تسجيل الدخول

المعاهدات الدولية

​​​​

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​​​​

المعاهدات الدولية (International treaties)، وتعرف أيضًا باسم الاتفاقيّات/ الاتفاقّات الدولية، هي اتفاقّات تُعقد بين الدول، أو بين منظمات دولية، في صيغة مكتوبة؛ وينظمها القانون الدولي سواء تضمّنتها وثيقة أو أكثر، بغضّ النظر عن تسميتها الخاصة. تحتل المعاهدات الدولية مكان الصدارة بين مصادر القانون الدولي {{المصادر الأخرى هي العرف الدولي، والمبادئ العامة للقانون، وأحكام المحاكم، ومذاهب كبار الفقهاء القانونيين والمشرّعين، ومبادئ العدل والإنصاف.}} التي تضمنتها المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، بل تكاد هذه المعاهدات تكون المصدر الوحيد لبعض مجالات القانون الدولي. وتقتضي الأهميةُ الفائقة للمعاهدات الدولية البحثَ في نظامها القانوني، الذي هو في الأساس نظام عرفي، والذي قُنّن في اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، واتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات المعقودة بين الدول والمنظمات الدولية أو بين المنظمات الدولية لعام 1986.

تعريفها

تتفق[1]اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات {{اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات: اتفاقية دولية تُنظِّم قواعد صياغة المعاهدات التي تعقد بين الدول وتنظيمها وتفسيرها. صاغتها لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، واعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1969، بموجب قرارَيها رقم 2166 لعام 1966 ورقم 2287 لعام 1967، ودخلت حيز النفاذ عام 1980، وانضم إليها 116 دولة.}} لعام 1969 واتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات بين الدول والمنظمات الدولية أو بين المنظمات الدولية {{اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات بين الدول والمنظمات الدولية أو بين المنظمات الدولية: اتفاقية دولية اعترفت بالشخصية القانونية الدولية للمنظمات وأهليتها لعقد الاتفاقيات الدولية والانضمام إلى المعاهدات. اعتمدتها الأمم المتحدة عام 1986، إلا أنها لم تدخل حيز النفاذ لعدم تحقق شرط نفاذها بانضمام 35 دولة إليها وتصديقها عليها.}} على تعريف المعاهدة، فالمقصود بها هو: الاتفاق المعقود بين الدول (في الاتفاقية الأولى) وبين دولة أو أكثر ومنظمة دولية أو أكثر وبين منظمات دولية (في الاتفاقية الثانية) في صيغة مكتوبة، والذي ينظمه القانون الدولي سواء تضمنته وثيقة أم أكثر، وأيًّا كانت تسميته الخاصة. ويتضح من هذا التعريف أن أي صك دولي ينطبق عليه وصف المعاهدة الدولية لا بد أن يتوافر فيه الآتي:

  1. نسبة التصرف إلى دول أو منظمات دولية

أطراف المعاهدة الدولية هي الدول والمنظمات الدولية فقط، وبناءً عليه، لا تندرج في فئة المعاهدات الدولية الاتفاقاتُ المعقودة بين الدول والأشخاص الخاصة الأجنبية أو المشروعات الأجنبية.

  1. التعبير عن إرادتين أو أكثر لإنتاج آثار قانونية

وهذا ما يميز المعاهدات الدولية عن التصرفات الإرادية المنفردة واتفاقات الشرف أو الشرفاء (اتفاقات الجنتلمان) {{اتفاقات الجنتلمان: اتفاقات يُثبِت فيها رؤساء الدول أو رؤساء الحكومات عادة، بصيغة ودية أو شخصية، مواقفَ دولهم في مسألة دولة معينة. وهي لا تعد من قبيل المعاهدات الدولية، وليس لها صفة إلزامية. ومن أمثلتها: ميثاق الأطلسي بين رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت لعام 1941.}} التي يُثبت فيها رؤساء الدول أو الحكومات عادة، بصفة ودية أو شخصية، الموقفَ الذي يريدون أن تنتهجه دولهم في مسألة دولية معينة.

  1. الصيغة المكتوبة

تتخذ المعاهدة الصيغة المكتوبة، ولكن هذا لا يعني خلو الاتفاقات الشفوية أو غير المكتوبة من أي قيمة إلزامية.

  1. خضوع التصرف للقانون الدولي

لا يعد التصرفُ القانوني الذي تعقده الدول أو المنظمات الدولية معاهدةً دولية إلا إذا كان يخضع للقانون الدولي، كما لا تعد التصرفات الدولية ذات الطبيعة الخاصة التي يتقرر إخضاعها للقانون الداخلي معاهداتٍ دوليةً.

  1. تعدد الوثائق التي تتكون منها المعاهدة

قد تكون المعاهدة في وثيقة واحدة، وقد تنعقد عبر تبادل خطابات أو "تبادل مذكرات".

  1. تعدد التسميات

تطلق الدول والمنظمات الدولية الأطراف في المعاهدات الدولية ما تشاء من تسميات على هذه المعاهدات، مثل الاتفاق، والاتفاقية، والميثاق، والدستور، والعهد، والنظام، والبرتوكول، ومذكرة التفاهم، والوثيقة الختامية. والصك الذي تتوفر له صفة المعاهدة يُعد معاهدة دولية بصرف النظر عمّا سُمّي به، وهذا ما أكدته محكمة العدل الدولية مرارًا[2].

تصنيفها

تُصنَّف المعاهدات الدولية بحسب الزاوية التي ينظر بها إليها.

من حيث عدد الدول الأطراف فيها

تصنف المعاهدات الدولية من هذه الناحية إلى: معاهدات ثنائية، وأخرى جماعية أو متعددة الأطراف. وتعد معاهدة باريس للسلام (1856) التي انتهت بها حرب القرم {{حرب القرم: حرب وقعت بين عامَي 1853 و1856 بين الإمبراطورية الروسية وتحالف من الإمبراطورية العثمانية والمملكة المتحدة والإمبراطورية الفرنسية الثانية ومملكة سردينيا.}} أوّلَ اتفاقية جماعية تفاوضت عليها الدول الأطراف مباشرة وبهذه الصفة، وكانت نتيجتها الحد من التأثير الروسي في المنطقة[3].

من حيث طبيعتها

يمكن تصنيف المعاهدات الدولية من هذه الناحية إلى: معاهدات شارعة، وأخرى عقدية، إذ يعدّ ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية ضحايا الحروب لعام 1949، واتفاقية ڤيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 أمثلةً على المعاهدات الشارعة.

أما المعاهدات العقدية، فمثالها اتفاقات التحالف، والتجارة، والحدود، وشراء الأسلحة، وغيرها. والواقع أن المعاهدات الدولية أيًّا كانت طبيعتها لا تُلزِم سوى أطرافها.

من حيث إجراءات إبرامها أو شكلها

تنقسم المعاهدات من هذه الزاوية إلى: معاهدات شكلية (مطولة أو ارتسامية) تمر بثلاث مراحل؛ المفاوضة والتوقيع والتصديق، وأخرى مبسّطة أو تنفيذية، تنعقد بمجرد التوقيع عليها ومن دون حاجة إلى التصديق.

إبرامها

تشترك المعاهدات الثنائية والجماعية في عدد من الإجراءات، وتنفرد المعاهدات الجماعية ببعض الإجراءات الخاصة[4].

الإجراءات المشتركة بين كل من المعاهدات الثنائية والجماعية

المفاوضة

يُقصَد بالمفاوضة تبادل المقترحات ووجهات النظر بين ممثلي الدول والمنظمات الدولية بقصد الوصول إلى اتفاق في شأن معين، وليس لها شكل معين. تُعيّن الدولة المفوضين بتمثيلها، وتسلمهم وثائق تسمى "وثائق التفويض الكامل"[5]، التي تصدر عادةً عن رئيس الدولة، وقد تصدر أيضًا عن رئيس الحكومة أو وزير الخارجية. ويعدّ رؤساء الدول، ورؤساء الحكومات، ووزراء الخارجية، ورؤساء البعثات الدبلوماسية، والممثلون الذين تعتمدهم دولهم في مؤتمر دولي أو منظمة دولية، ممثلين لدولهم من دون الحاجة إلى إبراز وثيقة التفويض الكامل. ولا تلتزم الدول المتفاوضة بعقد المعاهدة، بل تلتزم بالتفاوض بنيَّة حسنة.

