علم الكلام من العلوم الإسلامية الأساسية، ويُعَدُّ عند بعض العلماء "أشرفَ العلوم"، لشرف موضوعه، أي التوحيد وما يتعلق به. ويختص هذا العلم بأسئلة مثل: أأزلي هذا العالَم أم حادث؟ وهل له خالق؟ وإن كان له خالق، فهل يمكن أن يكلّم خلقَه؟ وغير ذلك من المباحث المتصلة بهذه الأسئلة، مما يتعلق بالنبوّات، والشرائع، والبعث بعد الموت، ونحوها. وهو في أصله علم يستند إلى الأدلة العقلية لإثبات أصول الدين، والدفاعِ والمحاجّة عنها في مواجهة الأديان الأخرى؛ وعلى نحو أضيق، لدفاع أصحاب مذاهب اعتقادية ضد مذاهب اعتقادية مخالفة، وإن كانت منتسبةً إلى دين واحد. ويضاف إلى الجانب الدفاعي تحوّل العلم إلى طريقة مدرسيّة منهجية. ويُسمَّى مزاولو هذا العلم والمختصّون به: "المتكلمون". وقد اختلفت مواقف العلماء من هذا العلم، فبعضهم أنكره ونهى عنه، وبعضهم استحسنه مطلَقًا، وبعضهم استحسنه بشروط. وقد مرّ هذا العلم بأطوار مختلفة عبر العصور، إذ بدأت قضاياه بسيطة ساذجة، ثم تعقّدت وتشعّبت بمضيّ التاريخ، استجابة لتعقّد الحياة العقلية بصفة عامة، والانفتاح على مدارس فلسفية، فاستوعب العلم وسائل حجاجية من حضارات وثقافات مختلفة. وكان لهذا التطوّر التاريخي أثره في طريقة علم الكلام وقضاياه وموضوعاته. وفي العصر الحديث، ارتفعت أصوات تطالب بتجديد علم الكلام، وإدخال موضوعات غير تقليدية إلى دائرة اهتمامه، وظهر مصطلح "علم الكلام الجديد" الذي ما يزال موطن أخذ وردٍّ.
تعريفه
يُطلَق مصطلح "الكلام" ويُراد به "علم الكلام" بتعريفات متعددة تختلف بحسب نظرة المعرِّف وفهمه واتجاهه. وتدور تعريفاته على ثلاثة معانٍ رئيسة:
- أولها، اعتبار علم الكلام مجرد معرفة أصول الدين وفهمها على وجه عام، من غير نظر إلى كونه علمًا حِجاجيًا أو جدليًا أو دفاعيًا. وقد نُقل ما يوحي بهذا عن أبي حنيفة النعمان (ت. نحو 150هـ/ 767م)، في الكتاب المنسوب إليه بعنوان الفقه الأكبر[1]، الذي تناول فيه مسائل اعتقادية، كالتوحيد، وأركان الإيمان، والأسماء والصفات، وغير ذلك. ونقل عنه بعض الأحناف المتأخرين، كالبياضي (ت. 1098هـ/ 1687م)، أنه عرّفه بأنه "معرفة النفس ما لها وما عليها. وما يتعلق منها بالاعتقاديات هو الفقه الأكبر"[2]. ولعل سعد الدين التفتازاني (ت. نحو 792هـ/ 1390م) اتجه إلى هذا الاتجاه حين عرَّفه بأنه "العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية"[3]، مع لَحْظِ اشتراطه اليقيني في الأدلة، وكذا ابن الهُمام (ت. 861هـ/ 1457م) الذي وسّع الأدلة لتشمل الظني أيضًا[4].
- أما المعنى الثاني الذي تدور حوله التعريفات، فيتضمن الدفاع عن الملّة وما يقتضيه ذلك من حِجاج وجدال مع مخالفيها، وهو ما يشمله تعريفُ أبي نصر الفارابي (ت. 339هـ/ 950م) بأنه "صناعة [...] يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرّح بها واضع الملة وتزييف ما خالفها بالأقاويل"[5]. وبهذا يكون علم الكلام عنده صناعة (بمعنى ملَكة)، وقدرة راسخة على صوغ الأدلة والبراهين والحجج من أجل الدفاع عن الملّة، ودحض ما يخالفها. ولأبي حامد الغزالي (ت. 505هـ/ 1111م)، أيضًا، ما يشير إلى هذا المعنى[6]. وبنحوِ تعريف الفارابي قال عضد الدين الإيجي (ت. 756هـ/ 1355م)، إلا أنه استعمل لفظة "العلم"، وليس "الصناعة"[7]. لكن بعض الاتجاهات المتفقة مع تعريف الفارابي، حصر الأمر في مذهب السلف وأهل السنة[8]، وليس الملّة. ويميل تعريف ابن خلدون (ت. 808هـ/ 1406م) إلى هذا الحصر، إذ قال إنه "علمٌ يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة"[9]. ولعلّ أبا حيان التوحيدي (ت. 414هـ/ 1023م)، سبق إلى الجمع بين المعنيين الأول والثاني معًا؛ إذ رأى أن علم الكلام باب من "الاعتبار في أصول الدين يدور النظر فيه على محض العقل"، وفي الوقت ذاته أشار إلى جانب الحجاج والمدافعة[10].
- أما المعنى الثالث الذي تدور عليه التعريفات، فمنظورٌ فيه إلى موضوع العلم الذي هو ذات الإله وأسماؤه وصفاته، وأحوال الممكنات، وبعبارة أخرى، هو تعريف يأخذ موضوعَ العلم في الاعتبار، ومن أصحاب هذا الاتجاه شمس الدين السمرقندي (ت. نحو 690هـ/ 1291م) الذي عرّفه بأنه "علم يُبْحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته، وأحوال الممكنات في المبدأ والمعاد، على قانون الإسلام"[11]. وكذلك عرّفه الشريف الجرجاني (ت. 816هـ/ 1413م)، لكنه أضاف قوله: "والقيد الأخير لإخراج العلم الإلهي للفلاسفة"[12]، يعني أن عبارة "على قانون الإسلام"، إنما كانت احترازًا من أجل تمييز مباحث علم الكلام من مباحث الفلسفة في ذلك الزمن، لأن الفلسفة تشاركه البحث في هذه الأمور ذاتها، لكن بنمط مختلف لا يلتزم، بالضرورة، نصوص الشرع القطعية الدلالة. وعرّفه الجرجاني أيضًا بأنه "علمٌ باحث في الأعراض الذاتية للموجود، من حيث هو، على قانون الإسلام"[13]، فأخذ في تعريفه الموجودَ بما هو موجودٌ، أي إنه صار أشبه بالفلسفة، لكنه، مع هذا، احترز بكون ذلك "وفقًا لقانون الإسلام"، أي غيرَ معارِضٍ لنصوص الشرع، وليس منطلقًا مع العقل من دون أي قيود تحدّد اتجاهه، كما هو الحال مع الاتجاه الفلسفي القديم في ذلك الوقت.
تلك المعاني الثلاثة هي أشهر المعاني وأبرزها، وأكثرها تداولًا. ومع هذا، فثمّة معنًى رابع يقوم عليه بعض التعريفات، يُنظَر فيه إلى علم الكلام من حيثُ كونُه وسيلةً معرفيةً منطقية، ومنهجًا استدلاليًّا مميَّزًا، يعتمد على قوانين العقل، واللغة، والنصوص الشرعية؛ فقد عرّفه بعضهم بأنه "علم النظر والاستدلال"[14]، أي علمٌ بقواعد النظر والاستدلال والحجاج، فلم يلتفت هذا التعريف إلا إلى الجانب الإجرائي والاستدلالي، فيكون علم الكلام في هذه الحالة بالنسبة إلى العقائد الدينية، بإزاء المنطق بالنسبة إلى الفلسفة.
