تسجيل الدخول

العقل الأداتيّ

(‫Instrumental Reason‬)



الموجز

العقل الأداتي (Instrumental Reason) نمط من التفكير يختزل العقل في أداة تقنية تُعنى بالوسائل، لا الغايات أو القيم الأخلاقية. طوّر كلٌّ من ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو هذا المفهوم في عملهما المشترك جدل التنوير، الذي ألفاه عام 1944. 

تتمحور الإشكالية الرئيسة التي يعالجها نقد العقل الأداتي، حول البيئة الاجتماعية والتاريخية التي أنتجته، والمخاطر الناجمة عن غياب البعد النقدي عنه. فالعقل الذي يفتقر إلى النقد الذاتي وإلى المبادئ الأخلاقية، ينقلب مصدرًا للجهل والخوف، ويسهم في إغلاق فضاءات التعبير، ولا سيما ما يتصل بنقد النظام السياسي والاجتماعي القائم، الأمر الذي يرسّخ آليات الامتثال والطاعة، ويمكّن في الوقت نفسه الأنظمة الشمولية، ولا سيما الفاشية والنازية، من توظيف العقلانية التقنية لتحقيق مشاريعها التسلطية. وتتجلى بهذا أهمية طرح مدرسة فرانكفورت لمفهوم العقل الأداتي في دعوتها إلى تجاوزه لصالح ما أسمته بمفهوم "العقل الموضوعي"، وهو الذي يستند إلى منظومة من القيم الإنسانية الكونية لتحقيق العدالة والحرية والكرامة.

مفهوم العقل الأداتي

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ظلت أهمية العقل ومكانته سائدة في الفلسفة الغربية حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. ثم وفي إثر ما أحدثته النازية والفاشية بها من مآسٍ وويلات، تعرض عقل التنوير (الليبرالي) والعقلانية إلى انتقادات حادة من رواد الماركسية الغربية، مثل جورج لوكاش (Georg Luckacs، 1885-1971)، ورواد مدرسة فرانكفورت و ما بعد البنيوية، مما جعل العقل يواجه أزمة التشكيك في نتاجاته المعرفية وقدراته وحدوده الذاتية والموضوعية، وتمخّض الحال عن نشوء مفاهيم جديدة، مثل: تحطيم العقل، والعقل الأداتي، وأفول العقل[1]

وقد تولّى ماكس هوركهايمر (Max Horkheimer، 1895-1973) وتيودور أدورنو (Theodor Adorno، 1903-1969) صياغة مفهوم العقل الأداتي في كتابهما جدل التنوير في عام 1944، ليشيرا إلى انتزاع العنصر النقدي من العقل ليصبح "أداةً تخدم الوضع القائم" فحسب، خاصة في المجتمعات الصناعية (الرأسمالية الديمقراطية والاشتراكية الشمولية) الذي فيها يتحول الفكر إلى سلعة، وتغدو اللغة السائدة وسيلةً لتسويق السلع. أما العقل فيغدو لا بقاء له حين يتحدد بوصفه إرثًا ثقافيًا يوزع على غايات الاستهلاك، ولا يتعدى دوره حينذاك سوى أن يكون مساعدًا للآلة الاقتصادية التي تشمل كل شيء[2]

وقد انطلق هوركهايمر وأدورنو في كتابهما ذلك من تحليل نقدي لمسار التنوير البرجوازي الأوروبي، لتبيان انحرافه عن غايته الأصلية المتمثلة في تحرير الإنسان من الهيمنة والخرافات، إلى نمط جديد من السيطرة العقلانية التي أفضت إلى تشيّؤ الإنسان، وتعميق اغترابه، وتحويله تدرّجيًا إلى سلعة وأداة. وهما في هذا الكتاب يحاججان بأن هيمنة العقل الأداتي قد أدت إلى إخضاع الناس للنظام البرجوازي وقيمه النفعية، ما أسهم في إعادة إنتاج أشكال جديدة من العقل الأسطوري، بدلًا من القضاء عليه كما وعد مشروع التنوير، إذ أعيد تشكيل الأسطورة في صورة تقنيات ومؤسسات، وبنى اجتماعية لا تقبل التشكيك أو النقد، فيجد الفرد نفسه في المجتمع الحديث محاصرًا في أفق فكري مغلق أحادي البُعد.