تحرير المعاهدة

يُعدّ تحرير ما يتوصّل إليه المتفاوضون في محرَّر مكتوب وتهيئته للتوقيع هو النهاية الطبيعية للمفاوضات. وتُحرَّر المعاهدات ذات الاتجاه العالمي المعقودة في إطار الأمم المتحدة باللغات الرسمية الخمسة للمنظمة. وتتكون المعاهدة من مقدمة، وديباجة، ومتن يتضمن الأحكام الموضوعية والأحكام الختامية. وقد يشمل منطوق المعاهدة ملحقًا أو مرفقًا أو أكثر.

تنتهي مرحلة إعداد المعاهدة باعتمادها أو إقرارها عبر التوقيع أو التصويت أو التوافق، ويأخذ التوقيع ثلاثة أشكال، هي: التوقيع بالأحرف الأولى، والتوقيع بشرط الرجوع إلى الحكومة، وذلك في حال رغبة المتفاوضين في العودة إلى حكوماتهم قبل التوقيع النهائي. وليس لهذين الشكلين الأولين من التوقيع قيمة قانونية إذا لم يتبعهما توقيع كامل. وتكون المعاهدة مُلزِمة بمجرد التوقيع عليها حينما لا تخضع للتصديق أو القبول أو الموافقة. ولا يخلو التوقيع على المعاهدة من بعض الآثار القانونية، فالدولة الموقعّة تلتزم بالامتناع عن تعطيل موضوع المعاهدة والغرض منها، وعليها أن تفحص نص المعاهدة لتحديد موقفها منها، كما أن الأحكام الختامية في المعاهدة تُنفَّذ بمجرد التوقيع عليها.

تعبير الدولة عن رضاها بالالتزام النهائي بالمعاهدة

تعبّر الدولة عن رضاها بالمعاهدة بتوقيعها، أو بتبادل وثائق إنشائها، أو بالتصديق عليها، أو بالموافقة عليها، أو بقبولها، أو بالانضمام إليها، أو بأي وسيلة أخرى متفق عليها (م/11 من اتفاقيتَي ڤيينا). وتعبّر الدولة عن رضاها بالالتزام بالمعاهدة "بمجرد توقيع ممثلها عليها إذا نصت المعاهدة على أن يكون للتوقيع هذا الأثر، أو ثبت بطريقة أخرى أنها أرادت أن يكون له هذا الأثر" (م/11 من اتفاقيتَي ڤيينا).

وتنص المعاهدات الدولية عادة على أن يكون تعبير الدولة عن رضاها النهائي بالمعاهدة بالتصديق، وقد يُستَدل على ذلك بشكل ضمني، والحكمة من التصديق هي إعطاء الحكومة الوقت الكافي لمراجعة أحكام المعاهدة قبل الالتزام النهائي بها. وتُوجِب دساتير الدول عادة الحصولَ على موافقة السلطة التشريعية على المعاهدة. والتصديق أمرٌ تقديري؛ فتصديق الدولة على المعاهدة أو عدمه لا يُرتِّب عليها أي مسؤولية دولية. وتختلف السلطة المختصة بالتصديق بين دولة وأخرى، غير أن الاتجاه العام في معظم الدول هو اختصاص السلطة التنفيذية، ممثلةً برئيس الدولة، بالتصديق بعد أن يأذن لها المشرِّع في معظم الأحيان، وعبر الاستفتاء الشعبي {{الاستفتاء الشعبي: هو إحدى آليات الديمقراطية المباشرة، ويعني حكم الشعب من دون وسيط أو ممثل، ويكون بعرض مسألة تشريعية أو سياسية على المواطنين مباشرة لأخذ رأيهم بالرفض أو الموافقة. وتعد سويسرا من أكثر الدول لجوءًا إليه.}} في بعض الأحيان[6]. وفي حالة تصديق رئيس الدولة على المعاهدة من دون الحصول على إذن السلطة التشريعية في الحالات التي يتعين فيها ذلك، لا يجوز للدولة أن تتخذ من ذلك سببًا لإبطال رضاها بالالتزام بالمعاهدة، إلا إذا كانت المخالفة بينّة، وتعلقت بقاعدة أساسية من قواعد القانون الداخلي (م/46 من اتفاقيتَي ڤيينا).

دخول المعاهدة في النفاذ

تدخل الاتفاقات المبسّطة في طور النفاذ بمجرد تعبير الدولة المتفاوضة عن رضاها بالالتزام بالمعاهدة عبر توقيعها، وتدخل المعاهدات الارتسامية أو الشكلية الثنائية في النفاذ ابتداءً من تاريخ تبادل وثيقتَي التصديق (أو القبول أو الموافقة)، أو من التاريخ الذي تنص عليه المعاهدة. ويتطلب العديدُ من المعاهدات المعقودة برعاية الأمم المتحدة لكي تدخل في النفاذ إيداعَ خمس وثلاثين دولة وثائقَ التصديق عليها، وقد تشترط المعاهدة نوعية معينة في الدول المصّدقة. وهذا هو حال ميثاق الأمم المتحدة الذي اشترط لدخوله في النفاذ إيداع الدول الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن وأغلبية الدول الأخرى الموقّعة لتصديقاتها (م/110 (3) من ميثاق الأمم المتحدة).

تسجيل المعاهدة

إنّ الهدف من تسجيل المعاهدة هو وضعُها في متناول الجميع، والقضاء على الدبلوماسية السرية، إذ تُوجِب المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة تسجيلَ كل معاهدة أو اتفاق دولي يعقده أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة في أمانة المنظمة، ونشره بأسرع ما يمكن. ولا يُعدّ عدم التسجيل سببًا من أسباب بطلان المعاهدة، ولكنه يمنع الاحتجاج بها لدى أي فرع من فروع الأمم المتحدة.

إبرام المعاهدة الجماعية

تُعَدُّ المعاهدات الجماعية في مؤتمرات دبلوماسية تُعقَد لهذا الغرض بدعوة توجّهها الدول أو المنظمات الدولية. وفي حال دعوة هذه المنظمات، تكون المعاهدات التي يسفر عنها المؤتمر معقودة برعاية المنظمة، ولكنها قد تُعقد داخل المنظمة، أي على يد فرع من فروعها. ويُعتمَد نص المعاهدة المتعددة الأطراف بالإجماع في حالة المعاهدات الثنائية أو تلك المعقودة بين عدد محدود من الدول. أما في المعاهدات الشارعة التي تعدها مؤتمرات تدعو إليها الأمم المتحدة ويشارك فيها أعضاء المنظمة جميعهم (193 دولة)، فإن اشتراط الإجماع يعني تعذّر عقد المعاهدة، ولكن المعمول به هو اتباع قاعدة أغلبية ثلثي الدول المشاركة في المؤتمر، إلا إذا تقرر اشتراط الإجماع أو أغلبية أخرى، وهذا ما كرّسته اتفاقيتا ڤيينا. وقد يُعتَمد نص المعاهدة عبر التوافق، أي من دون تصويت شريطة عدم الاعتراض. وعندما تُعقد المعاهدة في نطاق المنظمة أو داخل إطارها وعلى يد أحد فروعها، يُعتمَد نص المعاهدة بالإجماع أو الأغلبية أو التوافق، وذلك حسب قواعد التصويت المتبعة في المنظمة.

وهناك مجموعة من السبل التي تساعد على زيادة عدد الدول الأطراف في المعاهدات الجماعية، وهي:

  1. التوقيع المؤجَّل

ويُقصَد به إعطاء الدول التي لم تشارك في المفاوضة في المعاهدة أو التي شاركت فيها، ولم يوقع مفوضوها عليها وقت اعتمادها، فسحةً من الوقت، لعلّها تعيد النظر خلالها في موقفها السلبي هذا فتوقع على المعاهدة.