أربعة معانٍ، إذن، تراعيها تعريفات علم الكلام، ولكنّ هذه المعاني تنضوي إلى غايتين أساسيّتين؛ غاية دفاعية حجاجية، وأخرى معرفية، وإلى هذا أشار بعض الباحثين المعاصرين[15]. ويشير الباحث الإيراني رضا برنجكار إلى أن الغاية الدفاعية كانت حاضرةً في وعي آباء الكنيسة حين عبّروا عن اللاهوت بأنه "دفاع" (Apology)، وعن المختصّ بذلك بأنه "مدافع" (Apologist)[16]، كما يَلحَظُ أن الاقتصار في بعض التعريفات على ذكر البعد المعرفي وحده "لا يدل على رفضهم البعد الدفاعيّ"، مستدلًا بما هو جليّ في كتب الكلام قاطبةً[17].
أسماؤه
سمّاه أبو حنيفة "الفقهَ الأكبر" من حيث تعلُّقُه بأمهات عقائد الدين، ويُسمّى "علمَ أصول الدين" من حيث عنايته بما لا يتحقق الإيمان إلا به، ولا يقوم الدين إلا عليه، من العلم بالخالق وصفاته، والنبي، وأصول الشرائع، ونحو ذلك. ويُسمّى "علمَ التوحيد" لأن التوحيد هو الأصل الأعظم من مباحثه، و"علمَ الأسماء والصفات" من حيث إنها أهمّ ما يُبحَث في التوحيد، و"علمَ النظر والاستدلال" من حيث إن كل تلك الأصول إنما تثبت بهما، ولأن الاحتجاج والمناظرة لا يقومان إلا عليهما، ويُسمّى كذلك علمَ الاعتقاد، وعلم العقيدة، وعلم العقائد؛ لأنه متعلق بهذا الجانب من الدين، وما يجب على المتديّن اعتقادُه.
سبب تسميته بعلم الكلام
تعددت الآراء في سبب تسمية علم الكلام بهذا الاسم؛ فمن ذلك ما قاله المعتزلي أبو إسحاق بن عيّاش (كان حيًا سنة 321هـ/ 933م)، إنه سُمّي كلامًا "لكثرة ما ينبغي أن يُتكلَّم به حتى تستقر في القلوبِ الأمورُ الغائبة"[18]. وقد سرد الإيجي بعض تلك الأسباب، فقال: "إنما سُمِّيَ كلامًا إما لأنه بإزاء المنطق للفلاسفة، أو لأن أبوابَه عُنوِنَتْ أولًا بـ’الكلام في كذا‘، أو لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه، حتى كثر فيه التناحر والسفك فغلب عليه، أو لأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات، ومع الخصم"[19]. وكرّر التفتازاني هذه الأسباب وزاد عليها أنه سُمّي بذلك "لأنه يورث قدرةً على الكلام في تحقيق الشرعيات [...] ولأنه كثر فيه من الكلام مع المخالفين والرد عليهم ما لم يكثر في غيره، ولأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه، كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام"[20]. ويضيف في موطن آخر أن من أسباب تسميته بذلك "أنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين [...] ولأنه لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرُها بالأدلة السمعية، أشدُّ العلوم تأثيرًا في القلب وتغلغلًا فيه، فسُمِّيَ بالكلام المشتق من الكَلْم، وهو الجرح"[21]. ويرى ابن المطهَّر الحِلّي (ت. 726هـ/ 1325م) أن من أسباب تسميته بذلك أن طائفة من المسلمين لا تحبّ الخوض فيه، فإذا سئلوا عن مسألة من مسائل الأصول قالوا: "نُهِينا عن الكلام في هذا العلم، فاشتُهِر بهذا الاسم"، أو أنه لمّا كان أسبق في المرتبة، كان الكلام فيه أسبق من الكلام في غيره[22]. وإضافة إلى جميع ما سبق، يضيف أحمد أمين (1886-1954) في كتابه ضحى الإسلام أنه سُمّي بذلك لأن مبناه كلامٌ صِرفٌ في العقائد مما لا ينبني عليه عمل، أو لأنهم تكلموا في أشياء سكت عنها السلف[23].
غير أن من الباحثين الغربيين من يفترض أن مصطلح "الكلام" إنما هو ترجمةٌ لكلمة "Logos" اليونانية، وأن لفعلَي "كلّم" و"تكلّم" قرابةً بالكلمة اليونانية "Dialegesthai"، وتفيد المناقشة والتحاور، دلالة على الطابع الجدلي[24]. ولكنّه لم يقدّم أي دليل يثبت هذا الافتراض إلا مجردّ الترجمة التي تصدق على اليونانية كما تصدق على غيرها.
موضوعه
يهتم علماء الكلام بتحديد موضوع هذا العلم، أي طبيعة المباحث التي يختص بها، للتمييز بين ما يصحّ أن يدخل في هذا العلم، وما لا يدخل فيه؛ وللتفريق بينه وبين سائر العلوم الأخرى. فإذا كان الفقه، مثلًا، يهتم بالأحكام الفرعية المتعلقة بأحكام العبادات كالصلاة والزكاة والصيام، وكذلك أحكام المعاملات مثل الزواج والطلاق والبيع والوكالة، وغير ذلك. وإذا كان النحو يهتم بمواضع الكلمات في الجملة، وكيفية إعرابها، مثلًا؛ فإن الكلام يهتم بإثبات وجود الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والنبوّات، ويُعنَى بالطبيعة الوجودية للعالَم، أقديمٌ هو ليس له بداية، أم حادثٌ وُجِد بعد أن لم يكن موجودًا؟ وما موضع الإنسان في هذا الوجود؟ وهل هناك خالق لهذا الكون؟ وهل يمكن أن يفعل هذا الخالق أشياء شريرة أم كل ما يفعله هو الخير؟ وهل وضع خطة محكمة للكون وللإنسان أم خلق الكون وتركه يجري بلا تدخّل؟ وغير ذلك من الأسئلة التي شغلت علماء الكلام، وحولها كانوا يجادلون خصومهم. هذا موضوعه على وجه العموم.
ومع الاتفاق العام على اهتمام الكلام بالعقائد الدينية، فقد اختلف المتكلمون في التحديد التقني لموضوع هذا العلم، وتفاوتت آراؤهم في ذلك، فهناك من يحصر موضوع العلم في ذات الله وصفاته وأفعاله، وهناك من يجعل موضوعه أصول الدين عامّة والعقائد الإيمانية، وهناك من يجعل موضوعه النظر والمعرفة وكيفية الاستدلال وقواعده، وهناك من يوسّع موضوعه ليدخل فيه الموجود بما هو موجود، وهناك اتجاه أوسع يُدخِل فيه المعلوم مطلقًا، فيشملُ العلمَ بالموجودِ والمعدومِ كذلك. ورغم تعدد تلك الآراء وتباينها، فإن الهدف النهائي لها والمقصد الأعلى هو العقائد الدينية والبرهنة عليها بالأدلة العقلية.
