة[47].
كان خليل باشا من أهم أعضاء الحزب، إضافة إلى الدكتور
فؤاد ثابت (1887–1957)، وبهاء سعيد بك (1882–1939)، ومحمد طلعت بك (كوشوك طلعت، 1880–1959). وكان مصطفى كمال باشا وكاظم قره بكير باشا (1882–1948) قد أرسلا هؤلاء إلى القوقاز للاتصال بالبلاشفة، وكان قادة هذا الحزب على تواصل مع مصطفى كمال، وأرسلوا عدة رسائل، تضم معلومات حول الوضع في أذربيجان ونشاط التنظيم[48].
مبعوثًا لدى البلاشفة في موسكو
في أيار/ مايو 1920، أُرسل خليل باشا والدكتور فؤاد ثابت إلى
موسكو بهدف التفاوض مع القادة البلاشفة من أجل تأمين المساعدة السوڤياتية لحركة الاستقلال الوطنية في الأناضول. وفي 1 حزيران/ يونيو التقى خليل باشا
جورجي تشيتشيرين (Georgy Chicherin، 1872-1936)؛ مفوّض الشؤون الخارجية السوڤياتي، واجتمع بنائبه ليڤ كاراهان (Lev Karakhan، 1889-1937)، وبالقائد العام للجيش الأحمر ليڤ كامينييڤ (Lev Kamenev، 1883-1936)[49]، وسلّم خليل باشا تشيتشيرين رسالة من مصطفى كمال مُؤرَّخة بتاريخ 26 نيسان/ أبريل 1920، هذا نصّها:
"مذكرة أولى من مجلس الأمة التركي الكبير إلى الحكومة السوڤياتية في موسكو:
- نحن نقبل توحيد الجهود والعمل المشترك مع روسيا البلشفية التي تهدف إلى التحرك ضد الحكومات الإمبريالية، وتسعى إلى تحرير الشعوب المظلومة الواقعة تحت سيطرتها واستعبادها.
- إذا قامت القوات البلشفية بعمل عسكري ضد جورجيا، أو نجحت -من خلال السياسة التي ستتبعها والنفوذ والتأثير الذي ستمارسه- في إدخال جورجيا ضمن التحالف البلشفي، وضمان شروعها في عملٍ ضد القوات الإنكليزية الموجودة فيها وإخراجها منها، فإن حكومة
تركيا تتعهد بدورها بتنفيذ عمل عسكري ضد الحكومة الأرمنية الإمبريالية، وتتعهد بإدخال حكومة أذربيجان ضمن مجموعة الدول البلشفية.
- نرجو من الجمهورية السوڤياتية الروسية -من أجل طرد القوات الإمبريالية التي تحتل أراضينا الوطنية أولًا، وكذلك لتعزيز قواتنا الداخلية استعدادًا لنضالنا المشترك المقبل ضد الإمبريالية- أن تقوم في الوقت الحاضر بتأمين الدفعة الأولى، وقدرها خمسة ملايين من الذهب، بالإضافة إلى كمية يُتَّفَق عليها من الذخيرة وسائر الوسائل الفنية الحربية، وكذلك المواد الطبية، فضلًا عن توفير المؤن اللازمة للقوات التي ستُنَفِّذ العمليات في الجبهة الشرقية.
نرجو قبول فائق احترامنا ومشاعرنا الصادقة.
أنقرة 26 نيسان/ أبريل 1920.
رئيس مجلس الأمة الكبير مصطفى كمال"[50].
دارت بعدها المباحثات بين الطرفين، لتنسيق نوع المساعدات المالية والعسكرية وحجمها من الحكومة السوفياتية. وتشير بعض الدراسات إلى أن تقديم هذه المساعدات جاء في إطار تفاهم سياسي أوسع بين الطرفين، تضمّن تنازل الأتراك عن منطقة باطوم لصالح السوڤيات[51].