وظّف هربرت ماركوزه (Herbert Marcuse، 1898- 1979) المفهوم نفسه في نظريته، التي عرض لها في كتابه: الإنسان ذي البعد الواحد، عام 1964، والذي فيه توسّعٌ في بيان آثار العقل الأداتي الفردية والاجتماعية، وكيف قد غدا أداةً لخلق أدواتٍ أخرى، لا تلج في العالم الإنساني فحسب، بل في عالم الأشياء، أو عالم الآلات والأدوات المفتقر إلى الأحاسيس الإنسانية، والذي جعل من الفرد والمجتمع في حالةٍ شبيهة بحالة المجتمعات البدائية التي يَسود فيها ما يريده النظام الاجتماعي القائم فقط. 

وقد جادل ماركوزه بأن الانسان ذا البعد الواحد لم يخسر ذاته وملكته العقلية جراء وعيه الزائف وانغماسه في عالم الأشياء فقط، بل انقطعت أيضًا أواصره الاجتماعية مع أقرانه، ليهيمن العقل الأداتي على عواطفه وسلوكه، ويدخله في حالة تفضي به إلى الاغتراب[3].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

العقل الأداتي وعقلانية عصر التنوير

يرى هوركهايمر أن النظام الديمقراطي الحديث قد أنشأ مبدأ حكم الأكثرية على افتراضات فلسفية تأملية، ذات جذور دينية وأسطورية، لا عقلية، مثل اعتقاد جون لوك (John Locke، 1632- 1704) بأن حكم الأكثرية في العقد الاجتماعي منبثق عن الطبيعة الإنسانية[4]، خاصة عندما تحولت فكرة حكم الأكثرية، بعد فصلها عن أساسها العقلي الموضوعي، إلى مظهر من مظاهر اللّاعقلانية، وأصبحت نواة لأسطورة جديدة لا عقلية، ما جعل التقدم العقلاني للتنوير يرتدّ مرة ثانية إلى الخرافة والارتياب المرضي، وتغدو فيه فكرة حكم الأكثرية (المدعومة بتقنيات الاتصال الحديثة) هي القوة السيادية التي ينبغي للعقل الخضوع لها[5]. وبهذا تحول الوعي الاجتماعي المتولد من التنوير إلى وعي زائف، ناجم عن اغتراب الإنسان عن الواقع المادي الذي صنعه بنفسه؛ إذ أعاد عقل التنوير إحياء العقل الأسطوري عن طريق التصنيع والعلوم، كما سعى إلى الاندماج مع الطبيعة المادية ومحاكاتها بصورة كلية. 

على أنه لا ينبغي البحث عن تفسير ظاهرة ارتداد عقل التنوير إلى الخرافات والأساطير القومية ومثيلاتها، حيث إن مكمن الخلل كان واقعًا في فكرة "عقل التنوير" ذاته[6]، من حيث إنّ هذه العلل قد أثرت في حركة التنوير، وأدت إلى قيام عالمين متعارضين: أولهما عالم التشيؤ، والظواهر المادية في المجتمع الرأسمالي الحديث، الذي يغدو فيه التشيؤ وعالم السلع أمرين متماثلين تقريبًا (وفق أدورنو خاصًة)، إذ تكون السلع مستقلة عن شروط إنتاجها، وناشرة للوعي الزائف، في ظل ارتفاع المستوى المعيشي للمرء وإشباع حاجاته المادية. وثانيهما هو عالم الجوهر وما وراء الظواهر المتعلقة بإنتاج السلع، إذ ترى البنية الأيديولوجية للرأسمالية أن البشر ليسوا أحرارًا على الرغم مما يعتقدون به؛ إذ إن "لديهم أشكالًا مقيدة من الفكر والفعل مفروضة عليهم من قبل الأوضاع الاجتماعية القائمة للإنتاج الرأسمالي، وهم يعيشون في عالم قد تحول إلى سجن في الهواء الطلق"[7]

وبذلك حل العقل الأسطوري محل عقل التنوير، وغدا قوةً شمولية أدت إلى اغتراب الإنسان عن الموضوعات والأشياء التي تقع تحت هيمنته وسيطرته الملموسة، وأصبح الجانب اللّاعقلاني من الإيمان والمعتقدات بمثابة المصدر الرئيسي للعقلانية الذي يستقي منه المتنورون أفكارهم وطروحاتهم ليقودوا المجتمع إلى الأنظمة الاستبدادية والشمولية، لكونها تستخدم وسائل وآليات التنوير نفسه، للوصول إلى الإدماج القسري لسائر الطبقات الاجتماعية والهويات الثقافية. وعلى الرغم من درجة الاختلاف بين عقل التنوير (الليبرالي) والأنظمة الشمولية، فإنها تبقى موجهة نحو تذويب أفراد المجتمع وخصوصياتهم في بوتقة النظام الصناعي الحديث، ما يؤدي إلى تحويل الأفراد عمليًا إلى مجتمع منظم يتكون من نسخ فردية متطابقة، يستهلك أعضاؤه المواد والسلع والأفكار والقيم نفسها، ويكونون مجتمعًا ذا تفكير أحادي لا يكاد يشتمل على أية خصوصية فردية أو تنوع ثقافي أو سياسي[8].

