تسجيل الدخول

أركان الإيمان اليهودية

​​​​​​​​

أركان الإيمان اليهودية هي مجموعة من المعتقدات التي تتناول قدرة الله ووحدانيته وتنزيهه وتعظيمه وسعة علمه وجزاءه وعقابه، ونبوة موسى وصواب شريعته وعدم تغيرها، ومجيء المسيح، وبعث الأموات. كانت العقيدة اليهودية المبكّرة عقيدة هينوثية {{العقيدة الهينوثية: (Henotheism) عقيدة دينية سادت في العصور القديمة، وكانت اليهودية المبكّرة، قبل نشوء المسيحية، جزءًا أصيلًا منها. تعني العقيدة الهينوثية الاعتراف بإله واحد مختلف يحكم بشكل حصري شؤون كل مجموعة (قبيلة؛ شعب؛ إقليم، وغيرها). ولا سلطة لها خارج حدود تلك المجموعة المعينة أو الإقليم المحدّد.}} تاريخيًا. وبهذا، فهي تختلف عن عقائد دينية أخرى لكونها تعترف بوجود آلهة أخرى خاصة لكل مجموعة، أسوة بسائر الديانات القديمة السابقة على نشوء المسيحية. وبهذا المعنى تصبح عبادة يهوه بصفته إلهًا حصريًا لذرية يعقوب (المعروف بـ "إسرائيل") مفهومة. وقد تأسّست العقيدة اليهودية تاريخيًا على هذا التصوّر حتى نشوء الديانتين المسيحية بدايةً والإسلام لاحقًا، اللتين أنكرتا هذا التصوّر، وشكّل تأكيد الوحدانية الصرفة إسلاميًا تحديًا بالغًا لليهودية تحديدًا، وفرض عليها ضرورة طرح أركان إيمان تتمتّع بطابع عالمي كوني لا بطابع يهودي حصري.

تشكّل يهودية الشريعة حتى القرن التاسع الميلادي

شهدت اليهودية، منذ خراب الهيكل الثاني (70م) وحتى أواخر القرن التاسع، تبلورًا واضحًا بوصفها "يهودية الشريعة" (Halakhic Judaism)، أي ديانة ترتكز في جوهرها على الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية والفرائض الملزمة لأتباعها، من دون الالتفات إلى أبعادها الفكرية والعقدية. لم تُطوّر الأدبيات اليهودية خلال هذه الفترة أنساقًا لاهوتية وفلسفية، كذلك لم تزدهر أنواع أدبية ذات طبيعة تأملية أو وجودية أو عقدية، بل ظلت المدونة الأساسية مُنصبّة على الفقه اليهودي تحديدًا، وتتضمّن دراسة النصوص التوراتية ذات الأبعاد الفقهية ومناقشة توجّهات وتفسيرات السلف الفقهية والتدقيق في التفاصيل الشعائرية والطقسية.

اختزال الفرائض في التقليد التلمودي

اقتصرت المحاولات المتواضعة الواردة في التلمود البابليلسَّنْهَدْرين 97ب) بشأن تحديد "جوهر" العقيدة اليهودية على تحديد عدد الفرائض المفروضة على بني إسرائيل، التي ثُبِّتت في الرقم 613 (248 فريضة أمر بعدد أعضاء جسم الإنسان، و365 فريضة تحريم بعدد أيام السنة وفق التقويم الشمسي)، وتمثّل جميعها التعبير العملي للعهد الإلهي مع بني إسرائيل. إلّا أنَّ بعض الأنبياء – وفقًا للتقاليد التفسيرية – سعوا إلى اختزال عدد الفرائض وحصرها في أغراض تربوية وروحية، ومنهم داود، الذي حصرها في أحد عشر أمرًا (المزامير، 15: 1-5)، وإشعياء الذي اختزلها لتصبح ستة أوامر (إشعياء، 33: 15-16)، ثم اثنين (إشعياء، 56: 1)، وحصرها ميخا في ثلاثة (ميخا، 6: 8)، حتى جاء حبقوق فاختزلها في ركن إيماني واحد يفيد واجب التوكّل (الاتكال على الله)، ونصّه: "والبار بإيمانه يحيا" (حبقوق، 2: 4)[1]، وهو ما استخدمته الكنيسة المسيحية في بداياتها لنقل "جوهر" العبادة من الشرائع والوصايا، "عبادة الجوارح"، إلى الإيمان القلبي. كذلك، لخّصها أحد الفقهاء في فريضة واحدة ترد في إحدى الجمل التوراتية ومفادها "لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا، ولا صورة ما ممّا في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض" (الخروج، 20: 4)، أما بقية الفرائض فهي بمنزلة التعليقات عليها والشروح لها وتأويلها. تعكس هذه النزعة الاختزالية ميلًا إلى تجاوز الطابع الفقهي-الشرعي باتجاه بلورة جوهر عقَدي يقوم على الإيمان والتقوى، وإن ظلّ ذلك هامشيًا في مقابل مركزية الشريعة والفقه.

