تسجيل الدخول

التثبيت والتعديل



الموجز

التثبيت والتعديل (Anchoring and Adjustment) أسلوب استدلالي في الحكم واتخاذ القرار؛ يبدأ فيه الفرد عند مواجهة تقدير عددي غير مؤكد (أو حكم تقييمي قابل للتعبير عنه على مقياس)، من قيمة أولية تُسمّى "نقطة التثبيت" (Anchor)، ثم يُعدّل انطلاقًا من تلك النقطة للوصول إلى استجابة نهائية. وتتمثل النتيجة التجريبية المميزة في عدم كفاية التعديل؛ إذ تظل التقديرات النهائية منحازة على نحوٍ منهجي نحو نقطة التثبيت، حتى عندما تكون نقطة التثبيت اعتباطية، أو غير مفيدة، أو مُحددة صراحةً على هذا النحو.

ويُعدّ التثبيت والتعديل ظاهرةً أساسية في الاقتصاد السلوكي والتمويل السلوكي، لأنهما يشيران إلى أن التقييمات والتوقعات والنتائج التفاوضية قد تعتمد على قيمٍ مرجعية بارزة لا تُبرّرها العوامل الأساسية بشكل كامل. ففي الأسواق، تشمل المثبتات الشائعة أسعارَ القائمة والأسعار "المقترحة"، وتحققات الفترة السابقة، والتوقعات الحديثة، والأرقام التقريبية، والعروض الافتتاحية في المفاوضات؛ ويمكن أن تؤثر التحيزات الناتجة في الطلب، وتكوين الأسعار، والتعاقد، وكفاءة المعلومات في التوقعات وأسعار الأصول.

جذور الأسلوب وبراهينه الكلاسيكية

رُسّخ مفهوم الاستدلال في برنامج البحث "الاستدلالات والتحيزات {{الاستدلال والتحيز: (Heuristics and Biases) هو برنامج بحثي أطلقه عاموس تڨيرسكي (Amos Tversky​) ودانيال كانمان (Daniel Kahneman) يوثّق كيفية اعتماد الأفراد على طرق اختصار معرفية بسيطة (الاستدلال)، عند إصدار أحكام في ظل عدم اليقين، وكيف تولد هذه الطرق انحرافات منهجية يمكن التنبؤ بها (تحيّزات) عن المعايير المعيارية، مثل نظرية الاحتمالات، وتعظيم المنفعة المتوقعة. وتوفر هذه الأنماط أساسًا لنماذج سلوكية تدمج العقلانية المحدودة، واتخاذ القرارات الحساسة للسياق.}}"، المرتبط بأموس تڨيرسكي ودانيال كانيمان، اللذَين وصفا "التعديل انطلاقًا من مرجع" بأنه أسلوب عام يستخدمه الناس لإجراء تنبؤات عددية عندما يمكن استحضار قيمة ذات صلة، أو حتى قيمة متاحة[1]. وفي عروضهما التوضيحية النموذجية، وُجّهت تقديرات المشاركين نحو القيم الناتجة من أدوات عشوائية، مثل عجلة الروليت، أو نحو حسابات جزئية أولية، أو نحو أسئلة مقارنة، مثل "هل القيمة أعلى أم أقلّ من القيمة ’س‘؟"، على الرغم من أن نقاط البداية هذه لم تكن ذات صلة معيارية بالإجابة الصحيحة[2].

ومع توسع نطاق هذه الظاهرة ليشمل مجالات أخرى غير مهام التقدير المختبرية، وثّق الباحثون تأثيرات التثبيت في مجالات ذات معلومات أكثر ثراءً ومخاطر أكبر، بما في ذلك الأحكام المهنية. ففي دراسة ميدانية حول قرارات تسعير العقارات، تأثّر كل من المبتدئين والخبراء العقاريين بسعر الطلب عند تقدير قيمة العقار والتوصية بأسعار الإدراج، وهو ما يتوافق مع عمليات التثبيت التي تعمل حتى في ظل الخبرة ووفرة المعلومات[3].

التطويرات اللاحقة

نموذج الإتاحة الانتقائية

قدّم فريتز سترَاك وتوماس موسڤايلر "نموذج الإتاحة الانتقائية" (Selective Accessibility Model) بوصفه تفسيرًا بديلًا لآلية التثبيت، من منطلق أن التثبيت لا يحدث بسبب عدم كفاية التكيّف فحسب، بل لأن النقطة الابتدائية المرجعية (المرساة) تؤدي إلى تنشيط انتقائي للمعلومات المتوافقة مع تلك المرساة، فتصبح أكثر حضورًا في الذاكرة؛ وعليه يصبح الحكم النهائي مُنحازًا إلى المرساة الأولية[4].