  1. الانضمام

يسمح الانضمام إلى المعاهدات الجماعية لدول لم يسبق لها التوقيع على نص المعاهدة أن تصبح أطرافًا فيها. وكما ذهبت اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات، فإن إجراء الانضمام – ومثله في ذلك التصديق والقبول والموافقة - هو أسلوب تُثبت الدولة بموجبه، على المستوى الدولي، رضاها بالالتزام بالمعاهدة. ولا يَشترط القانون الدولي شكلًا معينًا لوثيقة الانضمام، وهي تتخذ عادة شكل وثيقة التصديق.

  1. التحفظات

يُقصَد بالتحفظ الإعلانُ من جانب واحد، أيًا كانت صياغته أو تسميته، الذي يصدر عن الدولة عند توقيعها أو تصديقها على المعاهدة، أو عند قبولها أو موافقتها عليها أو انضمامها إليها، والذي تهدف به إلى استبعاد الأثر القانوني لأحكام معينة في المعاهدة أو تعديله من حيث سريانها على الدولة (البند "د" من الفقرة الأولى من المادة الثانية من اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات).

وتنطلق فكرة التحفظ من الحرص على توسيع قاعدة الدول الأطراف في المعاهدة، غير أن "الإعلان التفسيري" الذي يوضح المعنى الذي تراه الدولة بحكمٍ اتفاقيٍّ فيها لا يعّد تحفظًا. ولا يحقّ للدولة التحفظ إذا كان ذلك محظورًا في المعاهدة أو لا يقع ضمن التحفظات التي تجيزها. وفي حالة سكوت المعاهدة عن ذلك، يجوز إبداء التحفظ شريطة أن يكون متماشيًا مع موضوع المعاهدة أو الغرض منها. وقد ذهبت لجنة القانون الدولي {{لجنة القانون الدولي: لجنة أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 استنادًا إلى المادة 13 من ميثاق الأمم المتحدة. تتألف من أشخاص مشهود لهم بالكفاءة في القانون الدولي، ويعملون على تدوين القانون الدولي وتطويره.}} في دليل الممارسات المتعلقة بالتحفظات على المعاهدات الذي وضعته عام 2011 إلى أن التحفظ يكون "غير متوافق مع موضوع المعاهدة والغرض منها، إذا مسّ عنصرًا أساسيًّا من المعاهدة يكون ضروريًّا لمضمونها العام، بحيث يخل بعلّة وجود المعاهدة"[7].

ومن الجدير ذكره أن الدول العربية والإسلامية تبدي عادةً تحفظاتٍ على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان المتعلقة بالأحوال الشخصية، وقوانين الأسرة، وبحرية الفكر والضمير والدين. ويقابل حق الدولة في إبداء التحفظات على المعاهدة حق الدول الأخرى الأطراف فيها في قبول التحفظات أو الاعتراض عليها. أما فيما يخصّ الآثار القانونية للتحفظات، فقد بينتها المادة 21 من اتفاقيتي ڤيينا السابقتي الذكر، وهي على الوجه الآتي:

  • ترتبط الدول المتحفظة والأطراف المتعاقدة الأخرى التي قبلت التحفظ، أو لم تعترض عليه، بأحكام المعاهدة، ولكن مع استثناء الحكم، أو الأحكام، التي كانت محلًّا للتحفظات.
  • لا يعدّل التحفظُ نصوصَ المعاهدة بالنسبة إلى الأطراف الأخرى من غير الدولة أو المنظمة المتحفظة في علاقتها بعضها ببعض.
  • أما في العلاقة بين الدول المتحفِّظة والأطراف الأخرى التي تبدي الاعتراض على التحفظ، فالدولة أو المنظمة الدولية المعترضة إما أن تقبل أو لا تمانع بدخول المعاهدة في النفاذ مع الدولة أو المنظمة الدولية المتحفِّظة، باستثناء النصوص التي يتعلق بها التحفظ، وإما أن تعتبر المعاهدة غير سارية بينها وبين الدولة أو المنظمة الدولية المتحفِّظة، ويجوز للدولة أو المنظمة الدولية المتحفِّظة سحب التحفظ في أي وقت تشاء، ومن دون أن يستلزم سحبه موافقة الدولة أو المنظمة الدولية التي قبلت التحفظ.
  1. جهة إيداع المعاهدات

تقابل عملية إيداع وثائق التصديق في المعاهدات المتعددة الأطراف عملية تبادل وثائق التصديق في المعاهدات الثنائية. وتختار الدولة التي تُجرَى المفاوضات على إقليمها، أو يُعقَد فيها المؤتمر المكلَّف بإعداد المعاهدة، لتكون جهة إيداع لها. ويمكن أن تكون جهة الإيداع دولة أو أكثر، أو منظمة دولية، أو الرئيس الإداري للمنظمة (م/76 من اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات).

ويدخل في اختصاص جهة الإيداع فحص ما إذا كان التوقيع أو الإخطار أو المراسلة المتعلقة بالمعاهدة صحيحًا وبالصيغة المناسبة، وما إذا كان الأمر يقتضي إخبار الدولة المعنية بذلك. وتضطلع الجهة المذكورة بحفظ النسخة الأصلية للمعاهدة، وأي وثيقة تفويض كامل تُسلَّم إليها، وبتَسَلُّمِ التوقيعات على المعاهدة، وتَسَلُّمِ أي وثائق أو إخطارات أو مراسلات تتصل بها وحفظها.

صحتها

شروط صحة المعاهدة

لا تُنتِج المعاهدة آثارها القانونية ما لم تستوفِ الشروط اللازمة لصحة التعاقد، ولا تتحقق صحتها من حيث الموضوع من دون توافر شروط ثلاثة، تتعلق بالأشخاص الذين يملكون حق إبرام المعاهدات (أهلية التعاقد)، وبسلامة التعبير عن الإرادة (الرضا بالمعاهدة)، وبمحل المعاهدة أو موضوعها (مشروعية محل المعاهدة أو موضوعها).

أهلية إبرام المعاهدات الدولية

يتطلب عرض هذا الموضوع تحديد أشخاص القانون الدولي الذين يحق لهم إبرام المعاهدة، وتحديد السلطات الحكومية التي تختص بإلزام الدولة، وذلك كما يأتي:

  1. أشخاص القانون الدولي

إن أشخاص القانون الدولي الذين يحق لهم إبرام المعاهدات الدولية هم الدول والمنظمات الدولية، وتثيرُ السلطاتُ أو الكيانات السابقة على الدولة أو الممهدة لها التساؤلَ عن أهلية إبرام هذه المعاهدات.

  • الدول

إن الدول التي تملك حق إبرام المعاهدات الدولية هي الدول الكاملة السيادة أو المستقلة، وليس هناك ما يمنع الدولة من التنازل عن حقها في إبرام المعاهدات. ولا تملك الدول المحايدة عقد بعض المعاهدات التي تتنافى بطبيعتها وحالة الحياد الدائم، كالتحالفات والتكتلات العسكرية. وتعقد الدولُ التي تدير الأقاليم، كالدول الحامية أو المنتدبة أو الوصية، المعاهداتِ باسم الإقليم ولحسابه. وفي ما يخص أهلية فلسطين لعقد المعاهدات الدولية، يُكتفى بالقول إنها دخلت طرفًا في عدد كبير من المعاهدات الدولية[8].

وتَقصُر معظم دساتير الدول الاتحادية اختصاص عقد المعاهدات الدولية على السلطة المركزية (الولايات المتحدة الأميركية ودول أميركا اللاتينية)، ولكن ثمة دساتير اتحادية قليلة تجيز للكيانات الأعضاء في الاتحاد أو لبعضها عقد المعاهدات الدولية (ألمانيا وكندا والاتحاد السويسري وبلجيكا).

  • المنظمات الدولية

تأكدت أهلية المنظمات الدولية لعقد المعاهدات الدولية في الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية، في 11 نيسان/ أبريل 1949، في قضية التعويض عن الأضرار التي يتكبدها كل من المنظمة والأفراد في خدمة الأمم المتحدة (مثل قضية الكونت برنادوت {{الكونت برنادوت: دبلوماسي سويدي، أول وسيط للأمم المتحدة عام 1947، كلّفه مجلس الأمن ليكون وسيطًا للسلام بين العرب واليهود في فلسطين. اغتالته عصابة شتيرن الصهيونية عام 1948 بعدما أوصى ببقاء القدس تحت السيادة العربية، وبعودة اللاجئين.}} الذي اغتالته العصابات الصهيونية في فلسطين عام 1948)[9]. ويَرِد النص على أهلية المنظمات الدولية لعقد المعاهدات في المعاهدات المنشئة لها، ولكن هذه الأهلية ثابتة بمقتضى السلطات الضمنية لتلك المنظمات، إذ تخوّلها هذه السلطات عقدَ المعاهدات اللازمة لتحقيق أهدافها.