العقل الأداتي وعقلانية ماكس فيبر

تأثر هوركهايمر وأدورنو وماركوزه بطروحات ماكس فيبر (Max Weber، 1864-1920)، ولا سيما في معالجتهم لموضوع السيطرة التكنولوجية أو العقلانية الأداتية في المجتمعات الصناعية المتقدمة[9]. ففيبر كان ينظر إلى العقلانية على أنها مرحلة متقدمة للمجتمع الحديث، تهيمن فيه عدة أشكال للعقلانية، مثل: العقلانية الأداتية أو الغائية على الصعيد الاقتصادي والمعرفي، والعقلانية الشكلية، أي الامتثال للقواعد المجردة والموحدة، والاعتقاد بشرعية النظام السياسي، على الصعيدين القانوني والبيروقراطي، والعقلانية القيمية، بمعنى الاعتقاد بالأولوية المطلقة للقيم التي تحدد مسار العمل وتقسيمه، فلا يهتم الفرد بالنتائج المتوقعة لتصرفاته. 

وهكذا تكون الغلبة في هذا المجتمع للعقلانية الأداتية بصورة تدريجية، بسبب تحرر العقل من الوهم والخرافة والأسطورة التي كانت سائدةً في المجتمعات التقليدية، فتتطابق دائرة العقلانية القيَمية مع مفهوم السيطرة العقلانية على الأنشطة الإنسانية، الأمر الذي كان يعني لديه أن العقلانية القيمية تنقلب إلى عقلانية أداتية، من أجل أن الصراعات بين منظومات القيم كانت تغدو غير قابلة للحل[10]

أعاد هوركهايمر توظيف تلك الأطروحات التي قدّمها فيبر، ضمن إطار النقد الاجتماعي الجذري لعقلانية المجتمع الحديث. فأقرّ بأهمية ما ذهب إليه فيبر في توسيعه سلطة البيروقراطية واحتكارها للمعرفة، وفصله بين القيم والمعرفة العلمية، ولكنه أخذ عليه انحيازه إلى العقلانية الأداتية، وأسر المجتمع الحديث فيها، محاججًا بأن العقل نفسه قد تحول لدى فيبر إلى مجرد عقل وظيفي منزوع عنه القدرة على التوجيه القيمي، ومختزل للقيم والمثل الأخلاقية والروحية، إلى مجرد وقائع قابلة للفحص والتحليل التجريبي، شأنها شأن الأشياء والسلع [11].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

العقل الأداتي وظاهرة التشيؤ

فسّر هوركهايمر وأدورنو ظاهرة التشيؤ بأنها بيئة منشئة للعقل الأداتي، لأنها ترتبط بظاهرة انحراف التنوير عن أهدافه، وتحول بنيته الفكرية الليبرالية عن غاياتها الجوهرية. وتعني ظاهرة التشيؤ، وفقًا لمنظورهما، تحويل الإنسان إلى مجرد شيء، لا يتمتع بهوية اجتماعية وثقافية مميزة. وهي تنعكس في طريقة تفكيره وسلوكه، فيكتسب العقل الخصال الشيئية (المادية) للطبيعة في تعاملاته ومنظوراته إلى ذات الانسان ومحيطه[12]. وينتقد الفرانكفورتيون الأوائل التنويرَ الأوروبي إبان القرن الثامن عشر، لاعتقادهم بأن التنوير برجوازي في الأصل، ويعاني من علل ذاتية تمنعه من تحرير الإنسان من الاستبداد والخوف والخرافة[13]. وتتوزع هذه العلل، وفق هوركهايمر خاصة، على عدة جوانب، منها: الاندماج بين الإنسان والطبيعة الناتج عن النقص في المنظور التنويري الذي يدمج الإنسان والطبيعة في كيان واحد، وينزع عن الإنسان خصاله الإنسانية، ويتعامل معه كالأشياء والمواد القابلة للقياس والتقييم، ويغدو موضوعًا قابلًا للسيطرة والتحكم[14]؛ إضافة إلى التناقض بين غاية التنوير وكيفية تعامله مع الأسطورة. فعلى الرغم محاولات التنوير للقضاء على هيمنة العقل الأسطوري، فإنه حين دخل ميدان النشاط السياسي أعاد إنتاج أساطيره الخاصة في هيئة عقلانية، مثل تقديس العقل، والقانون الطبيعي، وسيطر بهذا الناتج الجديد على وعي الأفراد. فمارس الدور نفسه الذي قامت به الخرافات والأساطير والأديان في المرحلة التقليدية من حياة الإنسان.