في طريق عودته من موسكو، أرسل خليل باشا رسالة في 3 آب/ أغسطس 1920 إلى كاظم قره بكير باشا –مع نسخة موجهة إلى مصطفى كمال باشا– كان قد وقّعها باسم "الرفيق خليل"، ذكر فيها أنه في طريقه إلى الأناضول مع وفد بلشفي، وأنهم يحملون معهم محطة لاسلكية للاتصال، وسيارة مُخصصة لمجلس الأمة الكبير، و6 صناديق تحتوي نحو 500 كيلوغرام من الذهب[52]. وقد وصل خليل باشا إلى الأناضول مع الوفد السوڤياتي الرسمي برئاسة
أوبمال أنغارسكي (Upmal Angarski)، فسلّم الذهب إلى رئيس أركان الجبهة الشرقية كاظم قره بكير، ثمّ واصل الوفد رحلته إلى أنقرة حيث التقى مصطفى كمال[53].
مصطفى صبحي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
لم يستمر هذا الحزب طويلًا، ففي إثر مغادرة خليل باشا والدكتور فؤاد ثابت في أيار/ مايو 1920 باكو باتجاه موسكو، وصل في الشهر نفسه تركي شيوعي يُدعى
مصطفى صبحي (1883–1921)، وأعاد تنظيم الحزب بدعم من الحزب الشيوعي الروسي والحكومة السوڤياتية في أذربيجان، وحُلّ الحزب الشيوعي التركي الذي أسسه خليل باشا ورفاقه بحجة أنه لم يكن تنظيمًا شيوعيًا حقيقيًا[54].
في تلك الفترة نفسها، ذهب ابن أخيه أنور باشا إلى آسيا الوسطى، حيث نشط لتوحيد المسلمين وقيادتهم ضد البريطانيين[55]، وبسبب القرابة والتواصل بينهما أصبح موقف خليل باشا حرجًا، إذ خشي أن يتّهمه الروس بالتعاون مع أنور باشا وتحريض المسلمين في أراضيهم على نشاطات يَعدُّها الروس مشبوهة، فاضطر إلى محاولة العودة خفية إلى الأناضول. ويؤكد خليل باشا في مذكّراته لاحقًا أنه كان يختلف مع ابن أخيه بشأن خططه، وحاول أن يثنيه عنها[56]، ولكن الحكومة الكمالية اتهمته في شباط/ فبراير 1921 بمحاولة بناء خليّة لحزب مجالس الشعب في
طرابزون -وهو التنظيم السياسي لأنور باشا- فأُمر بمغادرة المنطقة[57]. وكذلك فرضت الحكومة السوڤياتية قيودًا على نشاطات خليل باشا بداية من عام 1921، وأفهمه القادة الروس أن إقامته لم يعد مرغوبًا فيها في روسيا، وبلّغوه أنه غير مرغوب فيه في الأناضول أيضًا[58].
سفره إلى أوروبا
غادر خليل باشا بعدها إلى أوروبا ليستقر مدة في مدينة
برلين، التي كانت في تلك الفترة مركزًا مهمًا لعدد من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي الذين غادروا البلاد بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، بسبب ملاحقة الإنكليز إياهم واتهامهم بالمشاركة في قتل الأرمن وتهجيرهم. لم تكن حياته في برلين سهلة أو مستقرة، إذ كان تحت مراقبة شديدة من التنظيمات الأرمنية المسلحة التي كانت تستهدف قادة الاتحاد والترقي السابقين، فلم يكن له أي نشاط سياسي هناك، ثم انتقل بعدها إلى المجر، ثم إلى ڤيينا، ولكنه عاش في أوروبا في ضنك ومرض[59].
عودته ووفاته
بعد انتصار الحركة القومية حصل خليل باشا على إذن من مصطفى كمال باشا بالعودة إلى تركيا، وأُلغي قرار طرده من الجيش الذي كانت سلطات إسطنبول –في ظل الاحتلال البريطاني– قد أصدرته بحقّه في 18 شباط/ فبراير 1920، وأُحيل على التقاعد عام 1923، وعاش بعد ذلك 35 عامًا تقريبًا بعيدًا عن النشاط السياسي والعسكري، ولم يتولَّ أي منصب رسمي في الدولة الجديدة، حتى وفاته في 20 آب/ أغسطس 1957 عن عمر يناهز 75 عامًا، وقد دُفن في
مقبرة يحيى أفندي بإسطنبول[60].