  • السلطات أو الكيانات الممهِّدة للدولة (حركات التحرر الوطني)

تجيز بعض المعاهدات الدولية لحركات التحرر الوطني أن تصبح طرفًا فيها، وفي التطبيق العملي تدخل حركات التحرر الوطني أطرافًا في ثلاثة أصناف من المعاهدات، هي: اتفاقات الاستقلال أو الحكم الذاتي {{مثل اتفاقات إيڤيان بين فرنسا وجبهة التحرير الوطني الجزائرية عام 1962، والمعاهدات المعقودة بين البرتغال وحركات التحرر الوطني في مستعمراتها الأفريقية السابقة في موزمبيق وأنغولا، وتلك المعقودة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل بين عامَي 1993 و1995.}}، واتفاقات إدارة الكفاح المسلح {{مثل الاتفاقيات التي عقدتها منظمة التحرير الفلسطينية مع كلٍّ من لبنان (1969)، والأردن (1970)، وتونس (1982).}}، والمعاهدات المنشئة للمنظمات الدولية {{مثال ذلك عضوية جبهة التحرير الوطني الجزائرية في جامعة الدول العربية، وعضوية منظمة التحرير الفلسطينية في جامعة الدول العربية، وفي منظمة التعاون الإسلامي، وفي منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو).}}. وتجيز بعض المعاهدات الجماعية {{مثل البرتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف عام 1949 المتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية عام 1977 (م/96).}} انضمام حركات التحرر الوطني إليها.

  • السلطات الحكومية المختصة بإلزام الدولة

إنّ الحكومة التي تملك الحق في إبرام المعاهدات هي الحكومة الفعلية التي تدير الإقليم بمن فيه وما فيه، غير أنه يُثار التساؤل عن صحة المعاهدات التي تعقدها حكومات مثل الحكومة الشرعية التي تنازعها حكومة أخرى، والحكومة التي تخضع لسلطة حكومة أجنبية، والدول غير المعترف بها، وحكومات المهجر والمنفى.

سلامة التعبير عن الإرادة (الرضا بالمعاهدة)

إنّ عيوب الرضا التي قد تجعل المعاهدة باطلة أو قابلة للإبطال هي: الغلط، والتدليس، وإفساد ممثل الدولة، والإكراه، وإن كان يُلحَظ أن حالات احتجاج الدول بعيوب الرضا نادرة.

  1. الغلط

لا مجال للغلط في القانون الدولي، ولا يُعدّ هذا النوع من الغلط سببًا من أسباب بطلان المعاهدة، ولا أثر كذلك للغلط المادي في نصوص المعاهدة أو ألفاظها في سلامة الإرادة، ولا يؤثر في صحة المعاهدة. والغلط الوحيد الذي يعيب الرضا في القانون الدولي هو الغلط في واقعة أو حالة اعتقدت الدولة ضحية الغلط بوجودها عند عقد المعاهدة، وكانت سببًا أساسيًّا في رضاها بالالتزام بها. ويصعب أن تقع الدولة في غلط، ورغم ذلك كان يحدث أحيانًا أن يُعتمد في معاهدات الحدود على خرائط يتبين لاحقًا أنها غير دقيقة أو منقوصة. وقد أُثير عيب الغلط مرارًا أمام القضاء الدولي، ولكنه كان يخلص إلى عدم حصول ذلك[10].

  1. التدليس

يُقصَد بالتدليس استعمال الطرق الاحتيالية بقصد إيقاع المتعاقِد في غلط يدفعه إلى التعاقد. ومن الممكن التمثيل له بالتسويات الإقليمية التي كانت الدول الاستعمارية تعقدها مع زعماء القبائل الأفريقية بعد أن تُقدِّم لهم خرائط مزيّفة أو مزورة، فلولاها ما ارتضى هؤلاء بتلك التسويات.

  1. إفساد ممثل الدولة

إنّ الإفساد الذي يُعتَدّ به لإبطال المعاهدة لا بد أن يؤثر بشكل جوهري في إرادة ممثل الدولة، ويدفعه إلى الرضا بالمعاهدة أو بحكمٍ فيها. ويُلحَظ في التطبيق أن محاولات إفساد ممثل الدولة أكثر وقوعًا من محاولات إكراهه.

  1. الإكراه

يقع الإكراه على ممثل الدولة أو على الدولة ذاتها، ويندر وقوع النوع الأول من الإكراه أو التهديد به. أما إكراه الدولة فهو كثير الحدوث، ولكنه لم يكن من المتصور التشكيك بصحة المعاهدات التي تُعقَد نتيجةً للإكراه عندما كان اللجوء إلى القوة مشروعًا من وجهة نظر القانون الدولي. أما بعد حظرِ القانون المذكور استخدامَ القوة، فقد أصبح الإكراه يؤثر بالضرورة في صحة المعاهدة المعقودة نتيجة له. وغدا إكراه الدولة بالتهديد باستخدام القوة أو استخدامها سببًا في بطلان المعاهدة. ومن الجدير بالذكر أن الضغوط الاقتصادية والسياسية التي قد تسفر عن معاهدات غير متكافئة {{المعاهدات غير المتكافئة: الاتفاقات الدولية التي يغلب عليها عدم مراعاة مبدأ المساواة في السيادة بين الدول المتعاقدة، وعدم العدالة، والغبن، وعدم تكافؤ القوة التفاوضية للأطراف. ومن هذا القبيل المعاهدات التي تعقدها دول العالم الثالث، والتي تعطي فيها تسهيلات عسكرية وامتيازات اقتصادية للدول الغربية.}} لا تُعامَل معاملة الإكراه المسلح.

مشروعية المحل

تشترط الأنظمة القانونية الداخلية كافة في محل العقد أن يكون مشروعًا، بمعنى ألّا يكون مخالفًا للنظام العام ولقواعد القانون الدولي العام الآمرة وللمبادئ الإنسانية والأخلاقية والآداب العامة الدولية. فقد ذهب الفقه الدولي منذ زمن طويل إلى وجود قواعد آمرة في النظام القانوني الدولي تُمنَع الدول من مخالفتها. ودخلت فكرة النظام العام الدولي إلى القانون الدولي الوضعي لأول مرة في اتفاقيتي ڤيينا السابقتي الذكر لعامَي 1969 و1986، فالاتفاقيتان تنصان على بطلان المعاهدة إذا كانت، وقت عقدها، تتعارض مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي. والمقصود بالقاعدة الآمرة "القاعدة المقبولة والمعترف بها من قبل المجتمع الدولي ككل، قاعـدة لا يجوز الإخلال بها ولا يمكن تعديلها، إلا بقاعدة لاحقة من القواعد العامة للقانون الدولي لها ذات الطابع" (م/53 من اتفاقيتَي ڤيينا)[11].

ومن الأمثلة على القواعد الآمرة حظرُ الإبادة الجماعية، والتعذيب، والرق، والتميز العنصري، والعدوان، والأعمال القتالية التي تستهدف المدنيين، والحق في تقرير المصير. ولكنه لم يسبق لمحكمة العدل الدولية أن وصفت صراحة، وبصورة لا لبس فيها، قاعدةً ما بأنها قاعدة آمرة، كما أنه لم يسبق لها أن قضت ببطلان أي معاهدة لمخالفتها قاعدة آمرة.

جزاء الإخلال بشروط صحة المعاهدة

بيَّنت اتفاقيتا ڤيينا لقانون المعاهدات، إلى جانب أسباب البطلان، أنواعَ البطلان، والإجراءات الواجبة الاتباع في حالات البطلان، والآثار التي تترتب على هذا الجزاء.