العقل الأداتي والعقل الموضوعي

يمكن التمييز بين نوعين متداخلين من عقل التنوير، على الضد من العقل التقليدي أو الأسطوري، وهما: العقل الأداتي، والعقل الموضوعي، فيعدّ العقل الموضوعي ملكة ذهنية وقوة فاعلة في عالم الطبيعة والعلاقات بين البشر والمؤسسات الاجتماعية، يروم بناء نسق شامل، أو نظام تراتبي كلي، يحدد درجة عقلانية حياة الإنسان، إذ يركز على الغايات لا الوسائل، وتنصب جهوده الفكرية على التوفيق بين النسق العقلاني والوجود الإنساني، بما يحقق مصلحة الفرد الذاتية، مرتكزًا على جملة من المفاهيم القيمية، مثل العدالة والمساواة وفكرة الخير الأسمى[15]. فيما يعدّ العقل الأداتي ملكة ذهنية ذاتية فقط، تُعنى بالتنسيق بين وسائل المرء وغاياته، وترى أن الغايات معقولة من منظورٍ ذاتي، تخدم مصلحة الفرد الذاتية وتحافظ على بقائه.
وقد طمح دعاة العقل الموضوعي، أي فلاسفة التنوير، إلى إحلال الفكر والمعرفة الفلسفية المنهجية محل الدين التقليدي والفكر الفلسفي الأُسطوري، ليصير العقل الموضوعي مرجعًا بذاته للتقاليد الموروثة. لكنهم فشلوا في تحقيق غايتهم، ما أدى إلى الهيمنة التدريجية للعقل الذاتي على العقل الموضوعي، واقتنع الناس بأن الفلسفة والدين فرعان من فروع الثقافة، لكل منهما استقلاله الثقافي الخاص. وأفضى هذا الفصل بينهما إلى تحييد الدين وإفراغه من محتواه القيمي، فاختُزل إلى مجرد سلعة ثقافية إلى جانب سلع ثقافية أخرى. كما سقط العقل الموضوعي في دائرة الإهمال، إذ صار التأمل العقلي مرادفًا للميتافيزيقيا، التي غدت مرادفةً للأُسطورة والخرافة.

ولا يعد العقل النفعي ملكةً ذهنية مستقلة بذاتها، إزاء كل من العقل الأداتي والعقل الموضوعي، بل هو شكل متطرف للعقل الذاتي (الأداتي)، لأنه يحول الأخلاق إلى حساب كمي محسوس، فتغدو القيم والمثل الأخلاقية صالحةً ما دامت نافعة للفرد، لا لكونها خيرًا في ذاتها. فالمصلحة الذاتية والأنانية هي الأساس الوحيد للأخلاق، والعقل أداة للحفاظ على حقوق الإنسان الفردية، وأداة لنشوء الالتزامات الاجتماعية والسياسية وضمان الحقوق الفردية، على حساب العقل الموضوعي الذي يربط الوسائل بالغايات الأخلاقية[16].