يبدو أن المعتزلة، كما يقرر القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت. 415هـ/ 1025م)، يتجهون عمومًا إلى أن موضوع علم الكلام هو التوحيد والعدل، أي ذات الإله وصفاته (وهما مشمولان في التوحيد)، وأفعاله (وتدخل في باب العدل، ومن ذلك النبوات والشرائع)[25]. ويُفهَم من كلام الغزالي أن موضوع هذا العلم هو "النظر" في ذات الله، وصفاته، وأفعاله، وفي الرسول - عليه الصلاة والسلام - وما جاء على لسانه من تعريف الله[26]. وفي موطنٍ ثانٍ يقرر الغزالي أن العلم بالحدود المنطقية وبالأدلة وبشروطها داخلٌ في علم الكلام[27]، ويرى في موضع ثالث أن مادّة الكلام هي التمييزُ بين قوي الأدلة وضعيفها، وصحيحها وفاسدها[28]. وبهذا يكون الغزالي ممن يُدخِل القواعد المنطقية والاستدلالية في موضوع هذا العلم. وفي موطن رابع يشير إلى أن المتكلم ينظر في أعمّ الأشياء وهو الموجود بما هو موجود[29]، وهذا يعني أن موضوع علم الكلام، في وجهة نظره، يتسع للموجود بما هو موجود، وهو ما سيأخذ به بعض المتأخرين. أما الشهرستاني (ت. 548هـ/ 1153م) فينقل قولًا لبعض المتكلمين يشير إلى أن موضوع علم الكلام هو "معرفة" الباري وصفاته، ومعرفة الرسل[30]. لكن بعض المتكلمين، كما ينقل الشهرستاني أيضًا، يرَون أن الأصول، التي هي موضوع العلم، يُعنَى بها "كلُّ ما هو معقول، ويتوصّل إليه بالنظر والاستدلال"[31]. وهكذا يتوسّع موضوع العلم عند هذه الطائفة الأخيرة من المتكلمين ليدخل فيه كلُّ معقول يمكن تحصيله بالنظر والاستدلال، وهذا يشمل الإلهيات وغيرها مما يصحُّ أن ينطبق عليه هذا التعميم، وهو شبيه برأي التفتازاني الذي قرر أن موضوع هذا العلم هو المعلوم من حيث تثبُت به العقائد الدينية، والمعلوم يشمل الموجود والمعدوم[32]. لكن فخر الدين الرازي (ت. 606هـ/ 1210م) يقرر أن "معلوم" هذا العلم هو "ذات الباري وصفاته وما يجب له ويستحيل عليه"[33]، فحَصَرَه في هذه المجالات، ووافقه في ذلك السمرقندي، ولكنه أضاف إلى العلمِ بذات الباري وصفاته العلمَ بأحوال غير الله من الممكنات؛ لاحتياجها إليه[34]. وبهذا يتجاوز موضوع علم الكلام، في نظره، ذات الله وصفاته والرسل إلى الممكنات التي تشمل كل ما هو غير الله. أما ابن خلدون، فيشير إلى أن موضوع هذا العلم هو "الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية"[35]. ويرى ابن المطهّر الحلي، مثلًا، أن موضوع هذا العلم هو الوجودُ المطلق[36]، لكن ابن خلدون يرى أن البحث في الوجود المطلق إنما هو من شأن الفلسفة، أما علم الكلام فينظر في الوجود، لا على وجه الإطلاق، بل من حيث إنه يدُلُّ على المُوجِد، أي الخالق[37].
فائدته وثمرته
لا يكاد يخلو كتابٌ في علم الكلام من التعريج على فوائد هذا العلم ومنافعه، من وجهة نظر المتكلمين، ومما يذكرونه من ذلك: العلم بأصول الدين علمًا يقينيًّا قائمًا على الأدلة والبراهين، حتى يستطيع العارف به أن يتجنّب الخطأ في العقائد؛ لأن الخطأ في مباحث أصول الدين قد يؤدي إلى الكفر أو إلى البدعة. وإذا تحققت صيانة العقيدة، كان هذا أدعى إلى السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة، ذلك أن الإيمان بأن للكون خالقًا، وأنه أرسل أنبياء، وأنزل شرائع تحث الناس على العدل وتوجبه عليهم، وتقيم بينهم آدابًا وقوانين تنظّم أمورهم؛ كل ذلك كفيل بإقامة المجتمعات على الانتظام الذي تستقيم به حياتهم، فضلًا عن السعادة الأخروية المترتبة على النجاة من الكفر وسوء الاعتقاد. ومن فوائد هذا العلم، كما يرَون، تحصيلُ القدرة الراسخة على الاستدلال العقلي، وترتيب المقدمات والنتائج، وشروط الأدلة، والتمييز بين قويّها وضعيفها، مع مهارة الجدل والاحتجاج والمناظرة مع المخالفين، وكل ذلك من أجل إثبات العقائد الدينية بالأدلة العقلية، ودحض العقائد المخالفة لها، والدفاع عن الدين في مواجهة المشككين، وصدّ المنتقِدين أو المهاجِمين من أتباع الديانات المخالفة. كما ذكروا أن من فوائده إرشاد السائلين المتحيّرين وتعليمهم، وهم يقررون أن علم الكلام مفيدٌ في ابتناء غيره عليه من العلوم الشرعية، كعلم أصول الفقه، مثلًا، لأن بعض مسائله مستمَدٌّ من علم الكلام[38].
أهميته ومرتبته بين العلوم الإسلامية
يرى علماء الكلام بعامّةٍ أن علم الكلام هو أهمّ العلوم وأشرفها على الإطلاق، ويعلّلون ذلك باعتبارات مختلفة، يعزون إليها تلك المنزلة العليا التي يمنحونه إياها، فمن الاعتبارات في عدّ هذا العلم أفضل العلوم: أولًا، أفضلية موضوعه، أو كما يعبّرون "شَرَفُ معلومِه"، من حيث إنه يهتم بـ"أشرف الموضوعات على الإطلاق"، أي علم توحيد الله وأسمائه وصفاته، وإثبات الخالق، وغير ذلك من أصول الدين وعقائد الملّة التي لا يقوم الدين إلا عليها. وثانيًا، يقينية منهجه؛ إذ هذا العلم يُفترض أنه مبني على تعاضد الأدلة اليقينية عقلًا وسمعًا. وثالثًا، شرفُ غايتِه، وهي حفظ العقائد الإيمانية وصونها من التشكيك والشبهات والبدع والانحرافات، والدفاع عنها أمام انتقادات الخصوم وهجماتهم، فإن حفظ أصول الدين من الشبهات والانحرافات، والدفاع عنه في مواجهة المشككين؛ يصونان للأمة دينها الذي هو سبب نجاتها، وإذا كان الكفر والبدع أقبح الأشياء، كان ضدّهما أحسن الأشياء. ورابعًا، أولويته، ذلك لأن هذا العلم يختص بأعمّ الأشياء وهو الوجود، وهذا يعني أنه هو الأصل الذي تنبني سائر العلوم عليه، بل إن الأدلة الشرعية والنصوص السمعية لا يمكن إثباتُها وأنها هي الحق من عند الله، إلا بناءً عليه[39].
لكن يعارض بعض القدماء والمعاصرين عدَّ علم الكلام بهذه المرتبة؛ فمن القدماء من يرى أن أشرف العلوم هو التفسير[40]، وبعضهم يرى أنه الفقه[41]، على سبيل المثال. أما من المعاصرين، فلا يرى حسن حنفي (1935-2021)، مثلًا، أن علمًا أشرفُ من علم، ويؤكد أن عبارات من قبيل "أشرف" و"أفضل" ليست عبارات علمية، بل هي أحكام قيمة[42].
حكم تعلمه
كان أهل الحديث عمومًا يذمّون علم الكلام بإطلاق، ويحذّرون منه، حتى لو كان للدفاع عن السنّة وعن عقيدة أهل الحديث أنفسهم، ويرونه بابًا من أبواب الشك والبدعة والكفر، وطريقًا إلى التفرّق والنزاع. وهذا واضح في ما ورد عن أحمد بن حنبل (ت. 241هـ/ 855م) في نصوص كثيرة، منها مثلًا قوله: "لا تجالس أصحاب الكلام وإن ذبوا عن السنة"[43]؛ وكذلك هاجم ابن قتيبة الدينوري (ت. 276هـ/ 889م) علم الكلام في كتابه تأويل مختلف الحديث، والخطّابي (ت. 388هـ/ 998م) في كتابه الغُنيَة عن الكلام وأهله. وألّف الهَرَوِي (ت. نحو 481هـ/ 1089م) كتابه الشهير ذمّ الكلام وأهله. وهذا الفريق يحتج بأن هذا علمٌ لم يعرفه النبي ولا صحابته، وأنه يؤدي إلى التفرق في الدين، وإلى التشكيك في اليقينيّات.
ومع ذلك، فإن الخطّ العام للعلماء والفقهاء في الإسلام يتخذ رأيًا مخالفًا؛ فهذا، مثلًا، أبو الحسن الأشعري (ت. نحو 324هـ/ 936م) تُنسَب إليه رسالة بعنوان استحسان الخوض في علم الكلام ينتقد فيها الناهين عنه، ويردّ عليهم، ويستدل بالأدلة العقلية والنقلية على أنه علم مطلوب، وإن لم تكن مصطلحاته ولا أكثرُ مباحثه معروفة لدى النبي والصحابة.