ويُكتفَى بالتطرق إلى جزاء الإخلال بشروط المعاهدة التي تَبْطُل إذا ظهر بعد إبرامها تَخلفُّ الشروط اللازمة لكي تنعقد صحيحةً ابتداءً، وهي: أهلية التعاقد، وسلامة الرضا، ومشروعية موضوع المعاهدة. وقد أخذت اتفاقية ڤيينا بكلا النوعين من البطلان، فالجزاء المترتب على عيوب الرضا جميعها، باستثناء الإكراه، هو البطلان النسبي للمعاهدة. ويمكن استخلاص الطبيعة النسبية للبطلان من نصوص المواد 46 (مخالفة نصوص القانون الداخلي بشأن الاختصاص بعقد المعاهدة)، و48 (الغلط)، و49 (التدليس)، و50 (إفساد ممثل الدولة) التي لا تجيز التمسك بالبطلان سوى للدولة المتعاقدة ضحيةَ العيب.

أما ما يخص الإكراه، فلم تأخذ الاتفاقية بالجزاء المقرر في النظم القانونية الداخلية في حال التوصل إلى إبرام العقد عبر الإكراه، وهو البطلان النسبي، بل شددت الجزاء بحيث تصبح المعاهدات المعقودة بطريق الإكراه بنوعيه باطلة بطلانًا مطلقًا (المواد 51 و52). ورتّبتْ المادة 53 من الاتفاقية أقسى أنواع الجزاء على مخالفة المعاهدة النظامَ العام الدولي، وهو جزاء البطلان المطلق (المادتان 53 و54).

تطبيقها

تحدث المعاهدة آثارًا بالنسبة إلى أطرافها وبالنسبة إلى الغير. وتُثار في هذا الصدد كذلك مشكلة تفسير المعاهدات الدولية، ومشكلة التعارض أو التنازع بين المعاهدات المتتالية، التي لا يتسع المقام للتطرق إليها، وبين المعاهدات الدولية والقانون الداخلي.

آثار المعاهدات في الدول الأطراف

تُلحَظ هذه الآثار على الصعيدين الدولي والداخلي.

  1. تنفيذ المعاهدة على الصعيد الدولي

إنّ المبدأ الأساسي في قانون المعاهدات الدولية هو صفتها الإلزامية، وقد قننتْ اتفاقية ڤيينا هذا المبدأ العرفي في المادة 26 منها، إذ جاء فيها: "كل معاهدة نافذة ملزمة لأطرافها، وعليهم تنفيذها بحسن نية".

ولا يجوز لطرف في معاهدة أن يحتج بنصوص قانونه الداخلي بوصفه سببًا مبررًا لإخفاقه في تنفيذ المعاهدة، ولا تسري المعاهدة إلا على الحوادث والوقائع والتصرفات التالية لدخولها في النفاذ، وليس لها أثر رجعي ينسحب على الماضي رغم قدرة الأطراف على الاتفاق على خلاف ذلك، ذلك ما يخص آثار المعاهدات من حيث الزمان. أما ما يخصّ آثار المعاهدات من حيث المكان، فتَلزِمُ المعاهدة كل طرف فيها في إقليمه كاملًا، وذلك ما لم يَظهَر من المعاهدة قصدٌ مغاير، أو يثبت خلاف ذلك بطريقة أخرى (م/29 من اتفاقيتَي ڤيينا).

  1. تنفيذ المعاهدة على الصعيد الداخلي

يقع تنفيذ القانون الدولي على عاتق السلطات المختلفة في الدولة، كلٌّ منها في نطاق اختصاصها، ولا تنتج المعاهدة الدولية في غالبية الدول آثارًا قانونية مباشرة في النظام القانوني الداخلي، بل لا بد من إدخالها فيه عبر إصدارها بقانون أو مرسوم أو بأي إجراء آخر (كما هو الحال في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية). ويكتفي عدد من الدول بالتصديق على المعاهدة ونشرها في الجريدة الرسمية للدولة لكي تصبح ملزمة في النظام القانوني الداخلي، وتنتج آثارًا مباشرة (كما هو الحال في فرنسا).

آثار المعاهدات في الدول الغير

الأثر النسبي للمعاهدة

إنّ المبدأ الذي يحكم مسألة آثار المعاهدات في الدول الغير هو أثرها النسبي، والدولة الغير هي "الدولة التي ليست طرفًا في المعاهدة" (م/2 (1-ح) من اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات). وتنحصر الآثار القانونية للمعاهدة في الدول الأطراف فيها، ولا تمتد إلى الدول الغير، فالمعاهدات لا تنشئ التزامات أو حقوقًا للدول الغير (م/34 من اتفاقيتَي ڤيينا)، ولكن هناك عدة حالات يبدو فيها أن المعاهدة تنشئ حقوقًا للدول الغير وترتب التزامات عليها، إذ قد "ينشأ التزام على الدولة الغير من نص المعاهدة إذا قصد الأطراف فيها أن يكون النص وسيلة لإنشاء الالتزام، وقبلت الدولة الغير ذلك صراحة وكتابة" (م/35 من اتفاقيتَي ڤيينا). ومعنى ذلك أن الالتزام لا يقع على الدولة الغير استنادًا إلى المعاهدة الأصلية التي هي ليست طرفًا فيها، بل استنادًا إلى القبول الصريح الكتابي الذي تبديه بهذا الالتزام.

كما أن شرط الدولة الأَوْلَى بالرعاية {{شرط الدولة الأولى بالرعاية: يقصد به معاملة تمنحها الدولة المانحة للدولة المستفيدة، ولا تقل رعاية عن معاملة الدولة المانحة لدولة ثالثة.}} الذي يرد عادة في الاتفاقيات التجارية وغيرها لا يعد استثناءً لمبدأ الأثر النسبي للمعاهدة، فالمعاهدة التي تحتوي على الشرط هي المعاهدة الأساسية التي تنشئ العلاقة القانونية بين الدولة المانحة والدولة المستفيدة، وبعبارة أخرى، ينشأ حق الدولة المستفيدة من المعاملة بموجب شرط الدولة الأَوْلَى بالرعاية من الشرط المنصوص عليه في المعاهدة بين الدولة المانحة والدولة المستفيدة فقط، وليس بين الدولة المانحة ودولة ثالثة، لأنه لا يوجد في الواقع دولة ثالثة أو دولة من الغير. والأمر ذاته يقال في الاشتراط لمصلحة الغير الذي ورد النص عليه في المادة 36 من اتفاقية ڤيينا، إذ إن الاشتراط لا ينتج أثره إلا بقبول الغير.

سريان المعاهدة على الغير تلقائيًّا وبصرف النظر عن رضاه

تسري المعاهدات التي تنشئ أوضاعًا موضوعية على الغير بصرف النظر عن رضاه الصريح، ومن هذا القبيل المعاهدات الخاصة بالحدود وبالمراكز الإقليمية أو تلك التي يتقرر فيها حياد دولة معينة (مثل الحياد الدائم لكلٍّ من سويسرا والنمسا)، أو حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية (مثل نهر الراين والدانوب وقناة السويس وقناة بنما). كما تدخل في هذا الصنف كذلك المعاهدات المتعلقة بمناطق لا تدخل في سيادة دولة معينة، كمعاهدة القطب الجنوبي لعام 1959 (معاهدة أنتاركتيكا)، واتفاق عام 1979 بشأن تنظيم أنشطة الدول في القمر والأجرام السماوية الأخرى.

تفسيرها

يستدعي تطبيق النص، قبل كل شيء، فهمَ ما يعنيه وتوضيح مداه، وهذا هو المقصود بالتفسير. ويثير تفسير المعاهدة مسألتين أساسيتين، هما: الجهة المختصة بالتفسير، والطرق والقواعد التي تُفسَّر المعاهدة وفقًا لها.

الجهة المختصة بالتفسير

تكون الجهة التي تختص بتفسير المعاهدة إما دولية وإما داخلية، وقد تتفق على التفسير الدولي حكوماتُ الدول الأطراف في المعاهدة، وقد يصدر عن جهة قضائية دولية، كمحكمة العدل الدولية، أو عن إحدى المنظمات الدولية الحكومية، أو عن جهاز معين من أجهزتها. أما التفسير الداخلي فتتولاه هيئات وطنية بحتة، هي السلطات الحكومية أو القضاء الوطني.