تحديثات إيبلي وغلوفيتش

عمل نيكولاس إيبلي (Nicholas Epley) وتوماس غلوڨيتش (Thomas Gilovich​) على تعميق فهم آليات التثبيت من خلال سلسلة دراسات أظهرت تمييزًا بين المرساة الذاتية التي يولّدها الفرد (Self-Generated Anchor)، وتلك التي يحصل عليها من مصدر خارجي (Experimenter-Provided Anchor)؛ إذ تتعرض الأولى لسلسلة أكبر من التعديلات من طرف الفرد، حتى الوصول إلى الحد المنطقي بنظره. وبالرغم من أن عملية التعديل تتطلب جهدًا معرفيًا، يميل الفرد إلى التعديل بشكل أكبر قيمًا وعددًا في حالة وجود محفّز[5].

كبح التثبيت

تناولت البحوث اللاحقة طرق التخفيف من التحيزّ نحو التثبيت، ومن أبرزها استراتيجية اعتبار النقيض (Consider-the-opposite)، التي تتضمن طرح حجج معاكسة للمرساة الأولية[6]، أو تذكير الأفراد -بطريقة "الدفع الخفيف" (Nudge)- أن لديهم خيارات متعددة[7]، ما يؤدي إلى تعديلات أكبر على القيمة الابتدائية، ويخفف من أثر التثبيت.

الأهمية الاقتصادية والتطبيقات

لظاهرة التثبيت والتعديل تطبيقات عديدة في الاقتصاد، من أبرزها:

  1. تقييم المستهلك والتسعير: يُعدّ التثبيت ذا أهمية اقتصادية بالغة في خيارات المستهلك، إذ يمكن أن تُشكّل الأسعار المعلنة، والأسعار "العادية"، وأسعار التجزئة الموصى بها، وحتى الأرقام العرضية، نقاطَ انطلاق لتقدير استعداد المستهلك للدفع.
  2. التفاوض والتعاقد: في المفاوضات، غالبًا ما تعمل العروض الأولية بوصفها مرجعيات تؤثر في نطاق التفاوض والتسوية النهائية. وتشير الدراسات التجريبية إلى أن العروض الأولية قادرة على التنبؤ بقوة بنتائج التفاوض، وأن التدابير المضادة (مثل تبنّي وجهات نظر مختلفة أو التركيز الاستراتيجي) يمكن أن تخفف من تأثير هذه المرجعيات، لكنها لا تقضي عليها تمامًا.
  3. الحكم الخبير في البيئات المؤسسية: جرى توثيق ظاهرة التثبيت في المجالات التي يكون فيها صناع القرار متخصصين مدربين، وحيث تترتب على الأحكام عواقب توزيعية أو قانونية. فعلى سبيل المثال، تشير مراجعات عملية صنع القرار في المحاكم إلى أن توصيات الأحكام وغيرها من المقترحات العددية البارزة يمكن أن تعمل باعتبارها مثبتات، ما يؤثر في الأحكام، حتى بين المتخصصين القانونيين.
  4. التنبؤات، والتوقعات الاقتصادية الكلية، والأسواق: في السياقات الاقتصادية الكلية والمالية، استُخدم مفهوم التثبيت لتفسير أنماط التنبؤات المنهجية التي يصعب التوفيق بينها وبين تكوين التوقعات العقلانية تمامًا.
  5. التمويل السلوكي وتوقعات المحللين: تناولت الدراسات التجريبية في مجال التمويل ظاهرةَ التثبيت في توقعات أرباح المحللين وتأثيرها في أخطاء التوقعات وعوائد الأسهم.

القضايا المعيارية والمنهجية

يثير التثبيت والتكيُّف قضيتين مركزيتين في النظرية الاقتصادية:

  1. العقلانية واستخدام المعلومات: نظرًا لأن المعايير المرجعية قد تكون غير ذات صلة من الناحية المعيارية، فإن تأثيراتها غالبًا ما تُفسَّر على أنها انحرافات عن "التحديث البايزي" (Bayesian Updating)، أو "الاستدلال الإحصائي الأمثل" (Optimal Statistical Inference). وفي الوقت ذاته، قد تكون بعض المعايير المرجعية (القيم السابقة، والمعايير المنشورة، وأسعار السوق) مفيدةً في بيئات ذات ارتباط تسلسلي أو معلومات محدودة، ما يجعل من المهم تجريبيًا التمييز بين الاعتماد العقلاني على خطوط الأساس المفيدة، والتحيز الناجم عن المعايير المرجعية غير ذات الصلة، أو ذات الوزن الزائد[8].
  2. التحديد والقياس: يتطلب الفصلُ التجريبي بين ظاهرة التثبيت والظواهر ذات الصلة، مثل الاعتماد على المرجع، أو تحيز التأكيد، أو مجرد التمسك بمعتقدات السلاسل الزمنية، تصميماتٍ تُغيِّر نقاط التثبيت، مع الحفاظ على ثبات المحتوى المعلوماتي، أو تختبر ما إذا كان التأثير يستمر عندما تكون نقاط التثبيت عشوائية أو غير ذات صلة[9]. وتؤكد الدراسات أن التثبيت ظاهرة قوية، ولكنها غير متجانسة؛ إذ تختلف أحجام التأثير وآلياته باختلاف الخبرة، والحوافز، ومعقولية نقطة التثبيت، وبنية المهمة[10].