العقل الأداتي والأنظمة الاجتماعية

يذهب هوركهايمر وأدورنو إلى أن عقل الانسان في سياق سيطرته على الطبيعة ينغمس فيها، ويغدو واقعًا في دائرة الوعي الزائف. فتبدو نزوات العقل ورغباته ككل القوى الطبيعية الخارجية نزوات ورغبات حية ذات أصل "إلهي أو حتى شيطاني" لدى الأفراد، لأن التنوير يعتمد على العقل المجرد وإرادة الإنسان الذاتية[17]. وهذه العلاقة بين السيطرة على الطبيعة وظاهرة تماهي الأفراد مع بعضهم، أو مع قوى الطبيعة، تدفع العقل نحو التشيؤ، وتخلق أيضًا العقل الأداتي، بوصفه مرحلة متقدمة من التشيؤ، والتي لا تظهر إلا في ظل الرأسمالية الصناعية. كما يتجذر العقل الأداتي في عالم السياسة أيضًا، ولاسيما في تفكير النخبة الحاكمة وطريقة تعاملها، إذ يعجز أبناء الطبقات السفلى عن انتهاج التمرد والثورة على النظام السياسي والرأسمالي، نظرًا إلى إشباع غرائزهم ورغباتهم جراء التراكم الكمي للخيرات والمنافع التي يوفرها النظام الرأسمالي نفسه، ما يخلق وعيًا زائفًا لدى الناس بعدم وجود ظاهرة التشيؤ. فالعقل الأداتي يعنى باستهلاك الأشياء والدعاية لها، ما يجعل الناس أقل قيمةً ومكانةً [18]. وهو كذلك ما ذهب إليه ماركوزه كذلك من وجود هدف إيديولوجي وراء الرأسمالية الصناعية، هو خلق إنسان السوق ذي الفكر والسلوك الأُحادي، من خلال فرض احتياجات زائفة على المرء، تجعله يسعى دومًا وراء إشباعها. ما يؤدي إلى حرمانه من إنسانيته وحريته، فقدرة الفرد على الاختيار بحرية بين البضائع والخدمات لا تعني بالضرورة أنه حر. فما دامت الرقابات الاجتماعية مفروضة عليه، وما دام هو نفسه مستلبًا، سيتحول بالنتيجة إلى كائن استهلاكي[19]. وعندها، عندما يتماهى الأفراد مع طبيعة الأشياء المادية المنظمة، تُستلب قدراتهم الطبيعية وحرياتهم الفردية وقدرتهم على التفكير النقدي، ويتحول وجودهم الإنساني إلى العدم، فيعجزون عن الثورة ضد النظام الرأسمالي والإطاحة به، وتبقى التكنولوجيا خاضعة لملكية الرأسماليين الذين يستخدمونها لتحقيق مصالحهم الخاصة وفرض سيطرتهم على طبقة البروليتاريا واستغلالها، ثم إضعاف مقدراتها النقدية وتفتيت علاقاتها الاجتماعية، للحد من قدرتها على التمرد والثورة إزاء هذا النظام[20].

وقد لا تنحصر ظاهرة انتفاء المعارضة على الصعيد السياسي وفي أوساط البروليتاريا فحسب، بل يمكن أن تشمل المجتمع بأكمله أيضًا​. وإذا ظهر ما يعارض النظام الاقتصادي أو يهدد بإخلال توازنه، فإنه ينبغي أن يكون جزءًا من النظام عينه، بما يحقق استمراريته، وليس من خارج النظام، كي لا تقود إلى إحداث تغيير جذري فيه[21]. ومن ثَمَّ يؤدي ذلك العجز عن الثورة إلى شيوع القسوة والتطرف والتعصب السياسي والعرقي، من خلال تبني العقل الأداتي للإدماج القسري والاستعباد إزاء الآخرين ممن لا ينتمون إلى النظام القائم. وهذا ما يفسر أسباب العنف والقسوة التي يُمارسها الفرد في النظام الشمولي تجاه مواطني دولته أو الدول الأخرى، كما يفسر السلوك السيكولوجي للفرد من وجهة طاعته العمياء للسلطة السياسية الحاكمة، على الرغم من إيمان ماركوزه بالليبرالية والديمقراطية. وأما هوركهايمر فيرى أن النظام الشمولي في المجتمع المتشيئ يتسم باستعباد أيديولوجي وتوظيف متطرف للهوية العرقية، وكذلك استعباد الأفراد ماديًا عبر وسائل الترغيب والإكراه المادية، لأن العقل الأداتي في ظل النظام الرأسمالي يصبح عقلًا أنانيًا واستغلاليًا عند البرجوازيين والبروليتاريا على حد سواء[22].