العقيدة والحفاظ على الحياة

أقرّ التقليد التلمودي بأولوية حفظ نفس اليهودي على معظم الوصايا، إذ سُمِح بانتهاك جميع الفرائض -عند الضرورة- من أجل إنقاذ الحياة، باستثناء ثلاث محرّمات مطلقة: الإقدام على ارتكاب القتل، وعبادة الأصنام والأوثان، وسفاح القربى (السَّنْهَدْرين 74أ).

التفاعل مع الآداب العربية والإسلامي​ة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

مع تشكّل ملامح الحضارة الإسلامية وتطورها في المراكز العلمية الكبرى، مثل البصرة وبغداد والقيروان وقرطبة، وظهور تيارات فكرية ومدارس مختلفة، بدأت اليهودية – ولا سيما بين المجتمعات اليهودية الناطقة بالعربية – تشهد تحوّلات داخلية عميقة[2]. فقد ظهر جيل من الفقهاء والمفكرين اليهود، ينتمون إلى فرقتَي الربّانيّين والقرّائيّين، الذين انفتحوا على الآداب العربية والعلوم الإسلامية، ولا سيما على علم الكلام الاعتزالي وعلوم التفسير، ونقلوا إلى اليهودية أنواعًا أدبية وأدوات ومنهجيات وأفكارًا جديدة سمحت لها بتجاوز حدود الفقه والشريعة نحو بناء أنساق عقَدية ولاهوتية وفلسفية. وكان من أبرز هؤلاء: داود بن مروان المُقَمَّص (ولد في الرقة، ونشط فيها في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي)، ودانيال القومّسي (ولد في دامغان، ونشط في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي بالقدس)، وإسحاق الإسرائيلي (نشط في القيروان، ت. 950م)، وسعيد بن يوسف الفيومي (المشهور باسمه العبري "سعاديا هَغاؤون"، نشط في بغداد، ت. 942م)، ويعقوب القرقساني (نشط في بغداد، ت. 950م تقريبًا)، وأبو علي حسن بن علي البصري المشهور باسمه العبري يافث بن عيلي (نشط في القدس، وتوفي في العقد الأول من القرن الحادي عشر الميلادي)، ودوناش بن لبرات (ولد في فاس سنة 920، ونشط في بغداد، وتوفي في نهاية القرن العاشر الميلادي)، ومناحم بن ساروك (ولد في طرطوشة-الأندلس سنة 920، ونشط في قرطبة، وتوفي في الربع الأخير من القرن العاشر الميلادي)، وأبو الوليد مروان بن جناح القرطبي والشهير باسمه العبري يونا بن جناح (نشط في قرطبة وسرقسطة، وتوفي في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي)، وموسى بن ميمون (نشط في قرطبة وشمال أفريقيا والفسطاط، ت. 1204م). أسهم هؤلاء وتلاميذهم في إدخال أنواع وأنماط أدبية وعلمية مستحدثة إلى الثقافة اليهودية مثل تفسير التوراة، والتفسير العقلي لجمل التوراة وألفاظه، وأدب المقالة، والنحو العبري، والفلسفة، وعلم الكلام، والعلوم التطبيقية مثل الطب والفلك. ومن بين جملة هذه الأمور، ظهرت محاولات متعاقبة منذ منتصف القرن التاسع إلى طرح فكر فلسفي منهجي على يدي المُقَمَّص، وفي نهاية القرن التاسع بدأت صياغة أركان إيمان يهودية، وإن كان بصورة غير منظمة، في رسالة منسوبة إلى دانيال القومّسي المنتمي إلى فرقة القرّائيّين، وبصورة أكثر تنظيمًا في طرح عشرة أركان الإيمان ومتضمّنة في شرح سفر الخروج للفيومي[3].