ومن العلماء من يؤوّل ذم السلف وأهل الحديث المطلق لعلم الكلام بكونهم إنما يقصدون الكلام المذموم الذي يُثبت العقائد الدينية الباطلة التي لا تتفق مع مذهب السلف الصالح، وليس الكلام الممدوح الذي يُثبت العقائد الصحيحة؛ فهذا، كما يفهمون، جائز. ومن هذا الفريق ابن تيمية (ت. 728هـ/ 1328م) الذي صرّح بأن "السلف والأئمة ذمّوا أهل الكلام المبتدعين الذين خالفوا الكتاب والسنّة. ومن خالف الكتاب والسنة لم يكن كلامه إلا باطلًا؛ فالكلام الذي ذمّه السلف يُذمّ لأنّه باطل، ولأنّه يُخالف الشرع [...] ولكنّ لفظ الكلام لمّا كان مجملًا، لم يعرف كثيرٌ من الناس الفرق بين الكلام الذي ذموه، وغيره"[44]، أي إن هناك فرقًا بين الكلام المذموم وغير المذموم.
ومن العلماء من يرى أنه واجب، إما وجوبًا عينيًّا لأن أصول الدين لا يجوز فيها التقليد، ولما فيه من جلب النفع للنفس بمعرفة الله والهداية، ودفع الضرر عن النفس، لأن عدم معرفة المعبود تؤدي إلى الهلاك[45]. وإما وجوبًا كفائيًّا بحيث إذا تعلّمه من يكفي للرد على الشبهات سقط الإثم عن الباقين[46].
أما من أجازه من العلماء، أو قال إنه من فروض الكفايات، فمنهم من جعل ذلك مشروطًا بانتشار البدع، وذلك للتصدّي لها، ومن أبرز أولئك الغزالي، إذ فصّل في حكم تعلّمه تفصيلًا دقيقًا، فقال: "اعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي يُنتَفَع بها؛ فالقرآن والأخبار مشتملة عليه. وما خرج عنهما فهو إما مجادَلة مذمومة وهي من البدع [...] وإما مشاغبة [...] وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين [...] وكان الخوض فيه بالكلية من البدع. ولكن تغير الآن حكمُه؛ إذ حدثت البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة، ونبغت جماعة لفّقوا لها شُبَهًا، ورتبوا فيها كلامًا مؤلفًا، فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذونًا فيه، بل صار من فروض الكفايات. وهو القدر الذي يُقابَل به المبتدعُ"[47]. فموقف الغزالي بحسب هذا النص هو أن الأصل في علم الكلام، مما لم يرد في القرآن والأحاديث، هو أنه لا حاجة إليه إلا عند وجود البدع وانتشارها، وهنا يكون فرضًا كفائيًّا، ولكنّه يكون فرض عينٍ في حق "من اعتراه الشك"[48]. وفي موطن آخر يقول إن علم الكلام فيه منفعة، وفيه مضرّة، فيحرم في حال المضرّة (إن كان سببًا، مثلًا، لإثارة الشبهات والتشكيك في الأدلة)، وهو "باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال أو مندوب إليه أو واجب كما يقتضيه الحال"[49]. وهنا يكون الأمر نسبيًّا، بحسب الأحوال، والموازنة بين النفع والضرر. ومع ذلك، فليس الخوض في علم الكلام من شأن العوامّ، ولهذا ألّف الغزالي كتابه الشهير إلجام العوام عن علم الكلام.
أسباب نشأته
يحيل كثير من مؤرخي الأفكار ظهور علم الكلام إلى عدة أسباب:
- الخلاف السياسي، بعد وفاة النبي محمد، على "الخلافة" و"الإمامة". فيرى مؤرخون أن مشكلة "الخلافة" كانت أهم الأسباب في انقسام المسلمين إلى طوائف مذهبية وسياسية في الوقت ذاته، فظهرت بسبب هذا الخلاف السياسي فرقٌ وطوائف إسلامية متعددة، منها الخوارج، والمرجئة، والشيعة، والقدرية. وكانت كل فرقة من تلك الفرق تؤيّد اتجاهها بمنظومة من الاستدلالات والاعتقادات الدينية. وكان هذا الانقسام سببًا في تحوّل تلك الفرق والطوائف الدينية إلى مذاهب ومدارس عقائدية، تتجادل في ما بينها، وتستعين بالأدلة العقلية والنقلية.
- اختلاط المسلمين بأبناء الدول المفتوحة، وكانوا على أديان شتّى، منها ما يُعدُّ سماويًّا كاليهودية والمسيحية، ومنها ما اختلف المؤرخون في عدّه سماويًا كالصابئية، ومنها ما لا يعد كذلك، كالزرادشتية/ المجوسية، والمانوية، والبرهمية. ومنها ما يقول بالتوحيد، ومنها ما يقول بتعدد القدماء. ولكل دين من تلك الأديان تصورات عن الوجود والإنسان والطبيعة، وقواعد عقلية، ومقولات دينية، ولكل دين أتباع مفكّرون مختصّون يدافعون عن عقائدهم، فخاض المسلمون في هذا الجدل، واستعانوا بكل الوسائل العقلية المتاحة لديهم.
- إن القرآن الكريم ذاتَه يحث على النظر والاستدلال - كما يرى بعض المؤرخين -، ويحفل بالجدل مع المشركين، ومع أهل الكتاب، محتجًّا عليهم بالحجج العقلية، فكان هذا حافزًا إلى التفكير في الوجود وطبيعته، والإنسان ووظيفته، وغير ذلك، والجدل مع المختلفين في الدين.
- تطور المجتمعات؛ فمن الطبيعي بعد استقرار المجتمع العربي المسلم، واتساع موارده، وتشابك علاقاته، أن تتطوّر حياته العقلية، وتتشعّب اهتماماته وأسئلته، وبخاصةٍ في الدين الذي يتديّن به؛ فبعد أن تكون العقائد في بداياتها بسيطة ساذجة، تتدرج في التعقيد، تبعًا لتعقد الحياة وازدياد مشكلاتها وتطوّر العلوم المختلفة، فيظهر الاختلاف في الفهم بين الأتباع، ويُصبَغ الخلاف بصبغة ذات نزوع فلسفي[50].
تاريخه
في القرآن جدلٌ شديد مع خصومه من المشركين وأهل الكتاب، وفيه ردود مبنية على حجاج عقلي لنقد معتقداتهم والرد على انتقاداتهم في زمن تنزّله. وفي عهد النبوة كانت تُثار بين الصحابة أنفسهم أسئلة متعلقة بما غدا موضوعَ علم الكلام، سجّل القرآن الكريم بعضها، وورد بعضها في أحاديث. ومن تلك الموضوعات التي ورد أنهم سألوا عنها: القدر، والعلم الإلهي، وهل تأكل الأرض أجساد الأنبياء؟ وهل رأى النبيّ ربه بعينيه؟ وغير ذلك. وعند وفاة النبي، ادّعى بعض الصحابة أنه لم يَمُتْ، وأنه رُفِع إلى السماء كما رُفع النبي عيسى، أو غاب كما غاب النبي موسى. وحين دُفِن النبي اختلف الصحابة في سقيفة بني ساعدة في من يلي الأمر بعد وفاة الرسول. ثم في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ت. 35هـ/ 656م) تعمّق الخلاف، وكانت نتيجته مقتل الخليفة، فآل الأمر إلى مزيد من الانشقاق، وانقسم الناس بين أتباع الخليفة الرابع عليّ بن أبي طالب (ت. 40هـ/ 661م) و"شيعته"، وبين خصومهم، ورفض معاوية بن أبي سفيان (ت. 60هـ/ 680م) المبايعة حتى يُعاقَب قتلة عثمان. وبهذا نشبت معارك بين الطرفين؛ شيعة علي، وشيعة معاوية، حتى كانت حادثة التحكيم الشهيرة، فظهرت طائفةٌ ثالثة اشتُهرت بأسماء هي المحكّمة، والحرورية، والشُّراة، ثم سُمُّوا الخوارج. وفي زمن عليّ بن أبي طالب، ظهرت طائفةٌ من شيعته تَغلُو فيه تُسمّى السبئية (نسبة إلى عبد الله بن سبأ). وبعد مقتل عليّ استتب الأمر لمعاوية بن أبي سفيان، ولكن بقيت المعارضة حيّة. وكان هناك جدل كبير حول الإمامة، أبالنصّ تكون أم بالاختيار؟ وقد تطوّر هذا الجدل بمرور الزمن، وتأصّل استدلالًا واحتجاجًا. وحدث مزيد من الانقسام بين الشيعة أنفسهم القائلين بالنص على عليّ بن أبي طالب، في من وقع عليه النص أو الوصيّة بعده، فتوزّع الشيعة بين إمامية وزيدية وكيسانية، وغير ذلك. وفي عهد بني أمية ظهر تيار القدرية، وكان من أوائل رجاله التابعي معبد الجهني (ت. نحو 80هـ/ 700م) ثم غيلان الدمشقي (ت. 105هـ/ 723م)، وفي عهد الأمويين كذلك ظهر في خراسان الجهم بن صفوان (ت. نحو 128هـ/ 746م) الذي اشتُهِر أنه كان يقول بالجبر، وصار من يقول بقوله منسوبًا إلى الجهمية، وظهر أيضًا الجعد بن درهم (ت. 124هـ/ 742م) وكان هو والجهم، كما هو شائع، يقولان إن القرآن مخلوق.