  1. التفسير عبر الإرادة المنفردة للدولة

يؤدي هذا النوع من التفسير – وهو الأشيع – إلى تعدد التفسيرات للقاعدة الواحدة واختلافها، ولهذا فهو ليس ملزمًا للدول الأطراف الأخرى. وتفسّر وزارةُ الخارجية أو الوزارات الفنية المعنية المعاهدةَ كلما أثيرت مشكلة تتعلق بتنفيذها داخل الدولة. ويختلف موقف القضاء الوطني من مسألة تفسير المعاهدة من دولة إلى أخرى؛ ففي بعض الدول يمتنع القضاء الوطني عن ذلك ويعتمد تفسير وزارةَ الخارجية فيها.

  1. التفسير المتفق عليه بين الدول الأطراف

يتميزّ هذا النوع من التفسير بقيمة أكبر من أي تفسير آخر، وذلك باعتبار أن مصدر العمل القانوني هو الأجدر بتفسيره والأقدر على ذلك. ويمكن أن تتفق الدول الأطراف على تفسير المعاهدة في أي وقت وبأي وسيلة.

  1. التفسير القضائي الدولي

يندرج اختصاص القاضي الدولي بتفسير المعاهدة، كما هو حال القاضي الوطني، ضمن المهمة العامة، وهي قول القانون.

  1. تفسير المنظمات الدولية

تتضمن المعاهدات المنشئة للعديد من المنظمات الدولية النصَّ صراحة على اختصاص فروع المنظمة بتفسيرها، ولكنّ هذا الاختصاص ثابت لها حتى في حالة غياب نص من هذا القبيل.

طرق التفسير وقواعده

تتماشى المادتان 31 و32 من اتفاقيتي ڤيينا مع القانون الدولي العرفي لتفسير المعاهدات، وقد دوّنت الاتفاقية في هاتين المادتين القاعدة العامة في تفسير المعاهدات الدولية ووسائلها التكميلية.

  1. القاعدة العامة في التفسير
  • تفسير المعاهدة وفقًا لمبدأ حسن النيّة

المبدأ الأول في تفسير المعاهدة هو الوقوف على حقيقة ما أرادت الأطراف التعبير عنه وقتَ عقد المعاهدة لا وقت تطبيقها.

  • تفسير المعاهدة وفقًا للمعنى المعتاد للنص

ينبغي تفسير النص وفق المعنى الطبيعي أو الدارج أو المستعمل عادة للألفاظ والكلمات وقت وضعها، ولا يُعطَى اللفظ معنًى خاصًا ما لم يثبت أن إرادة الأطراف قد اتجهت إلى ذلك.

  • الاعتداد بسياق النص

لا يُفسَّر نص المعاهدة بمعزل عن نصوصها الأخرى، فالتعبير ضمن السياق يعني تفسير الجزء في ضوء الكل. ويشمل السياقُ، لأغراض التفسير، إضافة إلى مجموع نص المعاهدة بما في ذلك المقدمة والملاحق، أيَّ اتفاق يتعلق بالمعاهدة، وأيَّ وثيقة صدرت عن طرف أو أكثر بمناسبة عقد المعاهدة، وقبلتها الأطراف الأخرى بصفتها وثيقة لها صلة بالمعاهدة (م/31 من اتفاقيتَي ڤيينا).

  • الاتفاق اللاحق والتعامل اللاحق وقواعد القانون الدولي القابلة للتطبيق على العلاقات بين الأطراف

قد تتوصل الأطراف إلى اتفاق لاحق متعلق بتفسير المعاهدة بعد إبرامها، ويمكن أن يتخذ هذا الاتفاق أي شكل تختاره أطرافها. ويُقصَد بالتعامل اللاحق الطريقةُ التي تُنفِّذُ بها الأطراف المعاهدةَ، والتي تعدّ بمنزلة تفسير ضمني أو عملي لها.

  • تفسير المعاهدة في ضوء موضوعها والغرض منها

يختلف تفسير المعاهدات المنشئة للمنظمات الدولية عن تفسير المعاهدات الدولية الأخرى، ويختلف تفسير المعاهدات الأولى حسب ما إذا كانت المنظمة تقوم على مجرد التعاون أو كانت منظمةً اندماجيةً. ويقع على عاتق المفسِّر حين يحتمل النص عدة تفسيرات، حتى لا يصبح لغوًا، أن يرجح التفسير القابل للتطبيق الفعلي، أي التفسير الذي يُعطي النصَّ أثرًا عمليًّا.

  1. الطرق التكميلية أو الاحتياطية في التفسير

يمثل ما سبق القاعدة العامة في التفسير، لكنَّ المفسر يمكن أن يلجأ في مرحلة تالية إلى وسائل تكميلية في التفسير، بما في ذلك الأعمال التحضيرية للمعاهدة وملابسات عقدها، وذلك لتأكيد المعنى الناتج من تطبيق القاعدة العامة، أو لتحديد معنى النص حين يكون من شأن التفسير أن يترك المعنى غامضًا أو غير صحيح، أو أن يؤدي إلى نتيجة غير منطقية أو غير معقولة.

  • ظروف عقد المعاهدة وملابساته

لا يمكن أخذ النص بمعزل عن الظروف والملابسات التي أحاطت بالمفاوضات في شأنه، ولكن اللجوء إلى هذه الظروف والملابسات ينبغي أن يكون في أضيق الحدود.

  • الأعمال التحضيرية

يُقصَد بالأعمال التحضيرية المناقشاتُ التي تدور بين الدول المتفاوضة لغاية وضع النص بصيغته النهائية، ولا يُلجَأ إليها إلا لتأكيد المعنى المتوصَّل إليه عبر الوسائل الأولية، أو عند إخفاق هذه الوسائل في استخلاص أثرٍ منتجٍ أو نافع للمعاهدة.

  1. تفسير المعاهدات المحرَّرة بأكثر من لغة

تتضمن المعاهدة عادة النصَّ على اعتبار النسخة المحرَّرة بلغة معينة هي النسخة الرسمية، وتُفسَّر المعاهدة في هذه الحالة وفقًا لهذه النسخة. وإذا وُثِّقتْ المعاهدة بلغتين أو أكثر، يكون لنصها بأي من اللغات القوة نفسها، ما لم تنص المعاهدة أو تتفق الأطراف على أنه عند الاختلاف يسود نص معين (م/33 (1) من اتفاقيتَي ڤيينا).

حكم التعارض بين المعاهدات والقانون الداخلي

إنّ القضاء الدولي مستقرٌ على أنه في حالة التنازع بين القانون الوطني والالتزامات الدولية تكون الأعلوية للقانون الدولي الذي يسمو على القانون الداخلي بمجمل قواعده. وتتباين مواقف الدول من مسألة نفاذ القانون الدولي داخل الدولة ومن مكانته في النظام القانوني الداخلي[12].

أما موقف القضاء الداخلي في حالة التنازع بين القانونين، فإن الدساتير الوطنية تولي عنايتها ببيان الجهة المختصة بإبرام المعاهدات، وهذه الجهة هي في العادة رأسُ الدولة، ولكن بعد الحصول على إذن برلماني بالنسبة إلى بعض أنواع المعاهدات من دون المعاهدات الأخرى، وقد أصبحت هذه الدساتير تُعنى بشكل متزايد بتحديد العلاقة بين القانون الداخلي والقانون الدولي. وتتباين الحلول الدستورية لهذه المسألة؛ ففي عدد قليل من الدول (مثل الأردن وإيطاليا ولبنان وفلسطين) تخلو الدساتير من النص على القيمة القانونية للمعاهدة الدولية، ولكن القضاء الوطني يعطيها قيمة قانونية أعلى من القانون الداخلي، في حين تعطي دساتير عدد أكبر من الدول (مثل مصر والكويت والبحرين وقطر) المعاهدة الدولية قوة القانون الداخلي. وتُقدَّم المعاهدات الدولية على القوانين العادية الداخلية في عدد من الدساتير الوطنية (كما هو الحال في دساتير تونس والمغرب وموريتانيا والجزائر وفرنسا). وأخيرًا، تندر الدساتير التي تجعل المعاهدات الدولية في مركز أسمى من دستور الدولة، أو من القوانين العادية، والمثال الأبرز عليها هو الدستور الهولندي.