المراجع

Campbell, Sean D. & Steven A. Sharpe. “Anchoring Bias in Consensus Forecasts and Its Effect on Market Prices.” Journal of Financial and Quantitative Analysis. vol. 44. no. 2 (2009). pp. 369-390.

Epley, Nicholas & Thomas Gilovich. “The Anchoring-and-Adjustment Heuristic: Why the Adjustments Are Insufficient.” Psychological Science. vol. 17. no. 4 (2006). pp. 311-318.

Furnham, Adrian & Hua Chu Boo. “A Literature Review of the Anchoring Effect.” The Journal of Socio-Economics. vol. 40. no. 1. (2011). pp. 35-42.

Mussweiler, Thomas, Fritz Strack & Tim Pfeiffer. “Overcoming the inevitable anchoring effect: Considering the opposite compensates for selective accessibility.” Personality and Social Psychology Bulletin. vol. 26. no. 9 (2000). pp. 1142-1150.

Northcraft, Gregory B. & Margaret A. Neale. “Experts, Amateurs, and Real Estate: An Anchoring-and-Adjustment Perspective on Property Pricing Decisions.” Organizational Behavior and Human Decision Processes. vol. 39. no. 1 (1987). pp. 84-97.

Savani, Krishna & Monica Wadhwa. “Choosing not to get Anchored: A Choice Mindset reduces the Anchoring Bias.” Journal of Experimental Social Psychology. vol. 112. article no. 104575 (2024).

Strack, Fritz & Thomas Mussweiler. “Explaining the enigmatic anchoring effect: Mechanisms of selective accessibility.” Journal of Personality and Social Psychology. vol. 73. no. 3 (1997). pp. 437-446.

Tversky, Amos & Daniel Kahneman. “Judgment under Uncertainty: Heuristics and Biases.” Science. vol. 185. no. 4157 (1974). pp. 1124-1131.

[1] Amos Tversky & Daniel Kahneman, “Judgment under Uncertainty: Heuristics and Biases,” Science, vol. 185, no. 4157 (1974), pp. 1124-1131.

[2] Ibid.

[3] Gregory B. Northcraft & Margaret A. Neale, “Experts, Amateurs, and Real Estate: An Anchoring-and-Adjustment Perspective on Property Pricing Decisions,” Organizational Behavior and Human Decision Processes, vol. 39, no. 1 (1987), pp. 84-97.

[4] Fritz Strack & Thomas Mussweiler, “Explaining the enigmatic anchoring effect: Mechanisms of selective accessibility,” Journal of Personality and Social Psychology, vol. 73, no. 3 (1997), pp. 437-446.

[5] Nicholas Epley & Thomas Gilovich, “The Anchoring-and-Adjustment Heuristic: Why the Adjustments Are Insufficient,” Psychological Science, vol. 17, no. 4 (2006), pp. 311-318.

[6] Thomas Mussweiler, Fritz Strack & Tim Pfeiffer, “Overcoming the inevitable anchoring effect: Considering the opposite compensates for selective accessibility,” Personality and Social Psychology Bulletin, vol. 26, no. 9 (2000), pp. 1142-1150.

[7] Krishna Savani & Monica Wadhwa, “Choosing not to get Anchored: A Choice Mindset reduces the Anchoring Bias,” Journal of Experimental Social Psychology, vol. 112, article no. 104575 (2024).

[8] Sean D. Campbell & Steven A. Sharpe, “Anchoring Bias in Consensus Forecasts and Its Effect on Market Prices,” Journal of Financial and Quantitative Analysis, vol. 44, no. 2 (2009), pp. 369-390.

[9] Tversky & Kahneman, op. cit.

[10] Adrian Furnham & Hua Chu Boo, “A Literature Review of the Anchoring Effect,” The Journal of Socio-Economics, vol. 40, no. 1 (2011), pp. 35-42.

المحتويات

الهوامش