ومن هنا يقرّر هوركهايمر أن النظام الديمقراطي، بعد أنْ تنتزع أسسه العقلانية، يصبح مرتهنًا كليًا لما يُسمى بمصالح الشعب، التي تؤديها قوى اقتصادية عمياء، أو واعية بمصالحها بصورة مفرطة، ولا تقدم أي ضمانة مع ذلك تَحُول دون نشوء الاستبداد السياسي. مع ما تفعله من ترسيخ النزعة النفعية للعقل الأداتي في المجتمع البرجوازي، منذ أواخر القرن الثامن عشر، بواسطة نظم التربية والتعليم. فقد ارتكزت المثل الأخلاقية البرجوازية على مبدأ ضبط الرغبات، أي قيام الأنا المجردة، بإرجاء رغباتها المادية الآنية، كما أن الربح الاقتصادي ما عاد يطلب من أجل اللذة لذاتها، بل من أجل تحقيق المزيد من الربح؛ ما يرسخ هذا السلوك النفعي في نفسه حتى يغدو غاية بذاته، لا مجرد وسيلة. ومن ثم، يصبح الفرد مجرد أداة تعمل في خدمة رأس المال. ولا يمكن ترسيخ هذا التوجه الفكري عبر العقل وحده، ولا بالإكراه المادي فحسب. لهذا، يلعب الإيمان الديني دورًا مركزيًا على الصعيد التربوي، إذ يزود الأفراد بالوسائل اللازمة لتنمية الصفات المنشودة اجتماعيًا في أنفسهم. فيغدو العقل قوة غير عقلانية، ويتحول إلى قوةٍ آمرة ذات طابعٍ ديني زائف، تُملي على المرء أنْ يقر بالنفعية الاقتصادية، لتكون قانونًا لسلوكه، وأن يستمر في منافسة أقرانه. ومع مرور الزمن يتوارى هذا الأساس الديني اللّاعقلاني في وعي الأفراد وتفكيرهم العقلاني، فينظرون إلى سلوكهم، من زاوية أنه نتاج لشخصيتهم الذاتية، أو أنه نابعٌ من جوهرٍ إنساني ما[23].

طبيعة المجتمع ذي العقل الأداتي

يشدّد ماركوزه، في معالجته لطبيعة المجتمع الحديث، على القهر العقلي المنطقي الشامل الذي يمارس على حياة الإنسان الباطنة وتفكيره وعواطفه، وعلى مظاهر حياته الخارجية وعلاقاته الاجتماعية. وهذا ما يجسد طبيعة الإنسان ذي البعد الواحد، الذي يستعبده العقل الذي يقوم بتنظيم الإنتاج وتوزيعه في العالم الرأسمالي، بشكل مرتبط بالازدهار الاقتصادي الذي تتمتع به المجتمعات الصناعية المتقدمة، حتى غدا استعبادًا مقبولًا، يحرص عليه ويدافع عنه ضحاياه أنفسهم، لأن الضحايا هم من يستهلكون منتجات المجتمع الصناعي، ويعملون على ضمان استمراره. ويزداد هذا الاستعباد خطرًا حين لا يتخذ صورة السيطرة الصريحة، بل يظهر في صورة إدارة منظمة فحسب، إذ يرتبط القهر المتزايد بالارتفاع الكبير في مستوى المعيشة، وسيادة العقلانية، والسعي إلى الحرية، بما يسمى ظاهرة خداع العقل، أي أن "العقل يخدع ذاته، ويقع في شراك نصبها لنفسه، حين يجعل من التنظيم العقلاني وسيلةً لممارسة الاضطهاد على ضحايا يقبلون اغترابهم، ويعملون بإخلاص على دعم الظروف التي تزيد من اضطهادهم"[24]. على أن ثمة مستوى آخر لهذا القهر العقلي الأداتي عند هوركهايمر وأدورنو، يتمثل في أن النظام الصناعي المتقدم يعنى بالإنسان إما بوصفه زبونًا أو موظفًا، فهو يحث الموظفين دومًا على اعتماد مبدأ التنظيم العقلاني والالتزام به في سياقات عملهم. أما الزبائن لديه، فهم، بوساطة وسائل الإعلام والدعاية، يملكون حرية الاختيار. وفي كلتا الحالتين، فإن الزبائن أو الموظفين يبقون مثل الأشياء، لا يملكون العقل والروح[25]، ويتلقون أوصافهم مباشرةً من السلطة كما يتلقى المستهلكون سياراتهم من وكالات البيع التابعة للمصنّع، فلا يتحقق انتصار الصناعة بإعطاء الفرد كفايته، بل بتنحيته كذات، فكل من لا يندمج في إحدى تلك الصيغتين (الزبون أو الموظف)، تُشلّ قدرته الاقتصادية.