انتهاؤها

يؤدي انقضاء المعاهدة إلى انتهاء العمل بها، ولكن المعاهدة قد تبقى مع إيقاف العمل بها أو تعديلها.

تعديل المعاهدة

تخصص اتفاقيتا ڤيينا لعامَي 1969 و1986 مجموعةً من المواد لتعديل المعاهدات وتبديلها، والهدف من تعديل المعاهدة هو الرغبة في مسايرة أحكامها للظروف التي تستجد مع مرور الزمن. ولا يثير تعديل المعاهدة الثنائية صعوبة تُذكَر في التطبيق، أما تعديل المعاهدة الجماعية، فليس أمرًا سهلًا.

القواعد العامة لتعديل المعاهدات الثنائية والجماعية

تُعدَّل المعاهدات باتفاق صريح بين أطرافها، ولكن ليس هناك ما يمنع من تعديل المعاهدة بالاتفاق الضمني بين الأطراف المستمد من السلوك أو التعامل اللاحق لهم.

  1. التعديل عبر الاتفاق الصريح

تنطبق على تعديل المعاهدة القواعدُ العامة التي تحكم إبرام المعاهدات، ما لم تنص المعاهدة على جواز تعديلها باتباع إجراءات أخرى.

  1. التعديل الضمني للمعاهدة

جاءت اتفاقيتا ڤيينا خاليةً من النص على إمكانية تعديل المعاهدة عبر التعامل اللاحق للدول الأطراف، ولكنّ العمل الدولي والقضاء الدولي مستقران على جواز تعديل المعاهدة عبر تطبيق أحكامها بطريقة معينة، فعلى سبيل المثال، فإن امتناع عضو دائم في مجلس الأمن عن التصويت لا يحول دون اتخاذ المجلس قرارًا ما، وذلك خلافًا لما تنص عليه الفقرة الثالثة من المادة 27 من ميثاق الأمم المتحدة التي تَصدُر قراراتُ المجلس بموجبها في غير المسائل الإجرائية "بموافقة أصوات تسعة من أعضائه، يكون من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة".

تعديل المعاهدات الجماعية

قد يكون تعديل المعاهدات الجماعية باتفاق الأطراف جميعها، وقد يكون باتفاق بعضها من دون بعضها الآخر.

  1. تعديل المعاهدة الجماعية عبر اتفاق مفتوح للدول الأطراف جميعها

تمر إجراءات تعديل المعاهدة الجماعية باتفاق الأطراف جميعها بعدة مراحل؛ إذ تبدأ إجراءات التعديل بمبادرة دولة أو أكثر من الدول الأطراف في المعاهدة، ويتلو اقتراحَ التعديل عادةً مناقشتُه واتخاذُ قرار في شأنه، ويتفاوض ممثلو الدول الأطراف في المعاهدة فيما بينهم على تعديلها، ولكن ذلك يجري في معظم الأحيان إما في مؤتمر دبلوماسي مخصص لهذا الغرض، وإما في نطاق منظمة دولية أو داخلها. ويدخل التعديل في النفاذ بإجماع الدول الأطراف أحيانًا، وبالأغلبية في معظم الأحيان، ولا تلزم التعديلات إلا الدول التي ترتضي بها صراحة.

  1. تعديل المعاهدة الجماعية باتفاق بين بعض أطراف المعاهدة

لا يجوز الاتفاق على تعديل المعاهدة الجماعية بين طرفين أو أكثر إلا إذا كانت إمكانية هذ التعديل منصوصًا عليها في المعاهدة، أو إذا كان هذا التعديل غير محظور فيها، وكان لا يؤثر في تمتع الأطراف الأخرى بحقوقها، أو في أدائها التزاماتِها بموجب المعاهدة، ولا يتعلق بنص يكون الإخلال به غير متسق مع التنفيذ الفعال لموضوع المعاهدة أو الغرض منها.

انقضاء المعاهدة والانسحاب منها وإيقاف العمل بها

قد يكون انقضاء المعاهدة أو الانسحاب منها أو إيقافها لأسباب اتفاقية أو لظروف ووقائع غير اتفاقية.

الأسباب الاتفاقية لانقضاء المعاهدة أو الانسحاب منها أو إيقافها

قد تتضمن المعاهدة نصوصًا صريحة أو ضمنية بشأن انقضائها أو إيقاف العمل بها أو الانسحاب منها، وقد يتقرر ذلك في وقت لاحق بالاتفاق المشترك بين الأطراف.

  1. الانقضاء أو الانسحاب أو الإيقاف وفقًا لأحكام المعاهدة

تنص المعاهدة عادة على مدة سريانها بأجل معين بحيث ينتهي العمل بأحكامها، حكمًا، بحلول هذا الأجل، وتنتهي المعاهدة بتحقق شرط فاسخ منصوص عليه فيها. ولا تنقضي المعاهدة الجماعية لمجرد انخفاض عدد الأطراف فيها عن الحد الضروري لدخولها في النفاذ (م/55 من اتفاقيتَي ڤيينا). وتضع المعاهدات التي تجيز الانسحاب عادة شروطًا معينة له، وقد تجيز المعاهدة إيقاف العمل بها لجميع أطرافها أو لطرف معين فيها.

وتنقضي المعاهدة بطبيعة الحال بتنفيذها تنفيذًا كاملًا. ويُثار التساؤل حول إمكانية نقض المعاهدة أو الانسحاب منها في حال عدم النص على ذلك، وهنا يُلحَظ أن العمل الدولي مستقر على أن التحلل من المعاهدة من جانب واحد غير جائز ومخالف للقانون الدولي، ما لم تنص المعاهدة صراحة على خلاف ذلك.

  1. الانقضاء أو الانسحاب أو الإيقاف باتفاق لاحق

تُعدّ المعاهدة عملًا اتفاقيًّا، ومن ثَمَّ يمكن لأطراف المعاهدة الاتفاق بعد إبرامها على انقضائها أو الانسحاب منها أو إيقاف العمل بها، وهذا الاتفاق قد يكون صريحًا أو ضمنيًّا.

الأسباب الخارجية (غير الإرادية) لانقضاء المعاهدة أو الانسحاب منها أو إيقاف العمل بها

قد تنشأ الأسباب الخارجية لانقضاء المعاهدة أو الانسحاب منها أو إيقاف العمل بها نتيجة لسلوك بعض الأطراف، ولكن بعضها الآخر ليس له صلة بهذا السلوك.

  1. الأسباب الخارجية التي تنشأ نتيجة لسلوك الأطراف

تتمثل هذه الأسباب في الإخلال الجوهري بأحكام المعاهدة، ويشترط في الإخلال بالمعاهدة الذي يؤدي إلى انقضائها أو وقف العمل بها أن يكون جوهريًّا. ويعدّ التنصل من المعاهدة، بما لا تجيزه الاتفاقية، ومخالفة نص أساسي لتحقيق موضوع المعاهدة والغرض منها إخلالًا جوهريًّا.

ولا تتضمن اتفاقية ڤيينا أي أحكام بشأن أثر اندلاع الأعمال العدائية في المعاهدات. ويختلف أثر النزاعات المسلحة في المعاهدات الدولية[13] حسب نوع المعاهدة، والمبدأ العام هو أن وجود نزاع مسلح دولي أو غير دولي لا ينهي بالضرورة المعاهدات المعقودة بين الدول الأطراف في النزاع، أو بين دولة طرف فيه ودولة ثالثة. وتُعقد بعض المعاهدات خصوصًا لكي تسري أثناء النزاعات المسلحة، ومثالها اتفاقيات جنيف لحماية ضحايا الحروب {{اتفاقيات جنيف لحماية ضحايا الحروب: تتكون اتفاقيات جنيف لحماية ضحايا المنازعات المسلحة من أربع اتفاقيات تعنى بالجرحى والمرضى في الميدان، والجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار، وأسرى الحروب، والسكان المدنيين. عُقدِت هذه الاتفاقيات عام 1949، واستُكمِلت ببروتوكولين عام 1977 خاصين بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية وغير الدولية.}} لعام 1949، ولا تؤثر النزاعات المسلحة في المعاهدات التي تُنشِئ أوضاعًا أو مراكز موضوعية، ومثالها المعاهدات الحدودية، والمعاهدات المنشئة لمنظمات دولية، وتلك المتعلقة بالمجاري المائية الدولية. وليس من غير المعتاد أن تستمر العلاقات الدبلوماسية بين الدول الأطراف في النزاعات المسلحة، كما تستمر المعاهدات المتعلقة بتسوية النزاعات بين الدول بالوسائل السلمية، وتلك المتعلقة بالعدالة الجنائية الدولية، في النفاذ أثناء النزاع المسلح كذلك.