وكان من المسائل المثارة وقتها حكم مرتكب الكبيرة، أمؤمن هو أم مسلم فاسق، أم فاسق كافر. وأمامَ هذه المسألة تعددت الإجابات؛ فظهر تيار المرجئة القائلين بأن العمل ليس من الإيمان، وأن مرتكب الكبيرة مؤمن، وتيار المعتزلة القائلين بأن الفاسق في منزلة بين المنزلتين، فليس هو مؤمنًا وليس هو كافرًا، بخلاف الخوارج الذين اشتُهر عن كثير منهم تكفير مرتكب الكبيرة. لعل هذا يشير إلى أن بدء علم الكلام إنما كان للجدل بين المسلمين أنفسهم في مسائل استدعت التعدد والاختلاف، لا تغيب عنها الأوضاع السياسية. لكن مع هذا، كان للاتصال المباشر بين الأقلية المسلمة الفاتحة في العراق والشام ومصر، والأغلبية المسيحية، مع سائر الديانات المستوطنة تلك البلاد تأثيرٌ في الجدال مع المسيحيين واليهود والصابئة والثنويين وسائر الملل المختلفة.
وفي عهد الدولة العباسية، ظهر مصطلح "أهل الحديث"، وكانوا مشارب شتّى، بحسب الأمصار التي ينتمون إليها، حتى كانت المحنة (محنة خلق القرآن) على يد الخليفة العباسي المأمون (ت. 218هـ/ 833م)، واستمرّت بعده في عصر خليفتيه المعتصم (ت. 227هـ/ 842م) والواثق (ت. 232هـ/ 847م) ضد طائفة من أهل الحديث، وهنا تكاملت عقائد محددة سميت بعقيدة أهل الحديث، أو عقيدة أهل السنة والجماعة. وتكاملت عقائد المعتزلة، والشيعة الزيدية، والإباضية. وأسهمت حركة الترجمة في تفسير فلسفات يونانية، وسريانية، وغيرها، أفاد منها المتكلمون، ولا سيما المعتزلة، في جدالهم مع أبناء الديانات المختلفة، وولَّدوا مصطلحات جديدة، وفتحوا باب الطبيعيات في علم الكلام (دقيق الكلام)، فتكلموا في الهوية، والماهية، والجوهر، والعرَض، والجزء الذي لا يتجزأ، وغيرها، كما بدأ الحديث في طرق الاستدلال، ومناهج البحث، كمبحث تقديم العقل على النقل، ودلالة الشاهد على الغائب، وغير ذلك. وانقسم علم الكلام إلى قسمين: جليل الكلام ودقيق الكلام. وكان على نقيضهم أهل الحديث الذين يتمسكون بظواهر النصوص الشرعية، ولا يخوضون في الجدال العقلي وينهون عنه كل النهي. وبين هؤلاء وأولئك ظهرت طائفة تنتسب إلى أهل السنة وأهل الحديث، نزعت إلى الحجاج العقلي لإثبات عقائد أهل السنة. ولأن المعتزلة متَّهمون بنفي الصفات الإلهية، فقد سُمّي ذلك الفريق المناهض لهم من أهل السنة بالصفاتية. ويمثل هذا الفريق عبد الله بن سعيد بن كُلّاب (ت. نحو 245هـ/ 859م)، ويُعرَف أتباعه بالكُلَّابية، وأبو العباس القلانسي (كان حيًا في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي)، والحارث المحاسبي (ت. 243هـ/ 857م). واستمر هذا التيّار على يد أبي الحسن الأشعري الذي غدا إمام الطائفة الأشهر من أهل السنة التي تسمّى الأشعرية/ الأشاعرة. وانتمى إليه جماعة من العلماء المشهورين بالتحقيق والتدقيق. وشاع هذا المذهب وساد ابتداءً من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي حتى هذا العصر. ويمثّل أبو منصور الماتريدي (ت. 333هـ/ 944م) طائفةً لا تقلّ شهرةً عن غيرها من طوائف أهل السنّة، وهي طائفة الماتريدية التي سُمّيت بذلك نسبةً إليه. إضافةً إلى الحنابلة، الذين بدؤوا أهل حديثٍ وأثر، ولكن بعض أئمتهم، كالقاضي أبي يعلى الفراء (ت. 458هـ/ 1066م) وأبي الفرج بن الجوزي (ت. 597هـ/ 1201م) وغيرهما، انفتحوا على المدرسة الكلامية وأفادوا من الحجاج العقلي. وقد شهد علم الكلام على يد الأشعرية مزيدًا من التدقيق والتوليد بامتداد القرون، وانفتحوا عبر الغزالي على المنطق اليوناني والفلسفة السينوية (نسبة إلى ابن سينا)، واعتنوا بهما، وشرحوهما ونقّحوهما وأضافوا إليهما. حتى بدأ فخر الدين الرازي طريقةً في التأليف على غير معهود المتكلمين، فاختلطت مباحث الكلام بمباحث الفلسفة وامتزجت، وسار على هذه الطريقة المتكلم والفيلسوف الشيعي نصير الدين الطوسي (ت. 672هـ/ 1274م)، ونشأ ما يمكن تسميته بـ"علم الكلام الفلسفي" الذي ذاعت طريقته في العجم، وقد اهتمّ متكلمون أشعرية بكتاب تجريد الاعتقاد للطوسي الشيعي، وتداولوه وشرحوه، ومنهم علاء الدين القوشجي (ت. 879هـ/ 1474م) وشمس الدين الأصفهاني (ت. 749هـ/ 1349م)، وبقي جناحٌ في المدرسة الأشعرية محافظًا نسبيًّا على تقليد المتكلمين، ناقدًا اتجاه الرازي وغيره المنفتح على الفلسفة السينوية. وما يزال هذان الاتجاهان حاضرين حتى اليوم في الدرس الكلامي.
وفي منتصف القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، ظهر في مدرسة أهل الحديث والحنابلة تيارٌ جديد يعالج موضوعات علم الكلام بنفس كلامي وفلسفي معًا، على يد المتكلم والفيلسوف الحنبلي أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الذي كان له منهج منفرد في تأسيس المدرسة السلفية على قواعد كلامية وفلسفية، فكان مدرسةً مستقلة، إلى جانب غيرها من المدارس الكلامية. ولئن كانت هذه المدرسة قد انقطعت نسبيًّا بوفاة مؤسسها، فقد أعيد إحياؤها وبعثُها منذ القرن الثامن عشر الميلادي. أما المدرسة الزيدية، فقد احتضنت الفكر الاعتزالي بأصوله الخمسة، وبقيت في إطار علم الكلام التقليدي، مع انفتاح نسبي على التراث المنطقي، بخلاف المدرسة الإمامية الاثني عشرية التي احتوت الفكر الاعتزالي منذ أوائل القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي إلا في مسائل محددة، ونَحَتْ منذ النصير الطوسي نحو علم الكلام الفلسفي، بل يمكن القول إنها أغرقت في الفلسفة السينوية على حساب علم الكلام التقليدي[51].