وبهذا يحاصر النظام الرأسمالي أفراد المجتمع جسديًا وروحيًا بصرف النظر عن انتمائهم الطبقي، فالتطور الصناعي والتكنولوجي يجعل الأفراد كتلةً من المستهلكين والأتباع، تُدافع عن نمط حياتها أكثر من الرأسماليين أنفسهم، نتيجة توسيع دائرة الاندماج والتطابق المجتمعي في طريقة التفكير وأنماط الاستهلاك[26]. فيما يؤدي الاندماج الاجتماعي والسياسي إلى إلغاء خصوصية الفرد، وتحويل هويته إلى هويةٍ متشيئة ومسخرة في خدمة التصنيع. ويصبح الأفراد متشابهين ومتساوين ذوي بعد واحد، مفتقرين إلى الاستقلال الذاتي، والإرادة الحرة، والقدرة النقدية[27].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ولعلّ أحد الجذور الفلسفية لهذا التحوّل يعود، في قراءة ليو شتراوس (Leo Strauss، 1899-1973)، إلى فلسفة توماس هوبز (Thomas Hobbes، 1588-1679) الواقعية، فهي تمثّل لديه نقطة الفصل بين العقل الأخلاقي التقليدي والعقل النفعي؛ فقد عدّ هوبز العقلَ عاجزًا بذاته عن إحداث التأثير؛ لأن الكون عصيٌّ على الفهم، مما يجعل العقل يعتمد على نفسه ويصوغ بُناه النظرية بصورة حرة، وينشئ بواسطتها نقطة ارتكازٍ محسوبة عقليًا تمكّنه من السيطرة على الطبيعة. فالعقل عاجز أمام العاطفة والرغبات الطبيعية، لكنه يصبح كلّي الإرادة عندما يتحالف مع العاطفة الأقوى، والتي تتمثل في الخوف من الموت العنيف على يد الآخرين والرغبة بحفظ النفس. وهذه العاطفة وحدها سبب نشوء مجتمعاتٍ كبيرة ودائمة، وهي العاطفة الأكثر عقلانية، والجذر الأصلي للعدالة والأخلاق، وغاية الإنسان الأسمى. ومن ثم لا توجد واجبات مطلقة أو غير مشروطة تملى على الإنسان، بل تصبح الواجبات ملزمة بقدر ما لا تعرض حياته للخطر. فلا تتمثل وظيفة المجتمع المدني (الدولة) في قيام حياة فاضلة أو تعزيزها، بل في حفظ النفس والحقوق الأساسية[28].

المراجع

العربية

بدوي، عبد الرحمن. موسوعة الفلسفة. قُم: منشورات ذوي القربى، 2006.

بيرنز، لورانس. تاريخ الفلسفة السياسية: من ثيوكيديديس حتى إسبينوزا. ترجمة محمود سيد أحمد. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005.

ربيع، محمد محمود وإسماعيل صبري مقلد (محرران). موسوعة العلوم السياسية. الكويت: جامعة الكويت، 1994.

شاتليه، فرانسوا وأوليفيه دوهاميل وإيفلين بيزيه (محررون). معجم المؤلفات السياسية. ترجمة محمد عرب صاصيلا. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1997.

ليشته، جون. خمسون مفكراً أساسياً معاصراً: من البنيوية إلى ما بعد الحداثة. ترجمة فاتن البستاني. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008.

ماركوز، هربرت. الإنسان ذو البعد الواحد. ترجمة جورج طرابيشي. ط 3. بيروت: دار الآداب، 1988.

مجيد، حسام الدين علي. التشيؤ بوصفه مدخلاً إلى الفاشية: قراءة مقارنة بين جورج لوكاش وماكس هوركهايمر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023.

هوركهايمر، ماكس وثيودور ف. أدورنو. جدل التنوير: شذرات فلسفية. ترجمة جورج كتّورة. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006.

ياسين، محمد نعيم. مباحث في العقل: ماهية العقل وعقل التكليف، علاقة العقل بالنص الشرعي، أثر الأمراض العقلية والنفسية على المسؤولية الجنائية. عمّان: دار النفائس للنشر والتوزيع، 2011.

الأجنبية

Bennett, Tony et al. (eds.). New Keywords: A Revised Vocabulary of Culture and Society. Oxford: Blackwell Publishing Ltd., 2005.

Horkheimer, Max. Between Philosophy and Social Science: Selected Early Writings. G. Frederick Hunter et al. (Trans.). Cambridge: MIT Press, 1993.

Horkheimer, Max. Eclipse of Reason. New York: Continuum, 2004.