المراجع
Arslanyürek, Yaşar. “Halil (Kut) Bey’in Trablusgarp Savaşı’ndaki Faaliyetleri.”
Belgi Dergisi. vol. 2, no. 18 (2019). pp. 1563-1586.
Aslan, Yavuz. “Bolşeviklerle İlişki Kurmak Amacıyla Oluşturulan Bir Siyasî Kuruluş: Türk Komünist Fırkası Bakû-1920.”
Türk Kültürü İncelemeleri Dergisi. vol. 6 (April 2002). pp. 31-52.
Birinci Dünya Harbi’nde Türk Harbi: Irak-İran Cephesi, 1914–1918. Ankara: Genelkurmay Basımevi, 1979.
Çifci, Erhan (ed.).
Kut, Halil. Kutü’l-Amare Kahramanı Halil Kut Paşa’nın Hatıraları: Şevket Süreyya Aydemir Önsözüyle. Istanbul: Timaş Yayınları, 2018.
Dinç, Mehmet Emin.
Kütü’l-Amare’nin Muzaffer Komutanı Halil Kut Paşa. Istanbul: Kronik Kitap, 2018.
Erickson, Edward J.
Ottoman Army Effectiveness in World War I: A Comparative Study. London: Routledge, 2007.
Jäschke, Gotthard. “Neues zur russisch-türkischen Freundschaft von 1919–1939.”
Die Welt des Islams. vol. 6, no. 3/4 (1961). pp. 203-222.
Karabekir, Kâzım.
İstiklâl Harbimiz. Istanbul: Türkiye Yayınevi, 1960.
Martirosyan, Tigran. “Kut, Halil.” Ute Daniel et al. (eds.)
International Encyclopedia of the First World War. 1914–1918.
Online. doi:
10.15463/ie1418.11577
Rogan, Eugene L.
The Fall of the Ottomans: The Great War in the Middle East, 1914–1920. New York: Hachette Book Group, 2015.
Rustow, D. A. “Enver Paşa.” In: P. J. Bearman (ed.).
Encyclopaedia of Islam. vol. 2. Leiden: Brill, 1965. pp. 698-701.
Sorgun, Taylan.
Halil Paşa: İttihat ve Terakki’den Cumhuriyete: Bitmeyen Savaş. Istanbul: Kamer Yayınları, 1997.
Wasti, Syed Tanvir. “Halil Kut – ‘The Last Ottoman Pasha’.”
Middle Eastern Studies. vol. 53, no. 5 (2017). pp. 820-833.
[1] Mehmet Emin Dinç,
Kütü’l-Amare’nin Muzaffer Komutanı Halil Kut Paşa (Istanbul: Kronik Kitap, 2018), pp. 21-23, 88.
[2] Syed Tanvir Wasti, “Halil Kut – ‘The Last Ottoman Pasha’,”
Middle Eastern Studies, vol. 53, no. 5 (2017), p. 828.
[3] Dinç, p. 22.
[4] Wasti, p. 822.
[5] Dinç, p. 23.
[6] Ibid., pp. 29-28.
[7] Ibid., pp. 25-26.
[8] Ibid., p. 23.
[9] Ibid.
[10] Ibid., pp. 26-27.
[11] Tigran Martirosyan, “Kut, Halil,” Ute Daniel et al. (eds.),
International Encyclopedia of the First World War,
1914–1918. Online, accessed on 29/4/2026, doi:
10.15463/ie1418.11577; Dinç, pp. 3-31.
[12] Yaşar Arslanyürek, “Halil (Kut) Bey’in Trablusgarp Savaşı’ndaki Faaliyetleri,”
Belgi Dergisi, vol. 2, no. 18 (2019), pp. 1566-1567; Dinç, pp. 33-34.
[13] Arslanyürek, pp. 1568-1569; Dinç, p. 35.
[14] Dinç, p. 35.
[15] Arslanyürek, pp. 1569-1570.
[16] Ibid., pp. 1573-1576.
[17] Ibid., p. 1578.