وفي العصر الحديث، وبعد 12 قرنًا من نشأة علم الكلام، ما يزال الجدال الإسلامي-الإسلامي محتدمًا حول القضايا القديمة عينها، كالأسماء والصفات، والقدر، والكلام الإلهي، وتقديم العقل على النقل، والصحابة، والإمامة، بين سلفية وأشعرية واثني عشرية، وبالطريقة التقليدية في الأعم الأغلب. مع ظهور محاولات طفيفة، بعضها مهم، ضد تيارات لا تنتمي إلى الفكر الإسلامي، فقد دخل جمال الدين الأفغاني (1838-1897) في مناظرة مع أرنست رينان (Ernest Renan، 1823-1892)، نشرت في كتاب بعنوان الإسلام والعلم: مناظرة رينان والأفغاني، دافع فيها الأفغاني عن الإسلام وعن أنه دين العلم والمدنية. وكذلك دخل محمد عبده (1849-1905) في مناظرة قوية، حول الموضوع ذاته، مع وزير الخارجية الفرنسي غابرييل هانوتو (Gabriel Hanotaux، 1853-1944). وهكذا شهد "الدفاع عن العقائد الدينية بالبراهين العقلية" موضوعات جديدة لا تقتصر على المباحث التقليدية المتعارف عليها، وهو ما يمكن عدُّه إرهاصات لظهور ما يسمّى علم الكلام الجديد. وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى السيد أحمد خان (1817-1898) الذي ألف كتابًا بعنوان تبيان الكلام، وأطلق مصطلحَ "إنسانية الأديان"، للفت الانتباه إلى المشترك الإنساني في الأديان السماوية، وتسليط الضوء عليه[52]. وفي أوائل القرن العشرين، ظهر مصطلح علم الكلام الجديد على يد المفكر الهندي شبلي النعماني (1857-1914) الذي اقترح إضافة مباحث الأخلاق والقوانين، وبخاصةٍ ما يتعلق بتعدد الزوجات، والرقّ، والجهاد، ومباحث العلوم الحديثة وعلاقتها بالدين؛ ردًا على منتقدي الإسلام في تلك المسائل؛ إذ تغيّر الزمن، وتغيّرت القضايا الدينية التي تتعرض للنقد[53]. لكن عبد الجبار الرفاعي (1954-) يرى أنه "لا شيء يشبه علم الكلام الجديد في تفكير النعماني"، وأن شيئًا في فكره لا يخرج على "مسلمات الكلام القديم"[54].
وهناك من يَعدُّ محمد إقبال (1877-1938) علَمًا من أعلام علم الكلام الجديد، في ضوء كتابه الشهير تجديد الفكر الديني في الإسلام، ويرى الرفاعي أن هذا الكتاب هو "أول نصٍّ في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد في الإسلام الحديث"[55].
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، وفي نقاش المادية الجدلية وقت انتشارها، ألّف محمد سعيد رمضان البوطي (1929-2013)، كتابه نقض أوهام المادية الجدلية، وكتب محمد باقر الصدر (1935-1980)، كتابه فلسفتنا. وفي نقاش الفكر الإلحادي، ظهر كتاب قصة الإيمان: بين الفلسفة والعلم والقرآن لنديم الجسر (1897-1980)، وكتاب كبرى اليقينيات الكونية للبوطي. ولوحيد الدين خان (1925-2021) جهوده، كسابقيه، في الاتجاه ذاته، فقد ألّف كتبًا كلها يصبّ في الدفاع عن الإسلام بالبراهين العقلية، إضافة إلى محاولات أخرى في نقاش نظرية التطور، والحقوق، وغيرها. كما ظهرت محاولات لتجديد علم الكلام، ومن أبرز ممثليها حسن حنفي، وعبد الجبار الرفاعي. ولا تخلو تلك المحاولات من اعتراضات تنفي عنها أن تكون منتمية إلى علم الكلام، وذلك لاختلاف الماهية، واختلاف الموضوع، واختلاف الغاية والثمرة.
أصالته
تختلف الآراء حول أصالة علم الكلام، أي حول كونه إسلاميًّا صميمًا، أو هو مجرد اقتباس وتقليد لمذاهب وفلسفات غير إسلامية؛ ففي التراث الإسلامي اتجاهات (وبخاصةٍ من أهل الحديث، ثم الحنابلة وغيرهم) تتهم المتكلمين عمومًا والمعتزلة خصوصًا بأنهم استقوا بعض عقائدهم، كنفي الصفات، من مصادر غير إسلامية، كالفلاسفة. وهناك من يدّعي أن مصدر القول بخلق القرآن هو رجل يهودي، وأن معبد الجهني أخذ مذهبه في القدر من رجل نصراني، وكذلك قيل في غيلان الدمشقي. وأن أصل مذهب الرافضة في عصمة الإمام مأخوذ من عبد الله بن سبأ اليهودي، وأن عمرو بن عبيد المعتزلي (ت. 144ه/ 761م) دهري. وهناك من ينسب المتكلمين برمّتهم إلى الزنادقة، وهذا شائع في كتب أهل الحديث.
وفي مواجهة هؤلاء، يرى فريق أن هذا العلم مستمدٌّ من القرآن والحديث، وأن القرآن والحديث والسيرة احتوت حجاجًا عقليًّا وجدالًا مع المخالفين، وأن أصول علم الكلام موجودة في القرآن والأحاديث، وأن إعمال العقل والنظر والتفكّر مما ورد به الأمر الإلهي، ومن الأمثلة القديمة على هذا كتاب استحسان الخوض في علم الكلام المنسوب إلى أبي الحسن الأشعري.
ومن المستشرقين من يرى أن علم الكلام كان "عالةً" على منتجات الفكر الإغريقي والسرياني والأفلاطونية المحدثة والفلسفة الرواقية[56]، وبخاصةٍ بعد مرحلة الترجمة، وأن كثيرًا من المتكلمين إنما هم في الأصل من أبناء البلاد المفتوحة الذين أسلموا، وبقيت رواسب فكرهم السابق بعد إسلامهم. وذهب ذلك الاتجاه من المستشرقين إلى أن التأثر لم يقتصر على طريقة الجدل والحجاج، بل جاوز ذلك إلى المسائل التي احتدم فيها الخلاف المذهبي، كمسألة خلق القرآن، والقدَر، وصفات الله، وغيرها، ومما اعتمدوا عليه تلك الاتهامات "الإسلامية" الموجهة إلى علم الكلام.
وبين هؤلاء وأولئك فريق يرى أن أصل علم الكلام علم مستمدٌّ في قواعده العامة وأصوله من نصوص الإسلام، ولكنه مع هذا تأثّر بالفلسفات الأخرى، وطرق حجاجها، وهذا لا يقدح في أصالته، لأنه استوعب تلك الأفكار والنظريات، وأعاد صياغتها، ووظفها من أجل هدفه الكلي، فمن المستشرقين مثل مايكل كوك (1940-) من يرى أن تقنيات علم الكلام تأثرت بطريقة الجدل الديني التي كانت سائدة في البلاد التي افتتحها العرب المسلمون[57]. ويرى مونتغمري وات (1909-2006) أنهم تأثروا، في اتصالهم بأبناء الدول المفتوحة في العراق والشام، بالأفكار الإغريقية والفارسية والهندية التي كانت سائدة بين سكان تلك البلاد[58]، كما تأثروا ببعض الأفكار المسيحية[59]، مشيرًا إلى أن المسلمين إنما أفادوا من تلك الأفكار في دعم نقاشاتهم الكلامية[60]. وإلى ذلك اتجه أيضًا الكاتب المصري أحمد أمين[61].
المراجع
العربية
ابن أبي العز الحنفي، صدر الدين محمد بن علاء الدين. شرح العقيدة الطحاوية. تحقيق أحمد شاكر. الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية، 1418هـ [1997م].
ابن أبي شريف، أبو المعالي كمال الدين. المسامرة في شرح المسايرة في علم الكلام. بولاق: المطبعة الأميرية، 1317هـ [1899م].
ابن أبي يعلى، أبو الحسين محمد. طبقات الحنابلة. وقف على طبعه وصحّحه محمد حامد الفقي. القاهرة: مطبعة السنة المحمدية، 1952.