بلغ هذا المسار ذروته في مشروع موسى بن ميمون لوضع أسس منهجية وعقدية لليهودية، فاقترح ثلاثة عشر ركنًا للإيمان يتوجّب على كل يهودي أن يؤمن بها ليتسمّى يهوديًا، وأضحت جزءًا لا يتجزأ من كتاب الصلوات. أثارت هذه القائمة جدلًا واسعًا بين فقهاء اليهود، ولا سيما في أوروبا، إذ اعتبرها البعض اختزالًا مخلًّا بطبيعة الإيمان اليهودي الذي يصعب حصره في قائمة قصيرة تتضمّن بضعة بنود محددة في نظرهم.

قائمة الأركان

فيما يأتي أركان الإيمان اليهودية، مستندة إلى قائمة ابن ميمون، بصياغة عصرية بقلم الطبيب والبحّاثة المصري اليهودي هلال فارحي (نشط في القاهرة، ت. 1940)[4]:

  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنَّ الخالق ليتبارك اسمه هو خالق ومدبّر كافة المخلوقات، وهو وحده صنع وصانع ويصنع كل الأعمال؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنَّ الخالق تبارك اسمه هو واحد وليس لوحدانيته مثيل على أي وجه كان، وهو وحده إلهنا كان وكائن ويكون؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنَّ الخالق تبارك اسمه ليس جسدًا وهو منزّه عن عوارض الجسد وليس له شكل مطلقًا؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنَّ الخالق تبارك اسمه هو الأول وهو الآخر؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنَّ الخالق تبارك اسمه به وحده تليق الصلاة ولا تليق الصلاة بغيره؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنَّ كل كلام الأنبياء هو حق؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنَّ نبوة سيدنا موسى عليه السلام كانت حقيقية، وأنه كان أبًا للأنبياء الذين قبله والذين بعده؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنَّ كل الشريعة الموجودة الآن بأيدينا هي المعطاة لسيدنا موسى عليه السلام؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنَّ هذه الشريعة لا تتغير ولا تكون شريعة أخرى من لدن الخالق تبارك اسمه؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنَّ الخالق تبارك اسمه هو عالم بكل عمل بني البشر وكل أفكارهم لأنه قيل "هو المصوّر قلوبهم جميعًا، المنتبه إلى كل أعمالهم" (مزمور 33: 14)؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنَّ الخالق تبارك اسمه يجازي خيرًا الذين يحفظون وصاياه ويقاص الذين يخالفون وصاياه؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا بمجيء المسيح، ومع أنه يتأخّر فإنني أنتظر مجيئه في كل يوم؛
  • أنا أومن إيمانًا تامًا أنه ستكون قيامة الأموات عندما تصدر إرادة من لدن الخالق تبارك اسمه وتعالى ذكره إلى الأبد وأبد الآبدين.

في هذه القائمة محاولة لزعزعة بعض العقائد اليهودية السائدة، مثل جسمانية الباري (الركن الثالث)، إضافة إلى محاولة للجدل الديني مع بقية الديانات، ولا سيما المسيحية والإسلامية، يظهر في الركن السابع وكذلك في الركن التاسع معارضة العقيدة المسيحية القائلة بأنَّ شريعة موسى قد انتهى مفعولها مع ظهور المسيح، والعقيدة الإسلامية التي تقول بنسخ شريعة موسى.