Ritzer, George. Contemporary Sociological Theory and Its Classical Roots: The Basics. New York: McGraw-Hill Higher Education, 2003.

Solty, Ingar. “Max Horkheimer, a Teacher Without a Class.” Jacobin. 15/2/2020. at: https://acr.ps/hBy6Eqc

Strauss, Leo. Natural Right and History. Chicago: University of Chicago Press, 1965.

Woddis, Jack. New Theories of Revolution: A Commentary on The Views of Frantz Fanon, Regis Debray and Herbert Marcuse. London: The Camelot Press Ltd., 1972.

[1] Genevieve Lloyd, “Reason,” in: Tony Bennett et al. (eds.), New Keywords: A Revised Vocabulary of Culture and Society (Oxford: Blackwell Publishing Ltd., 2005), pp. 298-299.

[2] ماكس هوركهايمر وثيودور ف. أدورنو، جدل التنوير: شذرات فلسفية، ترجمة جورج كتّورة (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006)، ص 14-18، 52.

[3] هربرت ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، ط 3 (بيروت: دار الآداب، 1988)، ص 46-47؛ فؤاد زكريا، هربرت ماركوز (القاهرة: دار الفكر المعاصر للنشر والتوزيع، آب/ أغسطس 1978)، ص 44-45، 48-49.

[4] Horkheimer, Eclipse, pp. 17-20.

[5] Ibid., pp. 21-22.

[6] هوركهايمر، ص 16، 78-79.

[7] جون ليشته، خمسون مفكراً أساسياً معاصراً: من البنيوية إلى ما بعد الحداثة، ترجمة فاتن البستاني (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص 359-360.

[8] حسام الدين علي مجيد، التشيؤ بوصفه مدخلاً إلى الفاشية: قراءة مقارنة بين جورج لوكاش وماكس هوركهايمر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 66-68.

[9] محمد محمود ربيع وإسماعيل صبري مقلد (محرران)، موسوعة العلوم السياسية، ج 1 (الكويت: جامعة الكويت، 1994)، ص362-363.

[10] فيليب رينو، "ماكس ويبر: اقتصادٌ ومجتمع 1922"، في: فرانسوا شاتليه وأوليفيه دوهاميل وإيفلين بيزيه (محررون)، معجم المؤلفات السياسية، ترجمة محمد عرب صاصيلا (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1997)، ص 1225-1226، 1229-1231.

[11] Max Horkheimer, Eclipse of Reason (New York: Continuum, 2004), pp. 5, 52, 55-56.

[12] يُنظر: هوركهايمر، ص 62، 194-195، 211، 280-281.

[13] المرجع نفسه، ص 15-16، 27، 32-33.

[14] المرجع نفسه، ص 33-34.

[15] Ibid, pp. 4, 117-119.

[16] لورانس بيرنز، "توماس هوبز (1588-1679)"، في: تاريخ الفلسفة السياسية: من ثيوكيديديس حتى إسبينوزا، ترجمة محمود سيد أحمد، ج 1 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص 579-583.

[17] هوركهايمر، ص 109.

[18] المرجع نفسه، ص 17-18، 107-109.

[19] ماركوز، ص 34-45، 47-50؛

 Jack Woddis, New Theories of Revolution: A Commentary on The Views of Frantz Fanon, Regis Debray and Herbert Marcuse (London: The Camelot Press Ltd., 1972), pp. 284, 391-392.

[20] George Ritzer, Contemporary Sociological Theory and Its Classical Roots: The Basics (New York: McGraw-Hill Higher Education, 2003), pp. 118-119.

[21] هوركهايمر، ص141، 143.

[22] مجيد، ص 59، 61-62، 235.

[23] Max Horkheimer, Between Philosophy and Social Science: Selected Early Writings, G. Frederick Hunter et al. (Trans.) (Cambridge: MIT Press, 1993), pp. 286-287.

[24] زكريا، ص 44-46.

[25] هوركهايمر، ص 171-172، 179-180.

[26] المرجع نفسه، ص33، 156 ،240؛

Ingar Solty, “Max Horkheimer, a Teacher Without a Class,” Jacobin, 15/2/2020, accessed on 5/7/2026, at: https://acr.ps/hBy6Eqc

[27] هوركهايمر، ص 33-34، 141-160.

[28] Leo Strauss, Natural Right and History (Chicago: University of Chicago Press, 1965), pp. 168-169, 182, 201.

المحتويات

الهوامش