  1. الأسباب الخارجية المستقلة عن سلوك الأطراف

تتمثل هذه الأسباب في استحالة التنفيذ، وفي التغير الجوهري في الظروف، إذ يجوز الاحتجاج باستحالة التنفيذ بوصفها سببًا لانقضاء المعاهدة والانسحاب منها إذا كانت الاستحالة نهائية أو مطلقة. أما إذا كانت الاستحالة مؤقتة، فيجوز الاحتجاج بها بوصفها أساسًا لإيقاف العمل بها فقط.

ويشترط لجواز الاعتداد بالتغير الجوهري في الظروف أن يكون التغير في الظروف التي أُبرمَت المعاهدة في ظلِّها جوهريًّا، وعدمُ توقع أطراف المعاهدة للتغير في الظروف، وأن يكون وجود هذه الظروف "سببًا رئيسيًا لرضا الأطراف بالالتزام بالمعاهدة" (م/62 من اتفاقيتَي ڤيينا). ولا يجوز الاحتجاج بالتغير في الظروف بوصفه سببًا لإنهاء المعاهدة أو الانسحاب منها إذا كانت المعاهدة تُنشِئ حدودًا، أو إذا كان التغير الجوهري في الظروف ناتجًا من إخلال الطرف الذي يتمسك به إما بالتزام يقع عليه في ظل المعاهدة، وإما بأي التزام دولي آخر تجاه أي طرف في المعاهدة (م/62 من اتفاقيتَي ڤيينا).

المراجع

العربية

إبراهيم، علي. الوسيط في المعاهدات الدولية: الإبرام، الشروط الشكلية، الشروط الموضوعية، البطلان، الآثار والتطبيق والتفسير. القاهرة: دار النهضة العربية، 1995.

أبو الوفا، أحمد. الوسيط في القانون الدولي العام. القاهرة: دار النهضة العربية، 1996.

أبو هيف، علي صادق. القانون الدولي العام. الإسكندرية: منشأة المعارف، 1962.

"الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين: قائمة بالاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين (حتى تشرين ثاني/ نوفمبر 2020)". وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية. 17/6/2019. في: https://acr.ps/1L9BPOv

الأمم المتحدة. الجمعية العامة. "تقرير لجنة القانون الدولي: الدورة الثالثة والستون (26 نيسان/ أبريل - 3 حزيران/ يونيه و4 تموز/ يوليه - 12 آب/ أغسطس 2011)". نيويورك: 2011.

الشيشكلي، محسن. الوسيط في القانون الدولي العام. ليبيا: منشورات الجامعة الليبية، 1973.

عامر، صلاح الدين. مقدمة لدراسة القانون الدولي العام. القاهرة: دار النهضة العربية، 2007.

عبد الحميد، محمد سامي ومصطفى سلامة حسين. القانون الدولي العام. لبنان: دار الجامعية، 1988.

علوان، محمد يوسف. القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر. عمّان: دار وائل، 2022.

كروفورد، جيمس (محرر). مبادئ القانون الدولي العام لبراونلي. ترجمة محمود محمد الحرثاني. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022.

المجذوب، محمد. القانون الدولي العام. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2004.

الموسى، محمد خليل. القانون الدولي (مدخل لدراسة البينة والتكوين): تاريخه، طبيعته، مصادره وتدرج قواعده. عمّان: دار الثقافة، 2023.

الأجنبية

Aust, Anthony. Modern Treaty Law and Practice. Cambridge: Cambridge University Press, 2000.

Bastid, Suzanne. Les traités dans la vie internationale: conclusion et effets. Paris: Economica, 1985.

Dinh, Nguyen Quoc et al. Droit International Public. 8th ed. Paris: LGDJ, 2009.

Shaw, Malcolm N. International Law. 6th ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.

[1] للمزيد من التفاصيل عن المعاهدات الدولية، يُنظر: أحمد أبو الوفا، الوسيط في القانون الدولي العام (القاهرة: دار النهضة العربية، 1996)؛ جيمس كروفورد (محرر)، مبادئ القانون الدولي العام لبراونلي، ترجمة محمود محمد الحرثاني (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)؛ صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة القانون الدولي العام (القاهرة: دار النهضة العربية، 2007)؛ علي إبراهيم، الوسيط في المعاهدات الدولية: الإبرام، الشروط الشكلية، الشروط الموضوعية، البطلان، الآثار والتطبيق والتفسير (القاهرة: دار النهضة العربية، 1995)؛ محسن الشيشكلي، الوسيط في القانون الدولي العام (ليبيا: منشورات الجامعة الليبية، 1973)؛ علي صادق أبو هيف، القانون الدولي العام (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1962)؛ محمد المجذوب، القانون الدولي العام (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2004)؛ محمد خليل الموسى، القانون الدولي (مدخل لدراسة البينة والتكوين): تاريخه، طبيعته، مصادره وتدرج قواعده (عمّان: دار الثقافة، 2023)؛ محمد سامي عبد الحميد ومصطفى سلامة حسين، القانون الدولي العام (لبنان: دار الجامعية، 1988).

[2] قضية جنوب غرب أفريقيا (إثيوبيا ضد جنوب أفريقيا، ليبريا ضد جنوب أفريقيا). يُنظر:

International Court of Justice, “South West Africa Cases (Ethiopia v. South Africa; Liberia v. South Africa), Preliminary Objections, Judgment of 21 December 1962”.

[3] لم تكن المعاهدات الجماعية معروفة قبل ذلك، فمعاهدات وستڤاليا المعقودة عام 1648 لم تكن سوى مجموعة من المعاهدات الثنائية. يُنظر:

Suzanne Bastid, Les traités dans la vie internationale: conclusion et effets (Paris: Economica, 1985), p. 25.

[4] Nguyen Quoc Dinh et al., Droit International Public, 8th ed. (Paris: LGDJ, 2009); Anthony Aust, Modern Treaty Law and Practice (Cambridge: Cambridge University Press, 2000); Malcolm N. Shaw, International Law, 6th ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).

[5] International Court of Justice, “North Sea Continental Shelf Cases (Federal Republic of Germany/Denmark; Federal Republic of Germany/Netherlands) Judgment of 20 February1969,” p. 47.

[6] للاطلاع على ما هو معمول به في عدد من الدول، ومن بينها الدول العربية، يُنظر: محمد يوسف علوان، القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر (عمّان: دار وائل، 2022)، ص 211 وما بعدها.

[7] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، "تقرير لجنة القانون الدولي: الدورة الثالثة والستون (26 نيسان/ أبريل - 3 حزيران/ يونيه و4 تموز/ يوليه - 12 آب/ أغسطس 2011)"، نيويورك: 2011، ص 43.

[8] للاطلاع على قائمة المعاهدات التي انضمت إليها فلسطين حتى تشرين الثاني/ نوڤمبر 2018، يُنظر: "الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين: قائمة بالاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين (حتى تشرين ثاني/ نوفمبر 2020)"، وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، 17/6/2019، شوهد في 23/6/2025، في: https://acr.ps/1L9BPOv

[9] International Court of Justice, “Reparation for Injuries Suffered in the Service of the United Nations, Advisory opinion of April 11th, 1949”.

[10] للاطلاع على عيوب الرضا، يُنظر: علوان، ص 296.

[11] يُنظر: المرجع نفسه، ص 309 وما بعدها.

[12] يُنظر: المرجع نفسه، ص 140 وما بعدها.

[13] للاطلاع على مشاريع المواد المتعلقة بآثار النزاعات المسلحة في المعاهدات والتعليقات عليها، يُنظر: الأمم المتحدة، "تقرير لجنة القانون الدولي"، ص 223-283.


المحتويات

الهوامش