مكانتها في العصر الحديث

رغم الانتقادات التي واجهت مشروع ابن ميمون، فقد شهد القرن التاسع عشر إعادة اعتبار لضرورة تأكيد العقدية في اليهودية عمومًا، ومنظومة ابن ميمون العقدية خاصة، وذلك للضروريات التي فرضتها "روح الحداثة"، فباتت قواعده الثلاث عشرة مقبولة على نطاق واسع في دوائر الثقافة والتيارات الدينية اليهودية، وإن بقيت بعض التيارات، ولا سيما في التيارات الأرثوذكسية المتمسّكة بتعصّب بالأبعاد الفقهية، تتحفّظ على إلزاميتها أو تدعو إلى تجاوزها لصالح فهم أكثر انفتاحًا للعقيدة.

المصادر والمراجع

العربية

سِدُّور فارحي: كتاب الصلوات حسب طقس السفاراديم - الصلوات اليومية وبعض صلوات خصوصية وقواعد التقويم العبراني. تعريب هلال يعقوب فارحي. [القاهرة]: مطبعة الأدون روبرتو موسكوفتش، 1917.

الأجنبية

Jacobs, Louis “Judaism.” in: Encyclopedia Judaica. Second edition. vol. 11: JA-KAS. Jerusalem: Keter Publishing House, 2007.

Kellner, Menachem. Dogma in Medieval Jewish Thought: From Maimonides to Abravanel. Oxford: The Littman Library of Jewish Civilization, 2004.

Meyrav, Y. (ed.). Yearbook of the Maimonides Centre for Advanced Studies 2019. Berlin: De Gruyter, 2020.

Nadler, Steven & Tamar M. Rudavsky (eds.). TheCambridge History of Jewish Philosophy: From Antiquity Through the Seventeenth Century. New York: Cambridge University Press, 2009.

Stroumsa, Sara, “The Muslim Context of Medieval Jewish Philosophy,” in: Steven Nadler & Tamar M. Rudavsky (eds.), TheCambridge History of Jewish Philosophy: From Antiquity Through the Seventeenth Century (New York: Cambridge University Press, 2009)

بن شمّاي، حغّاي. "عشرة أركان الإيمان للحاخام سعاديا غاؤون". داعَت. العدد 37 (1996). ص 11-26.

________. "عشرة أركان الإيمان للحاخام سعاديا غاؤون". مشروع قائد: أبحاث في جملة التعاليم الفكرية والتفسيرية للحاخام سعاديا غاؤون. القدس: مؤسّسة بياليك، 2015.

[1] يُنظر:

Louis Jacobs, “Judaism,” in: Encyclopedia Judaica, vol. 11: JA-KAS, 2nd ed. (Jerusalem: Keter Publishing House, 1972), pp. 511b-520a; Menachem Kellner, Dogma in Medieval Jewish Thought: From Maimonides to Abravanel (Oxford: The Littman Library of Jewish Civilization, 2004).

أما ما يخص الجدل في العصر الحديث، فيُنظر:

Michah Gottlieb, “Does Judaism Have Dogma? Moses Mendelssohn and a Pivotal Nineteenth Century Debate,” in: Y. Meyrav (ed.), Yearbook of the Maimonides Centre for Advanced Studies 2019 (Berlin: De Gruyter, 2020), pp. 219-242.

[2] يُنظر:

Sarah Stroumsa, “The Muslim Context of Medieval Jewish Philosophy,” in: Steven Nadler & Tamar M. Rudavsky (eds.), TheCambridge History of Jewish Philosophy: From Antiquity Through the Seventeenth Century (New York: Cambridge University Press, 2009), pp. 39-59.

[3] حغاي بن شمّاي، "عشرة أركان الإيمان للحاخام سعاديا غاؤون"، داعَت، العدد 37 (1996)، ص 11-26. وأعيد نشره في: حغاي بن شمّاي، مشروع قائد: أبحاث في جملة التعاليم الفكرية والتفسيرية للحاخام سعاديا غاؤون (القدس: مؤسّسة بياليك، 2015)، ص 93-109.

[4]سِدُّور فارحي: كتاب الصلوات حسب طقس السفاراديم - الصلوات اليومية وبعض صلوات خصوصية وقواعد التقويم العبراني، تعريب هلال يعقوب فارحي ([القاهرة]: مطبعة الأدون روبرتو موسكوفتش، 1917)، ص 84-85.


المحتويات

الهوامش