[18] Ibid., pp. 1577, 1580-1581.
[19] Dinç, p. 40.
[20] Ibid., pp. 40-41.
[21] Ibid., p. 40.
[22] Ibid., p. 46.
[23] Ibid., p. 48.
[24] Ibid., p. 51.
[25] Ibid., pp. 51-53.
[26] Ibid., pp. 53-59.
[27] Erhan Çifci (ed.),
Kut, Halil. Kutü’l-Amare Kahramanı Halil Kut Paşa’nın Hatıraları: Şevket Süreyya Aydemir Önsözüyle (Istanbul: Timaş Yayınları, 2018), pp. 147-148; Wasti, p. 822.
[28] Dinç, p. 63.
[29] Edward J. Erickson,
Ottoman Army Effectiveness in World War I: A Comparative Study (London: Routledge, 2007), pp. 74-78.
[30] Wasti, p. 824; Çifci, pp. 151-152.
[31] Çifci, pp. 154-155; Wasti, p. 825; Dinç, pp. 76-78, 83-87; Eugene L. Rogan,
The Fall of the Ottomans: The Great War in the Middle East, 1914–1920 (New York: Hachette Book Group, 2015), pp. 260-263, 319-322.
[32]Birinci Dünya Harbi’nde Türk Harbi: Irak-İran Cephesi, 1914–1918, cilt III, kisım 1 (Ankara: Genelkurmay Basımevi, 1979), pp. 41-42; Wasti, p. 825; Dinç, p. 86.
[33] Çifci, pp. 156-159, 161-162; Wasti, pp. 820-821; Dinç, p. 87; Rogan, pp. 259, 265-267.
[34]Birinci Dünya Harbi’nde Türk Harbi, pp. 47-48.
[35] Erickson, pp. 94-95; Martirosyan,
op. cit.
[36] Dinç, pp. 90-91.
[37] Martirosyan,
op. cit.; Rogan, pp. 318, 323-325.
[38] D. A. Rustow, “Enver Paşa,” in: P. J. Bearman (ed.), Encyclopaedia of Islam, vol. 2 (Leiden: Brill, 1965), pp. 698-701.
[39] Dinç, p. 99.
[40] Ibid.
[41] Ibid., p. 100; Rustow, pp. 698-701; Erickson, pp. 173-174.
[42] Dinç, p. 103.
[43] Rustow, pp. 698-701.
[44] Ibid.; Dinç, pp. 105-106.
[45] Rustow, pp. 698-701; Dinç, pp. 107-108; Yavuz Aslan, “Bolşeviklerle İlişki Kurmak Amacıyla Oluşturulan Bir Siyasî Kuruluş: Türk Komünist Fırkası (Bakû-1920),”
Türk Kültürü İncelemeleri Dergisi, vol. 6 (April 2002), p. 34.
[46] Kâzım Karabekir,
İstiklâl Harbimiz, cilt 1 (Istanbul: Türkiye Yayınevi, 1960), pp. 299-413.
[47] Ibid., pp. 633-634; Aslan, pp. 34-41.
[48] Gotthard Jäschke, “Neues zur russisch-türkischen Freundschaft von 1919–1939,”
Die Welt des Islams, vol. 6, no. 3/4 (1961), p. 204.
[49] Karabekir, p. 799; Taylan Sorgun,
Halil Paşa: İttihat ve Terakki’den Cumhuriyete: Bitmeyen Savaş (Istanbul: Kamer Yayınları, 1997), pp. 328-335; Aslan, p. 45; Dinç, pp. 109-112.
[50] Jäschke, pp. 205-206.
[51] Martirosyan,
op. cit.
[52] Aslan, p. 47.
[53] Ibid., p. 48; Dinç, pp. 109-112; Rustow, pp. 698-701.
[54] Aslan, p. 42.
[55] Çifci, pp. 185-187.
[56] Ibid., pp. 235-236; Sorgun, pp. 363-364.
[57] Rustow, pp. 698-701.
[58] Çifci, p. 238.
[59] Dinç, pp. 117-118.
[60] Ibid., p. 119; Sorgun, pp. 371-379.