ابن المطهَّر الحلي، الحسن بن يوسف. نهاية المرام في علم الكلام: موسوعة كلامية تتعرض لمختلف المذاهب والآراء الكلامية بتجرّد وموضوعية. تحقيق فاضل عرفان. قم: مؤسسة الإمام الصادق، 1419هـ [1998م].
ابن تيمية، أبو العباس تقي الدين أحمد. كتاب النبوّات. دراسة وتحقيق عبد العزيز بن صالح الطويان. الرياض: مكتبة أضواء السلف، 1420ه/ 2000م.
ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. مقدمة ابن خلدون. حقّق نصوصه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه عبد الله محمد الدرويش. ج 2. دمشق: دار البلخي؛ مكتبة الهداية، 2004.
أبو حنيفة النعمان. الفقه الأكبر. حيدر آباد الدكن: مطبعة مجلس دائرة المعارف، 1342هـ [1923م].
الآمدي، سيف الدين. غاية المرام في علم الكلام. تحقيق حسن محمود عبد اللطيف. القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، [1971].
أمين، أحمد. ضحى الإسلام. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2012.
أورفوا، دومينيك. تاريخ الفكر العربي والإسلامي. ترجمة رندة بعث. مراجعة سهيل سليمان. بيروت: المكتبة الشرقية، 2010.
الإيجي، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد. المواقف في علم الكلام. بيروت: عالم الكتب، [د. ت.].
برنجكار، رضا. علم الكلام الإسلامي: دراسة في القواعد المنهجية. ترجمة حسنين الجمّال. بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2016.
البياضي، كمال الدين أحمد بن حسن. إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان في أصول الدين. خرّج أحاديثه ووضع حواشيه أحمد فريد المزيدي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2007.
التفتازاني، سعد الدين. متن تهذيب المنطق والكلام. القاهرة: مطبعة السعادة، 1912.
________. شرح العقائد النسفية. تحقيق أحمد حجازي السقا. القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1987.
________. شرح المقاصد. تحقيق وتعليق مع مقدمة في علم الكلام عبد الرحمن عميرة. ط 2. بيروت: عالم الكتب، 1998.
التهانوي، محمد علي. موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم. تقديم وإشراف ومراجعة رفيق العجم. تحقيق علي دحروج. نقل النص الفارسي إلى العربية عبد الله الخالدي. الترجمة الأجنبية جورج زيناتي. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1996.
التوحيدي، أبو حيّان. كتاب الأدب والإنشا في الصداقة والصديق (ويليه رسالة في العلوم). القاهرة: مطبعة العامرة الشرفية، 1323هـ [1905م].
الحاكم الجشمي. "شرح عيون المسائل". ج 1 (2584a). ورقة 55. ليدن.
حنفي، حسن. من العقيدة إلى الثورة (1). وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2020.
الرازي، فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين. الإشارة في أصول الكلام. حقّقه محمد صبحي العايدي وربيع صبحي العايدي. [عمّان]: مركز نور العلوم للبحوث والدراسات، 2007.
الرفاعي، عبد الجبار. مقدمة في علم الكلام الجديد. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2024.
السمرقندي، شمس الدين. الصحائف الإلهية. حقّقه وعلّق عليه وخرّج نصوصه أحمد عبد الرحمن الشريف. الرياض: [د. ن.]، [د. ت.].
الشافعي، حسن محمود. المدخل إلى دراسة علم الكلام. ط 2. كراتشي: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، 1422هـ/ 2001م.
الشريف الجرجاني، علي بن محمد. معجم التعريفات: قاموس لمصطلحات وتعريفات علم الفقه واللغة والفلسفة والمنطق والتصوف والنحو والصرف والعروض والبلاغة. تحقيق ودراسة محمد صديق المنشاوي. القاهرة: دار الفضيلة، [د. ت.].
شميتكه، زابينه (محرّرة). المرجع في تاريخ علم الكلام. ترجمة أسامة شفيع السيد. تقديم حسن الشافعي. ترجمات 34. بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2018.
الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم. المِلَل والنِّحل. صحّحه وعلّق عليه أحمد فهمي محمد. ط 2. بيروت: دار الكتب العلمية، 1992.
الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. المنخول من تعليقات الأصول. حقّقه وخرّج نصه وعلّق عليه محمد حسن هيتو. بيروت: دار الفكر، 1970.
________. إحياء علوم الدين، وبذيله كتاب المغني عن جمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار. بيروت: دار المعرفة، 1982.
________. قواعد العقائد. تحقيق وتعليق موسى محمد علي. ط 2. بيروت: عالم الكتب، 1985.
________. المستصفى من علم الأصول. قدّم له وحقّق نصه وضبطه وترجمه إلى الإنكليزية أحمد زكي حماد. الرياض: دار الميمان للنشر والتوزيع؛ القاهرة: العالمية للنشر والترجمة والتدريب، 2009.
________. الاقتصاد في الاعتقاد. عُني به أنس محمد عدنان الشرفاوي. جدة: دار المنهاج، 2016.
الفارابي، أبو نصر. إحصاء العلوم. تحقيق علي بو ملحم. بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1996.
القاضي عبد الجبار، أبو الحسن بن أحمد. كتاب المجموع في المحيط بالتكليف. جمع الحسن بن أحمد بن متَّوَيْه النجراني. عني بتصحيحه ونشره الأب جين يوسف هوبن اليسوعي. ج 1. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، [1962].
________. شرح الأصول الخمسة. تعليق أحمد بن الحسين مانكديم. حقّقه وقدم له عبد الكريم عثمان. ط 3. القاهرة: مكتبة وهبة، 1996.
لاوست، هنري. الفِرَق في الإسلام: مدخل إلى دراسة الدين الإسلامي. ترجمة راضي علوش. راجعه وقدّم له رائد السمهوري. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024.
النعماني، شبلي. علم الكلام الجديد. ترجمة وتقديم جلال السعيد الحفناوي. مراجعة السباعي محمد السباعي. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012.
الواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد. الوسيط في تفسير القرآن المجيد. تحقيق وتعليق عادل أحمد عبد الموجود [وآخرون]. قدمه وقرظه عبد الحي الفرماوي. بيروت: دار الكتب العلمية، 1994.
الأجنبية
Cook, Michael A. “The Origins of ‘Kalām.’” Bulletin of the School of Oriental and African Studies, University of London. vol. 43, no. 1 (1980). pp. 32-43.
Laoust, Henri. Les schismes dans l’Islam: Introduction à une étude de la religion musulmane. Paris: Payot, 1965.
Šimko, Ivan. “Parallels of Stoicism and Kalam.” Master Dissertation.
University of Vienna. Vienna. 2008. accessed on 3/1/2024. at: https://acr.ps/1L9BOZi
Watt, W. Montgomery. The Formative Period of Islamic Thought. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1973.
[1] أبو حنيفة النعمان، الفقه الأكبر (حيدر آباد الدكن: مطبعة مجلس دائرة المعارف، 1342هـ [1923م]).
[2] كمال الدين أحمد بن حسن البياضي، إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان في أصول الدين، خرّج أحاديثه ووضع حواشيه أحمد فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2007)، ص 15.
[3] سعد الدين التفتازاني، متن تهذيب المنطق والكلام (القاهرة: مطبعة السعادة، 1912)، ص 15.
[4] يُنظر حديث كمال الدين محمد بن الهمام عن ذلك، في: أبو المعالي كمال الدين بن أبي شريف، المسامرة في شرح المسايرة في علم الكلام (بولاق: المطبعة الأميرية، 1317هـ [1899م])، ص 10.
[5] أبو نصر الفارابي، إحصاء العلوم، تقديم وشرح علي بو ملحم (بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1996)، ص 86.
[6] أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، وبذيله كتاب المغني عن جمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار، ج 1 (بيروت: دار المعرفة، 1982)، ص 97.
[7] عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، المواقف في علم الكلام (بيروت: عالم الكتب، [د. ت.])، ص 7.
[8] الغزالي، إحياء علوم الدين، ص 42.
[9] عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، حقّق نصوصه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه عبد الله محمد الدرويش، ج 2 (دمشق: دار البلخي؛ مكتبة الهداية، 2004)، ص 205.
[10] أبو حيّان التوحيدي، كتاب الأدب والإنشا في الصداقة والصديق (ويليه رسالة في العلوم) (القاهرة: مطبعة العامرة الشرفية، 1323هـ [1905م])، ص 192.
[11] شمس الدين السمرقندي، الصحائف الإلهية، حقّقه وعلّق عليه وخرّج نصوصه أحمد عبد الرحمن الشريف (الرياض: [د. ن.]، [د. ت.])، ص 66.
[12] علي بن محمد الشريف الجرجاني، معجم التعريفات: قاموس لمصطلحات وتعريفات علم الفقه واللغة والفلسفة والمنطق والتصوف والنحو والصرف والعروض والبلاغة، تحقيق ودراسة محمد صديق المنشاوي (القاهرة: دار الفضيلة، [د. ت.])، ص 155.
[13] المرجع نفسه، ص 131.
[14] محمد علي التهانوي، موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم، الجزء الأول: أ-ش، تقديم وإشراف ومراجعة رفيق العجم، تحقيق علي دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية عبد الله الخالدي، الترجمة الأجنبية جورج زيناتي (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1996)، ص 29.
[15] يُنظر مثلًا: ألكسندر تريجر، "أصول الكلام"، في: زابينه شميتكه (محرّرة)، المرجع في تاريخ علم الكلام، ترجمة أسامة شفيع السيد، تقديم حسن الشافعي، ج 1، ترجمات 34 (بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2018)، ص 89-90.
[16] رضا برنجكار، علم الكلام الإسلامي: دراسة في القواعد المنهجية، ترجمة حسنين الجمّال (بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2016)، ص 21.
[17] المرجع نفسه.
[18] يُنظر: الحاكم الجشمي، "شرح عيون المسائل"، ج 1 (2584a)، ورقة 55، ليدن.
[19] الإيجي، ص 8-9.
[20] سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، شرح المقاصد، تحقيق وتعليق مع مقدمة في علم الكلام عبد الرحمن عميرة، ج 1، ط 2 (بيروت: عالم الكتب، 1998)، ص 164-165.
[21] سعد الدين التفتازاني، شرح العقائد النسفية، تحقيق أحمد حجازي السقا (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1987)، ص 11.
[22] الحسن بن يوسف بن المطهَّر الحلي، نهاية المرام في علم الكلام: موسوعة كلامية تتعرض لمختلف المذاهب والآراء الكلامية بتجرّد وموضوعية، تحقيق فاضل عرفان، ج 1 (قم: مؤسسة الإمام الصادق، 1419هـ [1998م])، ص 8.
[23] أحمد أمين، ضحى الإسلام (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2012)، ص 693-694.
[24] دومينيك أورفوا، تاريخ الفكر العربي والإسلامي، ترجمة رندة بعث، مراجعة سهيل سليمان (بيروت: المكتبة الشرقية، 2010)، ص 205.
[25] القاضي عبد الجبار بن أحمد، شرح الأصول الخمسة، تعليق أحمد بن الحسين مانكديم، حقّقه وقدم له عبد الكريم عثمان، ط 3 (القاهرة: مكتبة وهبة، 1996)، ص 122.
[26] أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، عُني به أنس محمد عدنان الشرفاوي (جدة: دار المنهاج، 2016)، ص 69.
[27] الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 1، ص 22.
[28] أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، المنخول من تعليقات الأصول، حقّقه وخرّج نصه وعلّق عليه محمد حسن هيتو (بيروت: دار الفكر، 1970)، ص 3.
[29] أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، قدّم له وحقّق نصه وضبطه وترجمه إلى الإنكليزية أحمد زكي حماد، ج 1 (الرياض: دار الميمان للنشر والتوزيع؛ القاهرة: العالمية للنشر والترجمة والتدريب، 2009)، ص 8.
[30] أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، المِلَل والنِّحل، صحّحه وعلّق عليه أحمد فهمي محمد، ط 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)، ص 36.
[31] المرجع نفسه.
[32] التفتازاني، شرح المقاصد، ص 173.
[33] فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي، الإشارة في أصول الكلام، حقّقه محمد صبحي العايدي وربيع صبحي العايدي ([عمّان]: مركز نور العلوم للبحوث والدراسات، 2007)، ص 53.
[34] السمرقندي، ص 65-66.
[35] ابن خلدون، ص 172.
[36] ابن المطهر الحلي، ص 12.
[37] ابن خلدون، ص 214.
[38] يُنظر مثلًا: ابن المطهر الحلي، ص 6 وما يليها؛ الإيجي، ص 8؛ التهانوي، ص 31.
[39] يُنظر مثلًا: سيف الدين الآمدي، غاية المرام في علم الكلام، تحقيق حسن محمود عبد اللطيف (القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، [1971])، ص 4؛ صدر الدين محمد بن علاء الدين بن أبي العز الحنفي، شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق أحمد شاكر (الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية، 1418هـ [1997م])، ص 17؛ التفتازاني، شرح المقاصد، ص 175 وما يليها؛ الإيجي، ص 8؛ التهانوي، ص 31.
[40] أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، الجزء الأول: سورة الفاتحة – سورة آل عمران، تحقيق وتعليق عادل أحمد عبد الموجود [وآخرون]، قدمه وقرظه عبد الحي الفرماوي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1994)، ص 47.
[41] الغزالي، المنخول، ص 3.
[42] حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة (1) (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2020)، ص 105.
[43] يُنظر مثلًا: أبو الحسين محمد بن أبي يعلى، طبقات الحنابلة، وقف على طبعه وصحّحه محمد حامد الفقي، ج 1 (القاهرة: مطبعة السنة المحمدية، 1952)، ص 334
[44] أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية، كتاب النبوّات، دراسة وتحقيق عبد العزيز بن صالح الطويان، ج 2 (الرياض: مكتبة أضواء السلف، 1420ه/ 2000م)، ص 615.
[45] يُنظر مثلًا: القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد، كتاب المجموع في المحيط بالتكليف، جمع الحسن بن أحمد بن متَّوَيْه النجراني، عني بتصحيحه ونشره الأب جين يوسف هوبن اليسوعي، ج 1 (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، [1962])، ص 24.
[46] يُنظر مثلًا: الغزالي، إحياء علوم الدين، ص 22.
[47] المرجع نفسه.
[48] الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، ص 78.
[49] أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، قواعد العقائد، تحقيق وتعليق موسى محمد علي، ط 2 (بيروت: عالم الكتب، 1985)، ص 99.
[50] للتوسع في هذه الأسباب مبثوثةً، يُنظر: أمين، ص 687 وما بعدها؛ حسن محمود الشافعي، المدخل إلى دراسة علم الكلام، ط 2 (كراتشي: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، 1422ه/ 2001م)، ص 48-50.
[51] للتوسع يُنظر:
Henri Laoust, Les schismes dans l'Islam: Introduction à une étude de la religion musulmane (Paris: Payot, 1965).
وللنسخة العربية، يُنظر:
هنري لاوست، الفِرَق في الإسلام: مدخل إلى دراسة الدين الإسلامي، ترجمة راضي علوش، راجعه وقدّم له رائد السمهوري (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024).
[52] عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2024)، ص 158.
[53] يُنظر: شبلي النعماني، علم الكلام الجديد، ترجمة وتقديم جلال السعيد الحفناوي، مراجعة السباعي محمد السباعي (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012).
[54] الرفاعي، ص 105.
[55] المرجع نفسه، ص 161.
[56] يُنظر مثلًا:
Ivan Šimko, “Parallels of Stoicism and Kalam,” Master Dissertation,
University of Vienna, Vienna, 2008, accessed on 3/1/2024, at: https://acr.ps/1L9BOZi
[57] يُنظر مثلًا:
Michael A. Cook, “The Origins of ‘Kalām,’” Bulletin of the School of Oriental and African Studies, University of London, vol. 43, no. 1 (1980), pp. 32-43.
[58] يُنظر مثلًا:
- Montgomery Watt, The Formative Period of Islamic Thought (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1973), p. 183.
[59] Ibid., p. 99.
[60] Ibid., pp. 99, 184.
[61] أمين، ص 692.